عادت الأسهم الأميركية للانخفاض مرة أخرى بنهاية الأسبوع الماضي، بعد أن شهدت ارتفاعا أسبوعيا وحيدا خلال الأسبوع قبل الماضي، لتنهي شهر يناير (كانون الثاني) في المنطقة الحمراء متأثرة بالنتائج الاقتصادية التي جاءت أقل من التوقعات، وشاركتها في التراجع نظيرتها الأوروبية بعد أن سجلت أداء مميزا خلال يناير، إلا أنها أنهت الأسبوع الماضي متراجعة. وعلى عكس أدائه خلال عموم يناير، عاد النفط للارتفاع مجددا خلال الأسبوع الماضي، ليشهد في آخر جلسات الأسبوع أكبر مكاسب يومية منذ منتصف عام 2012.
وجاء تراجع الأسهم الأميركية خلال الأسبوع الماضي وسط النتائج الاقتصادية التي جاءت أقل من التوقعات لتنعكس على أداء الأسهم، حيث انخفض مؤشر «داوجونز» الصناعي على مدار الأسبوع بنسبة 2.9 في المائة (- 508 نقطة) ليغلق بنهاية تداولات الجمعة عند 17165 نقطة، كما هبط أيضا كل من مؤشر «النازداك» (- 123 نقطة) بنسبة 2.6 في المائة ليصل إلى 4635 نقطة، ومؤشر «S&P 500» الأوسع نطاقا بنسبة 2.8 في المائة ليخسر (- 57 نقطة) ويصل إلى 1995 نقطة.
وارتفع الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة بنسبة 2.6 في المائة في الربع الرابع من العام الماضي، إلا أنه جاء أقل من التوقعات التي أشارت لنمو قدره 3.2 في المائة، ويرجع هذا التباطؤ إلى انخفاض الإنفاق الحكومي وارتفاع الواردات، حيث انخفض الإنفاق الاستهلاكي الشخصي بنسبة 0.5 في المائة وهو أكبر انخفاض منذ الربع الأول من عام 2009.
وجاءت هذه النتائج الاقتصادية متماشية مع بعض البيانات السلبية التي ظهرت في نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حيث انخفضت مبيعات المنازل الأميركية قيد الانتظار، وانخفضت طلبيات السلع المعمرة للشهر الرابع على مدار الخمسة أشهر الماضية.
ورغم هذه البيانات السلبية، إلا أن مؤشرات ثقة المستهلكين الأميركيين ما زالت تحلق عند أعلى مستوياتها، حيث ارتفعت وفقا للمسح المشترك بين وكالة «رويترز» وجامعة «ميتشيغن» إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2004 في يناير الماضي، كما صعدت لأعلى مستوى لها منذ أغسطس (آب) عام 2007 وفقا لبيانات مؤشر «كونفراس بورد». وفي أوروبا، تراجعت الأسهم مع نهاية الأسبوع الماضي، متأثرة بتصاعد المخاوف بشأن دخول منطقة العملة الموحدة إلى نفق الانكماش، بعد بيانات التضخم السلبية، إضافة لتصاعد قلق المستثمرين بشأن نتائج الانتخابات اليونانية.
وأعلن مكتب الإحصاءات الأوروبي عن تراجع معدل أسعار المستهلكين في منطقة اليورو إلى 0.6 في المائة في نهاية يناير، بأكبر نسبة تراجع منذ يوليو (تموز) 2009، بعد أن انخفضت في ديسمبر الماضي بنحو 0.2 في المائة. وانعكست تلك المخاوف على أداء الأسهم، لينخفض مؤشر «ستوكس يوروب 600» خلال الأسبوع بنسبة 0.9 في المائة ويصل إلى 367 نقطة.
وما زالت الأزمة اليونانية تخيم على الأجواء في أوروبا، بعد تأكيد وزير المالية اليوناني يانيس فاروفاكيس أن بلاده لن تتعاون مع بعثة «الترويكا» التي تضم البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي والمفوضية الأوروبية بشأن برنامج الإنقاذ المالي. ليتبع تلك التصريحات وزير البحرية التجارية ثيودوروس دريتسس بإجراءات وقف خصخصة أكبر ميناء يوناني وتعهده بإيقاف بيع ميناء آخر.
وانعكست هذه الإجراءات والتصريحات بشكل سريع على وكالات التصنيف العالمية حيث وضعت وكالة «ستاندرد آند بورز» التصنيف الائتماني للديون السيادية اليونانية قيد المراجعة السلبية تمهيدا لاحتمالية خفضها إلى الدرجة «خردة»، كما حذرت وكالة «فيتش» من احتمالية خفض التصنيف الائتماني، إذا لم تتمكن أثينا من التوصل لاتفاق مع دائنيها.
وانعكست هذه التحديات بشكل سلبي على السندات اليونانية، حيث قفز العائد لسندات أجل 10 سنوات خلال جلسة الخميس متجاوزا 11 في المائة ومسجلا أعلى مستوى له منذ يوليو 2013، في إشارة لتأثر ثقة المستثمرين.
وحاول رئيس الوزراء اليوناني تهدئة المخاوف عبر تصريحه بأن بلاده لن تتخلف عن سداد ديونها، وأنه سيتفاوض مع المقرضين في ضوء أولوياته الحالية.
أما عن بقية مؤشرات الأسهم الأوروبية فقد انخفض مؤشر «فوتسي 100» البريطاني بنسبة 1.2 في المائة، ليصل بنهاية تداولات الجمعة إلى 6749 نقطة، وذلك بعد أن سجل الاقتصاد البريطاني نموا أبطأ من المتوقع في الربع الأخير من العام الماضي، حيث ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة، مقارنة بالتوقعات التي أشارت لبلوغه 0.6 في المائة.
وعن أبرز مؤشرات الأسهم الأوروبية الأخرى، هبط مؤشر «كاك» الفرنسي بنسبة 0.8 في المائة على مدار الأسبوع ليصل إلى 4604 نقطة، وقد ارتفعت أعداد العاطلين الفرنسيين عن العمل بنسبة 0.2 في المائة خلال ديسمبر الماضي، لتبلغ مستوى قياسيا جديدا عند 3.496 مليون عاطل.
كما انخفض مؤشر «فوتسي إم آي بي» الإيطالي بنسبة 0.1 في المائة ليصل إلى 20503 نقاط، وجاء هذا التراجع الطفيف بالمؤشر الإيطالي بعد انخفاض معدل البطالة على غير المتوقع في ديسمبر الماضي.
وعلى الجانب الآخر، شهدت الأسهم الألمانية ارتفاعا خلال الأسبوع الماضي، حيث صعد مؤشر «داكس» الألماني بنسبة 0.4 في المائة ليصل إلى 10694 نقطة، بعد أن شهدت عددا من البيانات الاقتصادية الإيجابية، فقد تراجع معدل البطالة بنحو 9 آلاف شخص في يناير الماضي، ليبلغ 6.5 في المائة. ودعمت هذه البيانات الألمانية الإيجابية ثقة المستهلكين، والتي ارتفعت لأعلى مستوى لها في 6 أشهر خلال يناير طبقا لبيانات معهد «إيفو»، بينما توقع استطلاع شركة «جي إف كيه» أن ترتفع في فبراير (شباط) الحالي لأعلى مستوى لها منذ نهاية عام 2001.
وفي آسيا، واصلت الأسهم الصينية تراجعاتها للأسبوع الثاني على التوالي بعد أن شهدت في الأسبوع قبل الماضي أسوأ أداء لها خلال 6 سنوات، متأثرة بالتباطؤ الاقتصادي الذي تمر به البلاد.
وانخفض مؤشر «شنغهاي» المجمع بنهاية تداولات الأسبوع إلى 3210 نقطة بنسبة تراجع قدرها 4 في المائة على مدار الأسبوع. وأعلنت الحكومة الصينية خفض مستهدف نمو الإنتاج الصناعي خلال العام الحالي إلى 8 في المائة، مقابل نحو 9.5 في المائة خلال العام الماضي.
أما في اليابان فقد واصلت مؤشرات الأسهم اليابانية ارتفاعها الأسبوع الماضي، وذلك للأسبوع الثاني على التوالي بعد تراجعها على مدار 3 أسابيع، حيث صعد مؤشر «نيكي» بنسبة 0.9 في المائة خلال الأسبوع ليصل إلى 17674 نقطة، كما ارتفع مؤشر «توبكس» بنسبة 0.8 في المائة إلى 1415 نقطة.
وجاء هذا الارتفاع بأسعار الأسهم مصحوبا بعدد من النتائج الاقتصادية الإيجابية في ديسمبر الماضي، حيث تراجع معدل البطالة لأدنى مستوى له منذ أكثر من 17 عاما، بينما ارتفعت مبيعات التجزئة للشهر السادس على التوالي، وتراجع العجز التجاري بنحو 50 في المائة مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، متأثرا بارتفاع الصادرات وتباطؤ نمو الصادرات.
أما عن المعدن النفيس، فقد استفاد بشكل إيجابي بعدم تحقيق النمو الاقتصادي الأميركي للتوقعات في الربع الرابع، حيث ارتفعت العقود الآجلة في يناير بنسبة 8 في المائة لتصل عند التسوية إلى 1279 دولارا للأوقية، محققة أكبر مكاسبها منذ يناير 2012، ورغم تراجع الأسعار الفورية بنسبة 0.8 في المائة على مدار الأسبوع الماضي إلا أنها ارتفعت خلال يناير بنسبة تصل إلى 7 في المائة لتبلغ عند التسوية 1284 دولارا للأوقية. ورفعت عدد من الدول حول العالم لاحتياطياتها من الذهب، حيث بلغت في هولندا خلال ديسمبر الماضي، أعلى مستوى لها منذ عام 1997، كما رفعت روسيا احتياطيها لأعلى مستوى في أكثر من 20 عاما، وزادت كازاخستان احتياطياتها للشهر السابع والعشرين على التوالي، كما ارتفعت الاحتياطيات في كل من ماليزيا، واليونان، وقرغيزستان، وصربيا.
وعلى صعيد أسعار النفط، فقد ارتفعت بشكل كبير في الأسبوع الماضي، مدعومة بانخفاض عدد المنصات في الولايات المتحدة بأكبر وتيرة أسبوعية في 28 عاما، بالإضافة لتجدد العنف في العراق وتعديلات اللوائح الجديدة للاحتياطيات التجارية للنفط في الصين. وارتفع الخام الأميركي على مدار الأسبوع بنسبة 6 في المائة ليصل إلى 48.24 دولار للبرميل، وصعد خام برنت بنسبة 9 في المائة ليصل إلى 52.99 دولار للبرميل بنهاية تداولات الجمعة.
وما زالت التوقعات سلبية بشأن الأسعار، حيث توقع تقرير صادر من «يو بي إس» المزيد من التراجع للأسعار على المدى القصير، متوقعا التعافي في النصف الثاني من العام الحالي، لتستقر الأسعار بين 67 و72 دولارا للبرميل بنهاية عام 2015. وخفض بنك «باركليز» توقعاته للأسعار بنسبة 40 في المائة خلال عام 2015، بسبب وفرة الإمدادات، حيث بلغت تقديراته لسعر خام «برنت» القياسي 44 دولارا للبرميل من 72 دولارا، كما يتوقع البنك هبوط سعر خام «نايمكس» الأميركي إلى 42 دولارا مقارنة بتوقعاته السابقة عند 66 دولارا. وخفض أيضا بنك «كريدي سويس» توقعاته الأسبوع الماضي لتبلغ تقديراته لمتوسط أسعار خام برنت هذا العام 58 دولارا للبرميل من 75.25 دولار. ورغم كل تلك التوقعات السلبية جاءت تقديرات متفائلة في اتجاه أخر من عبد الله البدري الأمين العام لمنظمة البلدان المصدرة «أوبك»، حيث توقع بلوغ أسعار النفط 200 دولار للبرميل.
وعزى البدري ذلك التفاؤل في تصريحاته لوكالة أنباء «رويترز» إلى تأثير انخفاض الاستثمارات في الطاقة الإنتاجية وتراجع الأسعار لأدنى مستوياتها.
* الوحدة الاقتصادية لـ«الشرق الأوسط»
