وزير الخارجية العراقي: التوترات الحالية تستوجب حواراً بين دول المنطقة

أكد في حوار مع «الشرق الأوسط» أن السنوات الأخيرة شهدت بناء جسور عديدة مع السعودية

وزير الخاجية العراقي فؤاد حسين  (تصوير: عبدالعزيز النومان)
وزير الخاجية العراقي فؤاد حسين (تصوير: عبدالعزيز النومان)
TT

وزير الخارجية العراقي: التوترات الحالية تستوجب حواراً بين دول المنطقة

وزير الخاجية العراقي فؤاد حسين  (تصوير: عبدالعزيز النومان)
وزير الخاجية العراقي فؤاد حسين (تصوير: عبدالعزيز النومان)

«نحن في العراق نعاني نتيجة القتال والدمار»... هكذا يصف وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، حالة العراق اليوم، ويرى أن التوترات الأمنية والسياسية في بلاده تؤثر على محيطها الإقليمي ومنها الدول الخليجية، كما أن للتوترات في الدول الأخرى، مثل سوريا، أثراً على العراق. لم يكن الوزير فؤاد حسين راضياً عن الوضع الأمني والسياسي في العراق، وقال في حوار مع «الشرق الأوسط» من الرياض، إن دول المنطقة بحاجة إلى الحوار وطرح المسائل بصراحة فيما بينها لخفض التوترات، مؤكداً أن بعض الضربات الأمنية تؤثر على مجيء المستثمرين، خصوصاً الخليجيين، لكنّ الوضع الأمني اليوم أصبح مستقراً ما عدا الهجمات في الآونة الأخيرة.
وتطرق الوزير حسين إلى أن زيارته للسعودية كانت من عدة محاور تركّز على العلاقات الثنائية بين البلدين وكيفية تطويرها، وتفعيل العشرات من مذكرات التفاهم والاتفاقيات بين البلدين، إضافة إلى دراسة الوضع الإقليمي وتأثيره على الوضع الداخلي في العراق أو في السعودية والمحيط الإقليمي، إضافةً إلى التوترات الإقليمية وكيفية التعامل معها وكيفية وضع الخطوات الأولى لإدارة هذه الأزمات.
وأكد وزير الخارجية العراقي أنه تاريخياً كانت هناك مراحل من العلاقة بين السعودية والعراق، تخللتها فجوات، لكن خلال السنوات الأخيرة تم ردم هذه الفجوة وبناء جسور عديدة، مضيفاً أنهم في العراق يعملون مع دول الخليج فرادى وأيضاً من خلال مجلس التعاون. وأشار إلى أن المشاريع الاستثمارية تتعلق بالوضع السياسي والعلاقات السياسية وبالوضع الأمني، مؤكداً أن هناك تنسيقاً عالياً في السياسة النفطية مع الدول الخليجية، وأنهم لا يزالون بحاجة إلى الطاقة الكهربائية.
إلى نص الحوار:
> لنبدأ الحديث حول اجتماعكم مع وزير الخارجية السعودي الذي يأتي في ظروف وتحديات تعيشها المنطقة... كيف تصفون اللقاء؟
- سعدت بالالتقاء مع أخي الأمير فيصل بن فرحان، وهو ليس اللقاء الأول، حيث التقينا سابقاً في بغداد وأماكن أخرى وفي لقاءات متكررة. المحور الأول تركز على العلاقات الثنائية بين البلدين وكيفية تطويرها، والعلاقات في مجالات مختلفة، كما أن لدينا عشرات من مذكرات التفاهم والاتفاقيات، وبعضها قديم. وناقشنا العمل المشترك في مجالات مختلفة سواء الاقتصادية أو الطاقة أو المصرفية أو الاستثمار، في حين كانت المحاور الأخرى حول دراسة الوضع الإقليمي وتأثيره على الوضع الداخلي في العراق أو في السعودية أو المحيط الإقليمي، إضافة إلى التوترات الإقليمية وكيفية التعامل معها وكيفية وضع الخطوات الأولى لإدارة هذه الأزمات، حسب قابلية كل دولة وسياستها، ولكن نحن بحاجة إلى التعاون والتفاعل، حيث سيستمر التفاعل لإدارة هذه الأزمات وإبعاد التوترات عن المنطقة.
> شهدت السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً في العلاقات السعودية العراقية... كيف تقيّمونها اليوم؟
- تاريخياً كانت هناك مراحل من العلاقة بين البلدين تخللتها فجوات، لكن خلال السنوات الأخيرة تم ردم هذه الفجوة وبناء جسور عديدة، حيث إن هذه الزيارات دليل على أن هذه العلاقة تطورت. كما أن هناك أشياء ملموسة، وهي علاقات لمصلحة البلدين والشعبين والمنطقة، وتقييمنا للعلاقة هي أنها في حالة تقدم وتطور.
> توجد إرادة وعزم بين البلدين لتعزيز آفاق التعاون في المجالات كافة، خصوصاً السياسية والأمنية والتجارية والاستثمارية والسياحية... متى يمكن تفعيل الشراكة في هذه المجالات؟
- بدأنا مسبقاً تفعيل هذه الشراكات، اليوم أنا في الرياض، وقبل زيارتي بيومين زار السعودية وزير الداخلية العراقي مع وفد كبير لمناقشة المسؤولين في المملكة حول القضايا الحدودية والأمنية والعلاقات التجارية. كما أن حضوري يأتي ضمن هذا الإطار، إضافةً إلى وجود مجلس التنسيق المشترك، حيث إن هذا المجلس مقسّم إلى عدة لجان، وحصل كثير من الزيارات واللقاءات... إذاً الاجتماعات التنسيقية مستمرة والعمل مستمر.
> أمن واستقرار المنطقة أحد أهم المحاور المشتركة بين الجانبين لكون البلدين يمثلان أهمية في المنطقة، فكيف تسعون إلى إبعاد المنطقة عن التوترات وإرساء أمن مستدام؟
- التوترات الموجودة في المنطقة، سواء كانت خلافاً بين بعض البلدان أو الخلافات الإقليمية، فهي تؤثر على الوضع الداخلي العراقي، كما تؤثر على الوضع الداخلي السعودي ودول أخرى. ولإبعاد التوتر نحتاج إلى نقاشات وطرح المسائل بصراحة، ولا يمكن تأمين أمن وطني من دون أمن للمحيط الإقليمي. وإذا كان الإقليم في حالة توتر فإنه يؤثر داخلياً في كل الدول، وإذا كانت دولة معينة لديها توترات وخلافات وقتال فإنها تؤثر على محيطها الإقليمي. إن ما حدث في سوريا أثّر على العراق، وما حدث في العراق أثّر على الدول الخليجية وغيرها من الدول. إذاً، الوضع الأمني مرتبط جداً بعضه ببعض، ومحتمَل أن تكون جذور المشكلة توجد في محيط جغرافي معين، ولكنّ فروعها تنتشر في دول أخرى، لذلك نحن بحاجة إلى حوار مباشر بين البلدان في الإقليم لمعالجة هذه المشكلة، إضافة إلى معرفة كيفية بناء آلية الحوار. فهل يمكن إجراء حوار وبعض البلدان في حالة توتر مع بلدان أخرى؟ تصعيد الصراعات إلى حالة العنف تؤدي إلى القتال والحروب، والنتيجة الدمار. نحن في العراق ضحية الدمار، سواء في البنى التحتية أو اجتماعياً أو ثقافياً أو اقتصادياً، وجميعها نتيجة الصراعات المسلحة. إذاً للوصول إلى حالة صحية نحتاج إلى أمن وأمان، وللوصول إلى ذلك نحتاج إلى حوار وخلق جو للحوار.
> ماذا عن التعاون في تأمين الحدود بين البلدين؟
- جزء من أجندة زيارة وزير الداخلية العراقي للسعودية كانت حول هذا الموضوع، بغرض التنسيق في المسائل الحدودية، حيث تم فتح معبر «عرعر» بعد سنوات من إغلاقه، ومراقبة الحدود ضمن العمل المشترك.
> أكدتم ضرورة تفعيل آليات العمل المشترك مع مجلس التعاون الخليجي، واليوم العراق أقرب إلى الدول العربية الخليجية أكثر من أي وقت مضى. كيف انعكس ذلك على المنطقة والعراق بشكل خاص؟
- تشرفت بلقاء الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، خلال زيارتي للرياض. كما كان لنا لقاء قبل مدة قصيرة في بغداد، ونحن نعمل مع دول الخليج فرادى ومن خلال إطار مجلس التعاون، فنحن أولاً كنا مساندين وسعيدين بالمصالحة الخليجية في قمة العلا التي كانت قمة ناجحة، وآثارها ونتائجها الإيجابية ستؤثر إيجاباً على دول الخليج والمنطقة، ومن ضمنها العراق. كما بنينا جسوراً للتعاون والتقدم في العلاقات بين كل عضو من دول المجلس، ولنا علاقات جيدة مع جميع الدول الخليجية.
> كان هناك حديث عن مشاريع كبرى سيتم الإعلان عنها بين البلدين. هل توجد مشاريع جاهزة للإعلان عنها؟
- حينما نتحدث عن تفعيل مذكرات التفاهم، فإن قسماً منها يتعلق بهذه المشاريع. فهناك مشاريع استثمارية، وفي قطاع الطاقة والكهرباء، والبتروكيماويات، والزراعة والإسكان والمقاولات، وغيرها. لكنّ هذه المشاريع الاستثمارية تتعلق أيضاً بالوضع السياسي والعلاقات السياسية. كما تتعلق بالوضع الأمني، فحينما يكون هناك تهديد للوضع الأمني في منطقة معينة، الاستثمارات لا تدخل ويتريث المستثمر. ولكن الوضع الأمني في العراق تحسن مقارنةً بالأعوام من 2014 إلى 2017. غير أنه في الآونة الأخيرة بدأ بعض الهجمات في مناطق مختلفة، وهذا يؤثر على الوضع الاقتصادي الداخلي ودخول الأموال من الخارج. فهناك مذكرات ولكن في المقابل يجب النظر في هذه المسائل، كما أن التعاون مع الدول المحيطة يهدف إلى التأثير الإيجابي للخلاص من هذه الهجمات والفئات التي تزعزع الوضع داخلياً.
> كيف تقيّمون وجود المستثمرين السعوديين والخليجيين في العراق اليوم بعد افتتاح منفذ «جديدة عرعر»؟
- أحياناً تؤثر ضربات أمنية على مجيء المستثمرين، خصوصاً الخليجيين، لكنّ الوضع الأمني اليوم أصبح مستقراً ما عدا هذه الهجمات في الآونة الأخيرة، حيث إنه كلما تحسن الوضع الأمني تحسنت الاستثمارات وإغراء رأس المال الخارجي، وأرى الكثير من الشركات والمستثمرين من الخليج لديهم الاستعداد للاستثمار. فساحات الاستثمار في العراق واسعة، إذ نحتاج إلى استثمارات في الزراعة والسياحة وقطاعات الطاقة والبتروكيماويات والخدمات والعقارات وغيرها. وأعتقد أن المستثمرين، خصوصاً الخليجيين، ينتظرون حالة الاستقرار الكامل في العراق لكي يستثمروا وجلب رأس المال، كما أن الشركات الخليجية تستطيع أن تلعب دوراً في بناء الاقتصاد العراقي.
> تنسيق إمدادات الطاقة يمثل اليوم ضرورة ملحة في سبيل استقرار أسواق النفط. كيف تقيّمون التنسيق بينكم وبين السعودية في هذا الخصوص؟
- أولاً هناك تنسيق عالٍ في السياسة النفطية مع الدول النفطية الخليجية، خصوصاً مع السعودية، سواء كان تنسيقاً ثنائياً أو في إطار «أوبك». والسعودية والعراق يلعبان دوراً مهماً في هذه المنظمة، كما أن التنسيق مستمر بين البلدين في جميع المجالات التي تخص الطاقة، إذ إنها مسألة حيوية لاقتصاد البلد.
> توجد حاجة للعراق إلى الطاقة الكهربائية، وكان هناك اتفاق لشراء 400 ميغاواط من الشبكة الخليجية القادمة من السعودية... فهل هناك مزيد من المشاريع في هذا الجانب؟
- توجد مذكرة تفاهم لاستيراد 400 ميغاواط من الشبكة الخليجية، ووصل الحوار إلى مستوى عالٍ، ونحن لا نزال بحاجة إلى الطاقة الكهربائية، وأعتقد أن هناك مباحثات بين المختصين من العراق ودول الخليج حول كيفية دعم محطات الكهرباء في الداخل، وليس فقط شراء الكهرباء. وإلى جانب المشكلة في إنتاج الكهرباء فهناك مشكلة أخرى في شبكات التوزيع، إذاً نحن بحاجة لبناء بنى تحتية لشبكات التوزيع الكهربائي، والشركات الخليجية تستطيع أن تلعب دوراً في ذلك.



السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
TT

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، خلال اتصالٍ هاتفي مع نظيرته الكندية أنيتا أناند، الجمعة، مستجدات التصعيد في المنطقة، والجهود المبذولة للحفاظ على الأمن والاستقرار.

من جانب آخر، بحث وزير الخارجية السعودي، في اتصالٍ هاتفي تلقاه من نظيره الكوري الجنوبي جو هيون، تطورات التصعيد في الشرق الأوسط، والموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

إلى ذلك، أشاد سفراء الدول الأوروبية في الرياض بالجهود التي تبذلها السعودية لصون الأمن والاستقرار بالمنطقة، والحفاظ على أمن أراضي المملكة، والتصدي بكفاءة لكل الهجمات الإيرانية السافرة.

أوضح الاجتماع موقف السعودية تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها (واس)

وأوضح اجتماع عقده المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي مع سفراء الدول الأوروبية، في الرياض، مساء الخميس، موقف المملكة تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها.

وجدَّد السفراء خلال الاجتماع إدانة بلدانهم للاعتداءات الإيرانية الغاشمة على السعودية ودول الخليج، وأخرى عربية وإسلامية، مُعربين عن تقديرهم للمساعدة التي قدمتها المملكة لإجلاء مواطنيهم وتسهيل عودتهم إلى بلدانهم.

حضر الاجتماع من الجانب السعودي، السفير الدكتور سعود الساطي وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية، والسفير عبد الرحمن الأحمد مدير عام الإدارة العامة للدول الأوروبية.


السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.