إردوغان يواجه احتمال دفع {ثمن باهظ} لسياسته بشأن الأكراد

خسر إسطنبول بسببها عام 2019

مؤيدو حزب الشعوب الديمقراطي يحتجّون أمام محكمة في إسطنبول خلال محاكمة الرئيس المشارك للحزب صلاح الدين دميرطاش (أ.ب)
مؤيدو حزب الشعوب الديمقراطي يحتجّون أمام محكمة في إسطنبول خلال محاكمة الرئيس المشارك للحزب صلاح الدين دميرطاش (أ.ب)
TT

إردوغان يواجه احتمال دفع {ثمن باهظ} لسياسته بشأن الأكراد

مؤيدو حزب الشعوب الديمقراطي يحتجّون أمام محكمة في إسطنبول خلال محاكمة الرئيس المشارك للحزب صلاح الدين دميرطاش (أ.ب)
مؤيدو حزب الشعوب الديمقراطي يحتجّون أمام محكمة في إسطنبول خلال محاكمة الرئيس المشارك للحزب صلاح الدين دميرطاش (أ.ب)

قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مرة بأن «من يفز بإسطنبول، فإنه يفوز بتركيا». ولم تكن إسطنبول مجرد مدينة أخرى يفوز بها أي حزب. ولهذا؛ فقد انطلق السباق لانتخابات المدينة في 31 مارس (آذار) عام 2019 بأقصى قوته، بعد أن سيطرت الأحزاب الإسلامية على أكبر مدينة في تركيا منذ عام 1994، فارضة هيمنتها على مدار 25 عاماً كاملة. وقال بوراك بكديل، المحلل التركي البارز والزميل في منتدى الشرق الأوسط بالولايات المتحدة، في تقرير نشره معهد جيتستون الأميركي، إنه في غمرة الاستعدادات لخوض انتخابات عام 2019، أدرك إردوغان أن حزب العدالة والتنمية ربما يخسر إذا أعطى مليونا كردي في إسطنبول أو قرابة ذلك أصواتهم لمرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو. والسؤال كان ما الذي يجب القيام به في هذه الحالة؟ في ذلك الوقت بثت محطة «تي آر تي» الإذاعية الحكومية رسالة من عبد الله أوجلان، السجين وزعيم حزب العمال الكردستاني (بي كيه كيه)، المصنف منظمة إرهابية. ودعت رسالة أوجلان الأكراد إلى التزام الحياد بين الحكومة ومرشحي المعارضة. وكان من شأن تلك الرسالة أن تسفر عن دعم فعلي لمرشح حزب العدالة والتنمية رئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم. غير أن فرز الأصوات في 31 مارس أثبت فشلاً سياسياً ذريعاً. وفاز إمام أوغلو بهامش ضئيل بلغ 13 ألف صوت (في مدينة يبلغ تعداد سكانها 18 مليوناً) لكن المجلس الأعلى للانتخابات الذي يسيطر عليه حزب العدالة والتنمية قرر إعادة الانتخابات في 23 يونيو (حزيران). وفي هذه المرة فاز إمام أوغلو بهامش 800 ألف صوت، مما كان له وقع الصدمة على إردوغان ومؤسسة حزبه. وبحسب بكديل، كما جاء في تحقيق الوكالة الألمانية، كانت تلك الليلة بمثابة هزيمة لا يمكن نسيانها بالنسبة لإردوغان. كما كانت إيذاناً بمرحلة جديدة ومتقدمة في حرب إردوغان على الأكراد. وصوّت الأكراد فيما يبدو لصالح إمام أوغلو، ضاربين برسالة أوجلان عرض الحائط. ودعا دولت بهجلي، الحليف القومي المتطرف القوي لإردوغان، بإصرار المحكمة الدستورية إلى فرض حظر على حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد، وهو ثالث أكبر حزب في البرلمان التركي. وأضاف بكديل، أن إردوغان يتبنى اتباع طرق أكثر دهاءً لترهيب المعارضة تتمثل في قيامه بسجن زعماء حزب الشعوب الديمقراطي وأعضاء البرلمان ورؤساء البلديات التابعين له والمنتخبين ديمقراطياً، وتعيين أشخاص موثوق بهم بدلاً منهم. وأشار إلى أن إردوغان لم يكن في حاجة إلى إغلاق حزب الشعوب الديمقراطي لأنه شل حركته في الواقع. فالرئيسان المشاركان للحزب، وهما صلاح الدين دميرطاش وفيجن يوكسكداغ، يقبعان في السجن منذ عام 2016. وكان قد تم القبض على دميرطاش ويوكسكداغ على خلفية اتهامات بـ«الإرهاب»، لكن هذه الاتهامات تظل قصة قانونية غريبة ومريرة. ففي عام 2014، دعا حزب الشعوب الديمقراطي مؤيديه إلى الاحتجاج بشكل سلمي على سيطرة تنظيم داعش على بلدة كوباني (عين العرب) الكردية في شمال سوريا. وتحولت ما بدأت في بادئ الأمر احتجاجات سلمية إلى أعمال عنف بين المتظاهرين وقوات الأمن، وكذلك بين متظاهرين يعتنقون آيديولوجيات متنافسة. وأسفر أسبوع من العنف الذي اجتاح المدن ذات الأغلبية الكردية في جنوب شرقي تركيا، عن مقتل 46 شخصاً وإصابة 682 آخرين، إضافة إلى اعتقال أكثر من 300 شخص. وأعد المدعون الأتراك لوائح اتهام ضد دميرطاش ويوكسكداغ (إضافة إلى تسعة نواب آخرين من حزب الشعوب الديمقراطي) بالتحريض على إثارة العنف - وجاءت تلك الخطوة من جانب المدعين بعد مرور ست سنوات ونصف السنة على الأحداث.
وقال كاتب العمود التركي محمد يلماز «هذه محاولة لحظر ممارسة السياسة»، ومن أجل تجنب الخيار الأكثر تطرفاً والمتمثل في إغلاق حزب سياسي، ربما يدرس إردوغان أيضاً اتخاذ تدابير إضافية ليوجه ضربة أخرى لحزب الشعوب الديمقراطي.
وتشمل هذه الإجراءات، حرمان الحزب من التمويل الحكومي؛ نظراً لأن إغلاق الحزب يبدو وكأنه لن يكون رادعاً. وحزب الشعوب الديمقراطي هو الحزب الثامن المؤيد للأكراد في تركيا، وكان قد تم حظر سبعة أحزاب أخرى. وأسس الأكراد أول حزب لهم في عام 1990، غير أنه بين عامي 1994 و2015، ارتفعت نسبة أصوات الأكراد في تركيا من 1.‏4 في المائة إلى 1.‏13 في
المائة من إجمالي الأصوات، أو من 1.‏1 مليون صوت إلى أكثر من ستة ملايين. ويزعم حزب الشعوب الديمقراطي أنه يواجه حملة قمع قانونية غير مسبوقة. وتم اعتقال 16 ألفاً من أعضائه، كما تم طرد العشرات من نوابه من البرلمان وسجنهم بموجب قانون مكافحة الإرهاب التركي. وتعمل الحكومة حالياً على رفع الحصانة البرلمانية عن جميع نواب حزب الشعوب الديمقراطي الذين يخضعون لإجراءات قضائية مستعجلة - أحكام تتعلق باتهامات بـ«الإرهاب». وحتى الآن، واجه 56 نائباً من حزب الشعوب الديمقراطي لإجراءات قضائية مستعجلة، بلغ عددها 914. وتساءل كاتب العمود عاكف بيكي «جدياً، هل كان سيتم القيام بحملة القمع (ضد السياسيين الأكراد) لو كان الناخبون الأكراد في إسطنبول قد التزموا الحياد وفاز حزب العدالة والتنمية بإسطنبول؟». ومع إصدار حكم محكمة جديد بحق سياسي كردي بارز آخر في شهر فبراير (شباط) الماضي، اتخذت الحملة منحى قبيحاً جديداً. وفي تغريدة جديدة أعاد عمر فاروق غيرغيرلي أوغلو، وهو إسلامي سابق وناشط في مجال حقوق الإنسان وعضو في البرلمان عن حزب الشعوب الديمقراطي، ما نشر في 2016 يؤيد السلام في النزاع الكردي. وقضت محكمة تركية بسجنه سنتين ونصف السنة بسبب إعادة نشر التغريدة، رغم أنه لم يتم توجيه الاتهام إلى مصدر التغريدة الأصلي، وهو الأمر الذي يدعو للسخرية. وفي فبراير، أيدت محكمة الاستئناف العليا الحكم الصادر ضد غيرغيرلي أوغلو لقيامه «بنشر دعاية إرهابية» - وذلك بعد خمس سنوات من إعادة نشر التغريدة.
ويقول بكديل، إن المشكلة الكردية التي يواجهها إردوغان تنطوي على احتمال أن تكلفه أكثر من مجرد إسطنبول. وأظهر البحث أن معدل الخصوبة في الجزء الشرقي من تركيا الذي يتحدث سكانه اللغة الكردية كان 41.‏3 مقارنة بـ09.‏2 في المتوسط في المناطق غير الشرقية التي يتحدث سكانها اللغة التركية. وربما يصل عدد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية التي سوف تجرى في عام 2023 إلى سبعة ملايين؛ مما قد يجعل الأكراد صانعي الملوك. وهناك مؤشرات على أن المزيد والمزيد من الأكراد يشعرون بالامتعاض جراء سياسة إردوغان المتشددة. وأظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة رافيست اراشتيرما البحثية في فبراير الماضي، أن ربع الأكراد الذين اعطوا أصواتهم لإردوغان في السابق قالوا إنهم لن يصوتوا لصالحه مرة أخرى.



اليابان وأستراليا ترفضان إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
TT

اليابان وأستراليا ترفضان إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

رفض كلٌّ من اليابان وأستراليا إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز، بعدما دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب دولاً حليفة والصين إلى إرسال سفن للمساعدة في حماية الصادرات النفطية في المضيق.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن وزير الدفاع، شينجيرو كويزومي، قوله أمام البرلمان، اليوم الاثنين: «في ظل الوضع الحالي في إيران، لا ننوي إطلاق عملية أمنية بحرية».

من ناحيتها، قالت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، إن أي عملية أمنية بحرية ستكون «صعبة للغاية من الناحية القانونية».

ويُعد إرسال قوات الدفاع الذاتي إلى الخارج أمراً حساساً سياسياً في اليابان المسالِمة رسمياً، حيث يدعم عدد من الناخبين دستور عام 1947 الذي فرضته الولايات المتحدة والذي ينبذ الحرب.

وقال تاكايوكي كوباياشي، مسؤول الاستراتيجية السياسية في الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم الذي تنتمي إليه تاكايتشي، الأحد، إن العقبات «كبيرة للغاية» أمام طوكيو لإرسال سفنها الحربية.

من جهتها، صرحت وزيرة النقل الأسترالية، كاثرين كينغ، اليوم، بأن بلادها لن ترسل سفينة حربية إلى مضيق هرمز.

وقالت كينغ، لهيئة الإذاعة الوطنية «إيه بي سي»: «لن نرسل سفينة إلى مضيق هرمز. نحن نعلم مدى أهمية ذلك، لكن هذا ليس شيئاً طُلب منا القيام به وليس شيئاً نسهم فيه».

ودعا ترمب، السبت، دولاً عدة؛ من بينها اليابان، إلى إرسال تعزيزات، بعدما أعلن، في وقت سابق، أن «البحرية» الأميركية ستبدأ «قريباً جداً» مرافقة ناقلات النفط، عبر هذا الممر الحيوي للنفط في الشرق الأوسط.


تحفّظ دولي عقب دعوة ترمب لتأمين مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
TT

تحفّظ دولي عقب دعوة ترمب لتأمين مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

قوبلت دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدول حليفة وشريكة بإرسال سفن حربية للمساعدة في حماية الملاحة في مضيق هرمز بردود حذرة

قوبلت دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدول حليفة وشريكة بإرسال سفن حربية للمساعدة في حماية الملاحة في مضيق هرمز بردود حذرة ومتباينة، في وقت تهدد فيه الحرب الدائرة مع إيران باضطراب طويل الأمد لأحد أهم الممرات النفطية في العالم.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت أن بحريتها ستبدأ قريباً مرافقة ناقلات النفط عبر المضيق الاستراتيجي، الذي يمر عبره نحو خُمس إنتاج النفط العالمي؛ إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 3 آلاف سفينة كانت تعبره شهرياً قبل أن تشلّ التهديدات الإيرانية حركة الملاحة فيه، في أعقاب اندلاع الحرب في المنطقة قبل أسبوعين.

ترمب يُحمّل العالم المسؤولية

كتب ترمب على منصة «تروث سوشال»، السبت: «نأمل بأن تبادر الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة ودول أخرى إلى إرسال سفن إلى المنطقة». وأضاف في تغريدة لاحقة: «ستنسق الولايات المتحدة مع تلك الدول لضمان سير الأمور بسلاسة وكفاءة. كان يجب أن يكون هذا جهداً جماعياً منذ البداية، وهو ما ستكون عليه الحال الآن».

وفي مقابلة هاتفية مع شبكة «إن بي سي»، أكد ترمب أن دولاً عدة لم تكتفِ بالموافقة، بل رأت في الأمر «فكرة رائعة»، غير أن المواقف الرسمية التي صدرت لاحقاً جاءت في معظمها متردّدة.

وبعد ساعات من الدعوة الأميركية، حثّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال اتصال هاتفي بنظيره الفرنسي جان نويل بارو، دول العالم إلى «الامتناع عن أي إجراء قد يؤدي إلى تصعيد النزاع وتوسيعه». ويرى المراقبون أن هذا التحذير يستهدف تحديداً الدول التي يسعى ترمب إلى استقطابها.

سيول «تدرس بعناية»

أعلنت رئاسة الجمهورية الكورية الجنوبية أنها «تدرس من كثب» الطلب الأميركي. وقال المتحدث باسمها: «نتابع تصريحات الرئيس ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي، وسندرس المسألة بعناية في إطار التشاور الوثيق مع واشنطن». وأشار المسؤول إلى أن بلاده تُجري «بحثاً دقيقاً لمختلف التدابير لضمان أمن طرق نقل الطاقة»، مستحضراً أهمية حرية الملاحة الدولية للاقتصاد الكوري الذي يعتمد اعتماداً كبيراً على واردات الطاقة العابرة للمضيق. وكانت سيول قد اتخذت في وقت سابق قراراً بتحديد سقف لأسعار الوقود، وهو إجراء استثنائي لم تلجأ إليه منذ عام 1997.

طوكيو تتمسك بـ«الاستقلالية»

لم يصدر عن اليابان أي رد رسمي على الدعوة الأميركية حتى اللحظة. وأبلغت وزارة الخارجية اليابانية وكالة «إن إتش كيه» الإخبارية أن طوكيو «لن تُسارع إلى إرسال سفن حربية بناءً على طلب ترمب»، مستندةً إلى مبدأ راسخ مفاده أن «اليابان تتخذ قراراتها المستقلة وفق حكمها الخاص». بينما أوضح تاكايوكي كوباياشي، المسؤول عن السياسات في الحزب الحاكم، أن القوانين النافذة تجعل قواعد إرسال السفن العسكرية إلى المنطقة «شديدة الصعوبة» من الناحية القانونية.

لندن «مستعدّة للتعاون»

أبدى وزير الطاقة البريطاني، إد ميليباند، استعداداً للتعاون دون أن يُفصح عن أي التزام ميداني، مؤكداً أن «أفضل السُّبل وأجداها لإعادة فتح المضيق هو وضع حدٍّ لهذا الصراع». وأضاف ميليباند أن إعادة فتح مضيق هرمز تمثل «أولوية للعالم»، مشيراً إلى أن «كل الخيارات التي قد تسهم في إعادة فتح المضيق يجري النظر فيها».

وأشار إلى أن لندن «تتحدث مع حلفائها بما فيهم الولايات المتحدة» لدراسة ما يمكن تقديمه، مستعرضاً جملةً من الخيارات المطروحة، من بينها تزويد المنطقة بـ«معدات ذاتية لكشف الألغام البحرية». كما أوضح أن بريطانيا أجرت بالفعل محادثات مع حلفائها لإعادة الملاحة في المضيق إلى طبيعتها. ولفت ميليباند أيضاً إلى أن وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر زارت المملكة العربية السعودية، هذا الأسبوع، لإجراء محادثات مع دول الخليج بشأن أمن المضيق، مؤكداً أن لندن «تريد العمل مع شركائها» لمعالجة الأزمة.

وأكدت الحكومة البريطانية أن أولويتها الراهنة تبقى «خفض حدة الصراع» لا التصعيد العسكري.

باريس تُبقي أسطولها في «وضع دفاعي»

أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية على منصة «إكس» أن سفنها المنتشرة أصلاً في شرق البحر المتوسط ستبقى في «وضع دفاعي». وكان الرئيس إيمانويل ماكرون قد أبدى في وقت سابق انفتاحه على إمكانية مرافقة السفن عبر المضيق مستقبلاً، إلا أن المحللين يرون أن الموقف الفرنسي لا يزال «بعيداً جداً عن تشكيل مهمة فعلية».

وذكرت صحيفة «فاينانشال ⁠تايمز» أن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الذين ⁠يعقدون اجتماعاً دورياً، الاثنين، سيناقشون إمكانية توسيع نطاق مهمة «أسبيدس» البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي والتي تحمي الملاحة من هجمات الحوثيين في البحر الأحمر لتشمل مضيق هرمز. وقال مسؤولون إن فرنسا تسعى لتشكيل تحالف لتأمين مضيق هرمز بمجرد استقرار الوضع الأمني هناك.

بكين تدعو إلى وقف إطلاق النار

جاء الموقف الصيني الأكثر تحفظاً والأبعد عن الاستجابة لمطالب واشنطن؛ إذ اكتفى المتحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن بالدعوة إلى «وقف فوري لإطلاق النار»، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز»، مُتجاهلاً الطلب الأميركي بصورة شبه كاملة.

في المقابل، أبدى وزير الطاقة الأميركي كريس رايت تفاؤلاً حذراً بشأن الدور الصيني، مُعرباً عن أمله في أن تكون بكين «شريكاً بنّاءً» في إعادة فتح المضيق، نظراً لحجم اعتمادها على نفط الخليج.


هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».