«صفقة» سورية إسرائيلية برعاية روسية... ما عناصرها؟

أشخاص على دراجة نارية في مخيم اليرموك جنوب دمشق (إ.ب.أ)
أشخاص على دراجة نارية في مخيم اليرموك جنوب دمشق (إ.ب.أ)
TT

«صفقة» سورية إسرائيلية برعاية روسية... ما عناصرها؟

أشخاص على دراجة نارية في مخيم اليرموك جنوب دمشق (إ.ب.أ)
أشخاص على دراجة نارية في مخيم اليرموك جنوب دمشق (إ.ب.أ)

منذ دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى اجتماع طارئ للحكومة، مساء الثلاثاء، تصاعدت توقعات باحتمال أن يكون ذلك مرتبطاً بـ«صفقة تبادل» توسط فيها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تتضمن إطلاق سراح إسرائيلية «اُعتُقلت بعد دخولها بالخطأ إلى القنيطرة» والحصول على معلومات عن رفات إسرائيليين في سوريا، مقابل إفراج تل أبيب عن سجناء سوريين في معتقلاتها، كما حصل في صفقة سابقة رعتها موسكو بين تل أبيب ودمشق في 2019.
* ماذا نعرف؟
بعد اجتماع (الثلاثاء)، فرض وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس حظراً عن نشر أي معلومات عن مضمون الاجتماع الذي جرى عبر رابط فيديو آمن. الشيء الوحيد الذي قيل في وسائل الإعلام إن الأمر يخص «ملفاً إنسانياً توسطت روسيا في شأنه». وذكرت صحيفة «هآرتس» أن الاجتماع الذي نظمه نتنياهو وغانتس تناول «مسألة أمنية حساسة».
كان نتنياهو تلقى اتصالاً من بوتين، وتحدث غانتس ووزير الخارجية غابي أشكنازي مع نظيريهما الروسيين سيرغي شويغو وسيرغي لافروف. وأفاد بيان من مكتب غانتس أن وزير الدفاع وشويغو اتفقا في اتصالهما في العاشر من الشهر الحالي، «على مواصلة المناقشات المهمة بين روسيا وإسرائيل والحاجة لدفع الجهود الإنسانية في المنطقة».
وكتب غانتس على موقع «تويتر» أنه بحث مع نظيره الروسي «استمرار الحوار المهم بين روسيا وإسرائيل بهدف ضمان أمن العسكريين»، إضافة إلى مناقشة «الجهود الإنسانية في المنطقة ومحاربة الإرهاب».
وفي 15 الشهر الحالي، أفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» بسقوط «قتلى من جنسيات غير سورية جراء القصف الصاروخي الإسرائيلي على مناطق في محيط دمشق»، لافتاً إلى أن الغارات أسفرت عن تدمير مستودعات أسلحة وصواريخ تابعة للإيرانيين في محيط العاصمة السورية.
وفي اليوم التالي، أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي جوناثان كونريكوس لوكالة «تاس» الروسية: «لدينا آلية للتنسيق التكتيكي وتفادي الصدام مع العسكريين الروس، وهي تعمل جيداً جداً، ولدينا خط ساخن يعمل دائماً، ونعتبر أن كل ذلك يتسم بالأهمية الاستراتيجية». وأشار إلى أن «الجيش الإسرائيلي يأخذ بعين الاعتبار أمن الكوادر العسكريين الروس في سوريا».
من جهتها، بعثت دمشق رسالة إلى مجلس الأمن الدولي، حذرت فيها «إسرائيل من التداعيات الخطيرة لاعتداءاتها المستمرة على أراضيها تحت ذرائع واهية، ومن دعمها المستمر للتنظيمات الإرهابية المسلحة واستمرار احتلالها للأراضي العربية بما فيها الجولان السوري المحتل، وتحملها كامل المسؤولية عنها».
* بحث في مخيم
أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، اليوم، أنه «يجري العمل على تحرير سوريين من أبناء الجولان المحتل من سجون الاحتلال». وزادت: «عملية التبادل تتم حالياً عبر وساطة روسية لتحرير السوريين نهال المقت وذياب قهموز الأسير السوري من أبناء الجولان في عملية تبادل يتم خلالها إطلاق سراح فتاة إسرائيلية دخلت إلى الأراضي السورية، في منطقة القنيطرة بطريق الخطأ، حيث تم اعتقالها من قبل الجهات المختصة السورية».
كان نادي الأسير الفلسطيني أعلن، اليوم الأربعاء، أن إسرائيل قررت الإفراج عن قهموز «بموجب صفقة تبادل». وأضاف أن «إدارة سجون الاحتلال استدعت صباح اليوم قهموز وهو من قرية الغجر في الجولان السوري المحتل ومعتقل منذ عام 2016 ومحكوم عليه بالسجن 14 عاماً، لإبلاغه بقرار الإفراج عنه إلى سوريا، وذلك بموجب صفقة تمت بين سوريا وإسرائيل بوساطة روسية».
ويعتقد أن هذه «الصفقة» قد تساهم في تراكم جهود أوسع. وفي بداية الشهر، أكد شهود في مخيم اليرموك مشاهدتهم سيارات روسية بحماية أمنية سورية مشددة يفتشون في أحد مقبرتي المخيم، وسط أنباء عن «استئناف البحث عن رفات جنود إسرائيليين فُقدوا أثناء المعارك في سهل البقاع اللبناني في عام 1982.«
كان موقع «صوت العاصمة» السوري المعارض، قال إن «الروس يستخدمون عربة طبية لجمع عينات من الجثث بهدف تحليل السلسلة الوراثية (دي إن إيه) في المقبرة ومحيطها، ومناطق أخرى داخل مخيم اليرموك، ضمن عمليات البحث»، علماً بأنه في عملية مماثلة سابقة قامت بها القوات الروسية كان الرفات المشكوك في عائديته للجنود الإسرائيليين يرسل إلى مختبرات في إسرائيل لتحليلها.
وذكرت مصادر «صوت العاصمة» أن القوات الروسية قد أخرجت بالفعل من القبور العديد من الجثامين، وأجرت لها تحليل السلسلة الوراثية، قبل إعادتها إلى القبور مجدداً. وقال الشهود إن «طوقاً أمنياً ضُرب حول المقبرة».
في معركة «السلطان يعقوب» التي جرت في يونيو (حزيران) 1982 خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان، خسرت إسرائيل 20 جندياً وفقدت 3 جنود. وقالت مصادر إن الجنديين الذين بحث الروس عن رفاتهما هما يهودا كاتس وتسفي فيلدمان.
وفي تلك المعركة، استولت القوات السورية على 8 دبابات إسرائيلية، عرضت إحداها في متحف بموسكو، قبل أن يقوم بوتين في عام 2016 بإعادتها لإسرائيل استجابة لطلب نتنياهو.
وفي أبريل (نيسان)، سلمت وزارة الدفاع الروسية إسرائيل رفات الجندي زكريا باومل الذي قُتل في معركة «السلطان يعقوب»، بعد مراسم «احتفالية» في العاصمة الروسية عقب نقل الرفات إلى هناك من مخيم اليرموك على أيدي خبراء روس.
في المقابل، أفرجت تل أبيب عن الأسيرين السوريين أحمد خميس وزياد الطويل.
وفي بداية 2020. أُفرج عن سجينين سوريين أحدهما صدقي المقت الذي كان يمضي عقوبة بالسجن بعد إدانته بـ«التجسّس» لحساب دمشق، في إطار عمليّة التبادل. وقال مكتب نتنياهو وقتذاك، إنّ الإفراج عن المقت وزميله أمل أبو صالح، يندرج في إطار «بادرة حسن نية» بعدما استعادت إسرائيل رفات بوميل.
* بناء ثقة
إلى جانب رفات جنودها، لا تزال تل أبيب تطالب باستعادة رفات الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين الذي أعدم في ساحة المرجة بدمشق عام 1965. وطلبت وساطة روسيا في «حل لغز» مصير الطيار الإسرائيلي الأسير رون أراد، الذي فُقد بعد إسقاط طائرته في لبنان عام 1986.
ويسعى نتنياهو إلى تحقيق «إنجاز» قبل الانتخابات في الشهر المقبل.
من جهته، قال المرصد السوري، اليوم الأربعاء: «بعد مرور أكثر من 15 يوماً على نبش مقبرة مخيم اليرموك، من المفترض أن الجانب الروسي قد توصل لنتائج حول رفات جندي إسرائيلي كان قُتل قبل عشرات السنوات وتم دفنه هناك وفق المعلومات، وسط أنباء أن الرفات الذي يتم البحث عنه قد يكون للعميل الإسرائيلي البارز إيلي كوهين»، حيث جرى نبش عدد كبير من القبور وإجراء تحليل «DNA».
وأشار «المرصد» إلى «استياء شعبي في المنطقة، لانتهاك حرمة الأموات بمثل هذه العمليات وابتعاد النظام كل البعد عن تبرير الموقف أمام أنصاره، وهو الذي اعتاد الاحتفاظ بحق الرد على كل ضربة إسرائيلية تستبيح الأراضي السورية».
وكانت روسيا توسطت لعقد صفقة مع أميركا والأردن نصت على «تخلي» واشنطن عن دعم المعارضة السورية مقابل عودة رموز الدولة والجيش إلى جنوب سوريا وتسهيل الجيش الروسي إعادة العمل باتفاق «فك الاشتباك» في الجولان ونشر الشرطة الروسية نقاطاً لتستأنف القوات الدولية لفك الاشتباك عملها في الجولان السوري. كما رعت موسكو إبعاد ميلشيات تابعة لطهران عن «خط فك الاشتباك» وتفكيك أسلحة ثقيلة جنوب سوريا، وجددت ذلك بتمدد قوات الحكومة من غرب درعا باتجاه الجولان.
وترددت أنباء في الفترة الأخيرة، عن وجود مساعٍ لاستئناف مفاوضات السلام بين دمشق وتل أبيب، في وقت أعلنت موسكو رفض قرار الرئيس دونالد ترمب دعم السيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل منذ عام 1967.
ويُعتقد أن هذه الخطوات ترمي إلى «بناء الثقة» بين الطرفين لنقل الأمور من المستوى الأمني والعسكري والإنساني إلى السياسي، الذي هو أكثر تعقيداً لارتباطه بأمور إقليمية أكبر بينها وجود إيران في سوريا.



مقتل غواص بهجوم قرش قبالة سواحل غرب أستراليا

رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
TT

مقتل غواص بهجوم قرش قبالة سواحل غرب أستراليا

رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)

قُتل غواص إثر تعرضه لهجوم من سمكة قرش قبالة سواحل غرب أستراليا السبت، وفق ما أعلنته الشرطة المحلية، في رابع حادث من نوعه يسفر عن قتلى في البلاد هذا العام.

وأفادت أجهزة الإسعاف وحكومة غرب أستراليا بأنّ الرجل الثلاثيني تعرّض لهجوم من سمكة قرش طولها 4 أمتار ونصف متر قبالة جزيرة مايكلماس جنوب شرقي مدينة بيرث.

وأوضحت الجهتان أنّ الهجوم وقع نحو الساعة 11:25 بالتوقيت المحلي (03:25 بتوقيت غرينيتش).

وقالت الشرطة إن الرجل كان يمارس صيد الأسماك بالرمح عندما هاجمه القرش. ونُقل إلى الشاطئ حيث «لم يتمكن المسعفون من إنقاذ حياته».

وحضت وزارة الصناعات الأولية والتنمية الإقليمية في الولاية، السكان، على توخي الحذر الشديد في المنطقة ومتابعة بلاغات رصد أسماك القرش.

ويأتي هذا الهجوم بعد أسبوعين فقط من مقتل رجل آخر بهجوم من سمكة قرش في شمال ولاية كوينزلاند.

ويرى علماء أستراليون أن ازدياد الأنشطة في المياه وارتفاع درجة حرارة المحيطات يُغيّران أنماط هجرة أسماك القرش، مما قد يُسهم في ارتفاع عدد الهجمات، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».


العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العالمية الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العالمية الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العالمية الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العالمية الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)

لا يبدو أن العالم منشغل اليوم بمسألة أكثر إلحاحاً من مسألة النظام العالمي الجديد. وهذا ما تعكسه عناوين المؤتمرات الدولية المتخصصة؛ ومنها المؤتمر السنوي للجغرافيا السياسية والشؤون الدولية الذي يُعقد في كيوتو اليابانية تحت عنوان «عصر القلق: التبعية والاستقلال الذاتي والغموض الاستراتيجي» من 18 سبتمبر (أيلول) المقبل إلى 20 منه.

وانطلق المؤتمر عام 2020، وحملت دورة العام الماضي عنوان «إعادة التفكير في النظام العالمي». ويبدو المؤتمر المقبل الذي يُعقد في حرم جامعة ريوكوكو استكمالاً لسابقه، وسيكون بين محاور البحث: الغموض الاستراتيجي، والتحالفات المتغيرة، والتعددية القطبية، إلى جانب الأعراف السياسية، والقانون الدولي، وديناميكيات الدبلوماسية.

* النظام العالمي

يندرج كل ما سبق تحت «قبة» ما يُصطلح على تسميته النظام العالمي الذي قد يختلف تعريفه بين جهة وأخرى، وفقاً للرؤى والمصالح. إلا أنه يحضر كلما تحدثنا عن طبيعة العلاقات بين الدول وغيرها من الفاعلين الدوليين (منظمات، وشركات، ومؤسسات...) في الساحة العالمية.

ويجب، هنا، أن نفرق بين النظام العالمي والنظام الدولي؛ فالثاني يعني العلاقات بين الدول والحكومات حصراً. لذا يمكن وصف المصطلح الأول بأنه مفهوم فضفاض، يتناول توزيع القوة بين الأمم في كل زمن ومحطة. ومن يدرك ديناميكيات هذا المفهوم يستطيع أن يفهم أسباب هيمنة بعض الدول على القرارات العالمية، وأسباب تشكل التحالفات وتفككها، ولماذا لا تتوقف خريطة العالم عن التبدل.

الذكاء الاصطناعي في صلب النظام العالمي الجديد (رويترز)

الواضح أن النظام العالمي يعرف تحوّلات كبيرة منذ العقد الأخير من القرن العشرين، فما كان قائماً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية هو انقسام رأسمالي - اشتراكي، أو غربي - شرقي، سبّب حرباً باردة انتهت مع تفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار الأنظمة الدائرة في فلكه. وأدّت الأمم المتحدة في ظل ذلك النظام العالمي دور الإطفائي، وإن بفاعلية محدودة. أما اليوم فنرى أن النظام العالمي يتبدّل بسرعة، ويمكن رصد ملامحه مما يقال في المنتديات الكبرى وعلى ألسنة بعض القادة والمسؤولين.

وفي خضم النقاش الواسع حول شكل النظام العالمي المقبل، تبرز مقاربتان متعارضتان إلى حد بعيد.

* الثورة الصناعية الرابعة

يرسم الألماني كلاوس شواب، مؤسس «منتدى دافوس» الاقتصادي، صورة طموحة ومثيرة للجدل للعالم، ولكن يجب التوقف عندها نظراً إلى مكانة الرجل وعلاقاته المتشعبة وتأثيره في دوائر صانعي القرار العالمي. ويمكن تلخيص هذه الرؤية على النحو الآتي:

تقوم رؤية كلاوس شواب للنظام العالمي الجديد على إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد والسياسة والمجتمع، والانتقال إلى ما يسميه «العصر الذكي». وهو يرى أن العالم يمر بمنعطف تاريخي يتطلب تجاوز الرأسمالية التقليدية القائمة على الربح المحض، وتبني «رأسمالية أصحاب المصلحة»، حيث تلتزم الشركات بخدمة المجتمع، والموظفين، وحماية البيئة...، بالتوازي مع تحقيق الأرباح.

وتعتمد هذه الرؤية بشكل جذري على تقنيات الثورة الصناعية الرابعة؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، وإنترنت الأشياء. ولا ينظر شواب إلى هذه التكنولوجيات بوصفها أدوات تكميلية؛ بل «شركاء أساسيون» يعيدون تشكيل ملامح الحضارة الإنسانية. ومن خلال دعوته الشهيرة «لإعادة الضبط الكبرى»، يطالب بتعزيز التعاون الوثيق بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، بوصف ذلك آلية وحيدة لمواجهة الأزمات العابرة للحدود كالتغير المناخي والأوبئة.

كلاوس شواب في منتدى دافوس... نظام الثورة الصناعية الرابعة (رويترز)

في المقابل، يواجه هذا المنظور انتقادات حادة وهواجس واسعة. ويرى معارضوه أن التركيز المفرط على دمج التكنولوجيا بحوكمة البيانات يمهد الطريق لنظام رقابة عالمي صارم تقوده النخب الاقتصادية. وتثير أفكاره حول الهويات الرقمية والتحكم في البيانات مخاوف حقيقية تتعلق بانتهاك الخصوصية وتقويض الحريات الفردية، مما جعل رؤيته محوراً لجدل عميق بين من يراها خطة لإنقاذ المستقبل، ومن يعتقد أنها محاولة لفرض وصاية عالمية.

*دونالد ترمب وعالمه

يقول باحثون في «معهد بروكينغز» (واشنطن) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يرى أن فكرة «النظام العالمي» بحد ذاتها ليست سوى «تجريد مثالي منفصل عن الواقع». ولا يتمثل مشروعه في السياسة الخارجية في إعادة تشكيل البنية العالمية؛ بل في تثبيت واقع أن الولايات المتحدة يجب ألا تكون مقيّدة في ممارستها لقوتها الاقتصادية والعسكرية، انطلاقاً من أن هذا هو ما تقتضيه النظرة «الواقعية والصريحة» إلى السياسة الدولية.

أما النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، والذي تعدّه إدارة ترمب وهماً نظرياً فارغاً، فقد وُلد عقب حربين عالميتين أودتا بعشرات الملايين. وكان الهدف من هذا النظام منع تكرار المآسي والدمار.

ولتحقيق ذلك، جرى الاتفاق على الحدّ من استخدام الأدوات الاقتصادية؛ مثل الرسوم الجمركية، التي تحقق مكاسب لدولة ما عبر الإضرار بدول أخرى. كما ثُبّت مبدأ عدم السماح للدول القوية عسكرياً بالاعتقاد بأنها تستطيع مهاجمة الدول الأضعف من دون خوف أو تردد. وتُرجمت هذه المبادئ عملياً من خلال ترتيبات التجارة الحرة، والعضوية الواسعة في الأمم المتحدة، والتحالفات الدفاعية العسكرية مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1945 و2024، كانت الولايات المتحدة من أبرز المدافعين عن هذه المبادئ، وإن بدرجات متفاوتة وبصورة لم تخلُ من النواقص والتناقضات. أما اليوم، فإن ترمب يهاجم هذه الأسس عبر العقوبات التجارية، وتقليل أهمية تحالفات الولايات المتحدة، وتكرار التهديد باللجوء إلى العمل العسكري.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ذو رؤية لا تؤمن بنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية (إ.ب.أ)

وتنطلق رؤيته للنظام العالمي من مبدأ «أميركا أولاً»، وتعارض بشكل مباشر العولمة والمؤسسات متعددة الأطراف، مفضلة العلاقات الثنائية والسيادة الوطنية الكاملة.

*التعارض والبحث عن الطريق

يمثل التعارض بين دونالد ترمب وكلاوس شواب صراعاً فكرياً بين القومية الحمائية والعولمة المؤسسية. وتنطلق رؤية ترمب من السيادة الوطنية والحدود، وعقد الصفقات الثنائية المباشرة من دولة لدولة بدلاً من الانصياع للمنظمات الدولية. واقتصادياً، يتبنى الرئيس الجمهوري نهجاً يعتمد على الحمائية والتنافس الجيوسياسي الشرس، مؤمناً بأن التكنولوجيا أداة لفرض النفوذ والتفوق.

في المقابل، يمثل شواب الوجه الآخر لـ«العملة» بدعوته إلى «إعادة الضبط الكبرى». ويرى أن التحديات الراهنة تتطلب حوكمة عالمية عابرة للحدود، تذوب فيها السيادات الفردية لمصلحة تعاون وثيق بين الحكومات والشركات العملاقة والمجتمع المدني. ويسعى من خلال «رأسمالية أصحاب المصلحة»، إلى بناء اقتصاد عالمي مترابط ومفتوح، تقوده النخب الذكية عبر دمج تقنيات الثورة الصناعية الرابعة في عمق المجتمعات البشرية.

وبتعبير آخر، يرى ترمب العالم ساحة صراع وتنافس تجاري بين دول مستقلة تبحث عن مصالحها الذاتية، فيما يراه شواب شبكة موحدة لا بدّ من إدارتها مركزياً بالاعتماد على أنظمة ذكية متكاملة.

ولا شك في أن هذا التناقض الجذري، الذي يتجاوز الرجلين إلى رؤيتين متعارضتين للعالم، يضع صانعي القرار أمام خيارين: إما الانكفاء نحو الهوية والقومية الاقتصادية، أو الانخراط في عولمة رقمية شاملة.

النفط الفنزويلي كان هدفاً للسياسة الأميركية المستجدة (رويترز)

وليس عصياً على الاستنتاج أن الخيار الأول قد يؤدي إلى زيادة التوترات والصراعات، فيما يثير الخيار الثاني مخاوف تتعلق بخصوصية الإنسان وفرادة المجتمعات.

وغنيُّ عن القول أن هناك مقاربات أخرى لهذه المسألة؛ فالاتحاد الأوروبي متمسك بدور المنظمة الأممية بكل فروعها، ويلتقي في الدعوة إلى تعدد الأقطاب مع الصين التي ترى أن العدالة الاقتصادية غائبة، وأن دول الجنوب تحتاج إلى تنمية شاملة.

وفي النهاية ينبغي القول إن العالم يحتاج إلى نظام عالمي يوازن بين التعاون الدولي وسيادة الدول. وفي ظل الضغوط غير المسبوقة التي يواجهها النظام التقليدي القائم على القواعد والأعراف بقيادة الولايات المتحدة، فإن بناء مستقبل مستدام يتطلب نموذجاً تعددياً يرتكز على التعاون ومساندة القويّ للضعيف والغنيّ للفقير، في عالم يزداد ترابطاً وتعقيداً.


ألمانيا ليست من ضمنها... انتخاب 5 دول لعضوية مجلس الأمن

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا ليست من ضمنها... انتخاب 5 دول لعضوية مجلس الأمن

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)

انتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأربعاء، كلاً من النمسا وقيرغيزستان والبرتغال وترينيداد وتوباغو وزيمبابوي لعضوية مجلس الأمن الدولي المكون من 15 عضواً لفترة مدتها سنتان تبدأ في أول يناير (كانون الثاني) 2027.

وجاءت ألمانيا، التي بذلت جهوداً حثيثة للحصول على مقعد، في المرتبة الثالثة في المنافسة على المقعدين المخصصين لمجموعة أوروبا الغربية ودول أخرى، إذ حصلت على 104 أصوات، مقابل 134 صوتاً للبرتغال و131 صوتاً للنمسا.

الوفد النمساوي يحتفل بانتخاب بلاده عضواً في مجلس الأمن (د.ب.أ)

وامتدت المنافسة بين الفلبين وقيرغيزستان على مقعد مجموعة آسيا والمحيط الهادئ إلى أربع جولات من التصويت، إذ ضمنت قيرغيزستان في النهاية الأغلبية المطلوبة البالغة الثلثين، لتفوز بأول مقعد لها على الإطلاق في مجلس الأمن بحصولها على 142 صوتاً مقابل 49، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ومجلس الأمن هو الهيئة الوحيدة في الأمم المتحدة التي يمكنها اتخاذ قرارات ملزمة قانوناً مثل فرض العقوبات والإذن باستخدام القوة. ويضم المجلس خمسة أعضاء دائمين يتمتعون بحق النقض (الفيتو) وهم بريطانيا والصين وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة.

وفد قيرغيزستان يحتفل بانتخاب بلاده عضواً في مجلس الأمن (رويترز)

أما الأعضاء العشرة الباقون فيتم انتخابهم، إذ ينضم خمسة أعضاء جدد كل عام. وهذا العام، يأتي عضو واحد من مجموعة أفريقيا، وعضو واحد من مجموعة أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وعضو واحد من مجموعة آسيا والمحيط الهادئ، وعضوان من مجموعة غرب أوروبا ودول أخرى.

وستحل زيمبابوي محل الصومال، وترينيداد وتوباغو محل بنما، بينما ستحل البرتغال والنمسا محل الدنمارك واليونان. وستحل قيرغيزستان محل باكستان.

وستستمر البحرين وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولاتفيا وليبيريا في شغل مناصب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن حتى نهاية عام 2027.

وانتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الثلاثاء، وزير خارجية بنغلاديش خليل الرحمن رئيساً للجمعية المكونة من 193 عضواً لدورتها الحادية والثمانين، التي تبدأ في سبتمبر (أيلول).