دزرائيلي .. أسطورة الحكيم «الشرقي»

«دزرائيلي أو حياتان» المؤلف: دوغلاس هيرد الناشر: وينفلد آند نيكولسون، لندن 2013
«دزرائيلي أو حياتان» المؤلف: دوغلاس هيرد الناشر: وينفلد آند نيكولسون، لندن 2013
TT

دزرائيلي .. أسطورة الحكيم «الشرقي»

«دزرائيلي أو حياتان» المؤلف: دوغلاس هيرد الناشر: وينفلد آند نيكولسون، لندن 2013
«دزرائيلي أو حياتان» المؤلف: دوغلاس هيرد الناشر: وينفلد آند نيكولسون، لندن 2013

شعر الشاب اليهودي بنيامين أنه لا يستطيع تحمل التهكم المعادي للسامية من أقرانه في المدرسة، ولذا قرر اقتحام قلعة الإنجليزية بإحراجها، فعمد إلى ارتداء الصدريات القرمزية والصفراء، ورابطات العنق الزهرية الشكل، والسراويل الفضفاضة. وأكثر ما كان يثير الصدمة، هو الطربوش.
هناك بعض الأشخاص العمليين من غير المفكرين الذين يتوهمون أنهم كتاب - مثل يوليوس قيصر على سبيل المثال - وهناك بعض الكتاب الذين يحلمون بالعمل، مثل اللورد بايرون. وربما تكون الفئة الأكثر إثارة للاهتمام هي أولئك الذين يعيشون الأحداث التي يتصورونها في كتاباتهم، وأبرز مثال على ذلك هو بنيامين دزرائيلي؛ هذا الزعيم الذي هيمن على السياسة البريطانية لفترة من الزمن خلال القرن التاسع عشر. وكان دزرائيلي روائيا يمتلك طموحا جامحا وارتقى حتى أصبح زعيما لحزب المحافظين، ويعد بمعنى من المعاني المؤسس الفعلي لهذا الحزب. واستغل دزرائيلي هذا المنصب لارتقاء سلم السلطة حتى أصبح أحد أكثر رؤساء الوزراء بقاء في منصبه في العصر الفيكتوري. ولعل الشيء المثير للاهتمام هو أن الأفكار التي عبر عنها في خمس روايات على الأقل من رواياته تشمل أسس البرنامج السياسي الذي وضعه حيز التنفيذ عندما شغل منصب رئيس الوزراء. ويمكن إضافة طبقة أخرى لعمل دزرائيلي الأدبي والسياسي، وهي تطوره الشخصي بشكل ملحوظ للغاية.
دزرائيلي هو موضوع سيرة جديدة كتبها وزير الخارجية البريطاني السابق دوغلاس هيرد (الذي يحمل الآن لقب لورد) ويشاركه الكتابة إدوارد يونغ. ويؤكد هيرد ويونغ على أن دزرائيلي كان يعيش حياتين، وكأنه رجلان امتزجا في رجل واحد. وولد دزرائيلي لعائلة يهودية انتقلت من فلسطين إلى المغرب، ثم إلى البرتغال وإسبانيا، ومنها إلى مدينة فينيسيا الإيطالية، قبل أن ينتهي بها المطاف في إنجلترا حيث ولد بنيامين. ونظرا لأن الأسرة لم تكن متدينة للغاية، رغم أنها لم تتخل تماما عن تراثها اليهودي، كانت الأجيال التي ولدت ونشأت في إنجلترا لا تجد صعوبة تذكر في التعود على طابع الحياة في إنجلترا. وفي الحقيقة، كان يمكن النظر إلى بنيامين على أنه نموذج مثالي للرجل الإنجليزي، ولكن المشكلة في ذلك الوقت هي أن جزءا كبيرا من المجتمع الإنجليزي لم يكن يعتقد ذلك.
كانت الهوية الإنجليزية موضع تمسك شديد في القرن التاسع عشر، إذ لم تكن كلمة «بريطاني» قد استخدمت كمظلة لتشمل رعايا ملكة بريطانيا. لم يكن اليهود الأقلية الوحيدة التي حرمت من حقها في المواطنة خلال الفترة التي عاشها دزرائيلي، فحتى الكاثوليك لم يكن بمقدورهم التصويت أو شغل المناصب العامة. وكان الأسكوتلنديون والآيرلنديون البروتستانت لا يحصلون على أكثر من رتبة «ملازم» في مغامرات بناء الإمبراطورية البريطانية.
ومن ثم، لم يكن من المستغرب أن يشعر الشاب بنيامين أنه لا يستطيع تحمل التهكم المعادي للسامية من أقرانه في المدرسة، ولذا قرر اقتحام قلعة الإنجليزية بإحراجها.
وتمكن من ذلك في البداية من خلال اختلاق شخصية «داندي»، فبدأ في ارتداء الملابس التي من شأنها أن تجعل الإنجليز غريبي الأطوار، وعمد إلى ارتداء الصدريات القرمزية والصفراء، ورابطات العنق الزهرية الشكل، والسراويل الفضفاضة. وأكثر ما كان يثير الصدمة، هو الطربوش. ونظرا لعدم وجود فكرة لديه عما يبدو عليه الرجل الشرقي فقد أطلق شعره. ولم يكن بنيامين وحده الذي حاول جذب انتباه الطبقة البرجوازية عن طريق الصدمة؛ فكان هناك بروميل، وتبعهما في وقت لاحق أوسكار وايلد، الذي مارس الفن أيضا.
نجح هذا التكتيك في منح بنيامين شهرة كبيرة في أوساط المجتمع اللندني، وأقنع سيدات الوسط اللندني الراقي بدعوة بنيامين إلى صالوناتهن كرفيق على طاولات العشاء، ليضيف البهجة على الأمسيات التي تتسم بالكآبة عادة. وسرعان ما تعلم بنيامين سرا هاما وهو أن النساء أقل عنصرية من الرجال.
كانت النساء حبيسة «غرف الثرثرة»، في حين كان الرجال يجتمعون لتدخين السيجار ومناقشة القضايا الهامة، وبدأ في معاملة النساء كبشر. وقد ساعده هذا النهج في تأمين وضع جيد له طوال حياته. واقع الأمر أن دزرائيلي اعترف قرب وفاته بأن جزءا من نجاحه يعود إلى النساء. هذا لا يعني أنه كان زير نساء؛ فقد كان يحب زوجته ماري آن، أرملة أحد أقرب أصدقائه، التي ظلت وفية له حتى النهاية. ففي روايته «إنديميون» يحقق سياسي شاب النجاح بفضل مساعدة سيدات أدركن مواهبه. تجسيدا لذلك كانت الملكة فيكتوريا أحد المعجبين به، وكرمته بصورة لم تكرم بها أحدا آخر، رغم عدائها له في البداية.
بعد ذلك، قرر دزرائيلي معالجة قضية أصوله اليهودية.
عادة ما يتبنى اليهود المهاجرون في المجتمعات الأوروبية الليبرالية استراتيجية أو استراتيجيتين.. الأولى هي إنشاء غيتو خفي من خلال قصر أنفسهم على مهن وحرف معينة، وتجنب الاشتغال بالسياسة وعدم لفت الانتباه. الاستراتيجية الثانية كانت الاستيعاب، وهو ما يعني إطلاق أسماء غير يهودية، وإرسال أبنائهم إلى مدارس الأثرياء أو حتى تبني النسخة المحلية من المسيحية. وقد تبنت عائلة دزرائيلي الاستراتيجية الثانية، بدءا بوالده إيزاك، الذي كان ينظر إليه باعتباره إنجليزيا أكثر منه يهوديا.
لكن بنيامين سرعان ما تعلم قيود تلك الاستراتيجية؛ فاليهودي غالبا ما تحدده الصورة التي يراه بها الآخرون، التي تكون في كثير من الأحيان عدائية بالكاد، لا كيف يرى هو نفسه. لذلك، قرر أن يتمسك بيهوديته، رغم اعتناق عائلته الإنجليكانية وتعميده في الكنيسة الإنجليزية كما هو المعمول به. ولإيجاد وسيلة لتأكيد تراثه اليهودي دون رفض الإنجليزي، فقد أمضى عامين من شبابه في التجوال في الشرق الأوسط، من القسطنطينية إلى القاهرة عبر دمشق وبيروت والقدس، وتعلم أساسيات التركية والعربية والعبرية.
تبين هيرد ويانغ أن الرحلة كان لها تأثير عميق على رئيس الوزراء فيما بعد، لكنهم رغم ذلك، غاب عنهم بعض غموض الهوية الداخلية لدزرائيلي التي قام هو ببنائها. فقد كان يرى أن اليهودية والمسيحية والإسلام يعودون إلى نفس الديانة الإبراهيمية، ويفترض حرية التنقل عبر حدودها كما تمنى. وحتى نهاية حياته، غالبا ما كان دزرائيلي يستخدم شعار «الله أكبر» لإنهاء مناقشة أو جدال. في عام 1868 وفي اليوم الذي تم تعيينه رئيس الوزراء، قال لصديقه جيمس كيلي: «كما نقول في الشرق: الله أكبر».
الشرق بالنسبة لدزرائيلي كان مصدرا للحكمة، وخاصة عندما يتعلق الأمر بتنظيم المجتمع. واعتقد أنه رغم القوة الصاعدة في عالم شكلته الثورة الصناعية، لا يزال لدى الغرب الكثير كي يتعلمه من «شرقه».
هذه الفكرة حاضرة، إما بوضوح أو بشكل غير مباشر، في أعماله الأدبية بدءا من روايته الأولى «فيفيان غري». وفي «تانكرد»، أبرز روايته. فهناك الحكيم الشرقي الذي يقوم على تعليم شاب إنجليزي أسرار المجتمع الجيد. وفي «كوننغزبي»، أشهر رواياته تتحدث شخصية شرقية «سيدونيا» إلى المؤلف، وتتطور قصة اتحاد بين إنجلترا الفتية والشرق العجوز. أما روايته التالية «نهضة الإسكندر» فكانت أكثر ولعا بالشرق، سواء من ناحية المضمون أو النبرة.
وفي رواية «سيبل» أو «أمتان» يدور موضوع الرواية عن اتحاد بين النبلاء الإنجليز والشعب، الطبقة العاملة التي شكلتها الثورة الصناعية.
وحتى في «لوثاير»، التي طور فيها رؤيته بشأن النهج القومي الاستعماري الإنجليزي، كان الحوار بين الشرق والغرب حاضرا.
لم يكن من المستغرب ألا يمنع معارضو دزرائيلي ولا سيما ويليام غلادستون أنفسهم من الهجوم على «يهوديته»؛ فقد وصفه غلادستون بـ«المشعوذ العبري». وذهب الفيلسوف الأسكوتلندي توماس كارليل إلى وصف دزرائيلي بأنه «قرد سخيف».
كان دزرائيلي يحلم بالأرستقراطية الروحية في أمة من الطبقات الوسطى الجديدة. واستخدم نهجه المحافظ في الحفاظ على المؤسسات الرئيسية، مثل النظام الملكي والبرلمان، وتعزيز دور الكنيسة الإنجليزية، لكنه كان يعلم أيضا أن الحوار ضروري لإنجاح أي إصلاح اجتماعي. ومن ثم اتخذ عددا من الإجراءات يمكن أن تجعل منه اشتراكيا أكثر من كونه محافظا. كان من بين هذه المعايير إضفاء الشرعية على النقابات، وتخفيض وتحديد ساعات العمل، ومنح العمال العطلات والعقود.
ويمكن وصف دزرائيلي أيضا بالإمبريالي، لدوره في مؤتمر برلين الذي عقد في الفترة بين عامي 1884 - 1885 الذي قامت فيه القوى الأوروبية بتحديد إمبراطورياتها الاستعمارية. وكان دزرائيلي أيضا هو من اشترى حصة مسيطرة في قناة السويس من الخديوي بأربعة ملايين دولار اقترضها من مصرف روتشيلد وقام بترشيح صديق مصرفي له كحاكم فعلي لمصر.
وقد قضى هيرد ويانغ بعض الوقت في إثبات أن بعض العبارات الشهيرة التي تعزى إلى دزرائيلي لم تكن له. لكني أنقل واحدة من العبارات التي لم يثر حولها الجدل: «لا تتصرف تحت ضغط الرأي العام وإلا أصبحت عبدا له».
وربما يؤدي السياسيون في كل مكان أدوارا جيدة لو أنهم تفكروا في هذه الحكمة الشرقية.



«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري

«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري
TT

«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري

«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري

تزاوج رواية «القالوفة: عشرية عبد القادر صابونة»، للروائي الجزائري الشاب عبد الباسط باني، بين اللعب الفني والجمالي، والنقد السياسي والاجتماعي الحاد والجذري من جهة أخرى، متكئة على كثير من حس السخرية المتغلغلة في نسيج البناء السردي، لكنها كثيراً ما تكون سخرية سوداء، مرة ومفعمة بالأسى، إذ تراوح الأحداث كثيراً بين المأساة والملهاة. ويتبدى هذا اللعب منذ العنوان «القالوفة»، كلمة دارجة في الجزائر معناها (القفص الذي توضع به الكلاب الضالة عقب التقاطها من الشوارع)، فالعنوان الجانبي الشارح، «عشرية عبد القادر صابونة»، يظل معلق الدلالة، إذ يمكن أن يشير إلى العشرية السوداء في التسعينيات، والتي انضم فيها (عبد القادر) إلى الجماعات الإسلامية المسلحة، حين كان يقتل باسم الدين، كما يشير من جانب آخر، وعبر دوال نصية كثيرة، إلى عشرية جديدة، عقب المصالحة الوطنية في مطلع الألفية، وصعود (صابونة) الراديكالي التائب سُلّم السلطة، ليمارس انتقامه من المجتمع، لكن عبر بوابة الدولة كمسؤول كبير فيها، وباسم القانون وحماية الوطن هذه المرة، مدشنا عشريته الخاصة، المليئة بالفساد والنهب الممنهج.

الرواية صدرت في القاهرة عن «منشورات الربيع»، وبدأت بمشهد صادم وقاسٍ يعود إلى بدايات العشرية السوداء، في مدينة «مليانة»، حيث تقتحم جماعة تنتمي لتنظيم إسلامي منزل (رشيد)، الصحافي المستنير الذي يهاجمهم في مقالاته، فيقتلونه، ويقتلون ابنته (بديعة)، ويختطفون (فتيحة) زوجته الحبلى معهم إلى الجبل، في حين ينجو ابنه (محمد)، بسبب دفاع كلبه عنه بقوة، وعقر الملثمين، فيموت الكلب فداءً لصديقه الطفل ويتلقى الرصاصة نيابة عنه. وتتضاعف القسوة عندما يرى رشيد قبل مقتله شقيقه الأصغر (منصوري) بين الملثمين، بعد أن انزلق إلى هوة العنف، جاء معهم وفق مبدأ السمع والطاعة، والولاء والبراء، ليشارك في قتل أخيه الذي تعتبره جماعة الجبل «كافراً»، لمجرد أنه يحب الفنون والغناء، ويدافع عن الحرية، لكن منصوري لم يقوَ نفسياً على تنفيذ أمر أمير الجماعة بأن يقتل شقيقه بنفسه، فيكون مصيره القتل هو الآخر، بدعوى أن إيمانه منقوص ورخو.

هذا المشهد الافتتاحي الدموي، يبدو مرجعاً لكثير من الأحداث التي تتأسس عليها الرواية بعد ذلك، ثم ينفتح السرد، بدءاً من الفصل التالي على مساحات من التخييل، عبر تبئير شخصية (محمد)، الناجي الوحيد من مذبحة أسرته، فقد «ضاقت به مليانة، فغادرها نحو عين الدفلي، يجر خلفه قافلة الكلاب التي صارت أسرته الجديدة»، فقد أسماه الناس (الملياني)، نسبة إلى بلدته، وأصبح يعيش مشرداً، لا يأمن سوى للكلاب، يصاحبها، ويأتنس بها، ويحنو عليها، حتى عثر على الكلب (النيطوش)، البائس المشرد مثله، ويصطفيه صديقه المقرب، ونبدأ في رؤية العالم بعيون (الملياني) و(النيطوش)، بوصفهما ممثلين للهامش المقموع، الصوت المسكوت عنه، المطارد، لكنه يرى ويعرف حقيقة مجتمع المدينة، ومثالبه، ورموزه المصطنعة، فالاثنان في حالة تعارض مع شخصية «عبد القادر صابونة». الملياني وهو طفل كان ضحية (صابونة) وجماعته في سنوات العشرية السوداء، وبعد المصالحة ظل أيضاً ضحية (صابونة) نفسه في عشريته الجديدة.

تمتد الرواية زمنياً على مدار ثلاثين عاماً، ويتراوح فضاؤها المكاني بين مدينتي مليانة وعين الدفلي، وترتكز على التوثيق عبر إيراد أخبار صحافية ومقالات وأغاني لمطربين جزائريين معروفين. كما تعتمد بشكل رئيس على تقنية تعدد الأصوات، وهو ما يبدو من عنوان الفصول السردية، ليس فقط صوت الهامش ممثلاً في (الملياني)، وصوت المركز ممثلاً في (عبد القادر)، لكن الطريف هو منح مساحات كبرى لأصوات الحيوانات التي تقدم خطابها وصوتها، سواء ضد السلطة التي تطاردها وتقمعها، وتضعها في القالوفة، أو ضد سلطة الإنسان وتجبّره على الحيوانات بشكل عام، كما يقول أحد القرود: «من المفترض أن تكون هناك حدائق للبشر، بدل حدائق الحيوانات، ونحن من نزورهم ونطعمهم، كل حيوان يربي بشرياً. قد لا نجيد فعل ذلك، لكن على أسوأ تقدير لن نبصق عليهم ونهينهم مثلما يفعلون».

فالفصل الثاني من الرواية يأتي على لسان (حمو)، وهو كلب يروي معاناته مع (مبارك) السادي الذي يهوى تعذيبه، وكذلك صوت القط (مخطار)، فضلاً عن أصوات كثير من الحيوانات من الكلاب والحمير والدجاج والقرود والغربان وغيرها، ويتسع حضور الحيوانات في المتن السردي، حتى تأخذ مركز البطولة مع تنامي السرد، بل تقوم بثورة على تسلط البلدية، وتملأ الشوارع والميادين، بعد فشل الحراك الشعبي في الجزائر إبان الربيع العربي، فتنهض الحيوانات في حراك بديل، ضد العسف والقمع والتجويع الذي يطالها يومياً.

تحفل الرواية بحالة من الكرنفالية، بالمفهوم الباختيني، فالفضاء الروائي يتحول إلى سيرك، ويجري تبادل الأدوار، فالحيوانات تصبح أكثر إنسانية من الإنسان، وتثور على السلطة بمعانيها كافة، وتجريد الإنسان من مركزيته، كما يجنح السرد، وفق هذا المفهوم الكرنفالي، إلى نزع هيبة رجال السلطة ممثلة في (عبد القادر)، ويسلبه قوته وفتوته المزعومة، ويمنحه الاسم الساخر (صابونة)، الذي التصق به منذ كان متمرداً راديكالياً مختبئاً في الجبل، وحاول إفراغ شهوته في كلبة، لكنها عقرته، وانتزعت عضوه الذكري، وتركت مكانه مستوياً وناعماً، مثل الصابونة، بلا أي نتوءات، لذا أصبح له ثأر مع الكلاب، يفرح بقتلها بعد المصالحة وعمله في البلدية، كما كان يفرح بقتل البشر عندما كان «جهادياً»، ولم يكتفِ السارد بنزع ذكورته، بل أضفى عليه صفات أنثوية، ليحوله إلى أضحوكة، وينزع عنه كل هيبة. كما تتبدى الكرنفالية أيضاً في سخرية (مبارك)، الروائي السادي، من الناقد الذي ينقد أعماله، فيذبح كلبه (حمو)، ويطبخ كبده كوجبة للناقد، في محاولة للسخرية من سلطته. فالرواية، إجمالاً، كرنفال ساخر، يفكك كل سلطة، وينزع القداسة عن كل مدعٍ، معيداً إنتاج ثنائية المركز والهامش، مانحاً البطولة لكل مقموع.

تبدو كل شخصيات الرواية معاقة ومشوهة، جسدياً أو نفسياً، بدءاً بعبد القادر، مروراً بـ«مبارك» الذي فقد قدمه ويعيش بقدم بلاستيكية، كما يعاني نفسياً من معرفته أن أمه كانت غانية، ووضعته في كيس قمامة أسود على باب إحدى المؤسسات، و(الملياني) المشرد المسكون بمشهد مقتل أسرته أمام عينيه، و(ليندا) التي تكتشف أنها ابنة (رشيد) و(فتيحة)، فعندما اختطف الملثمون أمها كانت حبلى فيها، وماتت بعد ولادتها، وهربت بها إحدى النساء من الجبل، ووضعتها أيضاً على باب إحدى المؤسسات.

هذه الشخصيات الممزقة جسدياً ونفسياً، في عام 2019، حيث تدور الوقائع الرئيسة للرواية، وقت ثورة الحيوانات، كلها شخصيات منحدرة من فترة العشرية السوداء في تسعينيات القرن الماضي، فما يحدث في الواقع اليوم، هو نتاج ذلك التاريخ الذي يبدو بعيداً، لكنه يظل مطموراً وفاعلاً في نفوس الشخوص، تاركاً ندوبه العميقة في نفوسهم، بل في أجسادهم أيضاً، لذا يراوح السرد في حركة بندولية بين الحاضر والماضي، كأنه يفكك الحاضر، ويحفر في الماضي بحثاً عن الجذور المؤسسة لهذا الواقع وهذه الشخوص الشائهة، وما قاله الصحافي رشيد قديماً: «لم يعد أمامي سوى أن أموت كاتباً أو أعيش صامتاً. اخترت أن أرحل. ليال كثيرة قضيتها في التفكير. العاصمة صارت مصيدة، كل ركن فيها له عين أو فوهة بندقية» لا يختلف كثيراً عما يقوله ابنه (الملياني) المشرد بعد ما يقارب ثلاثين عاماً: «اعلموا أن البلاد صارت مقبرة كبيرة، بل قالوفة كبيرة، تبتلع في أقفاصها كل صوت رافض للقمع والإذلال والجوع والتطرف». ومن ثم، لا فارق بين «مصيدة» العشرية السوداء و«قالوفة» عشرية عبد القادر صابونة.


تجليات البيت في شعر محمود درويش

تجليات البيت في شعر محمود درويش
TT

تجليات البيت في شعر محمود درويش

تجليات البيت في شعر محمود درويش

يركز الباحث رامي مصطفى هلال في كتابه «ملامح السرد في الخطاب الشعري عند محمود درويش»، الصادر أخيراً عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، ضمن سلسلة «كتابات نقدية»، على «تجليات البيت» في قصيدة الشاعر الفلسطيني الأشهر، باعتباره رمزاً يختصر الوطن ويفيض بالحميمية والعذوبة.

ويشير إلى أن البيت وُظّف سردياً في شعر درويش؛ فهو ليس بيتا ذا أبعاد هندسية، لكنه يحمل ذاكرة الوطن المستلب في الخروج والعودة، ويظل مفتاحه الدائم في أيدي الفلسطينيين تاريخاً وشاهداً على الحق الثابت، وأملاً في العودة إليه مرة أخرى.

يسرد درويش في حوارية مع الأب، في سهل من سهول فلسطين، في قصيدة «لماذا تركت الحصان وحيداً؟» سيرته الذاتية إبان النكبة، حين الخروج القسري من بيته ووطنه، ربما تكون قرية «البروة» التي وُلد فيها نابتة في حضن هذا السهل. ومن خلال راوٍ عليم، كليّ المعرفة، وشخصَيْن يقوم عليهما السرد والحوار، هما الأب والابن، تتوالى سردية ذات شحنة درامية مؤثرة إنسانياً.

يقول درويش في افتتاحية سينمائية لقصيدته يتشابك في فضائها فعلُ الحدث والكشف عن نفوس الشخصيات من خلال الاستفهام البريء للطفل واستحضار صيغة الاستفهام المكاني الذي يقوم عليه فعل السرد في القصيدة كلها:

«إلى أين تأخذني يا أبي؟

إلى جهة الريح يا ولدي»

يتوقف الحدث عند الحوار الكاشف الذي وهب المتلقي في ومضة واحدة شخصيتَي «الأب والابن»، والحدث الغامض «إلى جهة الريح»، والحوار المنتمي إلى روح اللحظة التاريخية وكثافتها وموقع الراوي وبنية الدراما السردية داخل القصيدة، ثم يصف الراوي لحظة الخروج فيقول:

«وهما يخرجانِ من السهلِ حيثُ

أقام جنودُ بونابرت تلّاً لرصد

الظلال على سور عكا القديم

يقول أب لابنِهِ: لا تَخَفْ لا تَخَفْ

من أزيز الرصاصِ التصِقْ بالترابِ لتنجو

سننجو ونعلو على جبل في الشمال

ونرجع حين

يعود الجنود إلى أهلهم في البعيد»

يعيد التاريخ نفسه على الأرض؛ فمثلما رحل الغرباء من قبل، فإن سيرة الأرض تؤكد أن الغرباء الجدد راحلون أيضاً، والوصف يعمّق النص، ويضيف إلى القصيدة أبعاداً جديدة تسهم في تشكيل فضائها المضموني، وتساعد على تصوُّر الأحداث، حيث السرد في جوهره تقطيع لبنية الحكاية وإعادة تشكيلها من خلال التغيير في بنية الزمان والمكان.

إنه اليقين التاريخي الذي ينقله الأب إلى الابن من خلال الحوار، مستدعياً جنود بونابرت الذين كانوا يرصدون الظلال، ولذا فإن الشاعر – الراوي - يطلعنا على يقين الأب، وهو الشخصية المحورية في سَرْد درويش، وهو يؤكد بـ«سين المستقبل»: «سننجو ونعلو ونرجع»، وأن عودة الجنود القادمين من البعيد حتمية، هذا ما تقوله الأرض والتراب عندما يلتصق به الفلسطينيون:

«ومن يسكن البيت في بعدنا

يا أبي؟

سيبقى على حاله مثلما كان

يا ولدي».

وعبر التناوب بين ضمائر السرد في القصيدة؛ من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب، وهما يخرجان، وكذلك التناوب بين تقنية الوصف والحوار، تتوتر القصيدة درامياً، وتتنقل لتخلق سرديتها الخاصة الممزوجة بوعي تاريخي. هنا تبرز مفردة «البيت» لتضارع الوطن؛ فهو البيت الكبير، ومَن يسكن البيت فإنه يسكن الوطن، ويأتي صوت الأب الواثق من العودة، فيطمئن الابن على الوطن.

وهذه اللغة الشعرية الدرامية تعطي الجمهور أو القارئ شعوراً بأن الفكرة تتكوَّن؛ إذ تتكلم الشخصية تحت ضغط الوضع الذي تجد نفسها فيه، ويُبرِز الاستفهام ملمحاً أسلوبياً في القصيدة يعبر به السارد عن مأساة الحاضر من خلال الماضي، ويدل على صدق الشخصيات وقربها من السرد الواقعي:

«تحسس مفتاحه مثلما يتحسس

أعضاءه واطمأن»

في سؤال آخر يسأل الطفل أباه قائلاً:

«لماذا تركتَ الحصانَ وحيداً؟

لكي يؤنس البيت يا ولدي

فالبيوت تموت إذا غاب سكانها»

يعبر السارد، من خلال فعل التحسُّس المفاجئ عن مفتاح البيت كعضو من أعضاء الجسد، عن قيمة البيت وتداخله في الجسد الفلسطيني؛ فالتراب ينبت داخله كأعضاء جديدة، وكرد فعل على الغياب، فالبيت مكان يؤطر لفعل الحدث، ويصبح بطلاً في السرد، بل شخصية أثيرة من شخصيات السرد داخل القصيدة، يأبى لها الأب أن تموت في الغياب، فيترك له الحصان كي يؤنس وحدته.

يأبى السارد أن يتحول البيت إلى أطلال مهجورة، لذا فالبيت الفلسطيني لم يتحول في سردية درويش إلى أطلال تستحق الرثاء، ولكنه يظهر في الرؤية السردية كائناً حياً يقاوم فعل الزمن والأحداث، ويستعصي على المحو والتذويب، وقد جعله الشاعر السارد عضواً حياً في الجسد الفلسطيني، يستمدّ حياته من روح هذا الجسد، ووعيه وذاكرته الحية التي لا تغيب.

هكذا ظل البيت «في تجربة محمود درويش الشعرية حالة وجودية تتجاوز الحيز الجغرافي أو الجدران الإسمنتية، لتتحول إلى استعارة كبرى للهوية والذاكرة والمنفى، كما تجاوز فكرة المأوى، ليصبح نوعاً من (الفردوس المفقود) والصراع الجدلي المستمر بين الحضور والغياب».

جاء ذلك بمثابة تطوُّر لافت، بعد أن ارتبط في البدايات الأولى بمسقط الرأس في قرية البروة، حيث رُسمت ملامحه من خلال تفاصيل حسية بسيطة: رائحة القهوة وخبز الأم، وشجر الزيتون، ليكون البيت هنا متطابقاً مع «الوطن» في صيغته الرومانسية المباشرة، حيث تسود علاقة عضوية بين الشاعر والأرض.

ومع نضج تجربة الشاعر وتعمق مأساة الاقتلاع من الأرض، خضع مفهوم البيت لتحوُّل جذري ليُعرّف بضده، أي بالمنفى، أي أنه لا يتحقق ولا يُدرك إلا من خلال فقدانه، وهو ما يسميه النقاد بـ«شعرية الفقد».

إنه ليس ذلك الحيز الذي نسكن فيه، بل هو الذي يسكن فينا كجرح أو كحلم. يظهر البيت أحياناً كفضاء مثير للجدل والمشاعر المتناقضة، على نحو يجمع بين الألفة والوحشة؛ فالمبنى الذي استولى عليه «الآخر» لم يعد بيتاً، بل صار مكاناً غريباً، ما خلق حالة من «الاغتراب في المكان» تستدعي استحضار الأدوات المنزلية البسيطة وتحويلها إلى رمز لمقاومة النسيان، كالمزهريات والشبابيك، والمفاتيح الصدئة، وغيرها من عناصر تعيد بناء الذاكرة في مواجهة محاولات المحو.

في المراحل الأخيرة من أعمال درويش، اتسع مفهوم البيت ليشمل البُعد الكوني والأسطوري، ليتجاوز كل فلسطين وتتقاطع صورته مع القبر والرحم والمطلق. إنه يمثل «العودة الأبدية» إلى الذات، والتصالح مع فكرة أنه قد يكون «قصيدة» أو «إيقاعاً». كما يظهر البيت في هذه المرحلة وكأنه يجسد حالة من «الخفة»، بعد التخلص من «ثقل» الطين، حيث تصالح درويش مع فكرة «الشتات الوجودي»، معتبراً أن الاستقرار الحقيقي يكمن في النص لا في المكان.


«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية

«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية
TT

«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية

«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية

تعد رواية «لم يتبق غيرها» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة للكاتب الأميركي رايلي ساجر، ترجمة عبد الرحيم يوسف، بمثابة نص نموذجي للقارئ الباحث عن حبكة درامية تمزج الإثارة بالرعب، من خلال سرد تشويقي متصاعد ومفاجآت لا تنتهي، ونهاية صادمة غير متوقَّعة، لكاتب مشهور بقدرته على حبس أنفاس القارئ حتى اللحظة الأخيرة، وتُرجمت أعماله إلى أكثر من 35 لغة حول العالم.

تحكي أحداث الرواية كيف أنه في ليلة دامية عام 1929 هزَّت الجريمة المروعة لقتل عائلة هوب ساحل ولاية مين، فيما يعتقد الجميع أن الابنة لينورا ذات الأعوام السبعة عشر هي الفاعلة، ولكن الشرطة لم تتمكن من إثبات ذلك قط، ومنذ ذلك الحين لم تنبس الفتاة بكلمة عن تلك الليلة، ولم تغادر القصر المنعزل حيث وقعت المأساة.

في عام 1983، بعد أربعة وخمسين عاماً تصل كيت مقدمةُ الرعاية الصحية الجديدة إلى القصر لرعاية لينورا، التي باتت عاجزة ومقيَّدة إلى كرسي متحرك، بعد سلسلة من السكتات الدماغية التي أفقدتها صوتها، ولم يعد بمقدورها التواصل إلا عبر آلة كاتبة قديمة.

وذات ليلة، تنقر لينورا مفاتيح تلك الآلة برسالة لم تكن تتوقعها كيت:« أريد أن أخبرك بكل شيء... لم تكن أنا»، هكذا أقسمَتْ، لكنها الوحيدة التي لم تَمُت. وبينما تساعد «كيت» العجوز المقعدة في سرد الأحداث التي سبقت الجريمة المروعة، وتتكشف أسرار دفينة، يبدو أن الحقيقة أكثر غموضاً مما يعتقده الجميع، حتى تبدأ كيت في الشك: هل لينورا العاجزة ضحية حقّاً، أم أنها تخفي وجهاً آخر أكثر خطورة؟

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«أول ما أتذكره، الشيء الذي ما زالت تنتابني الكوابيس حوله، هو عندما انتهى كل شيء. أتذكر هدير الريح وأنا أخطو على الشرفة، كانت تهب من المحيط في زوابع عاوية تحتكّ بالمنحدر، قبل أن تصفعني مباشرة وأنا أهتزّ واقفة على كعبي شاعرةً كأن حشداً جامداً غير مرئي يدفعني للوراء نحو المنزل.

آخر مكان أردتُ أن أكون فيه!

استعدتُ توازني مزمجرةً، وبدأت أشقّ طريقي عبر الشرفة التي صارت أرضيتُها زلقةً بفعل المطر المنهمر. كانت تُمطِر بغزارة وحبات المطر شديدة البرودة كأن كل قطرة منها وخزة إبرة، وبسرعة شديدة وجدت نفسي وقد أفقت من حالة الذهول التي كنت فيها، وانتبهت فجأة، وبدأت ألاحظ الأشياء، قميص نومي ملطخ بالأحمر، ويداي دافئتان ولزجتان بالدم.

السكين ما زالت في قبضتي، كانت هي أيضاً ملوثةً بالدم، لكن المطر البارد طفق ينظفها بسرعة. الآن ظللت أتقدّم مخترقةً الريح التي كانت تدفعني إلى الوراء، وأنا ألهث مع كل قطرة مطر حادة، وأمامي كان المحيط وقد أهاجته العاصفة بسياطها، وصارت أمواجه تتحطم على سفح المنحدر تحتي بخمسين قدماً، لا يفصلني عن هوة البحر المظلمة إلا السياج الرخامي القصير الممتد بطول الشرفة. عندما بلغتُ السياج أصدرتُ صوتاً غريباً مخبولاً مخنوقاً نصف ضحكة ونصف نشيج.

استدرت عائدة إلى المنزل، كل نافذة في كل غرفة كانت مضاءة متوهجة مثل الشموع التي زينت كعكة عيد ميلادي متعددة الطوابق قبل ثمانية أشهر، لكني كنت أعرف أن المظاهر خادعة، وأنه حتى السجون قد تبدو جميلة لو أضيئت على نحو صحيح».