حاجز أوروبي أمام «أسترازينيكا» ومزيد من الإقبال على اللقاح الروسي

حاجز أوروبي أمام «أسترازينيكا» ومزيد من الإقبال على اللقاح الروسي
TT

حاجز أوروبي أمام «أسترازينيكا» ومزيد من الإقبال على اللقاح الروسي

حاجز أوروبي أمام «أسترازينيكا» ومزيد من الإقبال على اللقاح الروسي

حضّت منظمة الصحة العالمية مجدداً على الإسراع في حملات التطعيم لقطع الطريق أمام ظهور طفرات جديدة لفيروس كورونا واتسّاع دائرة انتشاره بما يتجاوز قدرات الأنظمة الصحية، التي باتت منهكة في عدد كبير من البلدان بعد أكثر من عام على الجائحة التي أوقعت أكثر من 100 مليون إصابة وما يزيد على 2.2 ضحية حتى الآن في العالم.
لكن في حين كانت كبيرة علماء المنظمة، سميّة سواميناتان، تصرّح أمس (الأربعاء) بأن المنظمة لم تفاجأ بظهور الطفرات الفيروسية الجديدة، لكنها قلقة من تزايد البيانات التي تؤكد سرعة سريان هذه الطفرات وشدّة فتكها، وتشدّد على أن السبيل الوحيد لاحتوائها قبل فوات الأوان هو الإسراع في حملات التطعيم، كانت البلدان الكبرى في الاتحاد الأوروبي تعلن عن قرارها منع استخدام لقاح «أسترازينيكا» لمن تجاوزوا الخامسة والستين من العمر؛ لعدم توفّر الأدلّة على فاعليته في تحصين هذه الفئة من السكّان.
وكانت السلطات الصحية في ألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، وهولندا، وبولندا، والنمسا، والسويد، وهي بلدان يزيد عدد سكانها على ثلثي سكان الاتحاد الأوروبي، قد اتخذت هذا القرار الذي يقصر استخدام اللقاح الذي طورّته جامعة أكسفورد على ما كان دون الخامسة والستين، ويفرض إعادة نظر جذرية في برامج التطعيم التي تعطي الأولوية في جميع هذه الدول للمسنّين وأفراد الطواقم الطبية. وتجدر الإشارة إلى أن بريطانيا التي بدأت في استخدام هذا اللقاح في الرابع من الشهر الفائت، تعطيه هذه الفئة من دون استثناء.
ويقول المسؤولون في السلطات الصحية للبلدان التي اتخذت هذا القرار، إن لقاح أكسفورد أظهر استجابة مناعيّة جيّدة على جميع الفئات خلال مرحلة التجارب السريرية، لكن نتائج تجربته على الذين تجاوزوا الخامسة والستين لم تكن كافية لتحديد مستوى المناعة التي يولّدها ضد الفيروس.
وتجدر الإشارة إلى أن الوكالة الأوروبية للأدوية عندما وافقت على استخدام هذا اللقاح يوم الجمعة الماضي، لم تحدّد سقفاً عمريّاً لاستخدامه كما كانت تطالب المانيا، مكتفية بتفضيل استخدام لقاح آخر لتطعيم الذين تجاوزوا الخامسة والستين ويعانون من أمراض مزمنة. لكن القرار النهائي حول استخدام اللقاح يعود إلى السلطات الوطنية التي قرّرت في هذه البلدان إعطاءه الفئات العمريّة الشابة، وأن تبدأ بالذين يعانون من أمراض تجعلهم أكثر عرضة للإصابة بالفيروس، مثل السكّري والسمنة، أو بالذين يقدّمون خدمات أساسية، كأفراد الأجهزة الأمنية ورجال الإطفاء والمعلّمين.

خبراء منظمة الصحة العالمية يحجمون عن التعليق رسميّاً حول هذا الموضوع، لكنهم يشيرون إلى أن لقاحات الإنفلونزا الموسمية توزّع وفقاً للفئات العمرية وليس ما يمنع اعتماد المبدأ نفسه على التطعيم ضد «كوفيد – 19»، حيث تتوفّر لقاحات عديدة بمواصفات وفاعليات مختلفة. ويذكر أن منظمة الصحة العالمية، التي لم توافق حتى الآن سوى على لقاح واحد هو الذي تنتجه شركة «فايزر»، قد ناشدت شركات الأدوية تقديم البيانات اللازمة بأسرع وقت لدراستها وإعطاء الموافقة على استخدام لقاحاتها وتحديد موقف علمي منها.
ويقول رئيس اللجنة العلمية الإيطالية التي تشرف على إدارة الجائحة، ماسّيمو أندريوني «تبيّن لنا خلال هذه الأشهر أن الأكثر تعرّضا لمخاطر الفيروس هم المصابون بأمراض نفسية وقلبية مزمنة، والذين يخضعون لغسل الكلى، وأولئك الذين يزيد مؤشر كتلتهم الجسدية على 40، والذين يعانون من نقص أو خلل في جهاز المناعة. ونرى من الأفضل إعطاء هؤلاء لقاحاً يتمتع بفاعلية عالية تتجاوز 80 في المائة مثل (فايزر) أو (موديرنا) وليس لقاح (أسترازينيكا) الذي لا تتجاوز فاعليته 65 في المائة، علماً بأن لقاحات الإنفلونزا الموسمية تتراوح فاعليتها عادة بين 70 و75 في المائة».
وإذ يستغرب بعض الخبراء، أن تكون المملكة المتحدة قد قررت استخدام لقاح أكسفورد للمسنّين رغم العدد الضئيل الذي خضع من هذه الفئة للتجارب السريرية، ولا يستبعدون أن تعود السلطات الصحية البريطانية عن قرارها بعد نهاية تجارب المرحلة الرابعة التي تخضع لها الأدوية عادة بعد الموافقة النهائية على استخدامها.
وكانت السلطات الصحية الألمانية قد أوضحت، أنها ستسمح باستخدام لقاح «أسترازينيكا» للمسنّين إذا تبيّنت فاعليته لاحقاً على هذه الفئة.
ومن جهتها، أصدرت أمس الهيئة الفرنسية العليا للصحة بياناً، جاء فيه «إن البيانات حول فاعلية هذا اللقاح على من تجاوزوا الخامسة والستين لا تزال غير مكتملة، وننتظر الحصول عليها في الأسابيع المقبلة. في غضون ذلك، نوصي باستخدامه فقط لمن هم دون هذا العمر».
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد صرّح من جهته في مقابلة تلفزيونية أمس قائلاً «سنلتزم التوجيهات العلمية بحيث يقتصر استخدام هذا اللقاح على من هم دون الستين من العمر في المرحلة الأولى ثم نوزّعه بالتدرّج حتى سن الخامسة والستين الذي لن نتجاوزه إذا لم تتوفّر الأدلّة والضمانات الكافية».
ومن جهتها، نشرت جامعة أكسفورد وشركة «أسترازينيكا» نتائج دراسة تبيّن من خلال متابعة الذين تلقّوا اللقاح أنه يحدّ بنسبة عالية من قدرة الفيروس على السريان، وأن التباعد لفترة ثلاثة أشهر بين الجرعتين الأولى والثانية لا يؤثر على مستوى التحصين خلال هذه الفترة.
ويقول الباحثون في جامعة أكسفورد، إن دراسات المتابعة الأربع التي تجرى في بريطانيا والبرازيل وجنوب أفريقيا أظهرت تراجعاً بنسبة 67 في المائة في قدرة الفيروس على السريان بعد تناول الجرعة الأولى من اللقاح، علماً بأن هذه الدراسات ليست مصممة في الأساس لقياس تأثير اللقاح على سريان الفيروس؛ إذ إن فاعلية اللقاح تحددها قدرته على التخفيف من خطورة الإصابة أو القضاء على عوارضها وليس تأثيره على معدّل السريان.
لكن المتابعة الأسبوعية التي قام بها الباحثون أظهرت، أن الإصابات كانت تنخفض بنسبة 67 في المائة بعد تناول الجرعة الأولى وإلى النصف تقريباً بعد الجرعة الثانية. وعلّق وزير الصحة البريطاني مات هانكوك على هذه النتائج بقوله: «نعرف الآن أن لقاح أكسفورد يساعد أيضاً على الحد من السريان وهذا سيساعدنا جميعاً على تجاوز هذه الجائحة».
في موازاة ذلك، حصل اللقاح الروسي «سبوتنيك» أمس على جرعة عالية من المصداقية عندما نشرت مجلة «لانسيت» الطبية المرموقة النتائج الأولية لدراسة شملت 20 ألف متطوع، وبيّنت أن فاعليته تصل إلى 92 في المائة بعد تناول الجرعة الثانية. ويذكر أن الأوساط العلمية الدولية كانت قد أعربت عن شكوكها حول أمان اللقاح الروسي وفاعليته، علماً بأن 16 دولة قد وافقت حتى الآن على استخدامه.
ويؤكد خبراء معهد «غاماليا» الذي أشرف على تطوير هذا اللقاح في موسكو، أن فاعليته لمن تجاوز الستين من العمر مماثلة للفئات العمرية الأخرى، وأنهم لم يرصدوا له آثاراً جانبية خطيرة سوى بعض الانهاك والارتفاع الطفيف في درجة حرارة الجسم خلال الأيام الأولى.
وكانت الباحثة الفرنسية ماري بول كيني، المديرة السابقة لبرنامج اللقاحات في منظمة الصحة العالمية التي أشرفت أواخر العام الماضي على بعثة علمية لتحليل لقاح «سبوتنيك» في العاصمة الروسية، قد علّقت على نتائج الدراسة التي نشرتها «لانسيت» بقولها «إن المناقشات المعمّقة التي أجريناها في موسكو مع علماء معهد (غاماليا) أقنعتنا بأن لقاح (سبوتنيك) يتمتّع بفاعلية عالية ضد (كوفيد – 19)».


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟