«ثلاثي آستانة» يتمسك بـ«الدستورية» وهدنة إدلب

بيدرسن يلتقي لافروف اليوم قبل زيارة دمشق

المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن يلتقي سوسان في سوتشي أول من أمس  (روسيا اليوم)
المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن يلتقي سوسان في سوتشي أول من أمس (روسيا اليوم)
TT

«ثلاثي آستانة» يتمسك بـ«الدستورية» وهدنة إدلب

المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن يلتقي سوسان في سوتشي أول من أمس  (روسيا اليوم)
المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن يلتقي سوسان في سوتشي أول من أمس (روسيا اليوم)

أكدت روسيا وتركيا وإيران في ختام الجولة الـ15 من المفاوضات في إطار «مسار آستانة» توجهها لدفع عمل اللجنة الدستورية السورية في جنيف، وشغل هذا الملف حيزاً أساسياً في البيان الختامي، الذي تحدث عن «مناقشة تفصيلية شاملة» أجرتها الأطراف الحاضرة في جولة المفاوضات. ولفت البيان إلى توافق بين «ضامني وقف النار» على استمرار العمل بالهدنة في منطقة إدلب، وعدم السماح بانزلاق الوضع نحو تفجير مواجهات عسكرية جديدة.
وعقدت الوفود المشاركة في ثاني أيام جولة المفاوضات محادثات ثنائية ومتعددة، قبل أن تنضم إلى الجلسة العامة التي تم خلالها الإعلان عن الوثيقة الختامية. وتضمّن البيان بعد الإشارات التقليدية في مقدمته إلى التزام الأطراف باحترام وحدة وسيادة الأراضي السورية، تأكيداً على أولوية ملفي دفع عمل اللجنة الدستورية التي خصص لها أربعة بنود من مجموع بنود الوثيقة الـ17. وأكدت الأطراف التزامها بتعزيز مسار الحوارات في إطار اللجنة، والعمل مع الأطراف السورية ومع المبعوث الدولي إلى سوريا غير بيدرسن بهدف تذليل الصعوبات وتوفير المناخ المناسب لإنجاح عمل اللجنة. وأكدت الأطراف، أن عمل «الدستورية» يجب أن يبنى على الحوار البنّاء والتوافقات من دون تدخل خارجي.
وشكّل ملف إدلب العنصر الثاني الأبرز على جدول الأعمال، وانعكس ذلك في الوثيقة الختامية التي شددت على «ضمان الالتزام بالهدنة وتنفيذ الاتفاقات السابقة المتعلقة بوقف النار». علماً بأن هذا كان ملفاً خلافياً، بسبب تأكيد الوفد الحكومي في وقت سابق أن اتفاق وقف النار الموقّع قبل عام قد انتهى. وأكد البيان أيضاً، على أنه «لا حل عسكرياً» للوضع في سوريا، مشدداً على اعتماد مرجعية قرارات الأمم المتحدة والقرار 2254.
وتطرق إلى الوضع في شمال وشرق سوريا، مشدداً على أهمية ضمان وحدة الأراضي السورية و«رفض كل المحاولات لخلق واقع جديد على الأرض»، وجدد رفض «الاستيلاء غير المشروع على عائدات النفط في شمال شرقي سوريا». وأعلنت أنقرة، أن الدول الثلاث «رفضت الأجندات الانفصالية التي تستهدف وحدة أراضي سوريا ووحدتها السياسية وتشكل تهديداً للأمن القومي لدول الجوار». وتابعت «تم لفت الانتباه إلى الطبيعة غير المقبولة للمحاولات الانتهازية غير المشروعة الجارية على الساحة السورية بحجة محاربة الإرهاب».
وأدان البيان الأنشطة الإرهابية المتزايدة في سوريا والتي أدت إلى مقتل أبرياء، وأعرب عن قلقه إزاء تزايد الهجمات التي تطال المدنيين شمال شرقي سوريا. وأكد ضرورة التزام الأطراف بالحفاظ على التهدئة على الأرض بموجب الاتفاقات المتعلقة بإدلب.
كما أدانت الدول الضامنة لعملية «آستانة» أيضاً، «الهجمات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على سوريا والتي تنتهك القانون الدولي والقانون الإنساني».
وتضمن البيان بنوداً حول الوضع الإنساني، وأهمية أيضال المساعدات إلى كل الأطراف، بما في ذلك في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة السورية، وأكد أهمية دفع ملف عودة اللاجئين. وحدد موعداً تقريبياً لعقد الجولة المقبلة من المفاوضات في منتصف العام في عاصمة كازاخستان نور سلطان.
وفي مؤتمر صحافي ختامي، لفت لافرنتييف إلى أن واشنطن «لم تبلور بعد سياستها تجاه سوريا»، معرباً عن أمل في إطلاق «محادثات بنّاءة» مع واشنطن حول الملف السوري. وأضاف، أن موسكو تتطلع أيضاً إلى أن تغير الإدارة الجديدة النهج الذي سارت عليه واشنطن في السنوات الماضية والذي اعتمد على مبدأ الضغط ومحاولات عزل سوريا سياسياً واقتصادياً.
ورأى المبعوث الرئاسي الروسي، أن «رفع العقوبات وفتح الحوار مع دمشق من شأنه أن يحفز الحكومة السورية على تنشيط التحرك في مجالات التسوية السياسية».
وحول الضربات الإسرائيلية، لفت لافرنتييف إلى أن موسكو تأمل في أن «يصغي الجانب الإسرائيلي إلى تحفظاتنا ودعواتنا للتوقف عن التصعيد»، محذراً من أن «صبر الحكومة السورية قد ينتهي وقد ترد بضربة جوابية على القصف المتواصل ما يهدد بدوامة عنف وتصعيد كبير لذلك نتواصل مع إسرائيل وندعو لتجنيب المنطقة هذا التصعيد».
وأشار إلى «حوارات جرت بين الإسرائيليين والروس لتخفيف التوتر ونزع فتيل التصعيد»، وتعد هذه أول مرة يصدر فيها تأكيد رسمي روسي لإجراء حوارات سورية - إسرائيلية برعاية من جانب موسكو.
إلى ذلك، حذر كبير مستشاري وزير الخارجية الإيراني علي أصغر حاجي، الذي رأس وفد بلاده إلى سوتشي، أنه «إذا تعرض المستشارون العسكريون الإيرانيون في سوريا للهجوم، فإن إسرائيل ستواجه رداً قاسياً»، مشدداً على أن المستشارين الإيرانيين «ينشطون في سوريا ضد الإرهاب».
في الأثناء، أعلن المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، غير بيدرسن، أنه سيتوجه بعد زيارته موسكو اليوم إلى دمشق، حيث يواصل المشاورات حول عمل اللجنة الدستورية السورية. وقال بيدرسن «سأجري مشاورات الخميس مع وزير الخارجية (سيرغي) لافروف. وأنا أنتظر هذه المباحثات، وبعد زيارتي لموسكو سأتوجه إلى دمشق، وبعد ذلك سنرى كيف ستسير المشاورات».
وبدت تعليقات بيدرسن متشائمة حول عمل «الدستورية»، وقال إن المشاورات التي أجراها في سوتشي، بما في ذلك مع وفود الحكومة والمعارضة، خلصت إلى أن «اجتماعات اللجنة الدستورية لا يمكن أن تستمر بعد الاجتماع الأخير»، مشدداً على أن «التغييرات مطلوبة قبل أن نتمكن من الاجتماع مرة أخرى».
وأعرب بيدرسن عن أمله بأن تتمكن موسكو والإدارة الأميركية الجديدة من دفع عملية التسوية في سوريا.

من جانبه، لفت أيمن سوسان، رئيس وفد الحكومة السورية، إلى التركيز خلال اللقاءات التي أجراها في سوتشي على أن «وجود قوات الاحتلال الأميركي والتركي يشكل العامل الأساس الذي يعيق عودة الاستقرار بشكل كامل إلى سوريا ودحر الإرهاب وإنهاء الحرب الظالمة ويشجع الحركات الانفصالية وما تقوم به من جرائم بحق أهلنا في منطقة الجزيرة السورية».
وقال إن هذا المحور كان أساسياً في الحوارات الثنائية «مع الأصدقاء الروس والإيرانيين والمبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة والوفد العراقي».
لكنه شدد في الوقت ذاته على «قناعة بأنه يمكن تحقيق المزيد من النتائج الإيجابية وعلى مختلف الصعد في حال التزام النظام التركي بالتفاهمات مع الجانب الروسي وخاصة لجهة القضاء على التنظيمات الإرهابية وإنهاء الوضع الشاذ في منطقة خفض التصعيد بإدلب».
وبين سوسان، أن وفد الحكومة جدد خلال الاجتماعات التأكيد على أهمية الابتعاد عن تسييس الموضوع الإنساني في سوريا وأهمية وصول المساعدات إلى مستحقيها دون أي تمييز أو تسييس، وفي ظل الاحترام الكامل لسيادة سوريا، وعلى أهمية عدم وصول هذه المساعدات إلى المجموعات الإرهابية، كما تم التأكيد على إدانة الإجراءات القسرية أحادية الجانب غير الشرعية التي يفرضها الغرب على سوريا في انتهاك سافر لمبادئ القانون الدولي الإنساني وأبسط حقوق الإنسان وتنعكس بشكل سلبي على حياة المواطن السوري ولقمة عيشه.
في المقابل، دعا رئيس وفد المعارضة السورية أحمد طعمة، إلى دفع الجهود من أجل «الخروج من المأزق الذي حدث في الجولة الخامسة في اجتماعات (الدستورية)».
مشدداً على أهمية «الانتقال إلى مرحلة الصياغة». وأشار طعمة إلى أن المعارضة السورية كانت أكثر من تضرر من الجماعات المتطرفة و«نحن نحاربهم منذ اللحظة الأولى وسنستمر في مواجهتهم».
كما أعرب طعمة عن قلقه تجاه الوضع الاقتصادي في سوريا، وزاد «الوضع الاقتصادي في سوريا يقلقنا ونضغط للتوصل لحل سياسي للتخفيف من المعاناة الاقتصادية (..) نريد أن تركز العقوبات الاقتصادية على النظام فقط».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.