الكاظمي: لسنا ملعباً لتمرير الرسائل ولن ننخرط في اصطفافات المحاور

أكد لـ «الشرق الأوسط» التواصل الدائم مع السعودية... والاستعداد لاستقبال البابا فرنسيس بما يليق بمكانته

الكاظمي: لسنا ملعباً لتمرير الرسائل ولن ننخرط في اصطفافات المحاور
TT

الكاظمي: لسنا ملعباً لتمرير الرسائل ولن ننخرط في اصطفافات المحاور

الكاظمي: لسنا ملعباً لتمرير الرسائل ولن ننخرط في اصطفافات المحاور

تستعد بغداد لاستقبال البابا فرنسيس يوم الجمعة المقبل في زيارة «تعايش وتسامح» ستعيد تسليط الأضواء على محاولة العراق استعادة مؤسساته وقراره ودوره في المنطقة والعالم. والاستحقاقات العراقية كثيرة في هذه الأيام وفي صدارتها مراقبة ما ستؤول إليه العلاقة بين إيران والإدارة الأميركية الجديدة والتي يعتبرها البعض السبب الأول للرسائل «الساخنة» التي تشهدها الساحة العراقية في صورة هجمات صاروخية. وبديهي أن هذا الاستحقاق قد يؤثر أيضاً على استحقاق داخلي حاسم يتمثل في الانتخابات النيابية المبكرة والتي ستحسم في النهاية موضوع الأحجام، أي أحجام الأحزاب والفصائل، ومعها حجم حضور الدولة ومؤسساتها الشرعية. كان يفترض أن يتم هذا الحوار في بغداد لكن زمن «كورونا» أباح التحاور عن بعد، وهنا نص الحوار:
> تستعدون لاستقبال البابا فرنسيس في زيارة هي الأولى من نوعها. كيف تنظرون إلى هذه الزيارة؟
- تشكل الزيارة بالنسبة لشعبنا بكل مكوناته، برمزيتها ودلالاتها، تفهماً ودعماً من قداسة البابا لنهج التسامح والشراكة الوطنية وأواصر المواطنة بين جميع العراقيين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والمذهبية وهوياتهم الفرعية في إطار وطن يحتضن الجميع. والزيارة بمعنى أعمق تحرك من قداسته لإبراز ما للعراق من مكانة، كرسته عبر التاريخ موطناً للحضارات والتراث الإنساني ومهداً للأديان السماوية والقيم المعرفية والثقافية والاكتشافات ورافداً أثرى حركة التقدم والتطور والاكتشافات في مختلف الميادين.
> من المقرر أن يلتقي البابا خلال زيارته المرجع الشيعي الأعلى آية الله علي السيستاني. هل هي رسالة لتجديد الرهان على التعايش وهل ستصدر عن اللقاء وثيقة بهذا المعنى؟
- لا يحتاج التعايش بين المكونات العراقية إلى تجديد الرهان. والزيارة في جانب منها تأكيد على أن تجربة التعايش المشترك بين المسيحيين والمسلمين والأديان والطوائف الأخرى واقع معيش وتاريخي، رغم بعض المسارات السلبية المؤسفة التي انعكست على الجميع. وتأتي الزيارة لإبراز دلالاتها وتعميم ما هو إيجابي فيها. لقد سبق لمصدر مسؤول في مكتب المرجع الأعلى سماحة السيد السيستاني أن أدلى بتصريح يشير فيه إلى عدم تطرق السفارة البابوية في بغداد إلى التوقيع على أي وثيقة في لقاء البابا بالسيد السيستاني.
> هل تطرح الزيارة مشكلة أمنية بسبب هجمات «داعش» وممارسات السلاح المتفلت، وهل تجمع الكتل السياسية الكبرى على الترحيب بالزيارة؟
- ليست هناك مشكلة جوهرية على الصعيد الأمني. فالحكومة والأجهزة الأمنية اتخذت التدابير والإجراءات اللازمة التي من شأنها تأمين حركة قداسة البابا وسلامته. وسيكون سماحته فوق ذلك محمياً بالعراقيين أينما حل لأن أهل العراق يقدرونه ويثمنون مواقفه الإنسانية عالياً، والأصداء التي تسبق الزيارة والاستعدادات الجارية لاستقباله بما يليق بمكانته تعكس مؤشراً لا يخطئ على ترحيب الجميع بالزيارة والاحتفاء بحضوره.
> نسب إليك أنك نجحت في تجنيب العراق مواجهة عسكرية إيرانية - أميركية في عهد ترمب. هل يمكن أن نعرف بعض التفاصيل؟
- لم أقم على هذا الصعيد كما في غيره إلا بما يمليه علي واجبي وموقعي ومسؤوليتي في حماية العراق والعراقيين.
لقد أكدنا مراراً بشكل صارم ودقيق على رفضنا تحويل بلادنا إلى ساحة للصراع بالنيابة عن الآخرين أو أن يكون العراق منطلقاً للاعتداء، وهذه سياسة ثابتة حرصنا على تكريسها، وعملنا على تطبيقها عملياً في نهجنا وتوجهاتنا.
وفي الوقت ذاته، وظفنا علاقاتنا الإيجابية المتوازنة مع الجميع بالاتجاه الذي يخفف من الاحتقانات والتصعيد في المواقف في عموم المنطقة.
إن قرار العراق هو بيد العراقيين وحدهم، وهناك تفهم إقليمي ودولي لدور العراق ووزنه، ورغبة شعبه بعدم التدخل بشؤونه الداخلية. قلنا للجميع: نحن لسنا ملعباً، فالعراق القوي والمتماسك سيكون عاملاً إيجابياً لتكريس الأمن والسلم والتعاون في المنطقة والعالم.
وأضيف في هذا الجانب أن محاولة إضعاف العراق أو إخراجه من المعادلات الدولية والإقليمية أو تحجيم دوره قد كانت لها تبعات ونتائج وخيمة على الجميع. ومع أن العالم نظر إلى تنظيم «داعش» كخطر دولي فادح، فإن العراقيين على الأرض هم من واجهوا هذا الخطر وانتصروا عليه بمساعدة أشقائهم وجيرانهم وأصدقائهم.
استطاعت أجهزتنا المخابراتية وقواتنا المسلحة بجميع تكويناتها مؤخراً كشف تحركات «داعش» وخلاياه وقياداتها ومخابئها السرية والتمكين من رصدها ومحاصرتها والنيل منها. وأعتقد أنكم على دراية بتفاصيل معروفة لكم سواء في تعقب أو أسر أو القضاء على قيادات «داعش» العليا.
ومحصلة ذلك كله تؤكد على أن استقرار العراق هو ضرورة للمنطقة والعالم وهذا ما نسعى إلى تأكيده وتكريسه.
> هل للصواريخ التي تستهدف «المنطقة الخضراء» وأماكن تواجد الأميركيين علاقة بالثأر لقاسم سليماني أم بالضغط على واشنطن لاستعجال إلغاء العقوبات والشروع في التفاوض؟
- من جانبنا نرى أن أفضل سبيل لإعادة الأمور إلى نصابها على صعيد العلاقات الطبيعية في المنطقة ومن منطلق المصالح المتبادلة هو سبيل التشاور الدبلوماسي والوصول عبر طاولة المفاوضات إلى إيجاد الحلول المتوازنة التي تراعي مطالب الجميع ومصالحهم. أما استخدام منطق القوة والتلويح بغير ذلك من أساليب لي الأذرع فهو رهان خاسر على المدى القريب والبعيد ولا يخدم مصالح أحد، بل يتعارض مع مصالح شعوب المنطقة ويصعد حالة عدم الاستقرار والتوتر فيها.
أجهزتنا الأمنية تتابع العصابات الخارجة على القانون التي تحاول خلط الأوراق عبر عمليات القصف الصاروخي هنا أو هناك، ولدينا معتقلون ومتورطون سيعرضون على القضاء. مسارنا واحد هو مسار الدولة العراقية واحترام قوانينها واتفاقاتها وقراراتها، قرار السلم والحرب هو قرار الدولة وليس قراراً يتخذه أفراد هنا أو مجموعات هناك، وأي تجاوز على قرار الدولة سيواجه بسلطة القانون وملاحقة المتسببين به بما يحكم به القضاء.
يعتقد البعض أن بإمكانه اتخاذ القرار نيابة عن الدولة، وهؤلاء ثلة مجرمة خارجة على القانون سنلاحقها ونكشف نواياها الخبيثة. في الواقع أن بعض المتنمرين على الدولة ونظامها وقوانينها وسيادتها انساقوا وراء أوهامهم التي خدمتها ظروف معينة، لكن الظروف تغيرت الآن، ولن نسمح بالمزايدات التي كان ضحيتها الشعب العراقي. إن تطلعات شعبنا هي ما يحكم مسارنا وأي خيار آخر يصطدم مع إرادة شعبنا سيمنى بالهزيمة.
إن استخدام الأراضي العراقية لتوجيه رسائل سياسية مسموح فقط عندما يكون من خلال القنوات الدبلوماسية والأساليب السياسية. وهذا ما نقوم به اليوم بمسؤولية تجاه شعبنا وانطلاقاً من دورنا في تكريس التهدئة في المنطقة. أما أن تكون الرسائل صاروخية أو إرهابية فذلك ما لن نسمح به، وليس من حق أي دولة أن توجه رسائل إلى الآخرين على حساب أمن شعبنا واستقراره، والعراق حكومة وشعباً وقوى سياسية يرفض أي تدخل في شؤونه الداخلية.
> إلى أين تتجه العلاقات بين بغداد وواشنطن؟ هل تصر إيران على انسحاب عسكري أميركي كامل من العراق؟ وهل يحل «الناتو» محل القوات الأميركية؟ وهل الدور العسكري الأميركي ضروري لكم لمواجهة إطلالات «داعش» الجديدة؟
- تحكم علاقاتنا مع واشنطن اتفاقيات وتعاقدات مقرة من السلطة التشريعية. ونحن نفهم ما يجمعنا من اتفاقيات على أنها لا تخرج عن إطار التمسك بسيادتنا الوطنية وحرمة ومصالح العراق. وقد جرى التأكيد في كل مناسبة يجري الحديث فيها عن العلاقات بين العراق والولايات المتحدة وتواجد قواتها أو قوات التحالف الدولي على أنها لا تخرج عن هذا الإطار.
لقد احتاج العراق إلى مساعدة دولية في الحرب على تنظيم «داعش»، وهو ما دفعنا لإطلاق الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأميركية لوضع ترتيبات ما بعد الحرب على هذا التنظيم، وهو يرتبط أساساً بالتدريب والدعم اللوجيستي وما يتطلبه العمل المشترك ضد «داعش» والإرهاب وإنهاء وجوده في البلاد.
إن قرار وجود القوات الأجنبية بغض النظر عن هويتها ومرجعيتها يعود إلى العراق وحكومته، ولا علاقة له بأي قرار أو رغبة أخرى. فهي في نهاية الأمر مسألة سيادة وقرار وطني.
> كيف تنظرون إلى التحسن الحاصل في العلاقات مع السعودية على مستويات مختلفة، وهل ستزورون الرياض قريباً؟
- نحن نحرص على إقامة أفضل العلاقات مع عمقنا العربي وجيراننا ومختلف بلدان العالم. وتجمعنا مع المملكة العربية السعودية علاقات أخوة وتاريخ مشترك وثقافة ومصالح دائمة. ونحن نشعر بالارتياح من تطور العلاقات بين بلدينا، والتصاعد الملموس للتعاون البيني على صعيد التبادل التجاري والاستثماري وسوى ذلك من ميادين حيوية. هناك زيارات متواصلة للمسؤولين في البلدين، وعقدت مع أخي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز اجتماعاً مرئياً ناجحاً للمجلس التنسيقي العراقي - السعودي ونحن متواصلون بشكل دائم، وليس هناك أي عائق أمام الزيارات المتبادلة سوى ظروف جائحة «كورونا» والترتيبات الخاصة بالتزامات الطرفين.
> ثمة من يتحدث عن احتمال ولادة محور يضم العراق ومصر والأردن. هل هذا مطروح فعلاً؟ وما هو المشرق الجديد الذي تحدثت عنه؟
- ليس في توجهنا الدخول في محاور أو تجمعات توحي بانحياز أو عزلة أو تفضيل إلا ما من شأنه أن يساهم في إشاعة بيئة عمل مشترك لصالح شعوبنا وبلداننا. وقد يكون مفيداً إرساء أسس علاقات نموذجية مع هذا البلد العربي أو الإقليمي أو ذاك من دون أن يدفع إلى التمحور السلبي. وفي هذا الاتجاه نعمل على تعزيز علاقاتنا مع الشقيقة مصر والجارة المملكة الأردنية الشقيقة.
إن أساس مفهوم المشرق الجديد هو تغليب المصالح المشتركة لدول المنطقة على الشكوك والأوهام، نمتلك في هذه المنطقة كل المقومات التي تسمح ليس ببناء أمن مشترك فقط بل التأسيس لنظام تعاون عميق يسمح لنا جميعاً بترجمة إمكاناتنا ومشتركاتنا البشرية والثقافية وثرواتنا الطبيعية إلى منظومة تعاون منتجة في العالم بدل آلية صراع وأزمات، ويتم كل ذلك ابتداء من خلال البناء على المشتركات، وأيضا تحديث مفاهيمنا، فالإرهاب هو العدو الأول لكل المنطقة، والشكوك وانعدام التواصل والبناء على الانطباعات غير المؤسسية وإهمال المشتركات، من ضمن أمراض المنطقة التي يجب معالجتها.
الذهاب إلى المستقبل يحتاج من الجميع استخدام أدوات المستقبل لا الركون إلى الماضي. المنطقة رغم كل أزماتها وتقاطعاتها مستعدة لهذا الخيار.
> هل تعتقد أن مشروع استعادة الدولة يتقدم رغم اغتيال الناشطين وتطاير الصواريخ والسلاح المتفلت؟ هل تتوقعون نتائج فعلية من الانتخابات المبكرة؟
- أشرنا منذ اليوم الأول لتولي هذه الحكومة إلى أن العراق يعاني تجاذباً حاداً بين «الدولة» بكل مقوماتها وقيمها وقوانينها والمدافعين عنها والمؤمنين بضرورة تقويتها كحتمية تاريخية، وبين قوى «اللادولة» بكل ممانعاتها وعراقيلها ومحاولاتها المتعمدة وعلى صعد مختلفة لتهشيم الدولة أو كسر هيبتها أو تفتيت قدرتها على حماية ورعاية شعبها وتحقيق الاستقرار والازدهار وحماية المستقبل.
ليس خافياً أن العراق منذ إطاحة نظام صدام حسين الاستبدادي عاش في ظل ظروف صعبة ومعقدة، لم يتهيأ فيها ما يستجيب لتطلعات شعبنا باستكمال إعادة بناء الدولة ومؤسساتها. وقد كان للإرهاب التكفيري وبقايا نظام «البعث»، والصراع الطائفي المؤسف، وانفلات الوضع الأمني، ومظاهر الفساد، ومقاومة الإصلاح والتغيير الإيجابي وتكريس الوحدة الوطنية ومعافاة الحياة السياسية، دور في الحيلولة دون التقدم على مسار إعادة بناء منظومة الدولة الوطنية وفقاً للسياقات الدستورية. وكما هو واضح فإن بعضاً من هذه العوامل ما زال يضغط بالاتجاه المعرقل ذاته. ويشكل الفساد المالي والإداري عاملاً ضاغطاً بين العوامل الأخرى. ومن هنا فإن مشروع استعادة الدولة عملية ديمومة سياسية بالدرجة الأولى تترابط مع سائر العوامل الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية أيضاً. وهي تحتاج إلى إشاعة بيئة تصالحية مجتمعية، وإرادة سياسية للنهوض بمهمة استعادة الدولة واستكمال بنيانها والنهوض بكل ما يجعل منها حاضنة لكل العراقيين على قاعدة المواطنة الحرة المتساوية. ومن هنا ينبغي النظر إلى مشروع استعادة الدولة بوصفه عملية تراكمية لا تتوقف على جانب تفصيلي أو جزئي، بل على كل موحد متضافر سواء على صعيد عمليات البناء أو المقومات العملية والأسس الضامنة للنهوض الناجح بها، وما إذا كان يمكن الشك بـ«نتائج فعلية» من أي انتخابات أو فعل سياسي.
إن الانتخابات المبكرة مطلب شعبي عبرت عنه بوضوح كل قوى المجتمع. وأيدته المرجعية الرشيدة وجميع القوى سواء عن حق أو مسايرة للموجة الشعبية. الانتخابات النزيهة العادلة هي جوهر واجبنا في هذه الحكومة من أجل استكمال ترميم الثقة التي ثلمت للأسف بين الشعب والمؤسسات التي تمثل الدولة.
> تبدو الحكومة العراقية وكأنها تقيم في منطقة صعبة بين طهران وواشنطن وبين المرشد الإيراني والسيستاني. هل يستطيع العراق أن يكون دولة طبيعية مستقلة عن الوصايات؟
- قدر العراق أن يكون دولة مستقلة عن الوصايات، بل إن قدر الشعوب كان دائماً رفض الوصاية الأجنبية، ولا يمكن القول إن العراق كدولة اليوم يعيش تحت الوصاية سواء الدولية أو الإقليمية، لكن هناك ظروفاً سياسية وأخطاء جسيمة ارتكبت بحق الشعب العراقي طوال العقود الماضية ساهمت في تحول العراق في مراحل سابقة إلى ملعب لطموحات ومغامرات وفائض العنف الفكري أو التسليحي إقليمياً ودولياً. اليوم الدولة تحاول استعادة توازنها، وتحقق نجاحاً على صعيد فرض هذا التوازن على حسابات الجميع. وتكريس العلاقات الإيجابية مع الجوار والمجتمع الدولي وروح الحوار والمسؤولية الوطنية هي مفاتيح استعادة الدولة ورفض تحولها إلى ملعب للآخرين من جديد.
نحن نتحرك في منطقة يفرض قوانينها رغم كل الصعوبات والتعقيدات شعبنا العراقي بإرادته الوطنية ومن دون قبول لأي وصاية من أي جهة.
> هل يحول سلاح الفصائل دون التعرض جدياً لمنفذي اغتيالات الناشطين ويمنع التصدي لــ«حيتان الفساد»؟
- قطعنا خطوات على صعيد مطاردة واعتقال منفذي الاغتيالات وأسقطنا أكبر مجموعة للموت في البصرة مؤخراً، وهناك عشرات المعتقلين والمطلوبين بسبب التحقيقات في عمليات الاغتيال. ونحن كما قلنا نختار ضمن سياق الدولة وتحقيقاتها الوقت المناسب لمعركتنا التي لم تتوقف ضد عصابات الاغتيال والخطف والابتزاز وتجارة المخدرات وكلها مترابطة.
والمعركة ضد الفساد بدأناها بجرأة رغم كل الممانعات والتهديدات والتسقيط الذي تلقيناه، وشكلنا لجنة مختصة بمكافحة الفساد والجرائم الاستثنائية ونجحنا في كشف العديد من أعمال الفساد وهناك محاكمات وأحكام صدرت بحق فاسدين لم يجرؤ أحد على الاقتراب منهم سابقاً.
وسبيلنا لتحقيق برنامج حكومتنا يعتمد الآليات الدستورية واعتماد القانون والابتعاد عن تسييس عمليات مواجهة الفساد والعصابات الإجرامية والسلاح المنفلت. إن متابعة موضوعية لما تحقق خلال الفترة الوجيزة من نشاط الحكومة ستظهر من دون صعوبة ما أنجز من خطوات بعيدة عن الضجيج الإعلامي أو المبالغة السياسية أو الادعاء في التصدي للفساد وللانتهاكات التي تعرض لها المواطنون أو لملاحقة فلول «الدواعش» والفرق التكفيرية وعصابات الإجرام والمجموعات المنفلتة.
> هل تطمح إلى ولاية ثانية في رئاسة الوزراء، ولماذا لم تترك رئاسة جهاز المخابرات؟ وهل كشفت الأجهزة محاولات لاغتيالك؟
- لقد تم اختياري لإنجاز برنامج مرحلة انتقالية موصوفة ومحددة. وما أتمناه في هذا الظرف الدقيق أن أنجح في تحقيق ما أنيط بي من مهام ومسؤولية وطنية. ولست في وارد تعريض هذه المهمة إلى ما ستطرحه النتائج التي تفرزها الانتخابات القادمة وتوازناتها. موقعي يسمح لي بالإشراف على القوات المسلحة، ولا يغير من ذلك استمراري في مسؤولية جهاز مهم من أجهزتها الأمنية. ما يهم بالنسبة لي هو التحفيز على اليقظة الدائمة لأجهزتنا في كشف الخلايا الإرهابية والقوى المتربصة بنا والتحركات التي تستهدف أمن البلاد وسلامة الشعب.
إن طبيعة المسؤولية التي أتصدى لها لخدمة بلادنا وشعبنا في هذا الظرف الاستثنائي على المستويات الاقتصادية والصحية والأمنية والسياسية لا تتيح فرصة الانشغال بخيارات شخصية. هدفي وكل تركيزي اليوم ينصب على العبور بسفينة الوطن إلى بر الأمان وعدم السماح بعودة العراق إلى منطقة الخطر على أمن شعبنا ووحدته ومستقبل أجياله. واجبي أمام شعبنا وأمام التاريخ يتركز على حماية مسار الدولة وتكريسه وتوضيح حدوده، بما لا يسمح اليوم أو مستقبلاً، وبصرف النظر عن العناوين تعريض شعبنا إلى الخطر مرة أخرى.
> هل تعتقدون أن العلاقات بين بغداد وأربيل تتسم اليوم بما يفترض أن تكون عليه؟
- إذا كان السؤال يراد منه المقارنة بين واقع العلاقة وطموحنا المشترك في الارتقاء بها إلى مستوى الشراكة الوطنية باستعادة الدولة على قاعدة الدستور وتلبية مطالب مواطنينا في إقليم كردستان، فهي لا تتسم بما نفترض أن تكون عليه. ومهمة الحوار الدائر الآن والمتواصل بين وفود الإقليم والحكومة الاتحادية هو تحقيق ما نصبو إليه من رضا في العلاقات المشتركة مع أشقائنا في الإقليم الذين نريد لهم كل ما نريده للعراقيين في سائر أنحاء البلاد. لقد سعت الحكومة عبر ما اقترحته من أوراق عمل ومشاريع إلى إنهاء الإشكاليات التي تتسم بها علاقاتنا بالإقليم. ويظل القرار في نهاية المطاف رهن ما يصوت عليه البرلمان سواء ما يتعلق بالموازنة أو سواها.
إننا نؤمن بأن الوفاء بالتزامات كل منا في إطار الدستور وتفكيك أي تعقيد يشوب العلاقة مع الإقليم عامل أساسي في معافاة الحياة السياسية وتكريس الاستقرار وإلحاق الهزيمة بالإرهاب والقوى التي تستهدف النيل من العراق.
> كيف تنظرون إلى الوضع الحالي في سوريا وانعكاساته على استقرار العراق؟
- كنا ولا نزال نعتبر خير سوريا خيراً لنا، وما يضرها ويلحق الأذى بشعبها هو إضرار بنا وبمصالح شعبنا، لأننا نرى أن ما يجري في سوريا ينعكس على محيطها والعراق بشكل خاص، سواء شئنا أو لم نشأ.
ونحن إذ نتطلع إلى إيجاد الحلول المناسبة لما تواجهه الشقيقة سوريا فإننا نرى في ذلك شأناً يخص سوريا والشعب السوري يستحق دعمنا وتضامننا. إن خطر الإرهاب «الداعشي» الذي يجد حواضن له على حدودنا مع الشقيقة سوريا يشكل تهديداً لبلدينا وشعبينا وهو ما يستأثر باهتمامنا على صعيد العلاقات بيننا. ويهمنا أن تتضافر جهودنا لإلحاق الهزيمة به وتصفية وجوده.
> كيف تصفون العلاقات الحالية بين بغداد وبيروت؟
- علاقاتنا مع الأشقاء في لبنان جيدة وواعدة. ونحن نتواصل معهم ونتعاطف مع ما يبذل من جهود لتجاوز الأزمة التي تواجههم ونتشارك مع المجتمع الدولي في تأمين كل ما من شأنه تخفيف أعباء الأزمة الاقتصادية على المواطنين اللبنانيين ومد يد المساعدة الأخوية لهم قدر ما تسمح به ظروفنا.
> إلى أي حد يقلقكم استمرار العمليات العسكرية التركية داخل الأراضي العراقية؟
- إننا نقلق من كل ما يمس سيادتنا ومصالحنا، من أي جهة جاء. لكن ما يمكنه أن يبدد قلقنا الروابط الإيجابية بالجارة تركيا والرغبة في التعاون المثمر لحل أي إشكال يحول دون تطوير وتعزيز علاقاتنا على كل صعيد. ولا نخفي ما يعبر عنه اهتمام الرئيس التركي من رغبة جادة في تبديد أي قلق قد ينال من علاقاتنا المشتركة. وقد شعرت بذلك منه شخصياً، مما يشكل بالنسبة لي عاملاً تطمينياً.
> كيف تصف علاقاتك الحالية بالرئيس برهم صالح الذي اتخذ منذ البداية موقفاً داعماً لك؟
- تجمعني مع الرئيس صالح علاقة وطيدة على المستوى الإنساني كما تجمعنا مشتركات كبيرة في رؤية الأزمات وطرق حلها. وهذه العلاقة المتميزة ساعدت في عكس صورة التعاون بين الرئاسات للناس بدلاً عن سمة التصادم والانقطاع التي كانت سائدة للأسف سابقاً. إن الرئاسات الثلاث تمارس نشاطها بانسجام وتعاون ملموس، ما يشيع جواً من التضافر لإنجاز مهامنا.



تعثر الإعمار يُبقي «شبح التهجير» قائماً بعد عام من «اتفاق غزة»

في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

تعثر الإعمار يُبقي «شبح التهجير» قائماً بعد عام من «اتفاق غزة»

في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

بعد عام من توقيع «اتفاق السلام في قطاع غزة»، لا يزال «إعمار غزة» متعثراً في ظل تعنت إسرائيلي مستمر ألقى بظلاله على بنود الاتفاق الذي يعاني جموداً منذ اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، ما يُبقي «شبح تهجير الفلسطينيين» قائماً.

وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن «إسرائيل تحقق أهدافها في غزة، تحت ستار خطة السلام المجمدة»، وأشاروا إلى أن «تل أبيب تسيطر على نحو 75 في المائة من القطاع، ودمرت مناطق أخرى ما بعد الحرب، ما يجعل فرص الحياة صعبة في القطاع».

وفي التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، أعلن «الوسطاء» عن وقف إطلاق النار بين حركة «حماس» وإسرائيل، بعد مفاوضات جمعتهم في مدينة شرم الشيخ المصرية قبل أن يتم التوقيع على الاتفاق النهائي في الثالث عشر من الشهر نفسه، بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ووقع على «وثيقة السلام»، قادة دول الوساطة «مصر وأميركا وقطر وتركيا»، وتضمنت وقف إطلاق للنار في غزة، عبر عدة مراحل، تبدأ بوقف العدائيات، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية، وتبادل المحتجزين والأسرى، على أن يلي ذلك مرحلة ثانية تتضمن جهود التعافي المبكر، وإعادة الإعمار، وتسليم إدارة قطاع غزة للجنة مدنية «تكنوقراط».

ورغم إعلان الوسطاء في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، عن تشكيل «لجنة تكنوقراط»، برئاسة علي عبد الحميد شعث لإدارة القطاع، لكن لم يتم تمكينها حتى الآن من ممارسة دورها، وسط انتهاكات مستمرة ورفض إسرائيلي لخريطة الطريق التي وافقت عليها الفصائل الفلسطينية في شهر يونيو (حزيران) الماضي، تمهيداً لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية.

وبموازاة ذلك، لم تتخل إسرائيل عن مخطط «تهجير الفلسطينيين» من غزة، حيث أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، أن «حكومته تمتلك خططاً جاهزة لتهجير الفلسطينيين من غزة»، وقال إنها «تنتظر أن تحدد الولايات المتحدة المكان الذي يمكن نقلهم إليه».

وتحذر مصر والدول العربية من مساعي إسرائيل لتهجير الفلسطينيين، منذ بداية الحرب على غزة، في السابع من أكتوبر 2023.

وشدد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، على «رفض بلاده الكامل لأي مخططات تستهدف تهجير الشعب الفلسطيني»، وأكد خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الكوري لي چيه ميونغ، الخميس، «رفض بلاده التصعيد الإسرائيلي الخطير، للأوضاع في الضفة الغربية والقدس الشرقية».

ويرى عضو «المجلس المصري الشؤون الخارجية»، السفير رخا أحمد حسن، أن «إسرائيل تحقق أهدافها تحت ستار خطة السلام»، مضيفاً: «هناك حالة جمود في تنفيذ مراحل خطة ترمب في غزة، ورغم ذلك تواصل تل أبيب ممارساتها ضد الفلسطينيين بالقطاع».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الجانب الإسرائيلي يحتل غالبية أراضي القطاع، كما يواصل تدمير البنية التحتية، ويضع العراقيل أمام دخول المساعدات الإنسانية»، مشيراً إلى أن «هذه الممارسات تجعل الحياة مستحيلة في القطاع»، ويدفع في نفس الوقت إلى «تنفيذ مخطط التهجير».

وأشار إلى أن «إسرائيل لا تريد الوصول لمرحلة إعادة الإعمار في غزة، وتريد تجميد الوضع حتى تنفذ مخططها الكامل»، موضحاً أن «هناك صعوبة في تشكيل قوة السلام الدولية التي ستتولى تنفيذ مراحل خطة ترمب، بما في ذلك انسحاب إسرائيل من المناطق التي تسيطر عليها في القطاع».

وتعد «قوات استقرار غزة» أحد أبرز البنود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي جرى التوقيع عليه في قمة السلام بشرم الشيخ المصرية، غير أنها لم تر النور، رغم تشكيل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام العالمي»، الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

ولا تزال هناك خروقات لوقف إطلاق من الجانب الإسرائيلي، وفق رئيس «الهيئة الدولية لدعم فلسطين»، صلاح عبد العاطي، وقال إن «حرب الإبادة لم تتوقف رغم مرور عام على اتفاق السلام، وهناك مئات الضحايا يومياً، بجانب منازل يتم تدميرها»، مشيراً إلى أن «هذه الممارسات تُصعّب أي محاولات لعملية الإعمار».

ويرى عبد العاطي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجانب الإسرائيلي لم يلتزم باستحقاقات خطة السلام، بما في ذلك دخول المساعدات لسكان القطاع، حيث يسمح بقدر بسيط يصل إلى 37 في المائة من نسبة المساعدات التي أقرتها خطة السلام».

ونوه إلى أن «الجانب الإسرائيلي لا يسمح بدخول المعدات والوقود، وهو ما يفاقم الأوضاع الإنسانية هناك»، وقال إن هناك «عدة خطط لإعادة الإعمار، من بينها الخطة المصرية، لكنها مرهونة بتنفيذ استحقاقات خطة ترمب».

وأقرت القمة العربية الطارئة بالقاهرة، في مارس (آذار) 2025، الخطة المصرية لإعادة إعمار قطاع غزة تتضمن مشاريع إسكان ومراكز مجتمعية وميناءً تجارياً ومراكز تكنولوجية وفنادق على الشواطئ، وكان مقرراً أن تنتهي من التنفيذ بعد ثلاث سنوات بتكلفة تصل إلى 53 مليار دولار.


«فجر اليمن» تطهر باب المندب وجزره من بقايا الحوثيين

عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
TT

«فجر اليمن» تطهر باب المندب وجزره من بقايا الحوثيين

عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)

دخلت العملية العسكرية اليمنية «فجر اليمن» يومها الخامس، الجمعة، مع استكمال القوات الحكومية تطهير مضيق باب المندب وجزيرة ميون الاستراتيجية، وتثبيت مواقعها في المرتفعات المطلة على الممر الملاحي الدولي، في تطور يعزز مكاسبها على الساحل الغربي، بينما تتواصل المعارك في أرياف تعز الجنوبية والغربية، بالتزامن مع اتساع نطاق الضربات الجوية ضد مواقع الحوثيين وتحركاتهم في مناطق عدة من البلاد.

وقالت مصادر عسكرية إن ألوية العمالقة وقوات درع الوطن، بإسناد جوي من التحالف الداعم للشرعية، أحكمت السيطرة على باب المندب ومعسكر العرضي ونقاط المراقبة التابعة لخفر السواحل، إلى جانب جزيرة ميون والسلاسل الجبلية المحيطة بالمضيق، بما فيها المواقع التي تشرف على الممر البحري الحيوي.

وذكرت المصادر أن القوات نفذت عملية التفاف مباغتة تجاوزت خلالها خطوط الدفاع الأمامية للحوثيين، ووصلت إلى خنادقهم وأنفاقهم المستحدثة، حيث أسفرت المواجهات عن مقتل العشرات من عناصر الجماعة واستسلام آخرين.

ويمثل تأمين المضيق وجزيرة ميون، في حال تثبيت السيطرة المعلنة، تحولاً مهماً في مسار العمليات على الساحل الغربي، بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للمنطقة عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وأهميتها في حماية الملاحة الدولية.

ويأتي ذلك بعد إعلان القوات الحكومية السيطرة على مرتفعات كهبوب، التي تشرف على مساحات واسعة من المنطقة المحيطة بباب المندب.

الضغط نحو الوازعية

مع تثبيت المواقع الجديدة، تواصل القوات الحكومية اليمنية عملياتها في جبهة الوازعية غرب تعز، مستهدفة تأمين المرتفعات الشرقية للمديرية وتضييق الخناق على المواقع الحوثية في محيط ذوباب ومعسكر العمري، تمهيداً لتوسيع التقدم باتجاه المخا، وفق المعطيات الميدانية الواردة من الجبهة.

القوات الحكومية اليمنية تتقدم في الوازعية وتضغط لاستكمال تطهير باب المندب (إ.ب.أ)

وترافق ذلك مع غارات جوية استهدفت مواقع وتحركات عسكرية للحوثيين في الوازعية والشمايتين وجبل حبشي، إلى جانب مواقع في شرجب والتربة وجبل قحام المطل على مديريتي المقاطرة والأحكوم على الحدود بين تعز ولحج.

وأفادت مصادر ميدانية باستهداف آليات وتعزيزات حوثية في منطقتي الحقل والقحاف بمديرية جبل حبشي، فيما ذكر المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري الحكومي أن إحدى الغارات أسفرت عن تحييد وإصابة 23 عنصراً.

كما طالت الضربات مواقع في جبال نُمان والصيبارة ومنطقة الحرثة، وجرداد في مديرية الشمايتين.

عنصر من قوات الحكومة اليمنية في جبهات جنوب تعز (أ.ف.ب)

وفي المقابل، لا تزال الجماعة الحوثية تضغط على المناطق الريفية جنوب تعز وغربها، في محاولة للحفاظ على مواقعها وفتح مسارات تقدم جديدة.

وأفادت مصادر محلية بسيطرتها على المحشاء والعدف والعرمة في مديرية جبل حبشي في الجبهة الغربية، وتقدمها باتجاه منطقة الشارق، وسط قصف طال قرى في المنطقة وأسفر، بحسب تلك المصادر، عن مقتل أحد المعلمين في المحشاء.

وتعكس هذه التطورات استمرار المواجهة على أكثر من محور في محافظة تعز، حيث تسعى القوات الحكومية إلى تثبيت مواقعها في المناطق الغربية وتأمين الطرق الحيوية، بينما يحاول الحوثيون الاحتفاظ بنقاط الضغط في الأرياف الجنوبية والغربية ومحيط المدينة.

1729 استهدافاً عسكرياً

في مؤشر على اتساع العمليات العسكرية، أعلن المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، الخميس، تنفيذ 1729 عملية استهداف دقيقة ضد أهداف عسكرية حوثية في مختلف المحاور والجبهات، ضمن عملية «فجر اليمن».

وقال النزيلي إن العمليات أسفرت عن تحييد 1370 من عناصر الجماعة، وتدمير أو إعطاب 300 عربة ووسيلة ومعدة عسكرية، إلى جانب استهداف مواقع عسكرية ونقاط مراقبة ومراكز قيادة وسيطرة ومخازن أسلحة وخطوط إمداد وتعزيزات.

مقاتلون من ألوية العمالقة في جبهة باب المندب (أ.ب.أ)

بالتوازي، امتدت الغارات الجوية إلى ثماني محافظات، هي تعز وإب والبيضاء وأبين وصعدة وصنعاء وريمة والحديدة، وفق إفادات محلية.

وشملت الأهداف مواقع في العاصمة المختطفة صنعاء، ومعسكراً للحوثيين في يريم بإب، ومواقع في السياني بالمحافظة نفسها، وأخرى في بني مطر غرب صنعاء ومواقع في كسمة، حيث محافظة ريمة، ومواقع في جبال جميل وجرجرة والنسرين بالبيضاء، إضافة إلى عقبة ثرة ومواقع أخرى في الحديدة وصعدة.

وفي لحج، أعلنت القوات الحكومية صد هجوم حوثي استهدف مناطق الأغبرة والمحاولة والمشامرة شمال غربي مديرية المضاربة، واستعادة مواقع في جبل سيف، بمساندة تعزيزات قبلية.

كما استمرت المواجهات والقصف المتبادل وعمليات الطائرات المسيّرة في جبهات جنوب مأرب والجوف، مع غارات استهدفت معسكر ماس ومواقع في منطقة اللبنات.


الحوثيون يستنفرون بنوك الدم مع تصاعد خسائرهم البشرية

استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
TT

الحوثيون يستنفرون بنوك الدم مع تصاعد خسائرهم البشرية

استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)

دفعت الجماعة الحوثية خلال اليومين الماضيين بعربات وشاحنات تابعة لما يسمى «المركز الوطني لنقل الدم وأبحاثه» إلى شوارع وأحياء وميادين في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحافظات ذمار وإبّ والمحويت والحديدة، في حملة مكثفة لحشد السكان للتبرع بالدم بصورة عاجلة، بالتزامن مع مؤشرات على تزايد أعداد الجرحى في صفوف الجماعة جراء التطورات العسكرية الأخيرة.

وجابت المركبات الحوثية مناطق مكتظة بالسكان، مستخدمة مكبرات الصوت لحث المواطنين على التبرع، في حين أفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن الجماعة وجهت العاملين في القطاع الطبي ومسؤولي الأحياء وعقالها في المحافظات المستهدفة إلى حشد السكان ودفعهم إلى مراكز التبرع، بالتزامن مع اتساع المواجهات على عدد من الجبهات.

وأوضحت المصادر أن هذه التحركات تأتي وسط حالة استنفار في المرافق الصحية الخاضعة للجماعة، مع تزايد الحاجة إلى فصائل دم مختلفة، في وقت تشهد فيه المستشفيات، وفقاً لشهادات محلية، وصول أعداد متزايدة من الجرحى الحوثيين.

مركز نقل الدم وأبحاثه الخاضع للحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

وقال سكان في صنعاء ومناطق أخرى إن الانتشار المكثف لعربات التبرع خلال اليومين الماضيين بدا لافتاً، خصوصاً مع تكرار النداءات عبر مكبرات الصوت وحث المواطنين على التوجه إلى نقاط التبرع. ويربط السكان بين هذه الحملات والتطورات الميدانية الأخيرة، وسط تساؤلات عن حجم الإصابات التي دفعت الجماعة إلى توسيع نطاقها جغرافياً.

استنفار وخسائر

يشير قاسم، وهو أحد سكان صنعاء، إلى أن «الدعوات الحوثية هذه المرة أكثر إلحاحاً من الحملات السابقة»، مضيفاً: «لا أحد يرفض التبرع لإنقاذ حياة إنسان، لكن السؤال: لماذا يستمرون في إرسال الناس إلى الجبهات، ثم يطلبون من المواطنين توفير الدم لعلاج نتائج تلك المعارك؟».

وفي إبّ (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، قال مجدي، وهو أحد سكان المحافظة، إن تكثيف الدعوات للتبرع بالدم «لا يأتي من فراغ»، مضيفاً أن الجماعة تستخدم وسائل مختلفة لحشد المواطنين، من دون توضيح حجم الخسائر التي رفعت الحاجة إلى الدم بهذا الشكل.

وقال: «الناس تعاني الفقر وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات، والآن يُطلب منها أن تتحمل أيضاً نتائج الحرب وتوفير الدم للمصابين».

وفي ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) أفادت مصادر وسكان بانتشار عربات تابعة لفرع مركز نقل الدم في عدد من أحياء مدينة ذمار، بالتزامن مع دعوات عاجلة للتبرع، وسط ما وصفوه باستمرار وصول أعداد متزايدة من الجرحى الحوثيين إلى المستشفيات، ولا سيما مستشفى ذمار العام، الأمر الذي يزيد الضغط على المرافق الصحية.

عربات حوثية استخدمت مكبرات الصوت لحث السكان على التبرع بالدم (فيسبوك)

وفي المحويت والحديدة غرباً، قالت مصادر محلية إن الإقبال على حملات التبرع الحوثية كان محدوداً جداً في بدايتها، ما دفع الجماعة إلى توسيع نطاقها داخل المؤسسات الحكومية والخاصة، وحث الموظفين والعاملين فيها على التبرع.

وأوضحت المصادر أن هذه الحملات تأتي في إطار حالة استنفار أوسع، مشيرة إلى أن تزامنها مع التطورات العسكرية عزز اعتقاد السكان بأن أعداداً كبيرة من الجرحى تحتاج إلى الدم بصورة عاجلة.

وفي المقابل، يواجه السكان في مناطق سيطرة الجماعة تدهوراً في الخدمات الصحية ونقصاً في الأدوية والمستلزمات الطبية، وسط مطالب بتوفير خدمات علاجية قادرة على تلبية احتياجات المدنيين، بدلاً من زيادة الأعباء على مرافق تعاني أصلاً من محدودية الإمكانات.