الدين والفن... المقاربة الشائكة

علاقة حذرة ومتوترة خوفاً من سيطرة أحد المجالين على الآخر

مجتمع قرطبة في القرن 12 كان ثرياً بالفنون بخلاف المدن الإسلامية في جنوب المغرب أو الجزيرة العربية
مجتمع قرطبة في القرن 12 كان ثرياً بالفنون بخلاف المدن الإسلامية في جنوب المغرب أو الجزيرة العربية
TT

الدين والفن... المقاربة الشائكة

مجتمع قرطبة في القرن 12 كان ثرياً بالفنون بخلاف المدن الإسلامية في جنوب المغرب أو الجزيرة العربية
مجتمع قرطبة في القرن 12 كان ثرياً بالفنون بخلاف المدن الإسلامية في جنوب المغرب أو الجزيرة العربية

انتشر هذه الأيام كثير من النقاشات والبرامج الدينية عبر وسائط فنية متلفزة، وأصبحت الأفلام والمسلسلات الدينية ملاذاً للبشر في قضاء الأوقات؛ خصوصاً أثناء استحكام الجائحة وتوقف النشاطات الإنسانية المختلفة، فمنصة «نتفلكس» حظيت أيام الحجر الصحي بأكثر من 200 مليون مشترك وبمتوسط 66 ساعة مشاهدة أسبوعياً في الولايات المتحدة الأميركية حسب مجلة «فوربس»، ومن الجدير بالاهتمام أن فيلم «يهوذا والمسيح الأسود» من ضمن الأفلام المرشحة للفوز بجائزة أوسكار 2021 التي ستعلن في أبريل (نيسان) المقبل.
كما أن الفن أصبح شريكاً لكثير من رجال الدين في مواعظهم الأسبوعية، ومن ضمن أهم البرامج الأصيلة للكنائس والمعابد في عدد من الأديان، إما من خلال إقامة معارض للرسوم الفنية، أو للحفلات الموسيقية، أو منصات واقعية لمشاهدة الأفلام وحفلات الرقص، ومن يتتبع تاريخ الأديان قديماً يجد أنها متدثرة بلبوس الفن في أعمال متجسدة؛ يدل على هذا القدم التمثال الحجري الذي عثر عليه في النمسا، ويعرف باسم «فينوس ولندورف» ويرجع تاريخه إلى أكثر من 25 ألف عام قبل الميلاد، أو من خلال طقوس من الأشعار الغنائية وجدت في آثار البابليين والفراعنة والإغريق والديانات الهندية القديمة.
هذا التقارب بين الدين والفن على اختلاف مدارسه كان مشوباً بعلاقة حذرة ومتوترة خوفاً من سيطرة أحد المجالين على الآخر، كما أنهما أسهما في دعم وتسويق بعضهما حتى في أوقات المواجهة بينهما، فالتحريم الديني لموضوع ما قد يكون سبباً في عمل فني جذاب للكثير، وما تمرد فيه الفن على قيم المجتمع فإن الدين هو حربة المواجهة لهذه المخالفات الفنية.
أمام هذا الموضوع المثير والجدلي خصوصاً في بيئتنا الإسلامية، أضع بين يدي القارئ هذه التأملات التي أوجزها على النحو الآتي:
أولاً: ارتبط الدين بالفن والعكس كذلك عبر التاريخ، والمتتبع لهذه العلاقة يجد نقوش الكهنة الصينيين وصلواتهم على أجراس معدنية جميلة قبل كونفوشيوس بفترة طويلة، وعندما انتشرت البوذية أول مرة عبر طريق الحرير باتجاه شمال آسيا، ترك رهبانها سجلاً من أعمالها على جداريات دقيقة أسهمت في انتشارها، وحسبنا زيارة أو مشاهدة كنيسة سيستينا في الفاتيكان أو الكاتدرائيات الكبرى في أوروبا للتعرف على تقاطع الفن والإيمان في تاريخ المسيحية. (انظر: المرجع في سوسيولوجيا الدين 1/541)، هذا التلاقي العضوي ربما كان بسبب احتياج الدين لجواذب الفن وتعبيراته عن الروحانيات التي لا يمكن إيصالها إلى المؤمنين، إلا من خلال خيالات تجذب الأعين والأسماع لجمالياتها؛ شعراً أو دراما أو رسومات أو غيرها.
والمسيحية منذ القرن السادس الميلادي عندما أصدر البابا غريغوريوس الكبير مرسومه برقابة الكنيسة على الفن والموسيقى، والكنائس تتوسع وتتماهى مع الفنون، وأحياناً تتصادم مع محرمات الكتاب المقدس، وبعضها أنتج خلافاً دينياً كمسألة بناء التماثيل، فقد رفضته الكنائس الشرقية؛ بينما شجعته كنائس روما وما يتبعها، وكان عصر النهضة الأوروبي تجسيداً لهذه الموافقة الدينية، خصوصاً في القرن 15م، حيث ظهرت أعظم الأعمال الفنية التي قام بها دافنشي ومايكل أنجلو ورفائييل لتزيين أهم الكنائس الكاثوليكية آنذاك، ولما جاء القرن 16م وقامت الحركة البروتستانتية منعت وأزالت كثيراً من التماثيل في كنائسها، كونها تجسّد حالة من التقديس الباذخ مارسه الرهبان في حق أنفسهم، وجعله مارتن لوثر من الكفر والتجديف، أما حجة الأوائل في توسعهم في الفنون كالرسوم والمنحوتات، أن أكثر الأوروبيين جهلة وأميين ومشاهدتهم لتلك الأعمال هي من باب التعليم وتقريب الدين لهم.
أما اليوم، فالحال أصبحت مختلفة في جميع الكنائس، فكنيسة دالاس الأميركية على سبيل المثال ترعى أوركسترا سيمفونية بمسرح كبير وموظفين يتجاوزون المائة مفرغين للأعمال الموسيقية، وفي دراسة أميركية في 2003م تذكر أن نصف أعضاء الكنيسة في الولايات المتحدة يقولون إن تجمعاتهم الدينية ترعى عروضاً موسيقية في غير أوقات العبادة، وهذا الأمر بدأ يتسع لكل أنواع الموسيقى حتى الروك، وأضافت بعض الكنائس لطقوسها الرقص ووشم الأجساد بصور لرمزيات دينية.
ثانياً: تختلف نظرة الإسلام للفنون عما سبق ذكره في المسيحية أو غيرها من الأديان، فهناك نصوص من القرآن والسنة حرّمتْ بعض الفنون لعلّة صريحة، وهي أن تكون ذريعة لحصول الشرك المنافي لتوحيد الله في العبادة، وهذه العلّة لم تكن مجرد تصور ذهني متوقع حدوثه؛ بل هو ما تأكد وقوعه حقيقةً لدى بعض الأمم السابقة، فعن عائشة أم المؤمنين أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأتاها بالحبشة فيها تصاوير - أي مجسمات مصورة - فذكرتا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» (رواه البخاري 417)، والوعيد ورد فيها لأنها تحولت مع الزمن إلى أصنام تعبد من دون الله تعالى، وهذا ما حصل حقيقةً عندما عُبِد يعوق ويغوث وسواع ونسرا، فقد كانوا رجالاً صالحين من قوم نوح أراد أقوامهم تذكرهم فصنعوا لهم تماثيل تحولت مع الزمن وذهاب العلم إلى أصنام تعبد من دون الله، لهذا قال ابن القيم: «غالب شرك الأمم كان من جهة الصور والقبور» (زاد المعاد 3 / 458)، وإذا تأملنا الأحكام الجازمة بتحريم فنٍ من الفنون؛ فإنه غالباً ما يكون حول التماثيل المنصوبة للتعظيم والمضاهاة، أما لو كانت صوراً أو تماثيل للطبيعية أو لمخلوقات غير مكتملة أو للعب الأطفال فلا حرج عند كثير من الفقهاء، ويستدلون بما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها: أنه كان في لُعبها فرس له جناحان، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحك لما رآها حتى بدت نواجذه. (أخرجه أبو داود 4932).
وهنا نسأل هل كان الإسلام في الأصل ضد الفنون الجمالية؟ وهذا السؤال الكبير حاول الكثير بحثه والإجابة عنه، والكتابات في ذلك على منحيين: الأول: المحتاطون بالتحريم؛ خوفاً على حياض العقيدة وحراسة التوحيد من أي وسيلة قد تفضي إلى الشرك أو البدعة حتى لو كانت متخيلة؛ فتوسعوا في المنع وسد الذرائع؛ ولهم في التراث العقدي شروح وتوضيحات، والمنحى الآخر: المقاصديون؛ الذين تحرزوا أن يمنعوا تصرفاً بشرياً تنادي له الفطرة الباحثة عن الجمال، واستثنوا ما ورد به نص شرعي أو كان وسيلة لمخالفة يقينية، وما عدا ذلك جعلوه على أصل الإباحة كإنشاد الشعر والرقص والتمثيل وحبس الصور والموسيقى - عند البعض، وغيرها من الفنون.
وقد يسأل البعض عن إهمال الصحابة للفنون حتى المباح منها... ويمكن تعليل ذلك بطبيعة البيئة التي عاشوها حيث كانت أقرب للبيئة الصحراوية أو الزراعية التي تقيم عيشها بحثاً عن الضرورات الحياتية، بينما الفنون هي من قبيل التحسينات المعيشية، لذلك لما انتقلوا إلى العراق والشام ومصر، ورأوا طبيعة الحياة المختلفة والوفرة المعيشية التي تتجاوز الكفاية إلى التأنق والتزيُّن في الحياة، مارس أولادهم ومن جاء بعدهم الفنون الجمالية وتوسعوا فيها؛ في البناء واللباس والطعام والحفلات وغير ذلك (انظر: مقدمة ابن خلدون، تحقيق درويش 2/172).
ومن الجدير ذكره أن الحضارة الإسلامية التي تكونت مدنها وانتشرت علومها بعد القرن التاسع الميلادي قامت بثورات فنية في كثير من المجالات الحياتية، كما أن بعض الطوائف الإسلامية التي ظهرت بعد القرن 14م مارست كثيراً من الفنون في مقابرها ومساجدها وتكاياها مقتربة بشكل كبير من نماذج الديانات الأخرى؛ كتأثر الصفويين بالأرثوذكسية والمغول المسلمين بالمانوية، لكن الطابع العام كان مولّداً ومنتجاً من الفن الإسلامي الأصيل (انظر: فضل علماء المسلمين على الحضارة لفراج، 167-212).
ثالثاً: يعتبر كثير من السوسيولوجيين موضوع العلاقة بين الدين والفن موضوعاً جدلياً تحدده العلاقات البينية بين أطراف المجتمع وتفاعلاته ومتغيراته، وقد انعكست هذه العلاقة بين رواد المجالين، وكان التاريخ القديم يجمعهم في مناخ ديني واحد، ولكن في العصر الحديث ظهرت فكرة الفصل بينهما مع أول انبعاثات العلمانية الأوروبية، فكانت الفنون تتجه نحو التحرر التام من قبضة الدين؛ بما عرف بالنزعة الشكلانية ودعاوى الفن لأجل الفن، واستمر الفصل بينهما في مجال التعليم والتوظيف، فالدارس للفن لن يكون قساً في كنيسة، كما أن دارس اللاهوت لن يكون فناناً مسرحياً أو عازفاً في أوركسترا لأنه تخرج من مدرسة لاهوتية، لكن المجال المجتمعي العام يجبرهما على الالتقاء مهما حاولت العلمانية فصلهما، فقد أثبتت دراسة أميركية أن 80 في المائة من الأميركيين الإنجيليين و76 في المائة من البروتستانت و56 في المائة من الكاثوليك شعروا بالقرب من الله خلال الاستماع إلى الموسيقى أثناء القداس؛ بل إن 70 في المائة من فناني أميركا يعتبرون أنفسهم من المتدينين. (انظر: المرجع في سوسيولوجيا الدين 1/543)، وهناك كثير من الروابط بين الفن والدين سبقت الإشارة إليها، أما توتر العلاقة بينهما فيحدث عندما يتجاوز كل واحد منهما قدسية الآخر، فالفنان عندما يتهتك أخلاقياً فسيجد معارضة صارمة من رجال الدين، لذلك خرج كثير من فتاوى التحريم تمنع مشاهدة أفلام ومسلسلات أو اقتناء لوحات فنية مخالفة لصريح الدين، بيد أنه من المعلوم أن طبيعة الفن تقوم على التجاوز والخيال وتتبع الصور الجمالية بإثارة البصر أو السمع، وهذا ما جعل حراس الدين في حذر من تجاوزات الفنانين، ومع ذلك فمساحة التلاقي بينهما عظيمة، وهذا ما حدا بعلي عزت بيغوفيتش إلى القول: «إن الفن في بحثه عما هو إنساني؛ أصبح باحثاً عن الله» (الإسلام بين الشرق والغرب، 174)، وفي المقابل يعتبر بيغوفيتش الفن الإلحادي ظاهرة نادرة جداً، ويمكن إرجاعها إلى تناقض في الإنسان نفسه، وهو تناقض لا مفر منه، ومع ذلك سرعان ما يعود الفنان الحقيقي ليجد ذاته في التعبير عن الروحاني داخل الإنسان، مقترباً من الأديان المعروفة أو الروحانيات الجديدة.
وفي الختام... هل خرجنا مما سبق مناقشته بعلاقة تصالحية بين الدين والفن؟ أم ستبقى علاقة جدلية مشكلة بينهما؟ ولعلّي أميل إلى أن المجتمع وتطوره الثقافي والمعيشي هو من يرسم العلاقة بين الدين والفن قرباً أو بُعداً، فمجتمع قرطبة وغرناطة في القرن 12م كان ثرياً بالفنون بخلاف المدن الإسلامية في جنوب المغرب أو الجزيرة العربية، كما أن عواصم أوروبا في القرن 20م تقدمت فنياً على عواصم أفريقية كثيرة تفتقد الخصوبة المحفّزة لإنتاج الفنون، ويبقى الإنسان بفطرته ميّالاً نحو الجمال وتعبيراته التي تشتهيها الأنفس، وميّالاً للتعظيم والتقديس بصلواتها التي تطرب لها الأرواح، وفي مجتمعاتنا المعاصرة يعدّ الفقه الإسلامي هو حجر الزاوية في تغيير المشهد الديني والفني معاً؛ فقد يحمل مشعل التجديد في تحرير الفنون من خطاياها وتحرير التدين من أخطائه؛ وتوظيف رسالتهما الإنسانية في الخير والإسعاد، وهذا مشروط بتجاوز الفقيه المعارك القديمة مع المتفلسفة والمتصوفة الذين كانوا يمثلون في فترات تاريخية ماضية؛ الزعامة الفكرية للانشقاق الإسلامي في الطقوس الشعائرية والتجاوز في اقتباس الفنون الأجنبية، وإذا تعالى عن ذلك نحو النظر المقاصدي للفن وقيمته الجمالية فلربما نشهد مصالحةً أوثق بين مجالي الدين والفن.

* أستاذ بقسم الدراسات الإسلامية والعربية جامعة الملك فهد للبترول والمعادن - الظهران (المملكة العربية السعودية)



باليه «أميرة النيل» يستلهم قصة حب أسطورية من مصر القديمة

البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)
البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)
TT

باليه «أميرة النيل» يستلهم قصة حب أسطورية من مصر القديمة

البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)
البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)

في استعادة فنية لواحد من أعمال الباليه العالمي، يستقبل المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية عرض باليه «أميرة النيل» الذي بدأ، الجمعة، ويستمر حتى الاثنين 9 فبراير (شباط) الحالي.

يعود العمل إلى الجمهور في صيغة تجمع بين عراقة النص الكلاسيكي، وروح المعالجة المعاصرة؛ فالعرض الذي تقدّمه فرقة «باليه أوبرا القاهرة» يستعيد أحد أشهر الأعمال التي رسّخت صورة جمالية عن عراقة الحضارة المصرية في الفكر الغربي، لكنه هذه المرة يعيد قراءتها من داخل الذاكرة الثقافية المصرية نفسها، حيث تدور أحداثه في إطار سردي يجمع بين الواقع والحلم.

ويشعر المشاهد منذ لحظاته الأولى بأنه يراهن على فخامة الأجواء، وهيبة الحضارة القديمة، والدهشة البصرية، وزخم المشاعر؛ إذ تبدأ الأحداث برجل إنجليزي، يصل إلى مصر في رحلة استكشافية، ويجد نفسه مضطراً إلى الاحتماء داخل أحد الأهرامات؛ هرباً من عاصفة رملية مفاجئة. وهناك وفي أجواء غامضة تتداخل فيها الأسطورة مع الخيال، يتناول مادة مخدرة تجعله يغفو، لينتقل عبر الحلم إلى مصر القديمة.

أزياء مستوحاة من الرموز الفرعونية والبيئة (الأوبرا المصرية)

في هذا العالم المتخيل، يتحول الرجل إلى شاب مصري نبيل، يعيش في بلاط الحاكم، وسرعان ما يلتقي ابنة الفرعون، التي تتجسد بوصفها رمزاً للجمال والقوة. وينشأ بين الاثنين حب عميق، لكنه حب محكوم بالمواجهة؛ إذ تصطدم مشاعرهما بقوانين السلطة والاختلاف والمصير.

فهل ينتصر الحب ويستمر مع محبوبته «أميرة النيل»، أم يعود من حلمه إلى الهرم، بعد أن يكون قد اكتسب تقديراً حقيقياً لسطوة الحب والقدر؟

وترى المديرة الفنية لفرقة «باليه أوبرا القاهرة»، الفنانة أرمينيا كامل، أن تقديم «أميرة النيل» يأتي في إطار رؤية فنية تؤمن بالاستلهام من الجذور الحضارية المصرية؛ وذلك بوصفها مادة حية ثرية على المستويات الإنسانية والجمالية، قابلة لإعادة التشكيل الراقي الملائم لفن الباليه. وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الحضارة المصرية القديمة، بما تحمله من ثراء بصري ودرامي، ومن مشاهد وصور وزخم سردي، تملك قدرة استثنائية على مخاطبة وجدان المتلقي المعاصر عبر الباليه».

يُذكر أن باليه «أميرة النيل» وُلد خلال فترة ازدهار ثقافي وفني ملحوظ في روسيا؛ ففي منتصف القرن التاسع عشر بدأ الباليه الروسي في ترسيخ هويته الخاصة، المتميزة عن نظيراتها في أوروبا الغربية.

ويشير الناقد الفني محمد كمال إلى أن هذا الباليه استلهم من رواية «المومياء» لتيوفيل غوتييه، التي شكّلت نسيجاً غنياً من الثقافة والأساطير المصرية القديمة؛ ما أتاح للمبدعين فرصة استكشافها.

وكان للتعاون بين ماريوس بيتيبا، أستاذ الباليه الفرنسي الذي استقر في روسيا، وتشيزاري بوني، الملحن الإيطالي، دور محوري في إخراج هذا الباليه إلى النور.

باليه «أميرة النيل» (دار الأوبرا المصرية)

فقد أثمرت تصميمات بيتيبا الراقصة المبتكرة، إلى جانب موسيقى بوني المؤثرة، عرضاً مذهلاً من الناحيتَين البصرية والموسيقية، حسب كمال. اللافت أن الباليه لا يتعامل مع قصة الحب بوصفها حكاية رومانسية تقليدية، بل يقدمها بصفتها سلسلة من الاختبارات الجسدية والدرامية؛ حيث تتحول المشاعر إلى حركات، والصراع إلى إيقاع.

ففي الفصل الثاني على سبيل المثال تتصاعد التوترات مع ملاحقة الحراس للعاشقين، وتتحول الرحلة إلى سلسلة من المطاردات والمشاهد الجماعية التي تبرز قوة الرقص الكلاسيكي في التعبير عن الإحساس بالخطر والهروب والرغبة في النجاة.

ويتداخل البعد الأسطوري مع الدراما في العرض عبر مشاهد تتكامل فيها الموسيقى والحركة والضوء، وفي أثناء ذلك يترسخ لدى المشاهد الإحساس بتفرد النيل، بوصفه قوة حامية وملاذاً للإنسان، وليس مجرد نهر عظيم.

وفي الفصل الأخير يتصاعد الصراع، وتتداخل السلطة بالعاطفة، قبل أن ينكسر الحلم فجأة، ويستيقظ البطل في نهاية قد تعيد المتفرج إلى نقطة البداية، لكنها تأتي محمّلة بدلالة جديدة؛ إذ يكتشف أنه قد أصبح مثل هذا البطل من حيث تغيّر نظرته إلى الحب والقدر والحياة.

وتتميز معالجة الباليه بأنها لا تعتمد على السرد المباشر، بل تترك للرقص والموسيقى مهمة نقل التحولات النفسية والدرامية.

وهو ما يتجلّى في تصميمات الرقص المستندة إلى أعمال ماريوس بيتيبا؛ حيث تتوازن الحركات الدقيقة مع المشاهد الجماعية المهيبة، وتتحول الأجساد إلى عنصر سردي أساسي.

أما الموسيقى التي وضعها المؤلف الإيطالي تشيزاري بوني، فتشكّل العمود الفقري للعمل، بما تحمله من ألحان غنية وزخارف أوركسترالية تتكرر، وتتحول مع تطور الأحداث.

ويقود الأوركسترا المايسترو محمد سعد باشا، في أداء يبرز التباين بين المقاطع الاحتفالية، والمشاهد الوجدانية، سيما في ثيمات الحب والمواجهة. صمم ياسر شعلان الإضاءة بحيث تواكب التحولات الزمنية والنفسية، متنقلة بين أجواء الحلم والاحتفال والتهديد، في حين قدّم جيانلوكا سايتو أزياء مستوحاة من الرموز الفرعونية والبيئة، جاءت غنية في تفاصيلها، من دون أن تقع في فخ الاستنساخ التاريخي.

ويعتمد العرض كذلك على مشروع وسائط متعددة من تصميم عبد المنعم المصري، يضيف بعداً بصرياً حديثاً، من خلال دمج الصور والخلفيات المتحركة مع المشاهد الراقصة، في انسجام يحافظ على إيقاع العرض، من دون أن يؤدي إلى تشتيت انتباه المتلقي.


9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)
عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)
TT

9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)
عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)

تتوالى الأيام سريعاً صوب بدء الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الذي ينطلق في الثاني عشر من هذا الشهر حتى الثالث والعشرين منه.

المؤشرات تعِد بدورة أكثر نجاحاً من الدورات الثلاث السابقة، لكنّ هذا لن يتأكد قبل العروض السينمائية للمسابقة وما يجاورها من أقسام. هذا لأنه من السهل إتقان الشؤون الإدارية المختلفة، ومن الأسهل، نسبياً، إنجاز سوق سينمائية كبيرة تقبل عليها مؤسسات وشركات لتأكيد وجودها على خريطة الإنتاجات السينمائية حول العالم، لكن اختيار الأفلام المشتركة في برامج المهرجان المختلفة هو المحك الذي سيمكّن الإعلام ونقاد السينما من الحكم على درجة نجاح المهرجان الفعلي، وإذا ما وفى بوعده العودة إلى سابق تألّقه.

أرقام

شيء واحد مؤكد إلى الآن هو أن هناك تسعة أفلام من إخراج نسائي بين عروض المسابقة المؤلّفة من 22 فيلماً. مسألة لم نكن نعيرها اهتماماً حتى وقت ليس بالبعيد عندما كانت المهرجانات تختار ما تختاره من الأفلام من دون أن تفرِّق كثيراً إذا ما كان الفيلم من إخراج امرأة أو رجل!

الذي حدث أن القوّة الناعمة (أو هكذا عُرفت) رأت أن المرأة ليست ممثَّلة بما يكفي في المهرجانات، فنادت بحضور أعلى، وكان لها ما أرادت. في العام الماضي شهد مهرجان برلين 8 أفلام من إخراج نساء، أي بفارق فيلم واحد عن هذا العام. الفيلم الإضافي سيؤكد، حسب معلومات، أن مهرجان برلين يؤكد ريادته في رعاية المخرجات. هذا في حين تشير مجلة «سكرين إنترناشيونال» إلى أن عدد الأفلام نسائية الإخراج التي كانت قد عُرضت قبل عامين لم يزد على ستة أفلام. لكن هل بات حُكماً أن تراعي المهرجانات نسبة معيّنة لتبرهن على أنها مؤيدة للمرأة؟ ماذا عن اختيار الأفلام حسب أهميّتها الفنية أساساً؟

الأمور ليست على ما يرام في هذا الشأن خارج إطار المهرجانات. في عام 2024، حسب دراسة لجامعة ساذرن كاليفورنيا (USC)، ومن بين 111 مخرجاً حققوا أفلاماً، كان نصيب المرأة 9 أفلام فقط، (أي امرأة واحدة مقابل كل 11 مخرجاً ذكراً) من بينها فيلما أنيميشن هم «إليو» لمادلين شرفيان (أنيميشن) وKPop Demon HUnters (بمشاركة مخرج رجل هو كريس أبلهانز)، وثلاثة أفلام رعب هي: «أعلم ما فعلت في الصيف الماضي» لجنيفر روبنسن، و«خمسة أيام عند فرايداي 2» لإيما تامي، و«جمعة أكثر غرابة»، (Freakier Friday)، لنيشا غاناترا.

توجُّه المرأة إلى تحقيق أفلام رعب يستأهل تحقيقاً منفصلاً من حيث أسبابه ونتائجه.

الدراسة الجامعية المذكورة تكشف بين دفّتيها عن تقارير عن 1900 فيلم جرى إنتاجها ما بين 2007 و2025، وتلاحظ كيف انطلقت القوّة الناعمة جيداً في العقدين الأول والثاني من القرن، ثم بدأت التراجع مع استمرار تفضيل شركات هوليوود الرئيسية اختيار مخرجين رجال لمعظم إنتاجاتها.

«جوزيفين» (مهرجان برلين)

مخرجات برلين

هذا لا علاقة وثيقة له باختيار المهرجانات إلا من خلال ملاحظة القوس البياني لسعي المرأة إلى إثبات حضورها في المشهد السينمائي.

أفلام برلين النسائية مثيرة للاهتمام لأنها تشكل نوع من التعدد في الخيارات المتاحة. على ذلك، فإن الجامع الآخر بين أفلامهن يتمحور حول موضوعات مجتمعية تقود المرأة غالبيّتها.

من «في همسة» لليلى بوزيد (يونيتي)

من بين المشتركات في دورة برلين الجديدة المخرجة التونسية ليلى بوزيد التي توفّر الفيلم العربي الوحيد في المسابقة وعنوانه «في همسة» (كان عنواناً لفيلم إسباني أُنتج سنة 2019 لهايدي حسن). فيلم بوزيد دراما عائلية حول «ليلى» التي تعود إلى تونس من باريس لحضور جنازة عمّها. الزيارة تكشف عن اختلافات كثيرة بين طريقتي عيش تؤدي إلى أزمات.

هناك بحث آخر تقوم به بطلة الفيلم الأميركي «جوزيفين» للمخرجة بث. د. أرايو، حول الزوجين (غيما تشان وشانينغ تاتوم) في سعيهما لحماية ابنتهما التي شهدت جريمة اغتصاب. في مؤتمرها الصحافي أكدت المديرة الفنية للمهرجان أن ما يرد في هذا الفيلم هو «حكاية شخصية».

تبتعد المخرجة البريطانية أشلي وولترز عن الموضوع النسائي في فيلم سمّته «أنيمول» (Animol)، إذ يدور فيلمها عن مجموعة من الشبّان الذين يعيشون في إصلاحية وكيف استطاع بعضهم خلق بعد جديد لحياتهم من خلال صداقاتهم هناك.

موضوع رجالي آخر تطرحه السويدية دارا ڤان دوسن، في «صلاة للميّت»، (A Preyer for the Dead)، حول رئيس شرطة مدينة حائر بين إنقاذ عائلته وبين إنقاذ البلدة التي تطالبه بتطبيق القانون.

من «قصص بيتية» (أدريان كامبيون - تريمافيلم)

في «قصص بيتية»، (Home Stories)، (ألمانيا)، تختار المخرجة إيڤا تروبيش موضوع الهوية. بطلة الفيلم ذات المكانة الاجتماعية تتعرّض لسؤال حول حياتها. تخرج من المقابلة مدركةً أن عليها أن تبحث عن هويّتها الخاصّة.

الأفلام الأخرى للمخرجات المشتركات هي «الرجل الأكثر وحدة في البلدة» لتيزا كوڤي (ألمانيا)، و«زوجتي تبكي» لأنجيلا شانالك (ألمانيا)، و«نايتبورن» لهانا بيرغهولم (فنلندا)، و«نينا روزا» لجنڤييڤ دولودي-دي سيلس (كندا)، و«غبار» لأنكي بلوند (بلجيكا).

Your Premium trial has ended


علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
TT

علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري

كشف علماء آثار عن دليل لما قد يكون أول عملية جراحية في المخ في العالم، إذ تم العثور على جمجمة بشرية من عصر الفايكنج وقد أُزيل جزء منها.

وتتميز البقايا، التي تعود لرجل يتراوح عمره بين 17 و24 عاماً، بوجود ثقب بيضاوي الشكل يبلغ قطره نحو 3 سنتيمترات. ويعتقد الخبراء أن الرجل عاش خلال القرن التاسع الميلادي، وفقاً لتقرير «وكالة الأنباء السويدية».

من المرجح أن الرجل خضع لعملية تثقيب الجمجمة، وهي إجراء جراحي قديم يتم فيه حفر ثقب في جمجمة شخص حي لعلاج حالات مثل الصداع النصفي، أو النوبات. وامتد عصر الفايكنج من نحو عام 750 إلى عام 1050 ميلادي.

واكتشف طلاب جامعة كامبريدج البقايا العام الماضي خلال حفريات تدريبية في حصن واندلبوري الذي يعود للعصر الحديدي.

لا تكمن أهمية هذا الاكتشاف في العملية الجراحية فحسب، بل في بنية الرجل الجسدية أيضاً. وكان طوله 6 أقدام و5 بوصات، مما جعله أطول بكثير من متوسط ​​طول الرجل في ذلك العصر، والذي كان يبلغ طوله عادةً 5 أقدام و6 بوصات، وفقاً لتقرير «وكالة الأنباء السويدية».

قالت الدكتورة تريش بيرز، أمينة مختبر داكوورث بجامعة كامبريدج، في التقرير: «ربما كان لدى الشخص ورمٌ أثّر على غدته النخامية، مما تسبب في زيادة إفراز هرمونات النمو، إذ يمكننا ملاحظة ذلك في الخصائص الفريدة لعظام أطرافه الطويلة، وفي أجزاء أخرى من هيكله العظمي».

أشارت بيرز إلى أن مثل هذه الحالة كانت ستؤدي إلى زيادة الضغط داخل الجمجمة، والتسبب في صداع شديد. ويبدو أن عملية ثقب الجمجمة كانت محاولة لتخفيف هذا الألم، وهو هدف «ليس نادراً في حالات إصابات الرأس اليوم».

وشكّل موقع الدفن نفسه لغزاً محيراً، إذ احتوت المقبرة الجماعية على مزيج من الجثث الكاملة، والمقطّعة، بما في ذلك مجموعة من الجماجم، وما وصفه الباحثون بـ«كومة من الأرجل». وتمّ استخراج أربعة هياكل عظمية كاملة، بعضها في وضعيات توحي بأنها كانت مقيّدة.

وبدا أن معظم الجثث كانت لشبان أُلقي بهم في الحفرة دون اكتراث، مما دفع علماء الآثار إلى الاشتباه في أن الموقع يُشير إلى آثار مناوشة، أو معركة، أو إعدام جماعي.

وقال أوسكار ألدريد، من وحدة كامبريدج الأثرية: «ربما كان المدفونون ضحايا عقاب بدني، وقد يكون ذلك مرتبطاً بواندلبري باعتبار أنه مكان مقدس، أو معروف للاجتماعات». وأضاف: «ربما تكون بعض أجزاء الجثث الممزقة قد عُرضت سابقاً بوصفها جوائز، ثم جُمعت ودُفنت مع الأفراد الذين أُعدموا، أو ذُبحوا بطريقة أخرى».