الجزائر: خطة تبون لطي «المرحلة البوتفليقية»

«المجتمع المدني»... بديلاً للأحزاب التقليدية لكن بوجوه قديمة

الجزائر: خطة تبون لطي «المرحلة البوتفليقية»
TT

الجزائر: خطة تبون لطي «المرحلة البوتفليقية»

الجزائر: خطة تبون لطي «المرحلة البوتفليقية»

يسيطر على المشهد السياسي في الجزائر حالياً، نشاط غير عادي لتنظيمات ما يسمى «المجتمع المدني»، لاكتساح انتخابات البرلمان المبكّرة المقررة يوم 12 يونيو (حزيران) المقبل. وتنظر غالبية الأحزاب، بما فيها الموالية للسلطة، بعين الريبة للقضية لقناعة لديها بأن الرئاسة تبحث عن تشكيل غالبية برلمانية لصالح الرئيس عبد المجيد تبّون، خارج الأحزاب السياسية، وهذا بعكس ما دأبت عليه السلطة في الـ20 سنة الماضية.
«نداء الوطن» و«المسار الجديد»... تكتلان كبيران يضمان المئات من الجمعيات الصغيرة والنقابات والناشطين في الأحياء الشعبية في مجالات الثقافة والعمل الخيري الجواري، أطلقتهما الرئاسة خلال الأشهر الماضية بغرض إعداد لوائح الترشيحات؛ تحسباً لانتخابات البرلمان المقررة بعد ثلاثة أشهر. ويرتقب أن يكتسح المنتسبون لهذين الكيانين، «المجلس الشعبي الوطني» في نسخته الجديدة، ويعوَل عليهما الرئيس تبَون لتشكيل «غالبيته» البرلمانية التي ستدعم سياساته وكل مشاريعه، وبخاصة مشاريع القوانين التي يريدها لتعزيز سلطته الرئاسية في الولاية الأولى (2019 – 2024). وحلَ الرئيس «المجلس الوطني» مطلع الشهر الماضي، وفي رأيه أن ذلك «يستجيب لمطالب الحراك».
يقود «النداء» نزيه بن رمضان، المستشار في الرئاسة المكلف المجتمع المدني والمهاجرين الجزائريين في الخارج، وسبق له أن كان برلمانياً في حزب «الحركة الشعبية الجزائرية» الموالي للرئيس السابق. ورئيسه وزير التجارة سابقاً عمارة بن يونس، سُجن بتهم فساد بعد سقوط بوتفليقة.
أما «المسار» فيرأسه منذر بودن، قيادي «التجمع الوطني الديمقراطي» الذي يرأسه أحمد أويحيى، رئيس الوزراء ومدير مكتب بوتفليقة سابقاً، الذي يقضي حالياً عقوبة 12 سنة في السجن بتهم تبديد المال العام واستغلال النفوذ والتربّح غير المشروع. وفوق هذا، كان بودن ضمن طاقم حملة الولاية الخامسة لبوتفليقة التي أسقطها الحراك. ولقد دافع بن مضان عن «استقلال نداء الجزائر عن السلطة». وصرّح للإعلام بأن «المبادرة ليست لجنة مساندة لأي أحد، ويقودها أشخاص نزهاء ولا تشبه المبادرات السابقة، لكن هناك مَن يعمل على تهديم كل الروابط الهادفة إلى تغيير حقيقي، كما أنهم يهاجمون كل مسعى إيجابي».
المثير في الحركية السياسية التي يرعاها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون، أن الذين يديرونها وجوه موروثة من العهد السابق، بينما يرفع هو «راية الجزائر الجديدة» و«القطيعة مع ممارسات الماضي ووجوهه»!... واللافت أيضاً أن تبّون أعاد إلى الواجهة، العديد من المسؤولين من فترة حكم بوتفليقة. فقبل أسابيع قليلة، أحدث تعديلاً جزئياً على حكومته، حمل تعيين علي بوغازي، قارئ خطب الرئيس السابق، وزيراً للسياحة. وكذلك أعاد إلى وزارة البيئة دليلة بوجمعة، التي شغلت هذا المنصب في الولاية الرابعة لبوتفليقة (2014 – 2019).
ومن ثم، كان أول من انتقد مسعى استبدال الأحزاب بالمجتمع المدني، في العمل السياسي، هو الحزب الإسلامي «حركة مجتمع السلم». إذ ذكر الحزب في بيان له، أن «من خصائص المجتمع المدني المفيد، أن يكون متعاوناً مع محيطه الرسمي وغير الرسمي، ولكن ضمن وظيفته المجتمعية التشاركية، وليس الوظيفة السياسية التمثيلية». وأبرز أن المجتمع المدني «لا يستفيد من الدولة إلا ضمن قوانين مناسبة لحرية التأسيس والمبادرة، وضمن دعم يكون على أساس عقود برامجية شفافة، تمنح حسب الفاعلية لصالح المجتمع وليس لأغراض سياسية تفسده وتفسد المجتمع».
وأكد هذا الحزب الإسلامي أيضاً، أن «الممارسات المتكررة في التسخير السياسي لبعض منظمات المجتمع المدني، خصوصاً على مقربة من الانتخابات، ومحاولات تشكيل قوى ومبادرات جديدة بتشجيع من أطراف تتحدث باسم الدولة، مركزياً ومحلياً، هو ممارسة مكشوفة تذكرنا بأجواء سابقة معروفة العواقب، حيث ستفرز مرة أخرى فقاعات من الزبونية والسلوكيات الطفيلية والانتهازية التي لم ينفع البلد نظيراتها في وقت سابق، والمضرة بالعملية السياسية والمنفرة من الانتخابات، والخطيرة على حاضر ومستقبل البلاد». وفي هذا إشارة إلى ممارسات مشابهة ميّزت فترة حكم بوتفليقة، وذلك بإطلاق «لجان مساندة لبرنامج الرئيس»، كانت أحد أساسات حكم بوتفليقة وقوة ضاربة خلال حملاته في انتخابات الرئاسة، كما كانت دعامة للأحزاب الموالية للسلطة التي سيطرت على البرلمان لمدة 20 سنة.
- المجتمع المدني... جمعيات مساندة أم سلطة مضادة؟
يملك أستاذ التاريخ والناشط السياسي البارز محند ارزقي فرّاد، رؤية لهذا الموضوع. فقد كتب يقول «كثر حديث السلطة في الآونة الأخيرة حول مفهوم (المجتمع المدني)، فهل تفعل ذلك من أجل توعية المجتمع وتحريره وتنويره؟ أم من أجل المغالطة والالتفاف على مطالب الحراك الشعبي الهادفة إلى بناء منظومة سياسية جديدة، أساسها الحرية والعدل والقانون وسيادة الشعب؟».
وأضاف «لقد ترسّخ مفهوم المجتمع المدني في الثقافة الديمقراطية في العالم الحرّ، كقيمة من القيَم العاملة على حفظ توازن الدولة واحترام حقوق الإنسان وتكريس حق الاختلاف والحوار كوسيلة لمعالجة الخلافات. يُقصد بمفهوم المجتمع المدني تلك الجمعيات والنقابات والتنظيمات المتنوّعة، التي يشكلها الأفراد والجماعات للدفاع عن مصالح وقيم وأهداف مشتركة ولزرع أخلاق (الإيثار العام) في المجتمع، ويتم ذلك خارج نفوذ الدولة والحكومة. ومن ثمّ فهو (أي المجتمع المدنيّ) لا ينتمي إلى المجتمع السياسي الذي تشكل فيه الأحزاب السياسية عموده الفقري».
وبحسب فرَاد، أهمّ ما يميّز نشاط جمعيات ونقابات المجتمع المدني، هو «الاستقلالية بكل دلالاتها عن المجتمع السياسيّ، وكذا الطابع التطوّعي في خدمة الصالح العام (عمل خيري غير ربحيّ)، وهذا من أجل الحفاظ على قدرتها في التأثير على مراكز القرار السياسي بالنقد البناء، سواءً عن طريق الكتابة أو بالنشاط الميداني (مظاهرات/ إضرابات/ وقفات احتجاجية، وما إلى ذلك من أساليب النضال السلمية المضمونة بقوة الدساتير)».
ثم تابع «من سمات المجتمع المدني أيضاً، أنه ليس له طموح سياسي للوصول إلى السلطة، فهذه الأخيرة هي علّة وجود الأحزاب السياسية التي تنشأ أصلاً من أجل المنافسة الشريفة، للوصول إلى السلطة بإرادة الشعب. ويعتبر المجتمع المدني إحدى آليات الرقابة على المجتمع السياسيّ، بأدائه دور السلطة المضادة المراقبة للحكومات، ولمحاربة الفساد السياسيّ، ولدرء أخطار الانزلاق إلى أتون الممارسات الشمولية، كما تندرج (ثقافة الحوار) ضمن فلسفة المجتمع المدني كوسيلة لإيجاد الحلول للتناقضات التي تعتمل في أعماق المجتمع. هذه هي الرؤية الشاملة للمجتمع المدني وعلاقته بالمجتمع السياسي، وما عدا ذلك فهو يعتبر حالة استثنائية تندرج ضمن مقولة (الشاذ يحفظ ولا يقاس عليه)».
وتساءل فرّاد «هل فهم حكامنا مصطلح (المجتمع المدنيّ) فهماً صحيحاً؟... توحي ممارسات السلطة العاملة على إعادة «رسكلة» فئة الانتهازيين الموالين للنظام السياسي - الذين تملؤهم ذهنية القطيع والعلف - أنّ الحكام عندنا يروّجون الفهم السقيم لمصطلح المجتمع المدني، عن عمد وسبق إصرار وبنيّة مخادعة الرأي العام؛ لذلك تراهم يختزلونه في كونه لجاناً مساندة للسلطة القائمة؛ وهذا ما يجعلني لا أستبعد احتمال توجيه الانتخابات البرلمانية القادمة، لصالح هذه الفئة التي دأب أصحابها على بيع ضمائرهم مقابل مغانم وامتيازات غير مشروعة».
وتابع «لعل ما يوحي بذلك جعجعة حديث السلطة عن لجان المساندة لها، والمنسوبة ظلماً وقسراً إلى المجتمع المدني، وقد صارت هذه الجعجعة تصمّ الآذان، من خلال أخبار القنوات الإعلامية العمومية المصادرة من طرف السلطة، وصار ممثلو هذه اللجان يصولون ويجولون في المنابر الإعلامية المسموعة والمرئية والمقروءة، في الوقت الذي يعاني فيه (حراك الشعب) من المقاطعة والإقصاء، كأن الشعب الجزائري لم يصنع ثورة بيضاء أثارت إعجاب العالم بوعيها وسلميتها!».
وأكد فرّاد، وهو قيادي سابق في «جبهة القوى الاشتراكية»، أقدم حزب معارض، أن «من آليات المخادعة الواردة في سياق توظيف مفهوم المجتمع المدني خارج سياقه الصحيح، مغازلة حكّامنا لبعض الشباب بعبارة (المشاركة السياسية) التي يختزلونها في الاستشارة والمساندة فقط، في حين أن المشاركة السياسية الحقيقية تتجسّد في رقابة المجتمع المدني للحكام وفي اختيارهم وفي إسقاطهم» ولفت هنا إلى ما تناوله الكاتب غسان الخالد في أحد مؤلفاته قائلاً «تعني المشاركة السياسية في الدولة الحديثة أن المجتمع المدني بتكويناته المختلفة، قادر على التأثير في اتخاذ القرارات ذات العلاقة المباشرة أو الطويلة الأمد بحياته ومصيره، قد يصل في حدّه الأقصى إلى عملية صياغة شكل الدولة نفسها، بما في ذلك اختيار النظام السياسي وانتخاب الحكومة ومحاسبتها وتغييرها بشكل دوريّ، في إطار تداول السلطة الخاضع للمحاسبة، وذلك من خلال الانتخابات القائمة على البرامج الانتخابية».
- دور الحراك في قلب المعادلة
هذا، وأمام إصرار الرئيس تبّون على تنفيذ خريطة الطريق المسطَرة قبل انتخابات الرئاسة، والتي أهم ما فيها تعديل الدستور (وقد تم) وتنظيم تشريعيات مبكّرة، يطرح قطاع من نشطاء الحراك إشكالية تحوَّله إلى حزب لينافس الأحزاب الموالية للسلطة في الانتخابات، وتكون لديه بالتالي فرصة لفرض رؤيته للتغيير في البرلمان. ولن يكون ذلك إلا باختيار ممثلين له، بحسب أصحاب هذا الطرح.
هنا يقول المحلل السياسي، محمد هنَاد عن هذه القضية «الحراك ليس تياراً سياسياً أو زعامات سياسية. إنه إرادة جماعية تسعى لفرض التغيير على السلطة ومختلف القوى السياسية من أجل قيام نظام سياسي يتماشى وروح العصر، نظام يشتغل بمؤسسات مشبَّعة بروح المواطنة وليس بولاءات، تاريخية كانت أو دينية. إن الذين يصرون على تمثيل الحراك، إما لأنهم لا يدركون مخاطره أو هم ممن يريدون إجهاضه - زرّاع فوضى وعناصر في أجهزة السلطة - أو لأنهم يريدون انتهاز فرصته تحقيقاً لطموحات سياسية؛ وهذا أمر متوقَّع على أي حال».
وأكد هنَاد أن «المشكل عندنا يكمن، أصلاً، في مواصلة اعتبار السياسة صراعاً من أجل الغلبة وليس من أجل التنافس على حسن الأداء في تدبير شؤون الجماعة الوطنية. من بين المشكلات التي تجعل مهمة السلطة الحالية في غاية الصعوبة؛ كونها فاقدة للمشروعية لأنها لم تأتِ نتيجة انتخاب حقيقية، بل نتيجة أجندة انفرادية. كذاك، لا بد ألا ننسى الظروف التي تمت فيها الانتخابات الرئاسية. من الواضح أنها كانت انتخابات منقوصة المشروعية، وذلك لثلاثة أسباب: أولاً، تم تنظيمها رغم أنف الحراك. ثانياً، نسبة المشاركة فيها كانت هزيلة، لا سيما بالنظر إلى الوضع الحرج الذي كانت الجزائر تمر به. ثالثاً، هناك منطقة بأكملها (منطقة القبائل) من الوطن لم تنتخب! فكيف يمكن للرئيس الحالي أن يفكر في زيارتها يوماً ما؟».
من جهته، كتب الصحافي نجيب بلحيمر، الذي يوصف بـ«كاتب الحراك»، على حسابه بـ«فيسبوك»، قائلاً «تعلم السلطة جيداً أنها لا تملك الموارد والكفاءات التي تسمح لها بتسيير المرحلة بطريقة آمنة. كل ما تعِد به هو مزيد من الانتخابات الفاقدة للمصداقية والعاجزة عن إبداع حلول. ولأنها لا تملك أي رؤية ولا تستطيع أن تفكر في تغيير الاتجاه؛ فإنها ستعيد العمل بخيارات قديمة أثبتت فشلها منذ سنوات، لكنها تحولت منذ سنتين إلى السير فوق رمال متحركة».
وأردف «لا تمثل السلمية (الطابع السلمي للمظاهرات) أي خطر على البلاد، فهي التنبيه الذي يصدر من جزائريين يعنيهم شأن وطنهم. لكن في مقابلها تمثل السلطة الحاكمة تهديداً حقيقياً لاستقرار الجزائر ومستقبلها؛ فالمظاهرات لم تمنع الحكومة من أداء مهامها، ولم تمنع المسؤول الأول في البلاد من إظهار الحد الأدنى من الأهلية لتولي المنصب الذي يشغله، وهي لم تمنع وسائل الإعلام الواقعة تحت سيطرة السلطة من إقناع الناس. والذين يشتغلون منذ أكثر من سنة بالحديث عن نهاية الحراك، عليهم أن يبشّروا الجزائريين بما هو أفضل منه، أو يساعدوا السلطة بما أوتوا من حكمة».
ثم تابع «الخراب السياسي الذي خلفته ثلاثة عقود من الاستبداد والرداءة، أفرغ السياسة من المعنى. والقواعد التي فرضها نظام حكم لم يشارك الجزائريون في صياغته ولم يكونوا أبداً طرفاً فيه، انتهت صلاحيتها اليوم، وما تدفع باتجاهه السلطة اليوم هو حالة من (استحالة الحكم) لا ينبه إلى خطورتها إلا هذا الشارع، الذي قررت فئة من الجزائريين أن تبقيه مفتوحاً كفضاء وحيد متاح للتعبير الحر والكفاح من أجل المواطنة».
> أهم المحطات منذ بداية الحراك الشعبي الجزائري
- 22 فبراير (شباط) 2019: خروج الجزائريين إلى الشارع للاحتجاج على ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة.
- 02 أبريل (نيسان): بوتفليقة يقدم استقالته لرئيس المجلس الدستوري الطيب بلعيز، بعدما أمره رئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح بالتنحّي في اليوم نفسه، وذلك خلال اجتماعه بقادة النواحي العسكرية وكوادر وزارة الدفاع.
- 09 أبريل: تعيين رئيس مجلس الأمة عبد القادر بن صالح رئيساً للدولة، لمدة 90 يوماً وفقاً للمادة 102 من الدستور، بعدما أعلن رسمياً الشغور النهائي لمنصب رئيس الجمهورية إثر استقالة عبد العزيز بوتفليقة.
- 02 سبتمبر (أيلول): رئيس أركان الجيش يصرّح بأنه «يستحسن» أن يكون استدعاء الهيئة الانتخابية تحسباً للاقتراع الرئاسي في يوم 15 من الشهر نفسه. وبذلك جرى تحديد تاريخ الاستحقاق بعد 3 أشهر كما ينص عليه الدستور.
- 12 ديسمبر (كانون الأول): إجراء انتخابات الرئاسة بترشح 6 شخصيات سياسية. ولقد بلغت نسبة التصويت 38.9 في المائة. وعلى الأثر أعلن فوز عبد المجيد تبّون بحصوله على نسبة 58.2 في المائة من الأصوات.
- في 23 ديسمبر: وفاة قائد الجيش الفريق قايد صالح بسكتة قلبية. وعُدّ غيابه «خسارة للجناح المعادي للمتنفذين المتشبّعين بالثقافة الفرنكفونية في الحكم».
- 8 يناير (كانون الثاني) 2020: تبّون يكلف لجنة خبراء مكوّنة من 17 عضواً، بقيادة الخبير الدستوري الدولي أحمد لعرابة، بإعداد مسوّدة دستور جديد، خلال 3 أشهر كحد أقصى. وتضمنت المسوّدة اقتراحات عديدة، أهمها: استحداث منصب نائب للرئيس، وتوسيع صلاحيات رئيس الحكومة، ورفع الحظر عن تنفيذ الجيش عمليات خارج الحدود للمرة الأولى.
- 4 يوليو (تموز): الرئيس يعلن رغبته إجراء استفتاء حول التعديل الدستوري.
- 19 سبتمبر: تجمع لداعمي الرئيس تمخّض عن مولد «تكتل المسار الجديد».
- 01 نوفمبر (تشرين الثاني): إجراء استفتاء تعديل الدستور. وبلغت فيه نسبة المشاركة 23 في المائة.
- 03 نوفمبر: الرئاسة تعلن إصابة الرئيس تبّون بفيروس «كوفيد – 19». ولقد نقل بعد ثلاثة أيام إلى ألمانيا لتلقي العلاج. استشفاء الرئيس استغرق 3 أشهر. وعاد مطلع عام 2021 للتوقيع على قانون الموازنة، وعلى مرسوم التعديل الدستوري. لكنه بعد أسبوعين، عاد إلى ألمانيا لإجراء عملية جراحية على رجله بسبب تبعات الإصابة بالفيروس.
- 18 فبراير 2021: تبّون يعلن حل «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية الأولى)، ولاحقاً دعا لانتخابات برلمانية وحدّد يوم 12 يونيو (حزيران) تاريخاً لها.
- 6 مارس (آذار): انعقاد اجتماع كبير لداعمي سياسة الرئيس، انتهى بالإعلان عن تكتل للمجتمع المدني سُمّي «نداء الوطن».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.