دزرائيلي .. أسطورة الحكيم «الشرقي»

«دزرائيلي أو حياتان» المؤلف: دوغلاس هيرد الناشر: وينفلد آند نيكولسون، لندن 2013
«دزرائيلي أو حياتان» المؤلف: دوغلاس هيرد الناشر: وينفلد آند نيكولسون، لندن 2013
TT

دزرائيلي .. أسطورة الحكيم «الشرقي»

«دزرائيلي أو حياتان» المؤلف: دوغلاس هيرد الناشر: وينفلد آند نيكولسون، لندن 2013
«دزرائيلي أو حياتان» المؤلف: دوغلاس هيرد الناشر: وينفلد آند نيكولسون، لندن 2013

شعر الشاب اليهودي بنيامين أنه لا يستطيع تحمل التهكم المعادي للسامية من أقرانه في المدرسة، ولذا قرر اقتحام قلعة الإنجليزية بإحراجها، فعمد إلى ارتداء الصدريات القرمزية والصفراء، ورابطات العنق الزهرية الشكل، والسراويل الفضفاضة. وأكثر ما كان يثير الصدمة، هو الطربوش.
هناك بعض الأشخاص العمليين من غير المفكرين الذين يتوهمون أنهم كتاب - مثل يوليوس قيصر على سبيل المثال - وهناك بعض الكتاب الذين يحلمون بالعمل، مثل اللورد بايرون. وربما تكون الفئة الأكثر إثارة للاهتمام هي أولئك الذين يعيشون الأحداث التي يتصورونها في كتاباتهم، وأبرز مثال على ذلك هو بنيامين دزرائيلي؛ هذا الزعيم الذي هيمن على السياسة البريطانية لفترة من الزمن خلال القرن التاسع عشر. وكان دزرائيلي روائيا يمتلك طموحا جامحا وارتقى حتى أصبح زعيما لحزب المحافظين، ويعد بمعنى من المعاني المؤسس الفعلي لهذا الحزب. واستغل دزرائيلي هذا المنصب لارتقاء سلم السلطة حتى أصبح أحد أكثر رؤساء الوزراء بقاء في منصبه في العصر الفيكتوري. ولعل الشيء المثير للاهتمام هو أن الأفكار التي عبر عنها في خمس روايات على الأقل من رواياته تشمل أسس البرنامج السياسي الذي وضعه حيز التنفيذ عندما شغل منصب رئيس الوزراء. ويمكن إضافة طبقة أخرى لعمل دزرائيلي الأدبي والسياسي، وهي تطوره الشخصي بشكل ملحوظ للغاية.
دزرائيلي هو موضوع سيرة جديدة كتبها وزير الخارجية البريطاني السابق دوغلاس هيرد (الذي يحمل الآن لقب لورد) ويشاركه الكتابة إدوارد يونغ. ويؤكد هيرد ويونغ على أن دزرائيلي كان يعيش حياتين، وكأنه رجلان امتزجا في رجل واحد. وولد دزرائيلي لعائلة يهودية انتقلت من فلسطين إلى المغرب، ثم إلى البرتغال وإسبانيا، ومنها إلى مدينة فينيسيا الإيطالية، قبل أن ينتهي بها المطاف في إنجلترا حيث ولد بنيامين. ونظرا لأن الأسرة لم تكن متدينة للغاية، رغم أنها لم تتخل تماما عن تراثها اليهودي، كانت الأجيال التي ولدت ونشأت في إنجلترا لا تجد صعوبة تذكر في التعود على طابع الحياة في إنجلترا. وفي الحقيقة، كان يمكن النظر إلى بنيامين على أنه نموذج مثالي للرجل الإنجليزي، ولكن المشكلة في ذلك الوقت هي أن جزءا كبيرا من المجتمع الإنجليزي لم يكن يعتقد ذلك.
كانت الهوية الإنجليزية موضع تمسك شديد في القرن التاسع عشر، إذ لم تكن كلمة «بريطاني» قد استخدمت كمظلة لتشمل رعايا ملكة بريطانيا. لم يكن اليهود الأقلية الوحيدة التي حرمت من حقها في المواطنة خلال الفترة التي عاشها دزرائيلي، فحتى الكاثوليك لم يكن بمقدورهم التصويت أو شغل المناصب العامة. وكان الأسكوتلنديون والآيرلنديون البروتستانت لا يحصلون على أكثر من رتبة «ملازم» في مغامرات بناء الإمبراطورية البريطانية.
ومن ثم، لم يكن من المستغرب أن يشعر الشاب بنيامين أنه لا يستطيع تحمل التهكم المعادي للسامية من أقرانه في المدرسة، ولذا قرر اقتحام قلعة الإنجليزية بإحراجها.
وتمكن من ذلك في البداية من خلال اختلاق شخصية «داندي»، فبدأ في ارتداء الملابس التي من شأنها أن تجعل الإنجليز غريبي الأطوار، وعمد إلى ارتداء الصدريات القرمزية والصفراء، ورابطات العنق الزهرية الشكل، والسراويل الفضفاضة. وأكثر ما كان يثير الصدمة، هو الطربوش. ونظرا لعدم وجود فكرة لديه عما يبدو عليه الرجل الشرقي فقد أطلق شعره. ولم يكن بنيامين وحده الذي حاول جذب انتباه الطبقة البرجوازية عن طريق الصدمة؛ فكان هناك بروميل، وتبعهما في وقت لاحق أوسكار وايلد، الذي مارس الفن أيضا.
نجح هذا التكتيك في منح بنيامين شهرة كبيرة في أوساط المجتمع اللندني، وأقنع سيدات الوسط اللندني الراقي بدعوة بنيامين إلى صالوناتهن كرفيق على طاولات العشاء، ليضيف البهجة على الأمسيات التي تتسم بالكآبة عادة. وسرعان ما تعلم بنيامين سرا هاما وهو أن النساء أقل عنصرية من الرجال.
كانت النساء حبيسة «غرف الثرثرة»، في حين كان الرجال يجتمعون لتدخين السيجار ومناقشة القضايا الهامة، وبدأ في معاملة النساء كبشر. وقد ساعده هذا النهج في تأمين وضع جيد له طوال حياته. واقع الأمر أن دزرائيلي اعترف قرب وفاته بأن جزءا من نجاحه يعود إلى النساء. هذا لا يعني أنه كان زير نساء؛ فقد كان يحب زوجته ماري آن، أرملة أحد أقرب أصدقائه، التي ظلت وفية له حتى النهاية. ففي روايته «إنديميون» يحقق سياسي شاب النجاح بفضل مساعدة سيدات أدركن مواهبه. تجسيدا لذلك كانت الملكة فيكتوريا أحد المعجبين به، وكرمته بصورة لم تكرم بها أحدا آخر، رغم عدائها له في البداية.
بعد ذلك، قرر دزرائيلي معالجة قضية أصوله اليهودية.
عادة ما يتبنى اليهود المهاجرون في المجتمعات الأوروبية الليبرالية استراتيجية أو استراتيجيتين.. الأولى هي إنشاء غيتو خفي من خلال قصر أنفسهم على مهن وحرف معينة، وتجنب الاشتغال بالسياسة وعدم لفت الانتباه. الاستراتيجية الثانية كانت الاستيعاب، وهو ما يعني إطلاق أسماء غير يهودية، وإرسال أبنائهم إلى مدارس الأثرياء أو حتى تبني النسخة المحلية من المسيحية. وقد تبنت عائلة دزرائيلي الاستراتيجية الثانية، بدءا بوالده إيزاك، الذي كان ينظر إليه باعتباره إنجليزيا أكثر منه يهوديا.
لكن بنيامين سرعان ما تعلم قيود تلك الاستراتيجية؛ فاليهودي غالبا ما تحدده الصورة التي يراه بها الآخرون، التي تكون في كثير من الأحيان عدائية بالكاد، لا كيف يرى هو نفسه. لذلك، قرر أن يتمسك بيهوديته، رغم اعتناق عائلته الإنجليكانية وتعميده في الكنيسة الإنجليزية كما هو المعمول به. ولإيجاد وسيلة لتأكيد تراثه اليهودي دون رفض الإنجليزي، فقد أمضى عامين من شبابه في التجوال في الشرق الأوسط، من القسطنطينية إلى القاهرة عبر دمشق وبيروت والقدس، وتعلم أساسيات التركية والعربية والعبرية.
تبين هيرد ويانغ أن الرحلة كان لها تأثير عميق على رئيس الوزراء فيما بعد، لكنهم رغم ذلك، غاب عنهم بعض غموض الهوية الداخلية لدزرائيلي التي قام هو ببنائها. فقد كان يرى أن اليهودية والمسيحية والإسلام يعودون إلى نفس الديانة الإبراهيمية، ويفترض حرية التنقل عبر حدودها كما تمنى. وحتى نهاية حياته، غالبا ما كان دزرائيلي يستخدم شعار «الله أكبر» لإنهاء مناقشة أو جدال. في عام 1868 وفي اليوم الذي تم تعيينه رئيس الوزراء، قال لصديقه جيمس كيلي: «كما نقول في الشرق: الله أكبر».
الشرق بالنسبة لدزرائيلي كان مصدرا للحكمة، وخاصة عندما يتعلق الأمر بتنظيم المجتمع. واعتقد أنه رغم القوة الصاعدة في عالم شكلته الثورة الصناعية، لا يزال لدى الغرب الكثير كي يتعلمه من «شرقه».
هذه الفكرة حاضرة، إما بوضوح أو بشكل غير مباشر، في أعماله الأدبية بدءا من روايته الأولى «فيفيان غري». وفي «تانكرد»، أبرز روايته. فهناك الحكيم الشرقي الذي يقوم على تعليم شاب إنجليزي أسرار المجتمع الجيد. وفي «كوننغزبي»، أشهر رواياته تتحدث شخصية شرقية «سيدونيا» إلى المؤلف، وتتطور قصة اتحاد بين إنجلترا الفتية والشرق العجوز. أما روايته التالية «نهضة الإسكندر» فكانت أكثر ولعا بالشرق، سواء من ناحية المضمون أو النبرة.
وفي رواية «سيبل» أو «أمتان» يدور موضوع الرواية عن اتحاد بين النبلاء الإنجليز والشعب، الطبقة العاملة التي شكلتها الثورة الصناعية.
وحتى في «لوثاير»، التي طور فيها رؤيته بشأن النهج القومي الاستعماري الإنجليزي، كان الحوار بين الشرق والغرب حاضرا.
لم يكن من المستغرب ألا يمنع معارضو دزرائيلي ولا سيما ويليام غلادستون أنفسهم من الهجوم على «يهوديته»؛ فقد وصفه غلادستون بـ«المشعوذ العبري». وذهب الفيلسوف الأسكوتلندي توماس كارليل إلى وصف دزرائيلي بأنه «قرد سخيف».
كان دزرائيلي يحلم بالأرستقراطية الروحية في أمة من الطبقات الوسطى الجديدة. واستخدم نهجه المحافظ في الحفاظ على المؤسسات الرئيسية، مثل النظام الملكي والبرلمان، وتعزيز دور الكنيسة الإنجليزية، لكنه كان يعلم أيضا أن الحوار ضروري لإنجاح أي إصلاح اجتماعي. ومن ثم اتخذ عددا من الإجراءات يمكن أن تجعل منه اشتراكيا أكثر من كونه محافظا. كان من بين هذه المعايير إضفاء الشرعية على النقابات، وتخفيض وتحديد ساعات العمل، ومنح العمال العطلات والعقود.
ويمكن وصف دزرائيلي أيضا بالإمبريالي، لدوره في مؤتمر برلين الذي عقد في الفترة بين عامي 1884 - 1885 الذي قامت فيه القوى الأوروبية بتحديد إمبراطورياتها الاستعمارية. وكان دزرائيلي أيضا هو من اشترى حصة مسيطرة في قناة السويس من الخديوي بأربعة ملايين دولار اقترضها من مصرف روتشيلد وقام بترشيح صديق مصرفي له كحاكم فعلي لمصر.
وقد قضى هيرد ويانغ بعض الوقت في إثبات أن بعض العبارات الشهيرة التي تعزى إلى دزرائيلي لم تكن له. لكني أنقل واحدة من العبارات التي لم يثر حولها الجدل: «لا تتصرف تحت ضغط الرأي العام وإلا أصبحت عبدا له».
وربما يؤدي السياسيون في كل مكان أدوارا جيدة لو أنهم تفكروا في هذه الحكمة الشرقية.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.