الدين والفن... المقاربة الشائكة

علاقة حذرة ومتوترة خوفاً من سيطرة أحد المجالين على الآخر

مجتمع قرطبة في القرن 12 كان ثرياً بالفنون بخلاف المدن الإسلامية في جنوب المغرب أو الجزيرة العربية
مجتمع قرطبة في القرن 12 كان ثرياً بالفنون بخلاف المدن الإسلامية في جنوب المغرب أو الجزيرة العربية
TT

الدين والفن... المقاربة الشائكة

مجتمع قرطبة في القرن 12 كان ثرياً بالفنون بخلاف المدن الإسلامية في جنوب المغرب أو الجزيرة العربية
مجتمع قرطبة في القرن 12 كان ثرياً بالفنون بخلاف المدن الإسلامية في جنوب المغرب أو الجزيرة العربية

انتشر هذه الأيام كثير من النقاشات والبرامج الدينية عبر وسائط فنية متلفزة، وأصبحت الأفلام والمسلسلات الدينية ملاذاً للبشر في قضاء الأوقات؛ خصوصاً أثناء استحكام الجائحة وتوقف النشاطات الإنسانية المختلفة، فمنصة «نتفلكس» حظيت أيام الحجر الصحي بأكثر من 200 مليون مشترك وبمتوسط 66 ساعة مشاهدة أسبوعياً في الولايات المتحدة الأميركية حسب مجلة «فوربس»، ومن الجدير بالاهتمام أن فيلم «يهوذا والمسيح الأسود» من ضمن الأفلام المرشحة للفوز بجائزة أوسكار 2021 التي ستعلن في أبريل (نيسان) المقبل.
كما أن الفن أصبح شريكاً لكثير من رجال الدين في مواعظهم الأسبوعية، ومن ضمن أهم البرامج الأصيلة للكنائس والمعابد في عدد من الأديان، إما من خلال إقامة معارض للرسوم الفنية، أو للحفلات الموسيقية، أو منصات واقعية لمشاهدة الأفلام وحفلات الرقص، ومن يتتبع تاريخ الأديان قديماً يجد أنها متدثرة بلبوس الفن في أعمال متجسدة؛ يدل على هذا القدم التمثال الحجري الذي عثر عليه في النمسا، ويعرف باسم «فينوس ولندورف» ويرجع تاريخه إلى أكثر من 25 ألف عام قبل الميلاد، أو من خلال طقوس من الأشعار الغنائية وجدت في آثار البابليين والفراعنة والإغريق والديانات الهندية القديمة.
هذا التقارب بين الدين والفن على اختلاف مدارسه كان مشوباً بعلاقة حذرة ومتوترة خوفاً من سيطرة أحد المجالين على الآخر، كما أنهما أسهما في دعم وتسويق بعضهما حتى في أوقات المواجهة بينهما، فالتحريم الديني لموضوع ما قد يكون سبباً في عمل فني جذاب للكثير، وما تمرد فيه الفن على قيم المجتمع فإن الدين هو حربة المواجهة لهذه المخالفات الفنية.
أمام هذا الموضوع المثير والجدلي خصوصاً في بيئتنا الإسلامية، أضع بين يدي القارئ هذه التأملات التي أوجزها على النحو الآتي:
أولاً: ارتبط الدين بالفن والعكس كذلك عبر التاريخ، والمتتبع لهذه العلاقة يجد نقوش الكهنة الصينيين وصلواتهم على أجراس معدنية جميلة قبل كونفوشيوس بفترة طويلة، وعندما انتشرت البوذية أول مرة عبر طريق الحرير باتجاه شمال آسيا، ترك رهبانها سجلاً من أعمالها على جداريات دقيقة أسهمت في انتشارها، وحسبنا زيارة أو مشاهدة كنيسة سيستينا في الفاتيكان أو الكاتدرائيات الكبرى في أوروبا للتعرف على تقاطع الفن والإيمان في تاريخ المسيحية. (انظر: المرجع في سوسيولوجيا الدين 1/541)، هذا التلاقي العضوي ربما كان بسبب احتياج الدين لجواذب الفن وتعبيراته عن الروحانيات التي لا يمكن إيصالها إلى المؤمنين، إلا من خلال خيالات تجذب الأعين والأسماع لجمالياتها؛ شعراً أو دراما أو رسومات أو غيرها.
والمسيحية منذ القرن السادس الميلادي عندما أصدر البابا غريغوريوس الكبير مرسومه برقابة الكنيسة على الفن والموسيقى، والكنائس تتوسع وتتماهى مع الفنون، وأحياناً تتصادم مع محرمات الكتاب المقدس، وبعضها أنتج خلافاً دينياً كمسألة بناء التماثيل، فقد رفضته الكنائس الشرقية؛ بينما شجعته كنائس روما وما يتبعها، وكان عصر النهضة الأوروبي تجسيداً لهذه الموافقة الدينية، خصوصاً في القرن 15م، حيث ظهرت أعظم الأعمال الفنية التي قام بها دافنشي ومايكل أنجلو ورفائييل لتزيين أهم الكنائس الكاثوليكية آنذاك، ولما جاء القرن 16م وقامت الحركة البروتستانتية منعت وأزالت كثيراً من التماثيل في كنائسها، كونها تجسّد حالة من التقديس الباذخ مارسه الرهبان في حق أنفسهم، وجعله مارتن لوثر من الكفر والتجديف، أما حجة الأوائل في توسعهم في الفنون كالرسوم والمنحوتات، أن أكثر الأوروبيين جهلة وأميين ومشاهدتهم لتلك الأعمال هي من باب التعليم وتقريب الدين لهم.
أما اليوم، فالحال أصبحت مختلفة في جميع الكنائس، فكنيسة دالاس الأميركية على سبيل المثال ترعى أوركسترا سيمفونية بمسرح كبير وموظفين يتجاوزون المائة مفرغين للأعمال الموسيقية، وفي دراسة أميركية في 2003م تذكر أن نصف أعضاء الكنيسة في الولايات المتحدة يقولون إن تجمعاتهم الدينية ترعى عروضاً موسيقية في غير أوقات العبادة، وهذا الأمر بدأ يتسع لكل أنواع الموسيقى حتى الروك، وأضافت بعض الكنائس لطقوسها الرقص ووشم الأجساد بصور لرمزيات دينية.
ثانياً: تختلف نظرة الإسلام للفنون عما سبق ذكره في المسيحية أو غيرها من الأديان، فهناك نصوص من القرآن والسنة حرّمتْ بعض الفنون لعلّة صريحة، وهي أن تكون ذريعة لحصول الشرك المنافي لتوحيد الله في العبادة، وهذه العلّة لم تكن مجرد تصور ذهني متوقع حدوثه؛ بل هو ما تأكد وقوعه حقيقةً لدى بعض الأمم السابقة، فعن عائشة أم المؤمنين أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأتاها بالحبشة فيها تصاوير - أي مجسمات مصورة - فذكرتا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» (رواه البخاري 417)، والوعيد ورد فيها لأنها تحولت مع الزمن إلى أصنام تعبد من دون الله تعالى، وهذا ما حصل حقيقةً عندما عُبِد يعوق ويغوث وسواع ونسرا، فقد كانوا رجالاً صالحين من قوم نوح أراد أقوامهم تذكرهم فصنعوا لهم تماثيل تحولت مع الزمن وذهاب العلم إلى أصنام تعبد من دون الله، لهذا قال ابن القيم: «غالب شرك الأمم كان من جهة الصور والقبور» (زاد المعاد 3 / 458)، وإذا تأملنا الأحكام الجازمة بتحريم فنٍ من الفنون؛ فإنه غالباً ما يكون حول التماثيل المنصوبة للتعظيم والمضاهاة، أما لو كانت صوراً أو تماثيل للطبيعية أو لمخلوقات غير مكتملة أو للعب الأطفال فلا حرج عند كثير من الفقهاء، ويستدلون بما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها: أنه كان في لُعبها فرس له جناحان، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحك لما رآها حتى بدت نواجذه. (أخرجه أبو داود 4932).
وهنا نسأل هل كان الإسلام في الأصل ضد الفنون الجمالية؟ وهذا السؤال الكبير حاول الكثير بحثه والإجابة عنه، والكتابات في ذلك على منحيين: الأول: المحتاطون بالتحريم؛ خوفاً على حياض العقيدة وحراسة التوحيد من أي وسيلة قد تفضي إلى الشرك أو البدعة حتى لو كانت متخيلة؛ فتوسعوا في المنع وسد الذرائع؛ ولهم في التراث العقدي شروح وتوضيحات، والمنحى الآخر: المقاصديون؛ الذين تحرزوا أن يمنعوا تصرفاً بشرياً تنادي له الفطرة الباحثة عن الجمال، واستثنوا ما ورد به نص شرعي أو كان وسيلة لمخالفة يقينية، وما عدا ذلك جعلوه على أصل الإباحة كإنشاد الشعر والرقص والتمثيل وحبس الصور والموسيقى - عند البعض، وغيرها من الفنون.
وقد يسأل البعض عن إهمال الصحابة للفنون حتى المباح منها... ويمكن تعليل ذلك بطبيعة البيئة التي عاشوها حيث كانت أقرب للبيئة الصحراوية أو الزراعية التي تقيم عيشها بحثاً عن الضرورات الحياتية، بينما الفنون هي من قبيل التحسينات المعيشية، لذلك لما انتقلوا إلى العراق والشام ومصر، ورأوا طبيعة الحياة المختلفة والوفرة المعيشية التي تتجاوز الكفاية إلى التأنق والتزيُّن في الحياة، مارس أولادهم ومن جاء بعدهم الفنون الجمالية وتوسعوا فيها؛ في البناء واللباس والطعام والحفلات وغير ذلك (انظر: مقدمة ابن خلدون، تحقيق درويش 2/172).
ومن الجدير ذكره أن الحضارة الإسلامية التي تكونت مدنها وانتشرت علومها بعد القرن التاسع الميلادي قامت بثورات فنية في كثير من المجالات الحياتية، كما أن بعض الطوائف الإسلامية التي ظهرت بعد القرن 14م مارست كثيراً من الفنون في مقابرها ومساجدها وتكاياها مقتربة بشكل كبير من نماذج الديانات الأخرى؛ كتأثر الصفويين بالأرثوذكسية والمغول المسلمين بالمانوية، لكن الطابع العام كان مولّداً ومنتجاً من الفن الإسلامي الأصيل (انظر: فضل علماء المسلمين على الحضارة لفراج، 167-212).
ثالثاً: يعتبر كثير من السوسيولوجيين موضوع العلاقة بين الدين والفن موضوعاً جدلياً تحدده العلاقات البينية بين أطراف المجتمع وتفاعلاته ومتغيراته، وقد انعكست هذه العلاقة بين رواد المجالين، وكان التاريخ القديم يجمعهم في مناخ ديني واحد، ولكن في العصر الحديث ظهرت فكرة الفصل بينهما مع أول انبعاثات العلمانية الأوروبية، فكانت الفنون تتجه نحو التحرر التام من قبضة الدين؛ بما عرف بالنزعة الشكلانية ودعاوى الفن لأجل الفن، واستمر الفصل بينهما في مجال التعليم والتوظيف، فالدارس للفن لن يكون قساً في كنيسة، كما أن دارس اللاهوت لن يكون فناناً مسرحياً أو عازفاً في أوركسترا لأنه تخرج من مدرسة لاهوتية، لكن المجال المجتمعي العام يجبرهما على الالتقاء مهما حاولت العلمانية فصلهما، فقد أثبتت دراسة أميركية أن 80 في المائة من الأميركيين الإنجيليين و76 في المائة من البروتستانت و56 في المائة من الكاثوليك شعروا بالقرب من الله خلال الاستماع إلى الموسيقى أثناء القداس؛ بل إن 70 في المائة من فناني أميركا يعتبرون أنفسهم من المتدينين. (انظر: المرجع في سوسيولوجيا الدين 1/543)، وهناك كثير من الروابط بين الفن والدين سبقت الإشارة إليها، أما توتر العلاقة بينهما فيحدث عندما يتجاوز كل واحد منهما قدسية الآخر، فالفنان عندما يتهتك أخلاقياً فسيجد معارضة صارمة من رجال الدين، لذلك خرج كثير من فتاوى التحريم تمنع مشاهدة أفلام ومسلسلات أو اقتناء لوحات فنية مخالفة لصريح الدين، بيد أنه من المعلوم أن طبيعة الفن تقوم على التجاوز والخيال وتتبع الصور الجمالية بإثارة البصر أو السمع، وهذا ما جعل حراس الدين في حذر من تجاوزات الفنانين، ومع ذلك فمساحة التلاقي بينهما عظيمة، وهذا ما حدا بعلي عزت بيغوفيتش إلى القول: «إن الفن في بحثه عما هو إنساني؛ أصبح باحثاً عن الله» (الإسلام بين الشرق والغرب، 174)، وفي المقابل يعتبر بيغوفيتش الفن الإلحادي ظاهرة نادرة جداً، ويمكن إرجاعها إلى تناقض في الإنسان نفسه، وهو تناقض لا مفر منه، ومع ذلك سرعان ما يعود الفنان الحقيقي ليجد ذاته في التعبير عن الروحاني داخل الإنسان، مقترباً من الأديان المعروفة أو الروحانيات الجديدة.
وفي الختام... هل خرجنا مما سبق مناقشته بعلاقة تصالحية بين الدين والفن؟ أم ستبقى علاقة جدلية مشكلة بينهما؟ ولعلّي أميل إلى أن المجتمع وتطوره الثقافي والمعيشي هو من يرسم العلاقة بين الدين والفن قرباً أو بُعداً، فمجتمع قرطبة وغرناطة في القرن 12م كان ثرياً بالفنون بخلاف المدن الإسلامية في جنوب المغرب أو الجزيرة العربية، كما أن عواصم أوروبا في القرن 20م تقدمت فنياً على عواصم أفريقية كثيرة تفتقد الخصوبة المحفّزة لإنتاج الفنون، ويبقى الإنسان بفطرته ميّالاً نحو الجمال وتعبيراته التي تشتهيها الأنفس، وميّالاً للتعظيم والتقديس بصلواتها التي تطرب لها الأرواح، وفي مجتمعاتنا المعاصرة يعدّ الفقه الإسلامي هو حجر الزاوية في تغيير المشهد الديني والفني معاً؛ فقد يحمل مشعل التجديد في تحرير الفنون من خطاياها وتحرير التدين من أخطائه؛ وتوظيف رسالتهما الإنسانية في الخير والإسعاد، وهذا مشروط بتجاوز الفقيه المعارك القديمة مع المتفلسفة والمتصوفة الذين كانوا يمثلون في فترات تاريخية ماضية؛ الزعامة الفكرية للانشقاق الإسلامي في الطقوس الشعائرية والتجاوز في اقتباس الفنون الأجنبية، وإذا تعالى عن ذلك نحو النظر المقاصدي للفن وقيمته الجمالية فلربما نشهد مصالحةً أوثق بين مجالي الدين والفن.

* أستاذ بقسم الدراسات الإسلامية والعربية جامعة الملك فهد للبترول والمعادن - الظهران (المملكة العربية السعودية)



في سابقة تاريخية... إسرائيل تعيد إلى اليونان 22 قطعة أثرية

القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)
القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)
TT

في سابقة تاريخية... إسرائيل تعيد إلى اليونان 22 قطعة أثرية

القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)
القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)

أعادت إسرائيل، الثلاثاء، إلى اليونان 22 قطعة أثرية أُخرجت من البلاد «بشكل غير قانوني» وتعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، وفق ما أعلنت وزيرة الثقافة لينا ميندوني.

ورحّبت ميندوني بهذه الخطوة قائلة إنها «المرة الأولى التي تعيد فيها إسرائيل قطعاً أثرية إلى اليونان»، معتبرة أن ذلك يمثل «نقطة انطلاق لتعاون أوثق بين البلدين لحماية التراث الثقافي ومكافحة الاتجار بالآثار»، ومشيدة بعملية تكتسي «أهمية استثنائية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وسُلّمت هذه القطع «التي هُرّبت من البلاد بطريقة غير قانونية» إلى الوزيرة من جانب سفيرة إسرائيل لدى اليونان بنينات ياناي.

وتم تحديد موقع هذه القطع الأثرية التي شملت أوانيَ تعود أصولها إلى منطقة أتيكا وأخرى من ورش عمل كورنثية بالإضافة إلى تمثال برونزي صغير يمثل هيئة أنثوية، ومصادرتها من جانب وحدة منع الاتجار غير المشروع التابعة لسلطة الآثار الإسرائيلية.

وعززت اليونان تعاونها مع إسرائيل في السنوات الأخيرة، لا سيما في مجالي الدفاع والأمن.


الأردن يستعيد من أستراليا قطعة أثرية نادرة عمرها 14 ألف عام

رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

الأردن يستعيد من أستراليا قطعة أثرية نادرة عمرها 14 ألف عام

رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

استعاد الأردن، الثلاثاء، قطعة أثرية نادرة قررت أستراليا إعادتها إلى المملكة يعود تاريخها إلى نحو 12 ألف عام قبل الميلاد (أي عمرها 14 ألف عام)، وهي واحدة من ثلاثة أجزاء شكّلت لوحاً معمارياً حجرياً منقوشاً ومصنوعاً من الحجر الطيني.

وتسلّم القطعة الأثرية وزير الخارجية أيمن الصفدي خلال مراسم أُقيمت في المعرض الوطني الأسترالي على هامش زيارة الدولة التي يجريها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني لأستراليا، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت وزارة الخارجية الأردنية في بيان: «اكتُشفت القطعة عام 1983 خلال أعمال تنقيب نفّذتها بعثة مشتركة من جامعة سيدني وكلية ووستر، قبل نقلها إلى المعرض الوطني الأسترالي عام 1985، وفق ترتيبات اتفق عليها البلدان» في ذلك الحين.

واوضحت أن «القطعة تكتسب أهمية أثرية وتاريخية استثنائية؛ إذ تشكّل، مع الجزأين الآخرين، ما يُعد أقدم منحوتة كبيرة الحجم معروفة في العالم، بينما يحفظ الأردن الجزأين الآخرين في متحف الأردن في عمّان ومتحف دار السرايا في إربد (89 كلم شمال عمان)».

وأكد الصفدي، خلال مراسم التسليم التي حضرتها من الجانب الأسترالي المبعوثة الخاصة للحكومة الأسترالية لشؤون الفنون سوزان تمبلمان، ومسؤولون في المتحف معنيون بالشؤون الثقافية والفنية، «أهمية التعاون الأردني الأسترالي في مجال التنقيب عن الآثار وحفظها»، معرباً عن شكره للحكومة الأسترالية والمتحف على تعاونهما وإعادة القطعة الأثرية إلى الأردن.

ويحتوي الأردن على أكثر من 100 ألف موقع أثري مكتشف، سجَل منها أكثر من 15 ألف موقع رسمياً، بحسب دائرة الآثار العامة.

كما يضم العديد من المواقع المسجلة على لائحة التراث العالمي لمنظمة «اليونسكو» منها مدينة البتراء الأثرية (مدينة الأنباط الوردية)، وقصر عمرة (قصر صحراوي أموي)، وموقع أم الرصاص الأثري، وصحراء وادي رم التي تشبه تضاريسها سطح القمر، والمغطس (موقع معمودية السيد المسيح بحسب التقليد المسيحي).


مصر تبرز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان مدناً تراثية بـ«اليونسكو»

جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر تبرز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان مدناً تراثية بـ«اليونسكو»

جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)

بعد نجاحها في تسجيل 11 عنصراً على قوائم التراث غير المادي بـ«اليونسكو»، أبرزت مصر تسجيل مدن القاهرة والجيزة وأسوان بوصفها مدناً تراثية ذات طابع ثقافي في المنظمة الدولية، حسبما أشارت الدكتورة هالة عبد الجواد، ممثلة اللجنة الوطنية لـ«اليونسكو»، التي أكدت خلال مؤتمر «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» الذي عُقد، الثلاثاء، بالمجلس الأعلى للثقافة في وزارة الثقافة المصرية «أن التراث يمثل الذاكرة الحية للشعوب، وأن مصر تمتلك تراثاً مادياً وغير مادي ووثائقياً ثرياً»، مشيرة في الوقت نفسه إلى أهمية توثيق الممارسات التراثية وتسجيلها ونقلها إلى الأجيال الجديدة والعالم المحيط.

المؤتمر الذي يحتفي باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي الذي أقرته «اليونسكو» ليوافق 17 أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، ويستمر 3 أيام بمشاركة أكثر من 160 باحثاً، بدأت فعالياته بعرض التنورة، واستعراض نماذج من الفنون التراثية، وعُرض فيلم تسجيلي عن التراث الثقافي غير المادي المصري، واستعرض مستهدفات الخطة التنموية المتعلقة بالحرف التراثية، إلى جانب إبراز نماذج من الأعمال الحرفية في مدن مصرية عدة، منها الأقصر والمنوفية والواحات وشلاتين.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة ورئيس اللجنة العلمية المنظمة للمؤتمر، الدكتور أشرف العزازي، أن المؤتمر يقوم على شراكة بين مؤسسات ومنظمات معنية بالتراث، في مقدمتها اللجنة الوطنية لـ«اليونسكو» وجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا وجمعية «خير بلدنا». وأوضح في بيان للمجلس، أن التراث الثقافي غير المادي هو ذاكرة حية للمجتمع، ويشمل هذا التراث الحكايات والأمثال والأغاني والموسيقى، والفنون الشعبية، والحرف التقليدية والمعارف المرتبطة بالطبيعة والبيئة، وغيرها من أشكال التعبير التي تمنح المجتمعات خصوصيتها الثقافية.

شارع المعز في القاهرة (وزارة السياحة والآثار)

وأشار إلى امتلاك مصر رصيدا تراثياً متنوعاً يمتد من الوادي والدلتا إلى سيناء والنوبة والصعيد والسواحل، بما تحمله هذه البيئات من فنون وموسيقى وحرف وعادات وتقاليد وأشكال متنوعة من التعبير الثقافي. وقال إن هذا التنوع ثروة وطنية تستحق أن نقدمها للعالم بوصفها جزءاً أصيلاً من الشخصية الثقافية المصرية.

وفي هذا السياق، تكتسب الجهود المصرية لتسجيل عناصر التراث الثقافي غير المادي على قوائم منظمة «اليونسكو» أهمية خاصة، سواء قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل، أو القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، بما يعزز حضور التراث المصري على الساحة الدولية.

وكانت مصر قد سجلت 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونسكو» للتراث العلمي غير المادي من بينها «السيرة الهلالية» و«الأراجوز» و«التحطيب» و«الخط العربي»، و«النخلة: المعارف والمهارات والتقاليد والممارسات» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«آلة السمسمية» بالاشتراك مع المملكة العربية السعودية، وكان «الكشري المصري» أحدث العناصر المسجلة.

من جانبها، أكدت الدكتورة نهلة إمام على أهمية الاحتفاء باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي الذي أقرته منظمة «اليونسكو»، وشددت في كلمتها خلال المؤتمر على أن تسجيل عناصر التراث في قوائم «اليونسكو» ليس الغاية الوحيدة؛ إذ يتطلّب صونه التعاون بين مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني وحاملي التراث الذين يمثلون الركيزة الأساسية لاستمراره. وأشارت إلى حصول مصر على دعم مادي لصون بعض الحرف التراثية، ومنها الأراجوز، مؤكدة دورها الفاعل في تنفيذ الاتفاقية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي.

ودعت إلى تعزيز التعاون بين خبراء التراث والمؤسسات التعليمية، بما فيها المدارس المنتسبة لـ«اليونسكو» والجامعات، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية في ظل الانفتاح العالمي. وأوضحت أن اللجنة الوطنية تقوم بتنسيق العمل مع منظمات «اليونسكو» و«الإيسيسكو» و«الألكسو»، وتنفيذ المشروعات والفعاليات المشتركة، فضلاً عن دعم جهود توثيق التراث، ورفع التقارير إلى وزارة الخارجية. كما أشارت إلى تسجيل القاهرة وأسوان والجيزة مدناً تراثية لدى «اليونسكو»، مؤكدة أهمية التشبيك بين المؤسسات المعنية والتراث المصري.

ويؤكد الدكتور محمد شبانة، عضو اللجنة العلمية للمؤتمر، أن تسجيل المدن المصرية الثلاثة القاهرة والجيزة وأسوان مدناً ثقافية بمنظمة «اليونسكو» يعود لما تحتويه من صناعات ثقافية وتراثية كبيرة مثل صناعة السينما في الجيزة وصناعات ثقافية أخرى في القاهرة وأسوان.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المؤتمر يسعى لإبراز كثير من عناصر التراث المصري اللامادي الذي يشكل جزءا من وجدان المصريين عبر العصور»، مشيرا إلى أن الأبحاث المقدمة في المؤتمر ستفضي لتوصيات شتى مرتبطة بتسجيل عناصر جديدة في اليونسكو. مبينا أن هناك عنصرا جديدا يتم التوجه لتسجيله بـ«اليونسكو»، وهو آلة العود المصرية صناعتها وسماتها الخاصة «فالعود المصري مدرسة مستقلة في العزف الموسيقي وفي نغماته وصناعته، وهو ما نسعى للتأكيد عليه، وتسجيله ضمن التراث غير المادي»، على حد تعبيره.

جانب من مؤتمر التراث الثقافي غير المادي (وزارة الثقافة)

وفي كلمتها، أوضحت الدكتورة عبير عناني، ممثلة جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، أن التعاون بين الجامعة ووزارة الثقافة امتداد لشراكة بدأت، العام الماضي، ولفتت إلى ابتكار مجموعة من طلابها تطبيقاً لترجمة اللغة الهيروغليفية، حصلوا بسببه على جائزة من وزارة الثقافة، ومن المقرر أن يعرضوا مشروعهم خلال إحدى جلسات اليوم الثاني للمؤتمر بمقر الجامعة.

وترى الدكتورة دينا سليمان المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» والمشاركة في المؤتمر، أن إبراز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان ضمن المدن التراثية الثقافية بـ«اليونسكو» فرصة لإعادة النظر إلى التراث المصري بوصفه منظومة متكاملة، لا تقتصر على الآثار والمباني التاريخية، وإنما تشمل أيضاً العادات والتقاليد والممارسات الاجتماعية التي تناقلها المصريون عبر الأجيال.

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «تكتسب هذه الخطوة أهميتها من تأكيدها على التنوع الحضاري الذي تمثله المدن الثلاث؛ فالقاهرة تختزن طبقات متراكمة من التاريخ والعمران والحرف التقليدية، بينما ترتبط الجيزة بتراث أثري استثنائي يعكس مكانة مصر القديمة، وتتميز أسوان بخصوصية ثقافية وإنسانية تتجلى في التراث النوبي والفنون الشعبية والممارسات الاجتماعية المتوارثة».

وختمت أن «الحفاظ على التراث غير المادي ينبغي أن يكون جزءاً أساسياً من أي استراتيجية لتطوير هذه المدن، من خلال توثيق الروايات الشفهية، ودعم الحرفيين، ونقل المعارف التقليدية إلى الأجيال الجديدة، وإشراك المجتمعات المحلية في تحديد عناصر تراثها وصونها؛ فالتسجيل الدولي ليس غاية في حد ذاته، وإنما مسؤولية تستلزم وضع خطط مستدامة تضمن استمرار هذا التراث في حياة الناس».