الدين والفن... المقاربة الشائكة

علاقة حذرة ومتوترة خوفاً من سيطرة أحد المجالين على الآخر

مجتمع قرطبة في القرن 12 كان ثرياً بالفنون بخلاف المدن الإسلامية في جنوب المغرب أو الجزيرة العربية
مجتمع قرطبة في القرن 12 كان ثرياً بالفنون بخلاف المدن الإسلامية في جنوب المغرب أو الجزيرة العربية
TT

الدين والفن... المقاربة الشائكة

مجتمع قرطبة في القرن 12 كان ثرياً بالفنون بخلاف المدن الإسلامية في جنوب المغرب أو الجزيرة العربية
مجتمع قرطبة في القرن 12 كان ثرياً بالفنون بخلاف المدن الإسلامية في جنوب المغرب أو الجزيرة العربية

انتشر هذه الأيام كثير من النقاشات والبرامج الدينية عبر وسائط فنية متلفزة، وأصبحت الأفلام والمسلسلات الدينية ملاذاً للبشر في قضاء الأوقات؛ خصوصاً أثناء استحكام الجائحة وتوقف النشاطات الإنسانية المختلفة، فمنصة «نتفلكس» حظيت أيام الحجر الصحي بأكثر من 200 مليون مشترك وبمتوسط 66 ساعة مشاهدة أسبوعياً في الولايات المتحدة الأميركية حسب مجلة «فوربس»، ومن الجدير بالاهتمام أن فيلم «يهوذا والمسيح الأسود» من ضمن الأفلام المرشحة للفوز بجائزة أوسكار 2021 التي ستعلن في أبريل (نيسان) المقبل.
كما أن الفن أصبح شريكاً لكثير من رجال الدين في مواعظهم الأسبوعية، ومن ضمن أهم البرامج الأصيلة للكنائس والمعابد في عدد من الأديان، إما من خلال إقامة معارض للرسوم الفنية، أو للحفلات الموسيقية، أو منصات واقعية لمشاهدة الأفلام وحفلات الرقص، ومن يتتبع تاريخ الأديان قديماً يجد أنها متدثرة بلبوس الفن في أعمال متجسدة؛ يدل على هذا القدم التمثال الحجري الذي عثر عليه في النمسا، ويعرف باسم «فينوس ولندورف» ويرجع تاريخه إلى أكثر من 25 ألف عام قبل الميلاد، أو من خلال طقوس من الأشعار الغنائية وجدت في آثار البابليين والفراعنة والإغريق والديانات الهندية القديمة.
هذا التقارب بين الدين والفن على اختلاف مدارسه كان مشوباً بعلاقة حذرة ومتوترة خوفاً من سيطرة أحد المجالين على الآخر، كما أنهما أسهما في دعم وتسويق بعضهما حتى في أوقات المواجهة بينهما، فالتحريم الديني لموضوع ما قد يكون سبباً في عمل فني جذاب للكثير، وما تمرد فيه الفن على قيم المجتمع فإن الدين هو حربة المواجهة لهذه المخالفات الفنية.
أمام هذا الموضوع المثير والجدلي خصوصاً في بيئتنا الإسلامية، أضع بين يدي القارئ هذه التأملات التي أوجزها على النحو الآتي:
أولاً: ارتبط الدين بالفن والعكس كذلك عبر التاريخ، والمتتبع لهذه العلاقة يجد نقوش الكهنة الصينيين وصلواتهم على أجراس معدنية جميلة قبل كونفوشيوس بفترة طويلة، وعندما انتشرت البوذية أول مرة عبر طريق الحرير باتجاه شمال آسيا، ترك رهبانها سجلاً من أعمالها على جداريات دقيقة أسهمت في انتشارها، وحسبنا زيارة أو مشاهدة كنيسة سيستينا في الفاتيكان أو الكاتدرائيات الكبرى في أوروبا للتعرف على تقاطع الفن والإيمان في تاريخ المسيحية. (انظر: المرجع في سوسيولوجيا الدين 1/541)، هذا التلاقي العضوي ربما كان بسبب احتياج الدين لجواذب الفن وتعبيراته عن الروحانيات التي لا يمكن إيصالها إلى المؤمنين، إلا من خلال خيالات تجذب الأعين والأسماع لجمالياتها؛ شعراً أو دراما أو رسومات أو غيرها.
والمسيحية منذ القرن السادس الميلادي عندما أصدر البابا غريغوريوس الكبير مرسومه برقابة الكنيسة على الفن والموسيقى، والكنائس تتوسع وتتماهى مع الفنون، وأحياناً تتصادم مع محرمات الكتاب المقدس، وبعضها أنتج خلافاً دينياً كمسألة بناء التماثيل، فقد رفضته الكنائس الشرقية؛ بينما شجعته كنائس روما وما يتبعها، وكان عصر النهضة الأوروبي تجسيداً لهذه الموافقة الدينية، خصوصاً في القرن 15م، حيث ظهرت أعظم الأعمال الفنية التي قام بها دافنشي ومايكل أنجلو ورفائييل لتزيين أهم الكنائس الكاثوليكية آنذاك، ولما جاء القرن 16م وقامت الحركة البروتستانتية منعت وأزالت كثيراً من التماثيل في كنائسها، كونها تجسّد حالة من التقديس الباذخ مارسه الرهبان في حق أنفسهم، وجعله مارتن لوثر من الكفر والتجديف، أما حجة الأوائل في توسعهم في الفنون كالرسوم والمنحوتات، أن أكثر الأوروبيين جهلة وأميين ومشاهدتهم لتلك الأعمال هي من باب التعليم وتقريب الدين لهم.
أما اليوم، فالحال أصبحت مختلفة في جميع الكنائس، فكنيسة دالاس الأميركية على سبيل المثال ترعى أوركسترا سيمفونية بمسرح كبير وموظفين يتجاوزون المائة مفرغين للأعمال الموسيقية، وفي دراسة أميركية في 2003م تذكر أن نصف أعضاء الكنيسة في الولايات المتحدة يقولون إن تجمعاتهم الدينية ترعى عروضاً موسيقية في غير أوقات العبادة، وهذا الأمر بدأ يتسع لكل أنواع الموسيقى حتى الروك، وأضافت بعض الكنائس لطقوسها الرقص ووشم الأجساد بصور لرمزيات دينية.
ثانياً: تختلف نظرة الإسلام للفنون عما سبق ذكره في المسيحية أو غيرها من الأديان، فهناك نصوص من القرآن والسنة حرّمتْ بعض الفنون لعلّة صريحة، وهي أن تكون ذريعة لحصول الشرك المنافي لتوحيد الله في العبادة، وهذه العلّة لم تكن مجرد تصور ذهني متوقع حدوثه؛ بل هو ما تأكد وقوعه حقيقةً لدى بعض الأمم السابقة، فعن عائشة أم المؤمنين أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأتاها بالحبشة فيها تصاوير - أي مجسمات مصورة - فذكرتا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» (رواه البخاري 417)، والوعيد ورد فيها لأنها تحولت مع الزمن إلى أصنام تعبد من دون الله تعالى، وهذا ما حصل حقيقةً عندما عُبِد يعوق ويغوث وسواع ونسرا، فقد كانوا رجالاً صالحين من قوم نوح أراد أقوامهم تذكرهم فصنعوا لهم تماثيل تحولت مع الزمن وذهاب العلم إلى أصنام تعبد من دون الله، لهذا قال ابن القيم: «غالب شرك الأمم كان من جهة الصور والقبور» (زاد المعاد 3 / 458)، وإذا تأملنا الأحكام الجازمة بتحريم فنٍ من الفنون؛ فإنه غالباً ما يكون حول التماثيل المنصوبة للتعظيم والمضاهاة، أما لو كانت صوراً أو تماثيل للطبيعية أو لمخلوقات غير مكتملة أو للعب الأطفال فلا حرج عند كثير من الفقهاء، ويستدلون بما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها: أنه كان في لُعبها فرس له جناحان، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحك لما رآها حتى بدت نواجذه. (أخرجه أبو داود 4932).
وهنا نسأل هل كان الإسلام في الأصل ضد الفنون الجمالية؟ وهذا السؤال الكبير حاول الكثير بحثه والإجابة عنه، والكتابات في ذلك على منحيين: الأول: المحتاطون بالتحريم؛ خوفاً على حياض العقيدة وحراسة التوحيد من أي وسيلة قد تفضي إلى الشرك أو البدعة حتى لو كانت متخيلة؛ فتوسعوا في المنع وسد الذرائع؛ ولهم في التراث العقدي شروح وتوضيحات، والمنحى الآخر: المقاصديون؛ الذين تحرزوا أن يمنعوا تصرفاً بشرياً تنادي له الفطرة الباحثة عن الجمال، واستثنوا ما ورد به نص شرعي أو كان وسيلة لمخالفة يقينية، وما عدا ذلك جعلوه على أصل الإباحة كإنشاد الشعر والرقص والتمثيل وحبس الصور والموسيقى - عند البعض، وغيرها من الفنون.
وقد يسأل البعض عن إهمال الصحابة للفنون حتى المباح منها... ويمكن تعليل ذلك بطبيعة البيئة التي عاشوها حيث كانت أقرب للبيئة الصحراوية أو الزراعية التي تقيم عيشها بحثاً عن الضرورات الحياتية، بينما الفنون هي من قبيل التحسينات المعيشية، لذلك لما انتقلوا إلى العراق والشام ومصر، ورأوا طبيعة الحياة المختلفة والوفرة المعيشية التي تتجاوز الكفاية إلى التأنق والتزيُّن في الحياة، مارس أولادهم ومن جاء بعدهم الفنون الجمالية وتوسعوا فيها؛ في البناء واللباس والطعام والحفلات وغير ذلك (انظر: مقدمة ابن خلدون، تحقيق درويش 2/172).
ومن الجدير ذكره أن الحضارة الإسلامية التي تكونت مدنها وانتشرت علومها بعد القرن التاسع الميلادي قامت بثورات فنية في كثير من المجالات الحياتية، كما أن بعض الطوائف الإسلامية التي ظهرت بعد القرن 14م مارست كثيراً من الفنون في مقابرها ومساجدها وتكاياها مقتربة بشكل كبير من نماذج الديانات الأخرى؛ كتأثر الصفويين بالأرثوذكسية والمغول المسلمين بالمانوية، لكن الطابع العام كان مولّداً ومنتجاً من الفن الإسلامي الأصيل (انظر: فضل علماء المسلمين على الحضارة لفراج، 167-212).
ثالثاً: يعتبر كثير من السوسيولوجيين موضوع العلاقة بين الدين والفن موضوعاً جدلياً تحدده العلاقات البينية بين أطراف المجتمع وتفاعلاته ومتغيراته، وقد انعكست هذه العلاقة بين رواد المجالين، وكان التاريخ القديم يجمعهم في مناخ ديني واحد، ولكن في العصر الحديث ظهرت فكرة الفصل بينهما مع أول انبعاثات العلمانية الأوروبية، فكانت الفنون تتجه نحو التحرر التام من قبضة الدين؛ بما عرف بالنزعة الشكلانية ودعاوى الفن لأجل الفن، واستمر الفصل بينهما في مجال التعليم والتوظيف، فالدارس للفن لن يكون قساً في كنيسة، كما أن دارس اللاهوت لن يكون فناناً مسرحياً أو عازفاً في أوركسترا لأنه تخرج من مدرسة لاهوتية، لكن المجال المجتمعي العام يجبرهما على الالتقاء مهما حاولت العلمانية فصلهما، فقد أثبتت دراسة أميركية أن 80 في المائة من الأميركيين الإنجيليين و76 في المائة من البروتستانت و56 في المائة من الكاثوليك شعروا بالقرب من الله خلال الاستماع إلى الموسيقى أثناء القداس؛ بل إن 70 في المائة من فناني أميركا يعتبرون أنفسهم من المتدينين. (انظر: المرجع في سوسيولوجيا الدين 1/543)، وهناك كثير من الروابط بين الفن والدين سبقت الإشارة إليها، أما توتر العلاقة بينهما فيحدث عندما يتجاوز كل واحد منهما قدسية الآخر، فالفنان عندما يتهتك أخلاقياً فسيجد معارضة صارمة من رجال الدين، لذلك خرج كثير من فتاوى التحريم تمنع مشاهدة أفلام ومسلسلات أو اقتناء لوحات فنية مخالفة لصريح الدين، بيد أنه من المعلوم أن طبيعة الفن تقوم على التجاوز والخيال وتتبع الصور الجمالية بإثارة البصر أو السمع، وهذا ما جعل حراس الدين في حذر من تجاوزات الفنانين، ومع ذلك فمساحة التلاقي بينهما عظيمة، وهذا ما حدا بعلي عزت بيغوفيتش إلى القول: «إن الفن في بحثه عما هو إنساني؛ أصبح باحثاً عن الله» (الإسلام بين الشرق والغرب، 174)، وفي المقابل يعتبر بيغوفيتش الفن الإلحادي ظاهرة نادرة جداً، ويمكن إرجاعها إلى تناقض في الإنسان نفسه، وهو تناقض لا مفر منه، ومع ذلك سرعان ما يعود الفنان الحقيقي ليجد ذاته في التعبير عن الروحاني داخل الإنسان، مقترباً من الأديان المعروفة أو الروحانيات الجديدة.
وفي الختام... هل خرجنا مما سبق مناقشته بعلاقة تصالحية بين الدين والفن؟ أم ستبقى علاقة جدلية مشكلة بينهما؟ ولعلّي أميل إلى أن المجتمع وتطوره الثقافي والمعيشي هو من يرسم العلاقة بين الدين والفن قرباً أو بُعداً، فمجتمع قرطبة وغرناطة في القرن 12م كان ثرياً بالفنون بخلاف المدن الإسلامية في جنوب المغرب أو الجزيرة العربية، كما أن عواصم أوروبا في القرن 20م تقدمت فنياً على عواصم أفريقية كثيرة تفتقد الخصوبة المحفّزة لإنتاج الفنون، ويبقى الإنسان بفطرته ميّالاً نحو الجمال وتعبيراته التي تشتهيها الأنفس، وميّالاً للتعظيم والتقديس بصلواتها التي تطرب لها الأرواح، وفي مجتمعاتنا المعاصرة يعدّ الفقه الإسلامي هو حجر الزاوية في تغيير المشهد الديني والفني معاً؛ فقد يحمل مشعل التجديد في تحرير الفنون من خطاياها وتحرير التدين من أخطائه؛ وتوظيف رسالتهما الإنسانية في الخير والإسعاد، وهذا مشروط بتجاوز الفقيه المعارك القديمة مع المتفلسفة والمتصوفة الذين كانوا يمثلون في فترات تاريخية ماضية؛ الزعامة الفكرية للانشقاق الإسلامي في الطقوس الشعائرية والتجاوز في اقتباس الفنون الأجنبية، وإذا تعالى عن ذلك نحو النظر المقاصدي للفن وقيمته الجمالية فلربما نشهد مصالحةً أوثق بين مجالي الدين والفن.

* أستاذ بقسم الدراسات الإسلامية والعربية جامعة الملك فهد للبترول والمعادن - الظهران (المملكة العربية السعودية)



الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».