الجزائر: خطة تبون لطي «المرحلة البوتفليقية»

«المجتمع المدني»... بديلاً للأحزاب التقليدية لكن بوجوه قديمة

الجزائر: خطة تبون لطي «المرحلة البوتفليقية»
TT

الجزائر: خطة تبون لطي «المرحلة البوتفليقية»

الجزائر: خطة تبون لطي «المرحلة البوتفليقية»

يسيطر على المشهد السياسي في الجزائر حالياً، نشاط غير عادي لتنظيمات ما يسمى «المجتمع المدني»، لاكتساح انتخابات البرلمان المبكّرة المقررة يوم 12 يونيو (حزيران) المقبل. وتنظر غالبية الأحزاب، بما فيها الموالية للسلطة، بعين الريبة للقضية لقناعة لديها بأن الرئاسة تبحث عن تشكيل غالبية برلمانية لصالح الرئيس عبد المجيد تبّون، خارج الأحزاب السياسية، وهذا بعكس ما دأبت عليه السلطة في الـ20 سنة الماضية.
«نداء الوطن» و«المسار الجديد»... تكتلان كبيران يضمان المئات من الجمعيات الصغيرة والنقابات والناشطين في الأحياء الشعبية في مجالات الثقافة والعمل الخيري الجواري، أطلقتهما الرئاسة خلال الأشهر الماضية بغرض إعداد لوائح الترشيحات؛ تحسباً لانتخابات البرلمان المقررة بعد ثلاثة أشهر. ويرتقب أن يكتسح المنتسبون لهذين الكيانين، «المجلس الشعبي الوطني» في نسخته الجديدة، ويعوَل عليهما الرئيس تبَون لتشكيل «غالبيته» البرلمانية التي ستدعم سياساته وكل مشاريعه، وبخاصة مشاريع القوانين التي يريدها لتعزيز سلطته الرئاسية في الولاية الأولى (2019 – 2024). وحلَ الرئيس «المجلس الوطني» مطلع الشهر الماضي، وفي رأيه أن ذلك «يستجيب لمطالب الحراك».
يقود «النداء» نزيه بن رمضان، المستشار في الرئاسة المكلف المجتمع المدني والمهاجرين الجزائريين في الخارج، وسبق له أن كان برلمانياً في حزب «الحركة الشعبية الجزائرية» الموالي للرئيس السابق. ورئيسه وزير التجارة سابقاً عمارة بن يونس، سُجن بتهم فساد بعد سقوط بوتفليقة.
أما «المسار» فيرأسه منذر بودن، قيادي «التجمع الوطني الديمقراطي» الذي يرأسه أحمد أويحيى، رئيس الوزراء ومدير مكتب بوتفليقة سابقاً، الذي يقضي حالياً عقوبة 12 سنة في السجن بتهم تبديد المال العام واستغلال النفوذ والتربّح غير المشروع. وفوق هذا، كان بودن ضمن طاقم حملة الولاية الخامسة لبوتفليقة التي أسقطها الحراك. ولقد دافع بن مضان عن «استقلال نداء الجزائر عن السلطة». وصرّح للإعلام بأن «المبادرة ليست لجنة مساندة لأي أحد، ويقودها أشخاص نزهاء ولا تشبه المبادرات السابقة، لكن هناك مَن يعمل على تهديم كل الروابط الهادفة إلى تغيير حقيقي، كما أنهم يهاجمون كل مسعى إيجابي».
المثير في الحركية السياسية التي يرعاها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون، أن الذين يديرونها وجوه موروثة من العهد السابق، بينما يرفع هو «راية الجزائر الجديدة» و«القطيعة مع ممارسات الماضي ووجوهه»!... واللافت أيضاً أن تبّون أعاد إلى الواجهة، العديد من المسؤولين من فترة حكم بوتفليقة. فقبل أسابيع قليلة، أحدث تعديلاً جزئياً على حكومته، حمل تعيين علي بوغازي، قارئ خطب الرئيس السابق، وزيراً للسياحة. وكذلك أعاد إلى وزارة البيئة دليلة بوجمعة، التي شغلت هذا المنصب في الولاية الرابعة لبوتفليقة (2014 – 2019).
ومن ثم، كان أول من انتقد مسعى استبدال الأحزاب بالمجتمع المدني، في العمل السياسي، هو الحزب الإسلامي «حركة مجتمع السلم». إذ ذكر الحزب في بيان له، أن «من خصائص المجتمع المدني المفيد، أن يكون متعاوناً مع محيطه الرسمي وغير الرسمي، ولكن ضمن وظيفته المجتمعية التشاركية، وليس الوظيفة السياسية التمثيلية». وأبرز أن المجتمع المدني «لا يستفيد من الدولة إلا ضمن قوانين مناسبة لحرية التأسيس والمبادرة، وضمن دعم يكون على أساس عقود برامجية شفافة، تمنح حسب الفاعلية لصالح المجتمع وليس لأغراض سياسية تفسده وتفسد المجتمع».
وأكد هذا الحزب الإسلامي أيضاً، أن «الممارسات المتكررة في التسخير السياسي لبعض منظمات المجتمع المدني، خصوصاً على مقربة من الانتخابات، ومحاولات تشكيل قوى ومبادرات جديدة بتشجيع من أطراف تتحدث باسم الدولة، مركزياً ومحلياً، هو ممارسة مكشوفة تذكرنا بأجواء سابقة معروفة العواقب، حيث ستفرز مرة أخرى فقاعات من الزبونية والسلوكيات الطفيلية والانتهازية التي لم ينفع البلد نظيراتها في وقت سابق، والمضرة بالعملية السياسية والمنفرة من الانتخابات، والخطيرة على حاضر ومستقبل البلاد». وفي هذا إشارة إلى ممارسات مشابهة ميّزت فترة حكم بوتفليقة، وذلك بإطلاق «لجان مساندة لبرنامج الرئيس»، كانت أحد أساسات حكم بوتفليقة وقوة ضاربة خلال حملاته في انتخابات الرئاسة، كما كانت دعامة للأحزاب الموالية للسلطة التي سيطرت على البرلمان لمدة 20 سنة.
- المجتمع المدني... جمعيات مساندة أم سلطة مضادة؟
يملك أستاذ التاريخ والناشط السياسي البارز محند ارزقي فرّاد، رؤية لهذا الموضوع. فقد كتب يقول «كثر حديث السلطة في الآونة الأخيرة حول مفهوم (المجتمع المدني)، فهل تفعل ذلك من أجل توعية المجتمع وتحريره وتنويره؟ أم من أجل المغالطة والالتفاف على مطالب الحراك الشعبي الهادفة إلى بناء منظومة سياسية جديدة، أساسها الحرية والعدل والقانون وسيادة الشعب؟».
وأضاف «لقد ترسّخ مفهوم المجتمع المدني في الثقافة الديمقراطية في العالم الحرّ، كقيمة من القيَم العاملة على حفظ توازن الدولة واحترام حقوق الإنسان وتكريس حق الاختلاف والحوار كوسيلة لمعالجة الخلافات. يُقصد بمفهوم المجتمع المدني تلك الجمعيات والنقابات والتنظيمات المتنوّعة، التي يشكلها الأفراد والجماعات للدفاع عن مصالح وقيم وأهداف مشتركة ولزرع أخلاق (الإيثار العام) في المجتمع، ويتم ذلك خارج نفوذ الدولة والحكومة. ومن ثمّ فهو (أي المجتمع المدنيّ) لا ينتمي إلى المجتمع السياسي الذي تشكل فيه الأحزاب السياسية عموده الفقري».
وبحسب فرَاد، أهمّ ما يميّز نشاط جمعيات ونقابات المجتمع المدني، هو «الاستقلالية بكل دلالاتها عن المجتمع السياسيّ، وكذا الطابع التطوّعي في خدمة الصالح العام (عمل خيري غير ربحيّ)، وهذا من أجل الحفاظ على قدرتها في التأثير على مراكز القرار السياسي بالنقد البناء، سواءً عن طريق الكتابة أو بالنشاط الميداني (مظاهرات/ إضرابات/ وقفات احتجاجية، وما إلى ذلك من أساليب النضال السلمية المضمونة بقوة الدساتير)».
ثم تابع «من سمات المجتمع المدني أيضاً، أنه ليس له طموح سياسي للوصول إلى السلطة، فهذه الأخيرة هي علّة وجود الأحزاب السياسية التي تنشأ أصلاً من أجل المنافسة الشريفة، للوصول إلى السلطة بإرادة الشعب. ويعتبر المجتمع المدني إحدى آليات الرقابة على المجتمع السياسيّ، بأدائه دور السلطة المضادة المراقبة للحكومات، ولمحاربة الفساد السياسيّ، ولدرء أخطار الانزلاق إلى أتون الممارسات الشمولية، كما تندرج (ثقافة الحوار) ضمن فلسفة المجتمع المدني كوسيلة لإيجاد الحلول للتناقضات التي تعتمل في أعماق المجتمع. هذه هي الرؤية الشاملة للمجتمع المدني وعلاقته بالمجتمع السياسي، وما عدا ذلك فهو يعتبر حالة استثنائية تندرج ضمن مقولة (الشاذ يحفظ ولا يقاس عليه)».
وتساءل فرّاد «هل فهم حكامنا مصطلح (المجتمع المدنيّ) فهماً صحيحاً؟... توحي ممارسات السلطة العاملة على إعادة «رسكلة» فئة الانتهازيين الموالين للنظام السياسي - الذين تملؤهم ذهنية القطيع والعلف - أنّ الحكام عندنا يروّجون الفهم السقيم لمصطلح المجتمع المدني، عن عمد وسبق إصرار وبنيّة مخادعة الرأي العام؛ لذلك تراهم يختزلونه في كونه لجاناً مساندة للسلطة القائمة؛ وهذا ما يجعلني لا أستبعد احتمال توجيه الانتخابات البرلمانية القادمة، لصالح هذه الفئة التي دأب أصحابها على بيع ضمائرهم مقابل مغانم وامتيازات غير مشروعة».
وتابع «لعل ما يوحي بذلك جعجعة حديث السلطة عن لجان المساندة لها، والمنسوبة ظلماً وقسراً إلى المجتمع المدني، وقد صارت هذه الجعجعة تصمّ الآذان، من خلال أخبار القنوات الإعلامية العمومية المصادرة من طرف السلطة، وصار ممثلو هذه اللجان يصولون ويجولون في المنابر الإعلامية المسموعة والمرئية والمقروءة، في الوقت الذي يعاني فيه (حراك الشعب) من المقاطعة والإقصاء، كأن الشعب الجزائري لم يصنع ثورة بيضاء أثارت إعجاب العالم بوعيها وسلميتها!».
وأكد فرّاد، وهو قيادي سابق في «جبهة القوى الاشتراكية»، أقدم حزب معارض، أن «من آليات المخادعة الواردة في سياق توظيف مفهوم المجتمع المدني خارج سياقه الصحيح، مغازلة حكّامنا لبعض الشباب بعبارة (المشاركة السياسية) التي يختزلونها في الاستشارة والمساندة فقط، في حين أن المشاركة السياسية الحقيقية تتجسّد في رقابة المجتمع المدني للحكام وفي اختيارهم وفي إسقاطهم» ولفت هنا إلى ما تناوله الكاتب غسان الخالد في أحد مؤلفاته قائلاً «تعني المشاركة السياسية في الدولة الحديثة أن المجتمع المدني بتكويناته المختلفة، قادر على التأثير في اتخاذ القرارات ذات العلاقة المباشرة أو الطويلة الأمد بحياته ومصيره، قد يصل في حدّه الأقصى إلى عملية صياغة شكل الدولة نفسها، بما في ذلك اختيار النظام السياسي وانتخاب الحكومة ومحاسبتها وتغييرها بشكل دوريّ، في إطار تداول السلطة الخاضع للمحاسبة، وذلك من خلال الانتخابات القائمة على البرامج الانتخابية».
- دور الحراك في قلب المعادلة
هذا، وأمام إصرار الرئيس تبّون على تنفيذ خريطة الطريق المسطَرة قبل انتخابات الرئاسة، والتي أهم ما فيها تعديل الدستور (وقد تم) وتنظيم تشريعيات مبكّرة، يطرح قطاع من نشطاء الحراك إشكالية تحوَّله إلى حزب لينافس الأحزاب الموالية للسلطة في الانتخابات، وتكون لديه بالتالي فرصة لفرض رؤيته للتغيير في البرلمان. ولن يكون ذلك إلا باختيار ممثلين له، بحسب أصحاب هذا الطرح.
هنا يقول المحلل السياسي، محمد هنَاد عن هذه القضية «الحراك ليس تياراً سياسياً أو زعامات سياسية. إنه إرادة جماعية تسعى لفرض التغيير على السلطة ومختلف القوى السياسية من أجل قيام نظام سياسي يتماشى وروح العصر، نظام يشتغل بمؤسسات مشبَّعة بروح المواطنة وليس بولاءات، تاريخية كانت أو دينية. إن الذين يصرون على تمثيل الحراك، إما لأنهم لا يدركون مخاطره أو هم ممن يريدون إجهاضه - زرّاع فوضى وعناصر في أجهزة السلطة - أو لأنهم يريدون انتهاز فرصته تحقيقاً لطموحات سياسية؛ وهذا أمر متوقَّع على أي حال».
وأكد هنَاد أن «المشكل عندنا يكمن، أصلاً، في مواصلة اعتبار السياسة صراعاً من أجل الغلبة وليس من أجل التنافس على حسن الأداء في تدبير شؤون الجماعة الوطنية. من بين المشكلات التي تجعل مهمة السلطة الحالية في غاية الصعوبة؛ كونها فاقدة للمشروعية لأنها لم تأتِ نتيجة انتخاب حقيقية، بل نتيجة أجندة انفرادية. كذاك، لا بد ألا ننسى الظروف التي تمت فيها الانتخابات الرئاسية. من الواضح أنها كانت انتخابات منقوصة المشروعية، وذلك لثلاثة أسباب: أولاً، تم تنظيمها رغم أنف الحراك. ثانياً، نسبة المشاركة فيها كانت هزيلة، لا سيما بالنظر إلى الوضع الحرج الذي كانت الجزائر تمر به. ثالثاً، هناك منطقة بأكملها (منطقة القبائل) من الوطن لم تنتخب! فكيف يمكن للرئيس الحالي أن يفكر في زيارتها يوماً ما؟».
من جهته، كتب الصحافي نجيب بلحيمر، الذي يوصف بـ«كاتب الحراك»، على حسابه بـ«فيسبوك»، قائلاً «تعلم السلطة جيداً أنها لا تملك الموارد والكفاءات التي تسمح لها بتسيير المرحلة بطريقة آمنة. كل ما تعِد به هو مزيد من الانتخابات الفاقدة للمصداقية والعاجزة عن إبداع حلول. ولأنها لا تملك أي رؤية ولا تستطيع أن تفكر في تغيير الاتجاه؛ فإنها ستعيد العمل بخيارات قديمة أثبتت فشلها منذ سنوات، لكنها تحولت منذ سنتين إلى السير فوق رمال متحركة».
وأردف «لا تمثل السلمية (الطابع السلمي للمظاهرات) أي خطر على البلاد، فهي التنبيه الذي يصدر من جزائريين يعنيهم شأن وطنهم. لكن في مقابلها تمثل السلطة الحاكمة تهديداً حقيقياً لاستقرار الجزائر ومستقبلها؛ فالمظاهرات لم تمنع الحكومة من أداء مهامها، ولم تمنع المسؤول الأول في البلاد من إظهار الحد الأدنى من الأهلية لتولي المنصب الذي يشغله، وهي لم تمنع وسائل الإعلام الواقعة تحت سيطرة السلطة من إقناع الناس. والذين يشتغلون منذ أكثر من سنة بالحديث عن نهاية الحراك، عليهم أن يبشّروا الجزائريين بما هو أفضل منه، أو يساعدوا السلطة بما أوتوا من حكمة».
ثم تابع «الخراب السياسي الذي خلفته ثلاثة عقود من الاستبداد والرداءة، أفرغ السياسة من المعنى. والقواعد التي فرضها نظام حكم لم يشارك الجزائريون في صياغته ولم يكونوا أبداً طرفاً فيه، انتهت صلاحيتها اليوم، وما تدفع باتجاهه السلطة اليوم هو حالة من (استحالة الحكم) لا ينبه إلى خطورتها إلا هذا الشارع، الذي قررت فئة من الجزائريين أن تبقيه مفتوحاً كفضاء وحيد متاح للتعبير الحر والكفاح من أجل المواطنة».
> أهم المحطات منذ بداية الحراك الشعبي الجزائري
- 22 فبراير (شباط) 2019: خروج الجزائريين إلى الشارع للاحتجاج على ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة.
- 02 أبريل (نيسان): بوتفليقة يقدم استقالته لرئيس المجلس الدستوري الطيب بلعيز، بعدما أمره رئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح بالتنحّي في اليوم نفسه، وذلك خلال اجتماعه بقادة النواحي العسكرية وكوادر وزارة الدفاع.
- 09 أبريل: تعيين رئيس مجلس الأمة عبد القادر بن صالح رئيساً للدولة، لمدة 90 يوماً وفقاً للمادة 102 من الدستور، بعدما أعلن رسمياً الشغور النهائي لمنصب رئيس الجمهورية إثر استقالة عبد العزيز بوتفليقة.
- 02 سبتمبر (أيلول): رئيس أركان الجيش يصرّح بأنه «يستحسن» أن يكون استدعاء الهيئة الانتخابية تحسباً للاقتراع الرئاسي في يوم 15 من الشهر نفسه. وبذلك جرى تحديد تاريخ الاستحقاق بعد 3 أشهر كما ينص عليه الدستور.
- 12 ديسمبر (كانون الأول): إجراء انتخابات الرئاسة بترشح 6 شخصيات سياسية. ولقد بلغت نسبة التصويت 38.9 في المائة. وعلى الأثر أعلن فوز عبد المجيد تبّون بحصوله على نسبة 58.2 في المائة من الأصوات.
- في 23 ديسمبر: وفاة قائد الجيش الفريق قايد صالح بسكتة قلبية. وعُدّ غيابه «خسارة للجناح المعادي للمتنفذين المتشبّعين بالثقافة الفرنكفونية في الحكم».
- 8 يناير (كانون الثاني) 2020: تبّون يكلف لجنة خبراء مكوّنة من 17 عضواً، بقيادة الخبير الدستوري الدولي أحمد لعرابة، بإعداد مسوّدة دستور جديد، خلال 3 أشهر كحد أقصى. وتضمنت المسوّدة اقتراحات عديدة، أهمها: استحداث منصب نائب للرئيس، وتوسيع صلاحيات رئيس الحكومة، ورفع الحظر عن تنفيذ الجيش عمليات خارج الحدود للمرة الأولى.
- 4 يوليو (تموز): الرئيس يعلن رغبته إجراء استفتاء حول التعديل الدستوري.
- 19 سبتمبر: تجمع لداعمي الرئيس تمخّض عن مولد «تكتل المسار الجديد».
- 01 نوفمبر (تشرين الثاني): إجراء استفتاء تعديل الدستور. وبلغت فيه نسبة المشاركة 23 في المائة.
- 03 نوفمبر: الرئاسة تعلن إصابة الرئيس تبّون بفيروس «كوفيد – 19». ولقد نقل بعد ثلاثة أيام إلى ألمانيا لتلقي العلاج. استشفاء الرئيس استغرق 3 أشهر. وعاد مطلع عام 2021 للتوقيع على قانون الموازنة، وعلى مرسوم التعديل الدستوري. لكنه بعد أسبوعين، عاد إلى ألمانيا لإجراء عملية جراحية على رجله بسبب تبعات الإصابة بالفيروس.
- 18 فبراير 2021: تبّون يعلن حل «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية الأولى)، ولاحقاً دعا لانتخابات برلمانية وحدّد يوم 12 يونيو (حزيران) تاريخاً لها.
- 6 مارس (آذار): انعقاد اجتماع كبير لداعمي سياسة الرئيس، انتهى بالإعلان عن تكتل للمجتمع المدني سُمّي «نداء الوطن».



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.