لبنانيات افتتحن مسيرة الصحافة النسائية عربياً

الاتحاد النسائي في لبنان وسوريا 1924
الاتحاد النسائي في لبنان وسوريا 1924
TT

لبنانيات افتتحن مسيرة الصحافة النسائية عربياً

الاتحاد النسائي في لبنان وسوريا 1924
الاتحاد النسائي في لبنان وسوريا 1924

شتان بين الصحافة النسائية العربية التي أسستها وأدارتها نساء مناضلات قبل أكثر من مائة سنة، جئن إلى الصحافة للدفاع عن حقوقهن والمنافحة من أجل الاستقلال والحرية الوطنية، وما آلت إليه الصحافة النسائية كما نعرفها اليوم، بروحها التجارية وميلها صوب الجمال والأزياء والطبخ والتسالي والماكياج.

لبنان كما بقية الدول العربية عرف هذه التحولات الصحافية التي مسّت المضمون وبدّلت الأهداف. فقد كانت اللبنانيات رائدات في إصدار الصحف والمساهمة الفعّالة في الكتابة إلى جانب الرجل. ويُرى إلى ما خطته أيدي الكاتبات النساء من مقالات في مجلة «المقتطف» و«الجنان» و«لسان الحال» التي بدأت تصدر في بيروت مع منتصف القرن التاسع عشر، على أنها شكلت بذوراً لما سيعرف فيما بعد بالصحافة النسائية. فمقالات سلمى طنوس وندى شاتيلا وغيرهن، عن الحداثة الأوروبية والفكر والثقافة والأدب، في هذه المنشورات كانت الشرارة الأولى. مع العلم أن كتابة النساء عن الموسيقى والشعر والانفتاح، لم تكن مرغوبة ولا مألوفة، في حلكة الحكم العثماني، لذلك كتبت بعضهن بأسماء مستعارة.

هجرة «شامية» إلى مصر

كان من الصعب رؤية مجلات نسائية تصدر في لبنان، في تلك الفترة، ولا بد من انتظار مطلع القرن العشرين كي تصدر النساء مطبوعاتهن التي تعالج مشكلاتهن. وسنرى أن المهاجرات «الشوام» إلى مصر، واللبنانيات بينهن تحديداً، بفضل المناخات المناسبة هناك في نهاية القرن التاسع عشر، يصدرن طلائع المجلات العربية النسائية.
ويسجل للبنانية هند نوفل ابنة مدينة طرابلس، التي لقبت بعد ذلك بـ«أم الصحافيات» بأنها أصدرت من الإسكندرية عام 1892 أول مجلة مخصصة للمرأة، وأطلقت عليها اسم «الفتاة». ليصبح للمرأة أول مجلة شهرية، علمية، تاريخية، أدبية تصدر في العام العربي. وكرت في مصر سبحة المجلات التي أصدرتها لبنانيات، نذكر منهن لويزا حْبَالين «الفردَوس» 1896، وأَلكسندرا الخوري «أَنيس الجليس» 1898، وأَستير أَزهري «العائلة» 1899، ومريم سعد «الهوانِم» و«الزَّهرة» 1902، ورُوزي أَنطون «السيِّدات والبنات» 1903، ولبيبة هاشم «فتاة الشرق» 1906.

البدايات في لبنان

لا بد من انتظار عام 1909 لنرى «الحسناء»، أول مجلة نسائية تصدر في لبنان، بفضل رجل هو الصحافي جرجي نقولا باز، لتتوقف بعد ثلاث سنوات. ومن بعد «الحسناء» وفي خضم فورة إصدارات عرفتها تلك الفترة بدأ ظهور المجلات النسائية التي طال انتظارها.
وبالفعل، سجل بين عامي 1908 و1912 صدور 49 صحيفة، و26 مجلة في بيروت، وأكثر من 44 صحيفة في مختلف المناطق اللبنانيّة، الأمر الذي استتبع تأسيس مطابع جديدة. هذا عدا الصحف والمجلات التي كان قد أصدرها لبنانيون في إسطنبول وسوريا وفي المهجر، ولعبت السيدات دوراً فيها. ففي عام 1913 أطلقت الأديبة عفيفة كرم، ابنة بلدة عمشيت في أقصى شمالي جبل لبنان التي هاجرت إلى ولاية لويزيانا في أميركا، مجلتها «العالَم النسائي الجديد». وكانت بذلك أول صحيفة نسائية تصدر في أميركا، واستمرت حتى الحرب العالمية الأولى.

المرأة تصدر مجلتها الأولى

وضمن هذه الفورة، وفي عام 1914 ستصدر مجلة «فتاة لبنان» الشهرية، وهذه المرة صاحبتها امرأة، هي سلمى أبي راشد، إلا أنها توقفت بعد ثمانية أشهر بسبب الحرب. وأبي راشد أديبة ولها مؤلفاتها، كما كثير من صاحبات المجلات في ذاك الزمن. وكانت قبل تأسيسها مجلتها قد تولت رئاسة تحرير جريدة أخيها «النصير السياسية»، وسجل لها أنها أول امرأة تدخل الصحافة السياسية من أوسع أبوابها. والملاحظ ان تلك المجلات لم تكن تعمر طويلاً بسبب التضييق على الحريات، أو شح التمويل أو الصراعات والحروب، خصوصاً أننا نتحدث عن زمن مضطرب واشتعال الحرب العالمية الأولى، وبدء دخول القوات الاستعمارية الأجنبية إلى البلاد العربية. لذلك فإن مجلة «منيرفا» التي أسستها ماري يني، وفي محاولة منها للاستمرار خلال الحرب، رغم الصعوبات، أخذت تكتبها بخط اليد، لكنها اضطرت لإيقافها بعد مدة وجيزة.
ومن المجلات النسائية التي صدرت في تلك الفترة «الفجر» 1919 لصاحبتها نجلاء أبي اللمع، تلميذة بطرس البستاني، الملقبة لفصاحتها بـ«أميرة المنابر»، واستمرت مجلتها في الصدور ست سنوات، قبل أن تحتجب لتعيد أبي اللمع إصدارها من كندا لفترة وجيزة. وهنا يمكننا الحديث عن مجلة «الخِدر» التي أصدرتها عام 1919 عفيفة صعب، لمدة عشر سنوات، ودافعت على صفحاتها عن الحجاب. ولم تكن المجلات النسائية نمطاً واحداً، فمنها ما شدد على الأخلاق والحذر من التفرنج، وعدم الوقوع في فخ الغرب، ولا تغيب عن البال المجلات النسائية الإسلامية أيضاً، أو التي عنيت بشؤون الأسرة وتدبير المنزل، وبينها ما نزع إلى التحرر والانفتاح. والنساء المؤسسات كن غالباً تلميذات مدارس إرسالية، ومن عائلات سهلت لهن بمقدراتها المادية، أو خلفياتها الأدبية سبل الوصول. وبقين على أي حال، نخبة في مجتمع لا يزال شديد التقليدية.
في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، صدر كثير من المجلات منها مجلة «المرأة الجديدة» (1921)، استمرت ست سنوات لصاحبتها جوليا طعمة دمشقية، ومجلة «المستقبل» لألفيرا لطوف التي تحولت إلى سياسية. وفي فترة الانتداب خفت وهج القضايا النسائية لتحل مكانها قضايا الاستقلال والتعليم والتضامن والإنتاج.

بين الاستقلال والحرب الأهلية

بعد الاستقلال ظهرت دفعة أخرى من المجلات مثل «صوت المرأة» عام (1945)، و«المرأة والفن» (1948)، و«دنيا المرأة» (1959)، ومجلة «هي» (1960)، و«الحسناء» (1961)، و«مود» وهي مجلة خاصة بالأزياء، وكانت تصدر بثلاث لغات.
لم يخمد وهج هذه المجلات تحت ضربات الحرب الأهلية اللعينة التي اشتعلت عام 1975 وبدلت الأولويات. فقد رأينا ولادة «اللبنانية» و«مشوار» و«الفراشة» و«فيروز» و«نساء» و«عفاف» و«زينة» و«نور» و«جمالك»، وبينها ما سيعمّر ويستمر. وكذلك سنرى سلسلة أخرى بعد هدوء المعارك. بسبب هذه الخصوصية، ولدت تلك الصحافة المتخصصة مغمسة بمعاناة الناس ونضالاتهم من أجل التحرير. ومن هذه الصحف، «صوت المرأة الفلسطينية»، أصدرها «الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية» عام (1967)، لم تبلغ مستوى محترفاً، وتوقفت بعد نكسة 1967 مباشرة. وهناك أيضاً مجلة «الفلسطينية الثائرة» 1970 وكانت تصدر عن اتحاد المرأة الفلسطينية في الأردن، ومجلة أخرى تحمل اسم «الفلسطينية» ولدت عام (1988).
ما يتوجب قوله هنا أن المجلات النسائية أخذت تدريجياً تفقد رسالتها الأولى، وتصبح سلعة تجارية، هدفها الربح والإعلان. تغيرت المواضيع، وتبدلت الأهداف. ومع ضيق السوق اللبنانية، والرغبة في التوزيع العربي، بات إرضاء أذواق القارئات، أولوية على المشكلات التي تعاني منها المرأة اللبنانية.

سوريا بدأتها بـ«العروس»

تاريخياً سوريا هي البلد الثالث بعد مصر ولبنان، الذي أبصرت فيه النور المجلات النسائية، وكانت طليعتها «العروس» على يد ماري عبده عجمي عام 1910. وكما اللبنانيات مارست النساء السوريات الكتابة الصحافية باكراً، والتحرير ونشر القصائد والمقالات. ولكن أقدمهن في هذا المضمار كانت مريانا مرّاش، ابنة حلب، التي يقال إنها نشرت أول مقالة لها عام 1870 في مجلة «الجنان»، وكانت هناك وردة اليازجي وماري شقرا وفريدة جحا وهند سالم.
ولقد توقفت «العروس» عن الصدور مع الحرب العالمية الأولى، ثم عادت مرة أخرى بعد انتهائها، وكان يغلب عليها الطابع الأدبي، ثم توقفت نهائياً عام (1925). وكان لا بد من انتظار عشر سنوات بعد «العروس» لتولد مجلة ثانية هي «الفيحاء»، لكنها لم تستمر طويلاً، وصدرت بعدها «دوحة المياس» في حمص عام (1928)، ومجلة أخرى هي «الربيع» في (1935) عاشت لفترة وجيزة. والعمر القصير هو قدر المجلات النسائية السورية باستثناء مجلة «المرأة العربية» التي صدرت عام (1962) عن «الاتحاد العام النسائي السوري».

فلسطين المحكومة بمعاناتها

أما الصحافة الفلسطينية فشاركت فيها المرأة منذ نشأتها، لكن لا يمكن الحديث عن تاريخ للصحافة النسائية يشبه ما رأيناه في لبنان وسوريا ومصر، نظراً للأوضاع المأساوية التي عاشها الشعب الفلسطيني. ومن المجلات التي عرفها الداخل الفلسطيني «صمود المرأة» التي يصدرها «اتحاد لجان العمل النسائي الفلسطيني» في دولة فلسطين. وتسيطر عليها روح المقاومة. وكذلك مجلة «المجلة» التي تصدر عن «مركز الدارسات النسوي» في القدس. وكذلك «زيتونة بلدنا» صدرت في القدس أيضاً.


مقالات ذات صلة

طرد مسؤول كوري جنوبي لاقتراحه «استيراد نساء» لزيادة المواليد

آسيا كوريا الجنوبية تُعد من الدول ذات أدنى معدلات المواليد في العالم (رويترز)

طرد مسؤول كوري جنوبي لاقتراحه «استيراد نساء» لزيادة المواليد

طُرد مسؤول كوري جنوبي من حزبه السياسي، عقب اقتراحه «استيراد» نساء من فيتنام وسريلانكا بهدف رفع معدل المواليد المتراجع في البلاد.

«الشرق الأوسط» (سيول)
يوميات الشرق من كليوباترا إلى كوكو شانيل... «إنفلوينسر» و«فاشونيستا» من زمنٍ آخر

من كليوباترا إلى كوكو شانيل... «إنفلوينسر» و«فاشونيستا» من زمنٍ آخر

في زمن المؤثّرات، والمؤثّرين، تضجّ وسائل التواصل الاجتماعي بوجوه وأسماء توجّه الذوق العام. لكن من هنّ أولى المؤثّرات في التاريخ؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكشف المبكر لسرطان الثدي يساعد على تحسين نتائج العلاج (جامعة فلوريدا)

علاج للهبّات الساخنة يبطئ تقدم سرطان الثدي

أظهرت دراسة بريطانية أن إضافة دواء يُستخدم في علاج الهبّات الساخنة لدى مريضات سرطان الثدي إلى خطة علاج سرطان الثدي يمكن أن يكون له تأثير مزدوج.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الممثلة ماريا الدويهي والكاتب والمخرج المسرحي يحيى جابر (صور الدويهي)

ماريا الدويهي... سعيدة بتسلُّق «القرنة البيضا» مع يحيى جابر

لدى يحيى جابر تقليد غير تقليدي. قبل العروض العامة لمسرحياته يفتح بيته لعروض خاصة يجسّ بها نبض الحضور. والدعوة الجديدة إلى «القرنة البيضا» ونجمتها ماريا الدويهي.

كريستين حبيب (بيروت)
أوروبا بريجيت ماكرون زوجة الرئيس الفرنسي تصل إلى مراسم إحياء الذكرى العاشرة لهجمات إرهابية في باريس... 13 نوفمبر 2025 (أ.ب)

«قذرات غبيات»… بريجيت ماكرون تأسف إذا آذت نساءً ضحايا عنف جنسي

قالت بريجيت ماكرون، زوجة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إنها تشعر بـ«الأسف» إذا كانت تصريحاتها قد آذت نساءً تعرّضن للعنف الجنسي.

«الشرق الأوسط» (باريس)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.