تشرف محاكمة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب على نهايتها، وبات المشرعون على قيد أنملة من التصويت لحسم مصير ترمب، والبت بإدانته أو تبرئته في مواجهة تهمة التحريض على التمرد.
وفي حين بات من المرجح بشكل كبير أن تحسم نتيجة التصويت لصالح تبرئة الرئيس السابق، رغم الأدلة التي طرحها فريق الادعاء عليه في المرافعات التي استمرت على مدى يومين، سعى فريق الدفاع عنه جاهداً إلى عرض قضيته بطريقة منظمة مختلفة عن أداء اليوم الأول الذي وصفه الجمهوريون بالكارثي.
وتتمحور الاستراتيجية الدفاعية التي اختتمها فريق الدفاع بيوم واحد حول نقطتين أساسيتين: الأولى أن مقتحمي الكابيتول خططوا لهجومهم قبل خطاب ترمب في السادس من يناير (كانون الثاني)، وأنه لم يحرضهم مباشرة على التمرد؛ والثانية إعادة التشديد على عدم شرعية المحاكمة لأنها تتعلق بعزل رئيس سابق.
وانطلاقاً من نقطة الدفاع الأولى، يشدد فريق ترمب على حقه بالتعبير عن رأيه، بحسب التعديل الأول من الدستور الأميركي، مشيراً إلى أن الرئيس السابق لم يطلب من مناصريه مهاجمة الكابيتول والاعتداء على عناصر الشرطة. وقال محامي ترمب، دايفيد شون، إن الرئيس السابق أدان العنف «ولا يريد أن يتم ربطه بما جرى خلال هذه الحادثة العنيفة». وتابع شون، في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»، أن ترمب أدان الأشخاص الذين شاركوا في الاقتحام، كما أدان العنف «وأنه يشعر بالإهانة لمحاولات ربطه بهذه الحادثة».
وبعد مرافعات الادعاء التي حظيت بإشادة أغلبية المشرعين، يسعى فريق الدفاع جاهداً إلى عدم التخفيف من فداحة حادث الاقتحام. فقد عرض فريق الادعاء مشاهد مصورة، وبيانات أرقت نوم بعض أعضاء مجلس الشيوخ الذين شهدوا على الاقتحام من قلب الحدث. لهذا، فقد ركز الدفاع اهتمامه على انتقاد المدعين لانتقائهم مقاطع معينة من خطابات ترمب «تظهر أنه حرض على العنف»، وذكروا أن الرئيس قال لمناصريه إنه يريدهم أن «يتوجهوا إلى الكونغرس بسلم ووطنية للإعراب عن رأيهم».
- «حق التعبير عن الرأي»
وقد اتبع المحامون هذه الاستراتيجية بناء على نصيحة مستشار الرئيس السابق جايسون ميلر الذي قال لـ«فوكس نيوز» إن «الديمقراطيين لم يستعملوا كل الخطاب، بل انتقوا مقاطع معينة، فلم يعرضوا مثلاً مقاطع للرئيس ترمب وهو يطالب مناصريه بأن يكونوا سلميين وطنيين».
وضمن هذه الاستراتيجية، ينوي فريق الدفاع عرض مشاهد لتصريحات عدد من أعضاء الكونغرس أمام مناصريهم بعد مقتل الأميركي من أصول أفريقية لويد فلويد، مع الإشارة إلى أن أعضاء الكونغرس هم أيضاً لديهم الحق بالتعبير عن رأيهم. وأنهم في حال إدانتهم لترمب، فسيفسحون المجال بالتالي أمام إدانتهم بسبب أفعال ارتكبها بعض مناصريهم.
ويشدد الدفاع كذلك على أن كلمة «قتال» التي استعملها ترمب مراراً وتكراراً وردت في معنى مجازي سياسي، مشيراً إلى أن الديمقراطيين استعملوا هذا التعبير بشكل متكرر. ويقول محامو الدفاع إن «الخطأ المميت لحجج الادعاء هو أنها تسعى لاستعمال العزل بسبب خطاب سياسي يحميه التعديل الأول من الدستور». ووجه الدفاع انتقادات لاذعة للديمقراطيين، فاتهمهم باستعجال إجراءات العزل في مجلس النواب، وتسييس المحاكمة بهدف منع ترمب من الترشح مجدداً. وفي المقابل، ينفي الديمقراطيون هذه الاتهامات، ويشددون على أن نيتهم مقتصرة على محاسبة الرئيس السابق على تصريحاته التي أدت -بحسب الادعاء- إلى اقتحام مبنى الكابيتول. لكن الديمقراطي تيد لو، وهو من فريق الادعاء المؤلف من 9 نواب، حذر الجمهوريين قائلاً: «أنا لست خائفاً من أن يترشح ترمب مجدداً بعد 4 أعوام. ما أخاف منه أنه سيترشح ويخسر لأن هذا يعني أن ما جرى سيتكرر».
ترمب «حرض منذ ترشحه للرئاسة»
وفي عرضهم للحجج والأدلة، لم يتوقف فريق الادعاء (الخميس) عند أحداث السادس من يناير (كانون الثاني)، بل تخطوها ليعرضوا تصريحات لترمب منذ ترشحه للرئاسة، وتحريضه المستمر لمناصريه في أنشطته الانتخابية لمهاجمة كل من يوجد حولهم للاعتراض على خطاباته. كما تحدثوا عن أحداث «شارلوتسفيل»، وعرضوا مشاهد من تصريحات ترمب التي وصف فيها العنصريين البيض هناك بالأشخاص الجيدين.
ورغم أداء فريق الادعاء الجيد، فإنه يعلم أن المشرعين حسموا موقفهم في التصويت، وأن أغلبية الجمهوريين سيصوتون ضد إدانة ترمب بحجة عدم دستورية المحاكمة، وهي النقطة الثانية والأهم التي اعتمد عليها فريق الدفاع.
فبعد اختتام الادعاء لمرافعاته، قال السيناتور الجمهوري روي بلانت: «سأتفاجأ كثيراً إذا غير كثيرون رأيهم في القضية». كما أكد السيناتور الجمهوري جون كورنين أن أداء المدعين كان ممتازاً، لكن السؤال الحقيقي بالنسبة له هو إثبات نية ترمب بالتحريض على التمرد، مشيراً إلى «أن هذا لم يكن واضحاً».
- ثقة بتبرئة ترمب
ولعل خير دليل على ارتياح فريق الدفاع النسبي من نتيجة المحاكمة أن المحامين لم يستعملوا الـ16 ساعة المخصصة لهم لعرض حججهم، بل أنهوا المرافعات في أقل من يوم واحد، وذلك في إشارة إلى أن ترمب وفريقه باتوا متأكدين من تبرئة المجلس للرئيس السابق. وعلى ما يبدو، فقد سعى حلفاء ترمب في الكونغرس لطمأنته وفريقه من النتيجة، فعقد السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام وزميله تيد كروز وغيرهما لقاء مغلقاً مع محاميي الرئيس، ديفيد شومن وبروس كاستور، قبيل بدء مرافعات الدفاع.
لكن اقتراب حسم القضية لصالح الرئيس السابق لا يعني بالضرورة أن الجمهوريين سيدعمون مساعيه للترشح مجدداً للرئاسة، خاصة مع وجود وجوه جمهورية تطمح للترشح في عام 2024، أبرزها المندوبة الأميركية السابقة لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي. فهايلي كانت من المدافعين الشرسين عن ترمب، لكن هذا تغير يوم الجمعة. وفي مقابلة مع صحيفة «بوليتيكو»، وجهت هايلي انتقادات لاذعة للرئيس السابق، واتهمته بـ«خذلان» الأميركيين.
وتحدثت هايلي عن الحزب الجمهوري، قائلة: «يجب أن نعترف أنه خذلنا، وتوجه في الاتجاه الخاطئ، وكان من الخطأ أن نتبعه أو نستمع إليه، ولا يمكننا السماح بتكرار هذا». وتابعت هايلي في المقابلة قائلة: «عندما أقول إنني غاضبة، فهذا تخفيف من شعوري... أنا مستاءة من أنه رغم الولاء والصداقة التي جمعته بمايك بنس فعل ما فعل به؛ هذا يقززني».
كلمات قاسية من هايلي تجاه الرئيس السابق، لكنها مؤشر على تصاعد اللهجة المنتقدة لترمب في صفوف حزبه، حتى لو لم يصوت هذا الحزب لإدانته في الكونغرس.




