تلويح روسي وسوري بقصف ريف درعا

للمرة الأولى منذ 2018 للضغط على المعارضة وقبول تسوية جديدة

عناصر من قوات النظام السوري في جبل الشيخ بالجولان يوم أول من أمس (أ.ف.ب)
عناصر من قوات النظام السوري في جبل الشيخ بالجولان يوم أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

تلويح روسي وسوري بقصف ريف درعا

عناصر من قوات النظام السوري في جبل الشيخ بالجولان يوم أول من أمس (أ.ف.ب)
عناصر من قوات النظام السوري في جبل الشيخ بالجولان يوم أول من أمس (أ.ف.ب)

حلّقت طائرات حربية سورية جنوب البلاد للضغط على فصائل معارضة غربي درعا، لأول مرة منذ توقيع اتفاق أميركي - روسي في منتصف 2018، بعد تهديدات روسية لمعارضين بقصف ريف درعا إذا لم يوافقوا على شروط التسوية بإبعاد مسلحين إلى شمال غربي البلاد، ذلك لأول مرة منذ توقيع اتفاق أميركي - روسي في منتصف 2018.
وقال: «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، إنه رصد تحليقاً لطائرات حربية تابعة للنظام السوري في أجواء الريف الغربي لمحافظة درعا، في حادثة هي الأولى من نوعها منذ استعادة النظام السوري السيطرة على درعا بشكل كامل عام 2018.
يأتي ذلك في ظل التهديدات من قبل الروس والنظام بشن عملية عسكرية براً وجواً على مناطق غربي درعا، في وقت تشهد مناطق ريف درعا الغربي هدوءاً حذراً متواصلاً بعد مهلة أعطتها القوات الروسية و«الفرقة الرابعة» التي يقودها اللواء ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري، لتهجير بعض الأشخاص من قادة وعناصر سابقين لدى الفصائل إلى الشمال السوري، أو شن حملة عسكرية ضخمة واستخدام سلاح الجو.
وقال «المرصد»، إنه رصد تضامناً شعبياً واسعاً من مدن وقرى وبلدات حوران في الجنوب السوري مع ما شهدته طفس خلال الساعات والأيام القليلة الفائتة، حيث أصدروا بيانات عدة عبّروا من خلالها عن تضامنهم معهم ورفض تهجير أي شخص إلى الشمال السوري، مهددين بمهاجمة عناصر النظام في حال نفذت قوات النظام عملية عسكرية على طفس.
وأشار «المرصد» إلى هجوم نفذه مسلحون مجهولون، على حاجز يتبع لـ«الفرقة 15» ضمن قوات النظام، على الطريق الدولية بالقرب من بلدة صيدا بريف درعا الشرقي، في وقت دارت اشتباكات بين الطرفين على إثرها ومعلومات مؤكدة عن خسائر بشرية.
وطالبت قوات النظام و«الفرقة الرابعة» مجموعة من الأعيان والوجهاء من محافظة درعا، بتسليم أو ترحيل 8 أشخاص إلى الشمال السوري خلال فترة أقصاها 72 ساعة، وتسليم السلاح في مدينة طفس؛ تجنباً لشنها عملية عسكرية عنيفة في المنطقة. ومنحت قوات النظام مهلة حتى يوم الخميس نهاية الأسبوع الحالي. وجرى الاجتماع بحضور ممثلين عن الجانب الروسي والشرطة العسكرية الروسية، التي هددت باستخدام سلاح الجو في حال لم يتم تنفيذ المطالب حتى انتهاء المهلة. وحسب شبكة «شام» المعارضة، هددت الشرطة الروسية و«الفرقة الرابعة» أعضاء اللجنة المركزية في درعا باستخدام سلاح الطيران في حال لم يتم الرضوخ لطلباتها. وقال ناشطون، إن اجتماعاً جرى بين اللجنة المركزية في درعا وضباط من «الفرقة الرابعة» في منطقة الضاحية بمدينة درعا، وبحضور ضباط من الشرطة الروسية، وتم الاتفاق على أن تقوم «المركزية» بالرد بـ«الموافقة أو الرفض» على الشروط حتى نهاية الأسبوع الحالي. وحسب مصادر، «طالب النظام بنشر نقاط عسكرية للفرقة الرابعة في محيط مدينة طفس والسماح لعناصرها بشن حملة تفتيش على مطلوبين متهمين بـالانتماء لتنظيم (داعش)»، وبتسليم جميع المباني الحكومية في مدينة طفس له.
وفي المقابل، تنسحب التعزيزات العسكرية التي استقدمتها «الفرقة الرابعة» إلى المنطقة مؤخراً وإنهاء التصعيد العسكري والاكتفاء بنشر نقاط عسكرية في أماكن يجري العمل على تحديدها لاحقاً. وبحسب «نبأ» المعارضة، فإن الوفد الروسي الذي حضر الاجتماع «كان مؤيداً للشروط التي وضعها ضباط الفرقة الرابعة ومسانداً للعملية العسكرية الأخيرة، حيث قال الضابط الروسي، إن سلاح الجو قد يشارك في الهجوم بشن ضربات صاروخية على مواقع محددة غرب درعا إذا لم يتم التوصّل لاتفاق».
كما رصد «المرصد» أمس، ارتفاع حصيلة الخسائر البشرية جراء الاشتباكات الأعنف في درعا منذ سيطرة النظام السوري على المحافظة عام 2018، والتي شهدتها مدينة طفس، حيث ارتفع تعداد قتلى قوات «الفرقة الرابعة» إلى 11، قتلوا جميعاً جراء اشتباكات مع مقاتلين سابقين ضمن فصيل «فجر الإسلام» بقيادة خلدون الزعبي بعد هجوم فاشل لـ«الفرقة الرابعة» على مقرات لـ«فجر الإسلام» الذين رفضوا مطالبات «الفرقة الرابعة» بتسليم السلاح الثقيل والخروج إلى الشمال السوري، عقب الأحداث الدامية التي شهدتها طفس في 13 الشهر الحالي.

شرق الفرات

على صعيد آخر، قال «المرصد»، بأن القوات الأميركية تواصل تحركاتها المتصاعدة في الآونة الأخيرة شمال شرقي سوريا، حيث عمدت إلى استقدام تعزيزات عسكرية من مدرعات ودبابات إلى قاعدتها العسكرية في المالكية (ديريك) بريف الحسكة على مقربة من الحدود السورية – التركية. كما سيرت القوات الأميركية دورية منفردة على الشريط الحدودي في المنطقة وهي تحركات جديدة عليها، كما كانت قد استقدمت تعزيزات مماثلة إلى ذات القاعدة خلال 48 ساعة الفائتة، وسط أنباء عن نية الأميركيين إنشاء قاعدة جديدة لهم بريف المالكية (ديريك) عند مثلث الحدود السورية - التركية - العراقية.
يذكر أن تركيا سبق وهددت بشن عملية عسكرية للسيطرة على الشريط الحدودي هناك. وأشار «المرصد»، إلى أن القوات الأميركية سيرت دورية منفردة مكونة من مدرعات برادلي وعربات عسكرية، اتجهت من مطار خراب الجير جنوبي بلدة رميلان باتجاه بلدة المالكية عبر طريق عام قامشلي – المالكية وسط تحليق مكثف للطائرات المروحية مع مسار الدورية.
يأتي ذلك في إطار التحركات المتصاعدة للقوات الأميركية المنخرطة ضمن التحالف الدولي شمال شرقي البلاد، حيث أشار «المرصد السوري» في 23 الشهر الحالي، إلى أن التحالف يواصل إرسال التعزيزات نحو قواعده ضمن منطقة شمال شرقي سوريا، حيث رصد «المرصد» من 23 ديسمبر (كانون الأول) وحتى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، دخول 240 شاحنة وآلية تابعة للتحالف، تحمل معدات لوجيستية وعسكرية، دخلت من إقليم كردستان العراق على 7 دفعات إلى قواعد التحالف الدولي في تل بيدر ورميلان وقواعد أخرى بريف الحسكة وكونيكو والعمر بريف دير الزور.
إلى ذلك، أعلنت المعارضة السورية مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة خمسة آخرين جراء انفجار دراجة نارية الثلاثاء وسط مدينة تل أبيض بريف الرقة الشمالي شمالي سوريا.
وشهدت مدينة تل أبيض منذ دخول فصائل المعارضة السورية المدعومة من تركيا بداية أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019 أكثر من 10 عمليات تفجير بسيارات مفخخة ودراجات نارية وعبوات ناسفة سقط خلالها عشرات القتلى والجرحى.
ومنذ سيطرة فصائل المعارضة السورية المدعومة من تركيا على منطقتي تل أبيض، ورأس العين في ريف الحسكة الشمالي بعد إطلاق عملية «نبع السلام» شهدتا أكثر من 25 عملية تفجير راح ضحيتها أكثر من 300 شخص بين قتيل وجريح إضافة إلى مقتل عدد من عناصر الجيش التركي في استهداف لحواجز بسيارات مفخخة.
وذكرت وكالة الأنباء التركية الرسمية (الأناضول)، أن قوى الأمن المحلية أشارت بأصابع الاتهام إلى وحدات حماية الشعب الكردية، أكبر مكونات «قوات سوريا الديمقراطية»، التي سبق ونفذت عمليات مشابهة في المنطقة. وأضافت أن الوحدات الكردية تنفذ من نقاط تمركزها في مدينتي عين عيسى وتل تمر، عمليات ضد مدينتي تل أبيض ورأس العين الخاضعتين لسيطرة القوات التركية و«الجيش الوطني السوري».
في الوقت ذاته، تجدد القصف المتبادل بين القوات التركية والفصائل الموالية لها من جانب و«قسد» من جانب آخر على محور قريتي جهبل والمشيرفة شرق عين عيسى، قرب طريق حلب – اللاذقية الدولي (إم 4).
وكانت اشتباكات بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة بين الفصائل الموالية لتركيا و«قسد» وقعت السبت الماضي، على محاور القريتين. وقصفت القوات التركية والفصائل المنطقة بقذائف الهاون.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.