أفلام مخرجين صنعت السينما

تنتمي لثقافات مختلفة وتعكس أحداثاً إنسانية فارقة

أفلام مخرجين صنعت السينما
TT

أفلام مخرجين صنعت السينما

أفلام مخرجين صنعت السينما

يلقي الناقد السينمائي سمير فريد الضوء على مجموعة من المخرجين والأفلام التي قدموها، وكيف كسروا من خلالها هيمنة السينما الأمريكية وتمردوا عليها، وذلك عبر تجارب مدهشة تنتمي إلى ثقافات وبلدان مختلفة... الكتاب بعنوان «مخرجون واتجاهات في سينما العالم». وكان المؤلف قد دفع الكتاب للطباعة، لكن لم ينشر إلا بعد رحيله عام 2017، وأصدرته مجدداً الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة بمصر ضمن سلسلة «آفاق السينما».

«الندم» من الاتحاد السوفياتي السابق

يستهل سمير فريد كتابه بالحديث عن فيلم «الندم» للمخرج الروسي تنجيز أبولادزي الذي فاز بالجائزة الكبرى للجنة التحكيم في مهرجان «كان» 1987، مشيراً إلى أنه أحد أهم الأفلام في السينما المعاصرة، ولم تكن صدفة أن اختير من بين كل الأفلام الممنوعة التي تنتمي لحقبة الاتحاد السوفياتي والتي صرح بعرضها في عهد الرئيس جورباتشوف.
وقد ولد أبولادزي في جورجيا وتخرج في معهد السينما عام 1952، وعبر 32 سنة أخرج 5 أفلام قصيرة و6 أفلام طويلة؛ منها «مكاننا» و«فرقة جورجيا» و«قلادة من أجل حبيبتي» و«الندم» 1984، كما فازت أفلامه بـ11 جائزة دولية؛ أولاها السعفة الذهبية لأحسن فيلم قصير في مهرجان كان 1956 عن فيلم «روج ماجدان». وحول خصوصية عالمه الفني تقول الناقدة السوفياتية لاتافراد ولايدزي: «إنها ليست مجرد أعمال فنية، لكنها أحداث ثقافية لا تعكس فقط اتجاهات الرسم والموسيقى والأدب، بل العمارة، لكنها تمهد الأرض لمزيد من التطور في الفنون».
تدور أحداث «الندم» عن عمدة مدينة ما في مكان ما. إنه ديكتاتور وطاغية يدعى «فارلام أرافيدزي»، من بين من يضطهدهم رسام يدعى شاندور باراتيللي هو وزوجته نينو لأنهما يقاومان طغيانه، خصوصاً عندما يتعرض المعبد القديم للخطر بإنشاء مصنع داخله. وإزاء رفض الفنان وزوجته الخضوع لفارلام يعتقلهما ويأمر بتعذيبهما فيموتان، من التعذيب وتقرر كتفيتان ابنتهما الانتقام لوالديها. يشير الفيلم إلى قضية الطغيان السياسي، ففارلام له وجه الديكتاتور السوفياتي ستالين وشارب هتلر وملابس موسوليني السوداء، فضلاً عن حبه لإلقاء الخطب من الشرفات المطلة على الميادين الفسيحة. ويبرز التطابق بين فارلام وستالين من خلال مكتبه الخشبي الذي يشبه مكتب ستالين كما نراه في الأفلام التسجيلية.

«معسكر» من السنغال

وعن عثمان سمبين الكاتب والروائي السنغالي، يرى سمير فريد أنه له الفضل في تحويل لغته الوطنية «الولوف» إلى لغة للأدب عبر إحيائها من جديد بعد سنوات من الاستعمار الفرنسي الاستيطاني الذي عمل على إفناء اللغة الوطنية في السنغال، كما فعل في الجزائر بالنسبة للغة العربية. وقد ترجمت بعض رواياته أخيراً إلى العربية في بيروت.
أخرج سمبين أفلاماً قصيرة تسجيلية وقصصية منذ عام 1963 إلى 1972، كما أخرج ستة أفلام روائية منها «فتاة سوداء»، و«اللامنتمي»، و«معسكر تيروي»، الذي أخرجه وكتبه مع ثير نوفاتي سو وصوره إسماعيل الأخضر حامينا ابن المخرج الجزائري المعروف محمد الأخضر حامينا، ويعبر الفيلم عن ذروة نضج مبدعه، ويعد درة التاج في السينما الأفريقية 1988.
يبدأ فيلم «معسكر تيروي» بمشهد مؤثر للحظة وصول القوات الأفريقية التي كانت تقاتل في فرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية إلى ميناء داكار، ثم ترحيل هذه القوات إلى معسكر تيروي، وهو معسكر انتقالي قبل أن يعود كل مقاتل لبلدته. كانت هذه القوات من عدة دول كالسودان والسنغال وساحل العاج وتوغو والغابون. أفرادها مرهقون، ينتابهم إحساس خفي بالفرح، لكنه مكبل تحت مشاعر أخرى متناقضة أبرزها الخوف من المجهول. ورغم تشابه أحداث القصة مع عدد من الوقائع الحقيقية في حياة المخرج، فإنها ليست سيرة ذاتية للفنان، فهو لم يذكر اسمه في الحوار غير مرة واحدة على سبيل السخرية. ويأتي العمل بشكل عام كتعبير درامي عن العلاقة التاريخية بين الشرق والغرب، أو بالأحرى بين العرب والأفارقة من جانب، والغرب الاستعماري من جانب آخر.
ومن أجمل مشاهد الفيلم، وأكثرها إبداعاً مشهد «دياتا» وهو يدخل أحد مقاهي الحي الفرنسي في داكار ويضع ربطة العنق الخاصة بالجنود الأميركيين حتى تتصور صاحبة المقهى أنه أميركي، تحديداً أميركي أسود. وعندما تكتشف المرأة التي يبدو أنها تدير نشاطاً منافياً للآداب، أنه سنغالي تصيح: النجدة هنا رجل أسود!
ويوضح المؤلف أن المعنى هنا أن الأميركي الأسود ليس أسود، وإنما هو أميركي بالنهاية، أما السنغالي فهو أسود لأنه سنغالي.

«أناس الأرز» من كمبوديا

ويستعرض الكتاب فيلم «أناس الأرز» أول فيلم من كمبوديا يعرض في مسابقة مهرجان «كان»، كما أنه أول فيلم روائي لمخرجه ريتي بان في الوقت نفسه، حيث يثبت بهذا العمل أنه صاحب موهبة حقيقية ورؤية مختلفة. اعتقل ريتي عام 1975 وهو في الحادية عشرة من عمره عندما استولى «الخمير الحمر» على الحكم في بلاده، لكنه تمكن من الهرب إلى فرنسا 1979 وحصل على اللجوء السياسي ودرس في معهد «ايديك»، وأخرج ثلاثة أفلام تسجيلية قبل أن يخرج فيلمه الروائي الأول «أناس الأرز».
أخذ ريتي سيناريو «أناس الأرز» عن رواية معروفة للكاتب الماليزي شانون أحمد، لكن بينما تدور الرواية في قرية من قرى ماليزيا وعن سكان من المسلمين غيّر ريتي المكان من ماليزيا إلى كمبوديا وجعل سكانها من البوذيين وهم الأغلبية الساحقة في كمبوديا. وهذا التغيير منطقي تماماً لأنه يريد أن يصنع فيلماً عن الأرض التي ينتمي إليها والشعب الذي يعرفه.
ويشير فريد الى أن قصة الفيلم نموذجية بمعنى أنها لا تتضمن كثيراً من الأحداث الدرامية، وبذلك تعطي الفرصة للتعبير بمفردات اللغة السينمائية الخالصة. إنها قصة الفلاح بوف الذي يعيش مع زوجته في منزل صغير من منازل إحدى قرى كمبوديا، حيث يزرع الفلاحون الأرز ويعيشون على حصاده، كما أنه طعامهم المفضل إن لم يكن الوحيد إلى جانب الأسماك التي يصطادونها من النهر.
يعاني بوف من الفقر مثل غيره من الفلاحين، ولكنه يعاني أيضاً من كثرة أطفاله وكلهن من البنات، ويجاهد الرجل ليل نهار وتعاونه زوجته، لكنه يمرض ويموت وتحاول أرملته أن تحل محله، لكنها تفشل وتفقد عقلها وتحاول الابنة الكبرى سوكا أن تحل محل والديها وتراعي أخواتها وتستمر الحياة بصعوبة هائلة.
ويلفت المؤلف إلى أن الفيلم مثل كل الأفلام السينمائية الكبيرة لا يطرح معانيه من خلال الأحداث، وإنما أساساً من خلال أسلوبه في التعبير عنها، وهو أسلوب واقعي كلاسيكي صارم يقوم على التناسق والاتزان في التكوين والإيقاع والسيطرة التامة على أحجام اللقطات والعلاقة بين الصوت والصورة.

«مناخات» من تركيا

وفي حديثه عن السينما التركية، يستشهد سمير فريد بقول لنجيب محفوظ: «إن فناناً سينمائياً واحداً كبيراً يكفي لوضع السينما المصرية أو أي سينما على خريطة الفن السابع في العالم»، وهو يذكر هذا القول عند مشاهدته فيلم فنان السينما التركي نوري بلجي سيلان الذي عرض في مهرجان 2006 عام وعنوانه «مناخات» إنتاج فرنسي - بلجيكي مشترك. ويقول فريد إن سيلان، هو أول مخرج يضع السينما التركية على خريطة السينما العالمية منذ الراحل يلماظ جوناي الذي فاز بالسعفة الذهبية 1982 عن فيلمه «الطريق». لكن بينما كان جوناي مخرجاً واقعياً، فإن سيلان مخرج ذاتي الطابع إذا صح التعبير، فهو ينتمي إلى صناع «سينما التأمل» مثل المصري شادي عبد السلام والتونسي ناصر خمير والسويدي المعلم الأكبر إنجمار برجمان والروسي أندريه تاركوفسكي، حيث يتم التعبير بلغة السينما وحدها وليس بترجمة السيناريو من لغة الأدب إلى لغة الشاشة، حيث يستحيل التعبير عن معانيه إلا بلغة السينما. لا شيء يحدث بالمعنى الدرامي التقليدي بين الأستاذ الجامعي عيسى وزوجته «بحر» مصممة الديكور في التلفزيون. الفيلم يبدأ وهما في إجازة صيف في مدينة كاس، ومن خلال المسافات التي تفصل بينهما في الكادرات ونظرات كل منهما التي نراها بمعزل عن نظرات الآخر ندرك أن العلاقة بينهما كزوجين قد تحطمت. «إننا لا نعرف أسباباً محددة لذلك. هناك إشارة إلى فارق السن بينهما، ولكن لا تبدو هذه هي المشكلة الحقيقية من خلال السياق. إنها المسافات بين البشر والذاتية التي تجعل كل إنسان وحيداً في عالمه الداخلي».



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.