سجال أميركي ـ صيني في الأمم المتحدة حول العنصرية

بكين رفضت «الأكاذيب الأميركية»... وواشنطن اتهمتها بارتكاب «إبادة» بحق الأويغور

مندوبة واشنطن لدى الأمم المتحدة ليندا توماس-غرينفيلد (أ.ف.ب)
مندوبة واشنطن لدى الأمم المتحدة ليندا توماس-غرينفيلد (أ.ف.ب)
TT

سجال أميركي ـ صيني في الأمم المتحدة حول العنصرية

مندوبة واشنطن لدى الأمم المتحدة ليندا توماس-غرينفيلد (أ.ف.ب)
مندوبة واشنطن لدى الأمم المتحدة ليندا توماس-غرينفيلد (أ.ف.ب)

شهد اليوم الدولي للقضاء على التمييز العنصري الذي أحيته الجمعية العامة للأمم المتحدة سجالاً قارصاً بين المندوبة الأميركية الدائمة لدى المنظمة الدولية ليندا توماس - غرينفيلد، التي اتهمت الصين بارتكاب «إبادة جماعية» ضد مسلمي الأويغور والأقليات الأخرى، ونائب المندوب الصيني داي بينغ، الذي أشار إلى الكراهية «وحتى القتل الوحشي للأشخاص المتحدرين من أصول أفريقية وآسيوية» في الولايات المتحدة.
وبدأ هذا الصدام الدبلوماسي الحاد بعدما ذكرت السفيرة توماس - غرينفيلد بأنها متحدرة من أسرة أفريقية عانت العنصرية، قائلة: «أعرف الوجه القبيح للعنصرية. لقد عشت العنصرية وعانيت العنصرية ونجوت من العنصرية»، مضيفة أن «العنصرية هي مشكلة العنصري. ومشكلة المجتمع هي التي تنتج العنصري. وفي عالم اليوم في كل مجتمع». وكانت صريحة بحدود غير معهودة حيال تاريخ الولايات المتحدة، إذ اعترفت بأن «العبودية هي الخطيئة الأصلية لأميركا»، موضحة أن «تفوق البيض ودونية السود منسوجان في وثائقنا ومبادئنا التأسيسية». وأكدت أن «العنصرية كانت ولا تزال تشكل تحدياً يومياً أينما كنا. وبالنسبة إلى الملايين، هذا أكثر من تحدٍ. إنه قاتل»، مشيرة على سبيل المثال إلى ميانمار حيث «يتعرض مواطنو الروهينغا وغيرهم للقمع والانتهاكات وللقتل بأعداد مذهلة»، وإلى الصين حيث «ترتكب الحكومة إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية ضد الأويغور وأفراد الأقليات العرقية والدينية الأخرى في شينجيانغ» بشمال غربي الصين. وكذلك قدمت توماس غرينفيلد بعض النصائح لمواجهة العنصرية عالمياً، قائلة: «نحن بحاجة إلى تفكيك سيادة البيض في كل منعطف». وأوضحت أن «هذا يعني النظر إلى أنواع أخرى من الكراهية أيضاً»، مشيرة إلى تقارير مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) عن ارتفاع جرائم الكراهية خلال السنوات الثلاث الماضية، أخيراً إلى مستوى لم نشهده منذ أكثر من عقد، خصوصاً «ضد الأميركيين اللاتينيين والسيخ والأميركيين المسلمين والأميركيين اليهود والمهاجرين». وتطرقت إلى مقتل ثمانية أشخاص، بينهم ستة آسيويون، برصاص مسلح أبيض في أتلانتا (بولاية جورجيا) خلال الأسبوع الماضي. ورأت أن هذا «ليس إلا أحدث مثال على هذا الرعب». وشددت على أنه «من المهم للغاية أن نقف سوية - نقف متحدين - ضد هذه الآفة»، قائلة إن «لدينا عيوباً - عيوباً عميقة وخطيرة. لكننا نتحدث عنها (...) ونحن نعمل على معالجتها».
وما إن انتهت توماس - غرينفيلد من كلمتها، طلب نائب المندوب الصيني داي بينغ، الذي لم يكن مدرجاً في قائمة المتحدثين، حق الرد لرفض ما سماه الادعاءات الأميركية المدفوعة سياسياً، معتبراً أنها «عمل من أعمال الترويج للشائعات مرة تلو الأخرى، وهي كذبة عارية». وإذ اتهم الولايات المتحدة بالتدخل في الشؤون الداخلية للصين، قال إن «الكذب هو الكذب»، وإن «الحقيقة ستنتصر في نهاية المطاف». وأشار إلى ما أوردته المندوبة الأميركية في كلامها حول أصلها الأفريقي، معتبراً أنه «في حال استثنائية، اعترفت بسجل حقوق الإنسان السيئ لبلدها، لكن هذا لا يمنح هذه الدولة ترخيصاً بركوب أعلى ما في خيلها لإبلاغ البلدان الأخرى بما ينبغي القيام به». ونصح الولايات المتحدة بأن «تتخلص من تحيزها الآيديولوجي»، وبأن تتوقف عن استخدام حقوق الإنسان لأغراض سياسية وإثارة المواجهات السياسية، فضلاً عن تعطيل التعاون الدولي في مجال حقوق الإنسان.
وقال: «أقترح عليك اتخاذ إجراءات عملية لوضع حد لسلسلة مستمرة من حوادث التمييز والكراهية، بل وحتى القتل الوحشي للأشخاص المتحدرين من أصل أفريقي وآسيوي». وأضاف أن الولايات المتحدة «ستخدم قضية حقوق الإنسان الدولية بشكل أفضل من خلال بذل المزيد من الجهد في العمل العملي والبناء».
ويسلط هذا الصدام الضوء على التوترات المتزايدة بين الولايات المتحدة والصين، التي برزت بوضوح في أول اجتماع شخصي بين دبلوماسيين أميركيين وصينيين منذ تولي الرئيس جو بايدن منصبه.
كان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، افتتح هذا الاجتماع بالقول إن «العنصرية جائحة تجتاح العالم»، مشيراً إلى أن «الظلم التاريخي والعنصرية ساهما في الفقر والتهميش والإقصاء المجتمعي وانعدام الاستقرار». وأعاد إلى الأذهان قتل شرطة جنوب أفريقيا 69 شخصاً كانوا يحتجون بشكل سلمي ضد الفصل العنصري وقوانينه عام 1960، قائلاً إنه «على الرغم من تخطي نظام الفصل العنصري، إلا أن العنصرية حول العالم لا تزال قائمة».
وكذلك أقر رئيس الجمعية العامة، فولكان بوزكير، بأنه على الرغم من مضي 55 عاماً على إقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة لليوم الدولي للقضاء على التمييز العنصري، فإن هذا لا يزال قائماً. وحضت المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان ميشال باشيليه الدول الأعضاء على التعجيل بإنشاء منتدى دائم معني بالمتحدرين من أصول أفريقية، وصوغ مشروع إعلان الأمم المتحدة لتعزيز حقوق الإنسان للمتحدرين من أصول أفريقية.


مقالات ذات صلة

الشرطة قد تتدخل في إساءة عنصرية للاعب نيوكاسل

رياضة عالمية جو ويلوك لاعب نيوكاسل (يمين) تعرض لإساءات عنصرية (د.ب.أ)

الشرطة قد تتدخل في إساءة عنصرية للاعب نيوكاسل

استنكر نادي نيوكاسل يونايتد «الإساءات العنصرية والتهديدات العنيفة والمقلقة» عبر مواقع التواصل الاجتماعي تجاه لاعبه جو ويلوك.

«الشرق الأوسط» (نيوكاسل (إنجلترا))
رياضة عالمية مهاجم بورنموث أنطوان سيمينيو (د.ب.أ)

مشجع لليفربول يدفع ببراءته في قضية الإساءة العنصرية ضد سيمينيو

دفع مشجع لنادي ليفربول ببراءته من تهمة توجيه إساءة عنصرية إلى مهاجم بورنموث، أنطوان سيمينيو، خلال مباراة في الدوري الإنجليزي.

The Athletic (ليفربول)
رياضة عالمية الغاني أنطوان سيمينيو لاعب بورنموث (أ.ف.ب)

اتهام مشجع بالإساءة إلى سيمينيو لاعب بورنموث في لقاء ليفربول

أعلنت الشرطة الثلاثاء عن اتهام مشجع بالإساءة العنصرية إلى أنطوان سيمينيو، لاعب بورنموث، خلال مباراة فريقه أمام ليفربول على ملعب آنفيلد.

«الشرق الأوسط» (ليفربول)
أفريقيا رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامابوسا (رويترز) p-circle

رئيس جنوب أفريقيا: فكرة تفوق العرق الأبيض تهدد سيادة البلاد

قال رئيس جنوب أفريقيا، الاثنين، إن أفكار التفوق العرقي للبيض تشكل تهديداً لوحدة البلاد بعد انتهاء نظام الفصل العنصري ولسيادتها وعلاقاتها الدبلوماسية.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
رياضة عالمية جماهير أتلتيكو مدريد تسببت في تغريم ناديها (رويترز)

تغريم أتلتيكو مدريد بسبب سلوك مشجعيه «العنصري» ضد آرسنال

وقّع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (اليويفا) غرامة قدرها 30 ألف يورو على أتلتيكو مدريد.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟