سامية صُلُحو حسن... سياسية «محنكة» تقود معركة توحيد تنزانيا

زعيمة قوية وهادئة وخبيرة متمرّسة

سامية صُلُحو حسن... سياسية «محنكة» تقود معركة توحيد تنزانيا
TT

سامية صُلُحو حسن... سياسية «محنكة» تقود معركة توحيد تنزانيا

سامية صُلُحو حسن... سياسية «محنكة» تقود معركة توحيد تنزانيا

«من الممكن جداً أن تتولى امرأة إدارة هذه البلاد، فلمَ لا؟! وقد نجح ذلك في أماكن أخرى. إذا كان بمقدور امرأة مثلي أن تتولى منصب نائب الرئيس، فما الذي يمنع غيري من تولي منصب الرئيس»، كلمات قالتها سامية صُلُحو حسن، الرئيسة الجديدة لتنزانيا، في حوارها بداية العام الماضي مع محطة الإذاعة الرسمية التنزانية تعليقاً على إمكانية تولي النساء رئاسة الجمهورية، إلا أن حسن التي كانت تتكلّم بشكل عام عن الموضوع، وترى أن بإمكان غيرها من النساء الوصول لمقعد الرئاسة، فوجئت بأن الأقدار تدفعها دفعاً نحو أعلى منصب في كبرى دول شرق أفريقيا من حيث عدد السكان، لتؤدي اليمين الدستورية رئيسةً لدولة تنزانيا، وتكتب تاريخاً جديداً لها ولبلادها أول امرأة مسلمة تجلس على مقعد الرئاسة فيها وفي أفريقيا.
جاء تولي حسن رئاسة الجمهورية في تنزانيا خلفاً للرئيس جون ماغافولي، الذي وافته المنية بعد عامه الأول في فترة ولايته الثانية. ولقد خلفته سامية حسن، التي كانت حتى وفاته تشغل منصب نائب الرئيس، بموجب الدستور التنزاني الذي ينصّ على تولّي النائب مهام الرئيس إذا ما حالت ظروف صحية أو الوفاة دون استكمال مدة ولايته.

أداء سامية صُلُحو حسن اليمين الدستورية جاء بعد يومين من وفاة الرئيس جون ماغوفولي متأثراً - كما هو مرجّح - بإصابته بفيروس «كوفيد 19». وفي ظل هذه الظروف الاستثنائية لم يترافق تولّيها المنصب مع الأجواء الاحتفالية المعتادة في هذه الحالات؛ بل صاحبته حالة حداد على موت الرئيس، واقتصرت المراسم الاحتفالية على إطلاق المدفعية 21 طلقة تحية للقائدة الجديدة للقوات المسلحة.
كذلك كان هناك استعراض فاتر لحرس الشرف، نكّست خلاله الأعلام حداداً على الرئيس الراحل. ولقد وصفت حسن ذلك اليوم بقولها في أسى ظاهر بأنه «يوم صعب في حياتها السياسية». وأردفت: «أؤدي اليوم يميناً دستورية مختلفة عما اعتدت على تأديته في حياتي، وفي ظروف مختلفة يغلفها الحداد وليس الفرح والبهجة. غير أن ماغوفولي الذي كان يحب تعليمي أعدني للمهمة، ولتوحيد البلاد».
- «نادي» الرئيسات الأفريقيات
ستمضي سامية حسن، التي كانت قد انتخبت نائبة لماغوفولي عام 2015، وأعيد انتخابها مرة أخرى العام الماضي، ما تبقى من السنوات الخمس لولاية الرئيس الراحل، وبذلك تنضم إلى القائمة القصيرة للقيادات النسائية في القارة السمراء، وإن كانت تعد حالياً الزعيمة السياسية «التنفيذية» الوحيدة في أفريقيا، باعتبار أن دور رئيسة جمهورية إثيوبيا «بروتوكولي» إلى حد ما.
وستبدأ حسن مهامها رئيسة لتنزانيا، في ظل استمرار جائحة «كوفيد 19» التي طالما أنكرها سلفها ماغوفولي، ويُعتقد على نطاق واسع أنها كانت سبباً في وفاته، إذ اختفى نحو أسبوعين قبل الوفاة... لكن الحكومة التنزانية أعلنت أنه توفي بأزمة قلبية. ويبدو أن اللغط بشأن سبب وفاة الرئيس التنزاني السابق وطريقة تعامله مع «كوفيد 19» هما ما دفعا الرئيسة الجديدة إلى التأكيد في خطاب تنصيبها على الوحدة. وقولها صراحةً: «هذا وقت دفن خلافاتنا، لنكون دولة واحدة، هذا ليس وقت توجيه أصابع الاتهام؛ بل وقت أن يتشبث بعضنا بأيدي البعض، والمضي قدماً».
وهنا يرى مراقبون أن تنزانيا قد تتبع سياسة مختلفة في التعامل مع الجائحة خلال الفترة المقبلة، وبالأخص، في ضوء خطاب التهنئة الذي أرسله الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، رئيس منظمة الصحة العالمية، إلى الرئيسة التنزانية الجديدة. ولقد أعرب غيبريسوس في خطابه عن أمله في «العمل معها للحفاظ على سلامة الناس من (كوفيد 19) وإنهاء الجائحة، والوصول إلى تنزانيا أكثر صحة».
- ابنة زنجبار
ولدت حسن الملقبة بـ«ماما سامية» في جزيرة صغيرة تابعة لزنجبار، يوم 27 يناير (كانون الثاني) عام 1960. ولقد باتت بذلك الرئيسة الأولى لتنزانيا من هذا الأرخبيل المسلم المواجهة لشواطئ تنجانيقا، حيث ولدت تنزانيا من اتحادهما. ومن ثم، درست في مدارس محلية بزنجبار، وكانت من بين عدد قليل من الفتيات اللواتي حصلن على التعليم خلال تلك الفترة، في مواجهة السياق التقليدي للمرأة ربة منزل وزوجة.
تابعت سامية حسن تعليمها في عدة بلدان. إذ إنها التحقت عام 1986 بجامعة مزومبي التنزانية حيث درست إدارة التنمية، ثم أكملت تخصصها المتقدم في الإدارة العامة. وبعد ذلك التحقت بالمعهد الوطني للإدارة العامة في مدينة لاهور بباكستان، قبل أن تستكمل دراستها بمعهد الإدارة للقادة، في حيدر آباد في الهند، في 1991. ثم بين 1992 و1994 استكملت دراستها في جامعة مانشستر البريطانية حيث حصلت على دبلوم الدراسات العليا في الاقتصاد. فيما بعد خلال عامي 2004 و2005 نالت درجة الماجستير في التنمية الاقتصادية المجتمعية من خلال برنامج مشترك بين جامعة تنزانيا المفتوحة وجامعة جنوب نيو هامبشاير بالولايات المتحدة الأميركية.
- حياتها العائلية
عام 1978، أي عندما كانت حسن في الثامنة عشرة من عمرها، تزوّجت من رجل أكاديمي يعمل في مجال الزراعة اسمه حافظ أمير، وأنجبت منه 4 أطفال، 3 أولاد وبنتاً، من بينهم موانو حافظ أمير، عضو مجلس النواب في زنجبار. وحرصت طوال عملها الاجتماعي والسياسي على أن تظل عائلتها، وبالأخص زوجها، في منأى عن الأضواء، حتى إنها لم تلتقط صورة لها مع زوجها منذ توليها منصب نائب الرئيس، وإن كان زوجها يُقدم في بعض الفعاليات المحلية في زنجبار باعتباره زوج نائبة الرئيس. وهو على حد وصف المقربين من الأسرة رجل متدين وهادئ.
من جهة أخرى، كان العمل السياسي سبباً في بُعد سامية حسن عن المهام المنزلية التقليدية. وفي حوار لها قبل سنة أجرته معها «هيئة الإذاعة البريطانية» (بي بي سي) قالت إن «مهامها الرسمية تحرمها من دخول المطبخ، رغم أن هوايتها المفضلة في وقت الفراغ هي الطبخ».
- امرأة قوية وهادئة
عارفو الرئيسة التنزانية الجديدة يشيرون إلى نشاطها في مجال العمل الاجتماعي، وإلى أنها لم تقتحم المجال السياسي سوى في سن الأربعين عندما تولّت لأول مرة منصباً سياسياً، نائبةً برلمانيةً في مجلس النواب بزنجبار عام 2000. وفي حينه، عيّنها الزعيم الزنجباري أماني كرومي وزيرة في مجلس وزراء زنجبار، وكانت المرأة الوحيدة في الحكومة.
بعد ذلك، عام 2010 انتخبت نائبة في البرلمان التنزاني. وأخذ نجمها يلمع في الفضاء السياسي عام 2014 عندما عُيّنت وزيرة دولة لشؤون الاتحاد، كما تولت منصب نائبة رئيس الجمعية التأسيسية لصياغة دستور جديد للبلاد. وفي هذا الموقع بالذات ظهرت قدراتها في إدارة الحوارات والخلافات «بهدوء وحكمة»، على حد وصف المقربين منها. والواقع أنها عادةً ما توصف بـ«الشخصية المتأنية الهادئة والمستمعة الجيدة». وينقل عن أحد أعضاء البرلمان التنزاني واسمه جانيواري ماكمبا قوله إن «حسن زعيمة قديرة، لم تمنحها السياسة بعد القَدر الذي تستحقه».
- الطريق إلى القمة
في عام 2015، اختارها ماغوفولي في منصب نائب الرئيس، وجاء اختياراً مفاجئاً في حينه، إذ تخطّت كثيرين من الساسة البارزين في حزب تشاما تشا ما بيندوزي (سي سي إم)، الذي سيطر على الحكم في البلاد منذ الاستقلال عام 1961. وغدت بذلك ثاني امرأة تتولى منصب نائب الرئيس في منطقة شرق أفريقيا بعد نائبة رئيس أوغندا سبيسوزا وانديرا كايزيبوي خلال الفترة من 1994 حتى عام 2003.
من ناحية ثانية، فإن سامية حسن باتت الرئيس السادس لتنزانيا، بعد جون ماغوفولي الذي حكم تنزانيا من 2015 حتى 2021، وجاكايا كيكتيني من 2005 حتى 2015، وبنيامين مكابا من 1995 حتى 2005، وعلي حسن مويني من 1985 حتى 1995، والرئيس والزعيم الاستقلالي البارز جوليو نيريري 1962 – 1985.
وتجدر الإشارة إلى أن تنزانيا، التي يربو عدد سكانها على 56 مليون نسمة، تقع وسط شرق أفريقيا، وتحدها كينيا وأوغندا من الشمال، وراوندا وبوروندي والكونغو الديمقراطية من الغرب، وزامبيا وملاوي وموزمبيق من الجنوب، والمحيط الهندي على الحدود الشرقية. وهي تتكون من 26 منطقة، وكانت مدينة دار السلام، كبرى مدنها وقاعدتها الاقتصادية وميناءها الرئيس، وهي العاصمة الرسمية لها بعد الاستقلال عام 1961، بيد أن مقر الحكومة ومكاتبها ومقر البرلمان نُقلوا إلى العاصمة الجديدة إلى مدينة دودوما في وسط البلاد عام 1996.
على صعيد آخر، كون سامية حسن امرأة مسلمة من إقليم زنجبار، يضيف بُعداً جديداً وتوقعات أكثر عن الطريقة التي ستدير بها البلاد، خاصة أن الإسلام هو الديانة الثانية في تنزانيا بعد المسيحية؛ لكنه أيضاً قد يضيف عليها أعباء في الحصول على دعم حزب «سي سي إم» الحاكم، كونها امرأة مسلمة، وهو ما يتوقع أن يكون له دور أيضاً في صياغة فترة ولاية حسن، التي تضع قضية الوحدة على رأس أولوياتها.
ويعتقد مراقبون أن فترة ولاية حسن ستكون مختلفة عن سلفها، فهي شخصية دبلوماسية، متسامحة معروفة بين زملائها بحسن إدارتها للصراعات والخلافات، وبقدراتها التفاوضية، وبروحها المرحة، حتى إنها علقت على ذلك من قبل في أحد حواراتها. وعن هذا الأمر، قالت ذات يوم: «بعض الناس تعتبر طريقتي الهادئة في الكلام دليلاً على الضعف، لكن جعل الناس يفهمونك لا يتطلب الصراخ بصوت عالٍ، فأنا قادرة على إيصال رسالتي بهذه الطريقة لسنوات والناس تفهمني».
- خبيرة متمرسة
وفي سياق متصل، تواجه حسن قضايا جدلية في الحكم إلى جانب قضية جائحة «كوفيد 19»، مثل تلك المتعلقة بقرار ماغوفولي منع الفتيات الحوامل من الذهاب للمدرسة، وتشجيع النساء على وقف تعاطي حبوب منع الحمل، وقضايا أخرى متعلقة بحقوق الإنسان. ومن غير الواضح حتى الآن ما إذا كانت حسن ستستمر على السياسة ذاتها أم لا، ولا سيما، أن سلفها ماغوفولي المُلقّب بـ«البُلدوزر» كانت له مواقف حاسمة من قضايا متعددة، على رأسها الفساد. ولكن يُحسب عليه في المقابل، قمعه للحريات العامة، بما في ذلك إغلاق وسائل إعلام وتعليقها، وحظر التجمعات وفرض قيود على الإنترنت.
وربما يكون الفقر إحدى القضايا الرئيسية على أجندة الرئيسة الجديدة لتنزانيا، فرغم أن تنزانيا لم تعانِ اضطرابات سياسية كغيرها من الدول الأفريقية، فإنها تواجه كغيرها من دول القارة مشكلات متعلقة بالفقر، الذي يزداد انتشاره في المناطق الريفية حيث يعيش أكثر من 80 في المائة من السكان البالغ عددهم أكثر من 56 مليون نسمة، وفقاً لتقديرات عام 2018. كذلك، يعيش نحو 70 في المائة من التنزانيين بأقل من دولارين في اليوم، وفقاً للصندوق الدولي للتنمية الزراعية «إيفاد»، وتساهم الزراعة بنحو ربع الناتج المحلي الإجمالي، وتتصدر السياحة مصادر النقد الأجنبي.
مع هذا، البعض يرى أن لحسن نهجها السياسي الخاص. وهي إبان فترة توليها منصب نائب الرئيس اتخذت مواقف بدت مغايرة لموقف الحكومة والحزب الحاكم، كان من أشهرها ما حدث عام 2017. عندما زارت زعيم المعارضة توندو ليسو في مستشفاه بالعاصمة الكينية نيروبي، بعد تعرّضه لمحاولة اغتيال، كان يعتقد أن لقوات الدولة دوراً فيها. واحتلت صورة اللقاء بين ليسو وحسن العناوين الرئيسية في الصحف يومذاك، وتسببت في حالة من الارتباك داخل حزب «سي سي إم».
أيضاً، قد ينعكس مظهر حسن، على طريقة تصوّر الناس لطريقة حكمها واقتحامها الحياة السياسية بتقلباتها المتعددة، وبخاصة، أنها تتولى المنصب بعد فترة حكم غيرت كثيراً من معالم البلاد السياسية والاقتصادية. وهي تبدو للوهلة الأولى في صورة الأم القوية، الواثقة من نفسها، ويبرز حجابها متعدد الألوان مدى تموّج الحياة السياسية وتعدد ألوانها.
ومعلومٌ أن حسن أن ترفض أن تُصنَّف أو تُنمَّط كامرأة على أساس جندري اجتماعي، فهي خبيرة متمرسة في العمل السياسي، على مدار أكثر من 20 سنة، ومعروفة جيداً داخل تنزانيا، وإن كانت شهرتها لم تتخطَ حدود بلادها في السنوات الماضية. ولكن في مطلق الأحوال، تظل سامية حسن ممثلة لحزب سياسي يحكم البلاد منذ سنوات. وبالتالي، لا يتوقع منها أن تنقلب على حزبها وتُحدِث تغييرات جوهرية في سياسة الحكم، إضافة إلى أنها كانت نائبة للرئيس منذ أكثر من 5 سنوات... ما يعني أنها كانت مشرفة ومشاركة في كثير من السياسات التي اتخذت خلال تلك الفترة. بمعنى آخر، فهي ليست غريبة على ساحة السياسة والحكم في تنزانيا، وإن رغب كثيرون في رصد كيف ستكون فترة حكم أول امرأة مسلمة ومحجبة لجمهورية تنزانيا.


مقالات ذات صلة

من كليوباترا إلى كوكو شانيل... «إنفلوينسر» و«فاشونيستا» من زمنٍ آخر

يوميات الشرق من كليوباترا إلى كوكو شانيل... «إنفلوينسر» و«فاشونيستا» من زمنٍ آخر

من كليوباترا إلى كوكو شانيل... «إنفلوينسر» و«فاشونيستا» من زمنٍ آخر

في زمن المؤثّرات، والمؤثّرين، تضجّ وسائل التواصل الاجتماعي بوجوه وأسماء توجّه الذوق العام. لكن من هنّ أولى المؤثّرات في التاريخ؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكشف المبكر لسرطان الثدي يساعد على تحسين نتائج العلاج (جامعة فلوريدا)

علاج للهبّات الساخنة يبطئ تقدم سرطان الثدي

أظهرت دراسة بريطانية أن إضافة دواء يُستخدم في علاج الهبّات الساخنة لدى مريضات سرطان الثدي إلى خطة علاج سرطان الثدي يمكن أن يكون له تأثير مزدوج.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الممثلة ماريا الدويهي والكاتب والمخرج المسرحي يحيى جابر (صور الدويهي)

ماريا الدويهي... سعيدة بتسلُّق «القرنة البيضا» مع يحيى جابر

لدى يحيى جابر تقليد غير تقليدي. قبل العروض العامة لمسرحياته يفتح بيته لعروض خاصة يجسّ بها نبض الحضور. والدعوة الجديدة إلى «القرنة البيضا» ونجمتها ماريا الدويهي.

كريستين حبيب (بيروت)
أوروبا بريجيت ماكرون زوجة الرئيس الفرنسي تصل إلى مراسم إحياء الذكرى العاشرة لهجمات إرهابية في باريس... 13 نوفمبر 2025 (أ.ب)

«قذرات غبيات»… بريجيت ماكرون تأسف إذا آذت نساءً ضحايا عنف جنسي

قالت بريجيت ماكرون، زوجة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إنها تشعر بـ«الأسف» إذا كانت تصريحاتها قد آذت نساءً تعرّضن للعنف الجنسي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
آسيا دعت الأمم المتحدة الأحد سلطات «طالبان» إلى رفع حظر تفرضه منذ 3 أشهر على عمل موظفاتها الأفغانيات في مقراتها في أفغانستان (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة تدعو «طالبان» إلى السماح للأفغانيات بالعمل في مكاتبها

دعت الأمم المتحدة، الأحد، سلطات «طالبان» إلى رفع حظر تفرضه منذ 3 أشهر على عمل موظفاتها الأفغانيات في مقراتها في أفغانستان.

«الشرق الأوسط» (كابول)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.