أزهار متفتحة وجنوح نحو الجديد من دون إلغاء الماضي

أسبوع الأزياء الراقية الباريسي لربيع وصيف 2015 تحت حراسة مشددة

من عرض فرساتشي
من عرض فرساتشي
TT

أزهار متفتحة وجنوح نحو الجديد من دون إلغاء الماضي

من عرض فرساتشي
من عرض فرساتشي

طقس بارد.. أمطار متساقطة وحراسة مشددة، هكذا بدأ أسبوع باريس للهوت كوتير لموسمي الربيع والصيف المقبلين. هل هذا يعني أن الحماس كان قليلا والتذمر كثيرا؟. لا أبدا فالطقس كان متوقعا بحكم أننا في شهر يناير (كانون الثاني)، والحراسة المشددة، مفهومة بعد الأحداث التي شهدتها باريس مؤخرا، ما جعل الكل مستعدا لكل الاحتمالات والتغييرات، بما فيها فكرة حمل بطاقات شخصية أو جوازات سفر لكل عرض، والوقوف لعدة دقائق إضافية في طوابير طويلة للتفتيش. الطريف أن حتى الأجهزة الإلكترونية المؤقتة التي تم نصبها في مداخل العروض بدت وكأنها إكسسوارات تراعي الموضة، كما هو الحال في عرض ديور الذي استبدلت فيه الصناديق الرمادية الخاصة بوضع حقائب اليد للتفتيش بأخرى بيضاء شفافة، حتى تشعر فيها حقائب ديور أو شأنيل أو هيرميس، التي كانت تحملها الحاضرات، بالأمان. المهم أن الكل كان متجاوبا، يركز فقط على ما سيقدمه المصممون من إبداعات وتوجهات لربيع وصيف 2015 عوض التركيز على السلبيات، ولم يخيب الأسبوع الآمال منذ اليوم الأول، الذي كان من نصيب دار فرساتشي.
ففي يوم الأحد مساء، قدمت الدار الإيطالية عرضها الذي عادت فيه إلى ما تتقنه أكثر من غيرها: الإثارة الأنثوية والاعتماد على عارضات سوبر. كانت الفساتين طويلة تعانق الجسم وتكشف أجزاء استراتيجية منه لتبرز جمالياته معتمدة على عارضات أربعينيات وثلاثينيات، مثل إيفا هيرزيغوفا وأمبر فاليتا عوض عارضات صغيرات بمقاسات صبيانية، بينما جلست النجمة غولدي هون وابنتها كايت هادسون جنبا إلى جنب، وكأن دوناتيلا فرساتشي تريد أن تقول إنها تتوجه إلى الأمهات وبناتهن بنفس القدر، وبأن الجمال لا يعترف بزمن، علما بأنها هي نفسها تبلغ من العمر 59 عاما. أول ما يتبادر إلى الذهن عند النظر إلى هذه التشكيلة أن المصممة لم تحاول تغيير جلدها وظلت وفية لأسلوبها رغم أنه أوقعها في فترة من الفترات في مطبات عويصة، لم تتجاوزها إلا في السنوات الأخيرة. عوض أن تركب موجة الهادئ والرومانسي الوقور، ظلت متمردة تستعمل لغة حسية صارخة، قد تفتقد إلى بعض الشاعرية أحيانا، إلا أنها تنجح دائما في شد الانتباه وكسب قلوب نساء يعشقن لفت الأنظار. الأغنية التي صاحبت المجموعة الأخيرة، كانت معبرة جدا وتلخص فكرة العرض، فهي أغنية «سيكشوال هيلينغ» للمغني مارفن غاي، تهادت على نغماتها عارضات في فساتين تقطر أنوثة وبخطوط، قد تكون بسيطة ومتوقعة، إلا أنها لا تخلو من فنية. تجلت هذه الفنية في أشكال هندسية ظهرت كمثلثات على الصدر أو كأشكال بيضاوية تتعرج وتتماوج في أجزاء أخرى، وشرحت دوناتيلا بأنها اعتمدت فيها «على التفنن في القص وتتبع تقاطيع جسد المرأة.. عندما بدأنا تصميم التشكيلة، طلبت أن لا تكون الخطوط مستقيمة على الإطلاق، بل أن تكون كل جزئية منحنية وملتوية إلى حد ما».
استهلت العرض بتايور أسود ضيق يتتبع تضاريس الجسم ويبرزها بشكل لا تتقنه سوى فرساتشي، خصوصا أنه كشف عن أجزاء استراتيجية من الجسم، مثل فتحة في بنطلون أو ياقة صدر مفتوحة بشكل كبير، لتبقى المجموعة الموجهة للمساء والسهرة أكثر جمالا، لأنها عادت بنا إلى أمجاد الدار، وما رسخته في الذهن منذ الثمانينات: فساتين بألوان متوهجة مثل الأحمر والأصفر والأزرق، تلتف حول الجسم وتتماوج مع كل حركة لتؤكد ما قالته دوناتيلا بأنها كانت تريد تصاميم بانحناءات تتبع الجسد وتعانق تضاريسه وتعرجاته. والنتيجة أن بعض هذه التصاميم ظهرت وكأنها وشم أو لوحات فنية تخاطب شريحة جديدة من زبونات الهوت كوتير، ربما يكن استعراضيات لكنهن حتما يتمتعن بإمكانات عالية وثقة أعلى بالنفس. مثل الكثير من المصممين تعرف دوناتيلا أن الأنوثة تبيع لأنها عملة من ذهب، وما يفرقها عن غيرها أنها أكثر جرأة في الاعتماد على هذه الأنوثة وتوظيفها بشكل صريح وواضح من دون أي تمويه أو التفاف، ربما لأنها تشعر بأن كونها امرأة يعطيها الحق في اللعب على هذا العنصر أكثر من غيرها.
في دار ديور، كان الإيقاع مختلفا، حيث عاد مصممها راف سيمونز الماضي إلى الماضي ليكتب الحاضر والمستقبل من خلال أزياء عصرية تخاطب شريحة مختلفة من زبونات الهوت كوتير عن تلك التي خاطبتها دوناتيلا فرساتشي. زبونات صغيرات السن وسيدات أعمال شابات يرغبن في أزياء يستعملنها في كل الأوقات وليس فقط في المساء والسهرة. وهذا ما فهمه المصمم البلجيكي الأصل وقدمه لهن في هذا العرض، مؤكدا أنه بدأ يمسك بزمام الأمور وبتلك الخيوط الرفيعة التي تفصل الماضي بالمستقبل. منذ اللحظة التي تدخل فيها القاعة المنصوبة بداخل متحف رودان، الذي يخضع حاليا لترميمات، تطالعك غابة من الأعمدة الملتوية المصنوعة من الصلب، تتشعب وتتعالى لتشكل طابقا ثانيا قادرا على استيعاب الحضور، وتشعر بأن القديم والمستقبلي سيتزاوجان في هذا العرض. فالمصمم، ورغم الديكور شبه المستقبلي، لا يمكن أن يتجاهل ماضي الدار ورومانسيته، التي تُبنى عليها. وهذا ما كان، فقد ترجمه راف سيمونز بأسلوب حداثي تظهر فيه لمسات الأنامل الناعمة التي سهرت على تنفيذ كل تفاصيله، سواء من خلال التطريزات الدقيقة، أو الإضافات الأخرى على الأكمام أو الصدر وحتى على الأحذية العالية. بعض القطع تُذكر بتقنية الـ«باتشوورك» القديمة، من حيث استعمال أقمشة مختلفة وألوان متنوعة في القطعة الواحدة، لكن شتان بين باتشوورك أيام زمان، وما قدمه راف سيمونز سواء في فساتين قصيرة تستحضر حقبة الستينات، أو في تنورات «ميدي» مستديرة تذكرنا بأسلوب الراحل كريستيان ديور، وغيرها، فهذه تتكلم بلغة عصرية محضة، وليس أدل على هذا من المعاطف البلاستيكية الشفافة، التي أعطت الصورة بعدا غنيا عندما غطت فساتين تبرق بالخرز والأحجار أو من الدانتيل. في السابق، لم نكن نشعر بأن عودة سيمونز إلى رومانسية الماضي نابعة من قلبه بقدر ما كانت مفتعلة بإرضاء الغير، وهو ما لم نشعر به في هذه التشكيلة، وربما هذا ما يجعلها أحسن ما قدمه لحد الآن في مجال الـ«هوت كوتير» على الأقل. فقد نجح في جعل الماضي يبدو معاصرا والرومانسية حيوية، خصوصا في فساتين غطتها بليسيهات وطيات بألوان هادئة تبدو وكأنها حلوى «ميل فوي» تشعرك بالجوع والرغبة فيها حتى إذا لم تكن تحتاجها. إجمالا، بقي الإحساس برومانسية زمان خفيفا طوال العرض، يظهر حينا في تنورة رومانسية ومنفوخة من الخمسينات، وحينا في فساتين مستقيمة وقصيرة تعكس تحرر المرأة في الستينات أو في ألوان متوهجة من السبعينات تتمرد على المتعارف عليه، لكن دائما بلغة تعانق الحاضر وتشرئب إلى المستقبل وتذكرنا بأن راف سيمونز يفكر ويحسب بعقله أكثر ما يفكر بعاطفته. على العكس من تشكيلة فرساتشي التي لعبت على الحسية واستغلت الجسد إلى أقصى حد، كانت تشكيلته لديور تتمتع بجرأة مختلفة تماما، تكمن في أنها جديدة، لا تستكين للمضمون بقدر ما تستهدف جيل الشابات، قد لا تعرف الكثيرات منهن المغني ديفيد بوي، الذي صرح أنه كان مصدر إلهام له هنا، لكنهن لا يمانعن معانقة أسلوب الـ«ريترو» ما دام يخدمهن ويعبر عن طموحاتهن. وهذا ما قدمه لهن راف سيمونز بسخاء كيفا وعددا من خلال 55 قطعة بالتمام والكمال. في النهاية، تخرج من متحف رودان، بنفس الإحساس الذي دخلته به، وهو أن ديور تريد أن تمسك بمستقبل الـ«هوت كوتير» بكلتا يديها كما كانت منذ بدايتها. في الماضي مسكته بأمتار وأمتار من الأقمشة المترفة، والآن تمسكه بالبلاستيك والإكسسوارات الشهية.
يوم الثلاثاء صباحا، لم تتغير أحوال الطقس ولا الحراسة المشددة، لكن تغيرت الأجواء في «لوغران باليه» حيث تفتحت حديقة «شانيل» بالورود والأزهار، سواء في الأزياء أو في الديكور اللافت، الذي كان أول إشارة لما سيقترحه كارل لاغرفيلد لربيع وصيف 2015: باقة من الورود كمضاد لكآبة الحاضر وتأثيرات الأحداث الأخيرة. توسطت الساحة حديقة تفنن فيها مهندس أوريغامي ماهر، ويشرف على رعايتها 4 عمال، يسقيها أحدهم بطريقة تمثيلية - وما إن ينتهي من مهمته ويتوارى عن الأنظار وتتعالى الموسيقى، حتى تبدأ الأزهار والأشجار بالتفتح. يتشرنق بعضها إلى أعلى، ويتدلى بعضها الآخر إلى أسفل في حركات وكأنها رقصة باليه. لكن هذه الدراما لم تكن سوى المقدمة لقصة أكثر تشويقا حكى لنا فيها المصمم المخضرم كيف أن الهوت كوتير فن يولد من خيال خصب وتنفذه أنامل ناعمة تسهر ليالي طويلة على كل غرزة فيه، وعلى كل وردة تزين فستانا أو قبعة رأس. الصورة كانت قوية رغم أن الخطوط جاءت ناعمة وبسيطة، لأنها تعبق بنوع من الشاعرية والحيوية في الوقت ذاته، مما لا يدع أدنى شك في أن المصمم يخاطب بدوره، شريحة شابة من الزبونات العاشقات للهوت كوتير، ويقبلن عليها أيا كان الثمن، ما دامت مميزة وتحمل بصمات مصمم مبدع.
توالت الأزياء، على شكل مجموعات كل واحدة منها تحكي فصلا مختلفا، لكن دائما في نفس الإطار والمضمون. من الطبيعي أن تتمتع بعض هذه المجموعات بالأناقة أكثر من أخرى، ولعل أجملها هي تلك التي تتسم بالبساطة، أو ما يمكن وصفه بالسهل الممتنع الذي يتقنه كارل لاغرفيلد، إضافة إلى تلك التي طوع فيه الأقمشة القاسية، مثل تول الكرينولين، ليكسبها مرونة تجعلها تتحرك مع كل خطوة وكأنها حرير أو موسلين. إلى جانب القطع المفصلة بخطوط واضحة تذكرنا بأننا في حضرة قيصر الموضة، كانت هناك أيضا مجموعة منسابة تتمثل في قمصان طويلة من الموسلين تكاد تلامس الكاحل، استعمل معها تنورات بفتحات وأحزمة تركها مرتخية على الخصر وتتدلى منه بعض الشيء ليخلق إطلالة لامبالية أقرب إلى البوهيمية، يمكن أن تكون بديلا للتايورات المفصلة المكونة من جاكيتات قصيرة تكشف جزءا لا بأس به من البطن. طبعا يمكن ارتداؤها أيضا مع قمصان خفيفة بألوان باستيلية هادئة. في موسم يتبارى فيه كل المصممون على ترك بصمتهم وضمان مكانتهم،
ليس هناك أكثر من لاغرفيلد قادر على أن يجعل الهوت كوتير تبدو عصرية وشابة، وليس أدل على هذا من تايور التويد الذي ولد منذ عقود وعانقته سيدات قصر الإليزيه وجاكلين كينيدي وغيرهن من الأيقونات الكلاسيكيات، واقترحه هذه المرة بأطوال مختلفة وتصاميم ستروق لمثيلات ريهانا وبنات جيلها، وهنا تكمن عبقرية لاغرفيلد الذي لا يتوقف على إدهاشنا بطريقته في تجديد كل قطعة، مهما كان عمرها، وجعلها تبدو وكأنها ولدت للتو رغم أن الأساسيات لا تتغير أبدا.
ستيفان رولان، من جهته، قدم عرضا مميزا ومنعشا في مقر الإذاعة بالجادة الـ16 «ميزون دو لا راديو».. مميزا ومنعشا لأنه كان مختلفا يسلط الضوء عليه كمفكر وكفنان مثقف. في الموسم الماضي، قدم عرضه على شكل فيلم سينمائي مصور، وهذه المرة، استغنى عن الموسيقى وكل المؤثرات التي تصاحب عروض الأزياء وتضفي عليها الإبهار، واكتفى بأن تكون الخلفية حوارا إذاعيا يشرح فيه أسلوبه ونظرته إلى المرأة والتصميم. ولم لا ما دام مكان العرض هو مبنى إذاعة بالكامل؟. صرح ستيفان في السابق أنه يطمح إلى أن يتوسع إلى مجالات إبداعية أخرى، لأنه يؤمن بأن المصمم فنان، قد تختلف أدواته أو طريقته في استعمال هذه الأدوات للتعبير عن نفسه وخياله، لكن النتيجة دائما واحدة وهي أن يحترم موضوعه ويبرز جمالياته. طبعا موضوعه هو المرأة وأدواته هي الأقمشة، التي أعطى كل نوع منها معاني شاعرية عميقة.
فالكريب مثلا يعني الجمال اللامتناهي الذي ينسدل عن الجسم «لأنه ناعم مثل الزجاج» حسب قوله، لكن هذا الزجاج بكل نعومته وشفافيته تبلور في أشكال هندسية تُذكرنا بأن المصمم يعشق فن العمارة ويستقي منها الكثير في تصاميمه. كانت هناك أشكال هندسية تجريبية ظهرت في تنورات مستديرة تبدو وكأنها قبب، إلى جانب أخرى، كان الجديد فيها تلك الأشكال الضخمة والمستديرة التي تتميز بخفة غير معهودة ظهرت في فساتين بجوانب شفافة تكشف أكثر مما تخفي وأخرى بألوان الأبيض والبيج. كل هذه سيضيفها إلى أرشيفه الذي يتزايد موسم بعد موسم. اللافت أن اللون الأسود أيضا اكتسب خفة بفضل تصاميمه المنسابة، التي جاء بعضها تحية للمرأة الشرقية، بالنظر إلى أنها تستوحي خطوطها من العباءة. استهل عرضه بقطعة باللون الأبيض بياقة عالية وأكمام طويلة، تلتها أخرى بلون البيج المائل إلى الرمل ثم أخرى بلون الكمون وهكذا غاب الأحمر والألوان المتوهجة، وحلت محلها درجات هادئة قد يكون الهدف منها إبراز التصاميم، أو بالأحرى الأفكار التي يريد المصمم أن يشرحها ويوصلها إلى زبونته. السؤال الذي يطرح نفسه هو هل زبونته مستعدة لهضم هذا الطبق الفكري، لا سيما أن باقي المصممين يقدمون لها أطباقا أسهل لا تحتاج إلى تفكير من الماكياج إلى الحذاء؟. نفكر قليلا، ونتذكر تصريحات المصمم أن مهمته في الحياة هي أن يبرز جمال المرأة، وأن يحترم جسمها وعقلها، وبما أنه برهن أنه صادق فيما يقوله ولم يخذلها لحد الآن، فإنها ستظل تثق به سواء جنح إلى فن العمارة أو إلى فن الأوريغامي، وسواء قدم لها فستانا مطرزا بالمعادن أو تنورة مقببة شفافة أول لوحة فنية من قماش.
الحديث عن الأوريغامي يحملنا دائما إلى الشرق الأقصى، وهذا تحديدا ما قام به المخضرم جيورجيو أرماني في تشكيلته «بريفيه» لربيع وصيف 2015. كان عرضه درسا في التفصيل الذي لا يعلى عليه والتفاصيل التي يمكن أن تغير زيا بسيطا وترفعه إلى مستوى راق، حتى وإن كانت مجرد حزام يُربط على الخصر أو على الصدر. كان أيضا لوحة طبيعية تنافست فيها الأشجار مع النباتات والورود للحصول على مساحة غطت الكثير من القطع التي جاءت بألوان هادئة، تبلورت فيما بعد إلى تطريزات غنية تجسد نباتات وأوراق أغصان.
افتتح العرض بمجموعة من القطع المنفصلة شملت جاكيتات مفتوحة من دون أزرار من الحرير، تميل إلى الاتساع، بعضها مستوحى من الكيمونو، وبنطلونات أيضا واسعة وبأطوال قصيرة. بعدها قدم مجموعة خاصة بالكوكتيل والمساء والسهرة زادت بريقا وتفصيلا على الجسم، لكن مع ذلك ظلت تخاطب امرأة ناضجة إلى حد كبير، وكأن المصمم يرفض اللعب مع صغيرات السن ويفضل المرأة الثلاثينية وما فوق. لكن هذا لا يعني أن الفتاة الصغيرة لن تتفق معه أو تحترم رأيه، بل سنراها تقبل على الكثير من القطع في هذه التشكيلة، ستروضها وتجعلها تناسبها لا سيما تلك الموجهة لمناسبات المساء، والجاكيتات المطرزة والبنطلونات القصيرة، من دون أن ننسى الحزام العريض.
ليست من المبالغ فيه القول إن عرض أرماني «بريفيه»، مثل عرض شانيل، كان من أجمل العروض وربما أكثرها تسويقا أيضا، لأن المصمم يعرف زبونته جيدا ولا يخجل من أن يقدم لها ما تطمح له موسما بعد موسم من دون أن يخضها بالجديد فقط لأنه من المفترض أن يقدم جديدا. هذه الوصفة هي التي أوصلته إلى ما هو عليه اليوم، وستجعله يحتفل قريبا بمرور 40 عاما على تأسيس داره، أو على الأصح إمبراطوريته. لا يمكن الاستهانة بأهمية الموسيقى وتأثيراتها على النفس والمزاج، ناهيك بالتعبير عن الهوية الوطنية، وغني عن القول أن هذه الأهمية تزيد في عروض الأزياء، لأنها بهار ووسيلة ضرورية لا تزيد من حركة الأزياء فحسب، بل تزيد في تسريع دقات القلوب أيضا. هذا تماما ما أكده عرض إيلي صعب يوم أمس الأربعاء، عندما استعمل، ولأول مرة، إن لم تخطئ التقديرات، موسيقى عربية كخلفية لأزياء حالمة تعبق بالرقي والجمال.
في السابق كان المصمم اللبناني يحاول أن لا يربط نفسه بثقافة معينة، حتى يفرض نفسه في الساحة كمصمم عالمي، والآن بعد أن حقق هذه الغاية ولم تعد هناك حاجة تستدعي أن ينأى بنفسه عن ثقافته، ها هو يستعملها كوسيلة للمزيد من التميز عن غيره، خصوصا وأنه اختارها رحبانية بصوت فيروز.
هذه الأخيرة لم تكن العنصر اللبناني الوحيد الذي استعمله إيلي صعب بفخر في تشكيلته لربيع وصيف 2015، إذ عاد بذاكرته إلى بيروت عندما كان طفلا ثم صبيا وشابا، يحلم ويحلق بخياله إلى بعيد، لكن دائما يعود إلى بيروت الطفولة والشباب ليشحذ طاقته ويستعيد قوته. هذا ما أكده قائلا: «أعود إلى بيروت، ملهمتي، بمزيج من الحب والأمل والامتنان، إنها تمثل الحلم الذي يتوارى حينا خلف ضباب الخوف، ثم يعود بزخم أكبر ليفرض حضوره القوي الآسر، لتحتفل بالجمال والحب والحياة». يتذكر إيلي أمجاد هذه المدينة في الستينات والتسعينات «وتحضرني صور من ذاكرة المدينة عن الحفلات الاجتماعية الراقية، والاستعراضات العالمية والمهرجانات الفنية وطيف أمي بفستان حريري أسود مطبع بالخزامى مع تنورة واسعة».
وهذا ما ترجمه يوم أمس، في «باليه دو شايو» بحديقة غناء تحيطها أشجار وارفة وغنية بألوان الزيتون والسنديان، ولا يكسر سكينتها سوى زقزقات طيور لا هم لها سوى أن تعيش في سلام وطمأنينة. أما الأزياء فحدث ولا حرج، فقد جاءت في منتهى الفخامة والأناقة تتخللها لمسات عصرية واضحة. النظرة الأولى تقول إن المصمم لعب على مكمن قوته في فساتين سهرة طويلة وأخرى قصيرة مطرزة بسخاء، لكن سرعان ما تتغير هذه النظرة بعد توالي الفساتين، حيث تتضح فكرة إيلي صعب الاحتفالية ببيروت وتلك الرغبة المحمومة في الحياة والاستمتاع بكل ما تقدمه من مفاجآت، سواء ببريق الخرز والترتر، أو بالورود التي زرعها على مجموعة من الفساتين بأطوال مختلفة، يتهيأ لك أنها تحتضن أيضا فراشات تتطاير أجنحتها يمينا ويسارا مع كل حركة. رغم عودة المصمم إلى أمجاد ماضي بيروت، لم تكن هناك أي تصاميم «ريترو» بل العكس، كان لافتا أنه ضخها بجرعة عصرية قوية، حملت الحضور إلى عوالم بعيدة وسعيدة، وجعلتهم ينسون، ولو للحظات، الأخبار السياسية.



أنجلينا جولي وعيناها... هل خضعت النجمة للتجميل؟

هل خضعت أنجلينا لتدخلات تجميلية أم لا؟ هذا هو السؤال (خاص)
هل خضعت أنجلينا لتدخلات تجميلية أم لا؟ هذا هو السؤال (خاص)
TT

أنجلينا جولي وعيناها... هل خضعت النجمة للتجميل؟

هل خضعت أنجلينا لتدخلات تجميلية أم لا؟ هذا هو السؤال (خاص)
هل خضعت أنجلينا لتدخلات تجميلية أم لا؟ هذا هو السؤال (خاص)

نعم للسن أحكامها. ولكن عندما يتعلَّق الأمر بواحدة من أجمل نساء العالم، فإن هذه الأحكام لا تتوقف ولا تهدأ عند أول تغيير يطرأ على الوجه أو الجسم.

صورة عابرة التُقطت لأنجلينا جولي مع حيدر أكرمان، مصمم دار «توم فورد» في شنغهاي، تحوَّلت إلى عاصفة رقمية. لم يكن الحديث فيها عن أزيائها ولا ماكياجها. فقد بدت كعادتها بأناقة راقية، وماكياج خفيف لم يبرز فيه سوى أحمر شفاه صارخ. التركيز كله انصبَّ على تفصيل أدق يتمثل في العينين، أو بالأحرى نظرة مشدودة وقليلة الرمش، جعلت الصورة تختلف عن تلك الصورة المثالية التي ترسَّخت في الأذهان عن النجمة.

في شنغهاي ظهرت بنظرة باهتة وثابتة كانت سبب الضجة الإعلامية (غيتي)

خلال وقت قصير، انتشرت الصور مُرفقة بتعليقات متشابهة، وكأن أصحابها يتشاركون الفكرة نفسها: «هل هذه أنجلينا جولي فعلاً؟»، «هذه لا تشبهها إطلاقاً»، بينما تساءل آخرون: «ماذا حدث لعينيها؟». وسرعان ما انزلق النقاش نحو نظريات غريبة تزعم أنها «استُبدلت» أو أنها «شبيهة» ظهرت بدلاً منها، بينما ذهب البعض إلى القول إنه «تم استنساخها». اللقطات القريبة ساهمت في تغذية هذه الانطباعات؛ إذ أظهرت الإضاءة وزوايا التصوير وكأن ملامحها تغيَّرت فعلاً. الماكياج الخفيف والهادئ لم يساعد أيضاً؛ خصوصاً أن خطّاً أبيض خفيفاً يبدو مرسوماً على الجفن الأسفل ساهم في إبراز شكل العينين الجديد.

بين التفسير والمبالغة

المدافعون عنها يشيرون إلى أن القضايا الناتجة من انفصالها عن النجم براد بيت لم تُحسَم تماماً وهو ما يضعها تحت ضغوط نفسية وجسدية كثيرة (غيتي)

في مقابل هذا السيل من نظريات المؤامرة والتحليلات، ظهر اتجاه مضاد يدافع عن أنجلينا جولي، معتبراً أن ما يُرى ليس أكثر من خدعة بصرية، سببها الإضاءة وزوايا التصوير والماكياج الهادئ، بينما أشار آخرون إلى عامل الزمن. فأنجلينا تبلغ اليوم 50 عاماً، وبالتالي من الطبيعي أن تتغير ملامحها. أما فريق ثالث، فربط مظهرها بظروفها الشخصية، مُشيرين إلى الضغوط التي رافقت سنوات ما بعد انفصالها عن النجم براد بيت، واستمرار التوترات القانونية بينهما حتى الآن. هذا الإرهاق والضغط النفسي من شأنهما أن ينعكسا بشكل مباشر على ملامح الوجه والجسم. فقد فقدت كثيراً من وزنها في السنوات الأخيرة، وفقدت أيضاً دهوناً داعمة لنضارة وجهها.

فقدت أنجلينا كثيراً من وزنها في السنوات الأخيرة ما أفقدها دهوناً داعمة للبشرة (أ.ف.ب)

بين الحملات التشكيكية والدفاعية، يبرُز سؤال عما إذا كانت أنجلينا جولي قد خضعت فعلاً لعملية تجميل في منطقة العينين، وما الذي تقوله الخبرة الطبية في هذا الشأن؟

أنجلينا نفت سابقاً خضوعها لأي إجراءات تجميلية، ومع ذلك، في حال إجراء مثل هذه التدخلات، يتفق الخبراء على أن التعامل مع منطقة العين يجب ألا يقتصر على الشد والرفع؛ بل يجب أن يُراعي أيضاً الحفاظ على الوظيفة والترطيب والتوازن.

رأي الطب

تقول الدكتورة بريا أوداني، وهي جرَّاحة تجميل العيون في لندن، إن «تقييم مثل هذه الحالات من خلال الصور وحدها يظل محدوداً». ورغم أنها لا تؤكد أن أنجلينا خضعت فعلاً لعملية تجميل، فإنها لا تنفي أن بعض السمات التي يلاحظها الجمهور قد ترتبط بتدخلات تجميلية.

تطورت عمليات تجميل الجفون ومنطقة العينين وأصبحت تأخذ الصحة أيضاً في عين الاعتبار (غيتي)

وتوضح: «عندما يبدو محيط العين أكثر شداً من المعتاد، فقد يكون ذلك مؤشراً على شد مفرط للجلد، وهو ما يمكن أن يؤثر على حركة الجفن الطبيعية، بما في ذلك حركة الرمش». وتتابع: «إزالة كمية كبيرة من الجلد أو شد منطقة الجفون بشكل مبالغ فيه، قد يؤدي إلى جفاف العين، ويجعلها تبدو مشدودة بشكل غير طبيعي». وتتابع: «بعبارة أخرى، ما يلاحظه المتابعون قد لا يكون مجرد تغير بصري؛ بل قد يكون تغيراً وظيفياً أيضاً. فمنطقة العين شديدة الحساسية، وأي تغيير -مهما كان طفيفاً- يبدو ملحوظاً للغاية، وهذا تحديداً ما يخلق ذلك الانطباع الغامض الذي يبدو فيه الوجه مختلفاً، مع صعوبة تحديد السبب بدقة».

أما لماذا يتحدث الجميع عن حالة أنجلينا جولي؟ فتجيب بريا أوداني بأن السبب يعود إلى أن «منطقة العين هي أول ما يلاحظه الناس، وأي تغيير فيها -وإن كان مجرد اختلافات بسيطة في نسيج الجلد أو الترطيب أو الحركة- قد يجعلها تبدو مختلفة».

وهي في أوج تألقها عام 2024 بمجوهرات من «بوتشيلاتي» (بوتشيلاتي)

وتُضيف بريا أوداني أن عدداً من التقنيات الحديثة بات يكتسب شعبية أكبر من الإجراءات التقليدية التي تقوم على قص جزء من الجفن، مثل «Morpheus8» التي تساعد على شدّ الجلد وتحسين جودته حول العينين، مع الحفاظ على الحركة والتعبير الطبيعي، وتقنية «Lumecca» التي تعتبرها فعَّالة بشكل خاص في تحسين التصبُّغات ومنح المنطقة إشراقاً واضحاً على كامل الوجه عموماً، والعينين على وجه الخصوص، من دون تغيير بنيتهما. أما تقنيات أخرى –مثل «Envision»- فتدعم صحة العينين نفسها، من خلال تحسين الترطيب والتعامل مع الجفاف، وهو أمر أساسي؛ ليس فقط للراحة؛ بل أيضاً للمظهر.


جوائز الموضة العربية... بوابة نجاح أم مجرد حافز مؤقت؟

الفوز بالجائزة ليس مادياً فحسب بل هو مفتاح للتعرف على أسماء كبيرة في مجالات إبداعية شتى (فاشن ترست أرابيا)
الفوز بالجائزة ليس مادياً فحسب بل هو مفتاح للتعرف على أسماء كبيرة في مجالات إبداعية شتى (فاشن ترست أرابيا)
TT

جوائز الموضة العربية... بوابة نجاح أم مجرد حافز مؤقت؟

الفوز بالجائزة ليس مادياً فحسب بل هو مفتاح للتعرف على أسماء كبيرة في مجالات إبداعية شتى (فاشن ترست أرابيا)
الفوز بالجائزة ليس مادياً فحسب بل هو مفتاح للتعرف على أسماء كبيرة في مجالات إبداعية شتى (فاشن ترست أرابيا)

ما تأثير جوائز الموضة على المصممين الشباب؟ وهل يمكن أن تكون مفتاح النجاح في عالم الأزياء والإكسسورات؟. هذه وأسئلة أخرى تتردد كثيراً ومنذ زمن طويل، والتاريخ يُجيب أن الموهبة، مهما بلغت فرادتها وجذوتها، تحتاج في الكثير من الأحيان إلى دفعة خارجية، إن لم تفتح لها الأبواب على مصراعيها، فعلى الأقل تضعها على الطريق الصحيح للانتشار والاستمرار. ولعلّ تجربة الراحل إيف سان لوران خير دليل على ذلك. فهل كان بإمكانه أن يبلغ ما بلغه من مجد لولا مشاركته في مسابقة الصوف الدولية؟. يكاد لا يختلف اثنان على أن فوزه بها كان نقطة تحوِّل حاسمة فتحت له أبواب دار «كريستيان ديور» في البداية، ومهَدت الطريق لتفجير عبقريته لاحقاً.

يوسف دريسي لدى تلقيه جائزة «فاشن ترست أرابيا» عن فئة الملابس الجاهزة (فاشن ترست أرابيا)

القصة ذاتها تكررت مع أسماء أخرى، مثل مصمم القبَّعات الشهير، فيليب ترايسي، الذي حصل على فرصته الذهبية حين دعمته الراحلة إيزابيلا بلو وقدّمته للعالم، والثنائي برونزا سكولر، جاك ماكولو ولازارو هيرنانديز، اللذين حلَّقا للعالمية بعد فوزهما بجائزة صندوق CFDA/فوغ للأزياء في عام 2004، التي وفَّرت لهما دعماً مالياً وإرشادياً. وعلى النهج ذاته استفادت الفرنسية مارين سيري من جائزة «إل في آم آش للمصممين الشباب» في عام 2017، واستطاعت منذ ذلك الحين تطوير علامتها الخاصة، وكذلك الراحل ألكسندر ماكوين وكيم جونز اللذان استفادا من مبادرة «نيو جين» التابعة لمجلس الأزياء البريطاني.

كذلك الحال مع المصممة غرايس وايلز بونر التي فازت بها في عام 2016. أما مبادرة «فاشن إيست» فخرَجت أسماء عديدة نذكر منها جوناثان أندرسون، الذي قدَّم أولى مجموعاته ضمن برنامجها قبل أن يؤسس علامته الخاصة ويتولى لاحقاً الإدارة الإبداعية لدار «لويفي» ثم «ديور». أما مصمم دار «سان لوران» الحالي أنطوني فاكاريللي وقبله المصمم البلجيكي مارتن مارجيلا فكانا من بين المستفيدين من جائزة «أندام للموضة».

لائحة طويلة من الأسماء يصعب حصرها، تؤكد أن الدعم الخارجي، مفتاح يفتح الأبواب أمام مواهب كان من الممكن أن تُضيعها أو تُغيِبها قلة الحيلة.

مبادرات الوطن العربي

مصمم دار «ديور» جي.دبليو أندرسون مع مجموعة من المرشحات لجائزة «فاشن ترست أرابيا» قبل إعلان النتائج (فاشن ترست أرابيا)

في العقد الأخير، بدأت ملامح مشهد مشابه تتشكَل في العالم العربي، حيث ظهرت مبادرات وبرامج دعم أخذت على عاتقها احتضان الطاقات الشابة وتفجيرها قدر الإمكان. بعضها أينع فعلاً وبدأ يعيد رسم خريطة الإبداع في المنطقة حاملاً هويته على صدره، وبعضها يحلم بدخولها والفوز بها. فهذه المبادرات بمثابة طوق نجاة بالنسبة لهم، ليس لأنها تُقدِم جوائز قيمة فحسب، بل لأنها تشمل برامج إرشاد متخصصة وفرص الظهور الإعلامي، إضافة إلى فتح قنوات التواصل مع المشترين والمستثمرين ودوائر صناع القرار في القطاع. أمور يصعب تحقيقها في البدايات.

نهير زين، وهي واحدة من الأسماء التي ظهرت في النسخة التي شملت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من مبادرة «أطلق لها العنان» التي تدعمها مجموعة «ذي بيستر كوليكشن» The Bicester Collection، تقول لـ«الشرق الأوسط» أن فوزها بالجائزة «كان لحظة حاسمة لمشروعها (لوكليذر). فبالإضافة إلى الدعم المالي الذي حصلنا عليه، اكتسبنا مصداقية لشركة نسائية صغيرة تعمل في مجال يهيمن عليه الذكور، مما ساعدنا على تطوير مادة جديدة تماماً والوصول إلى صناع القرار أو متعاونون محتملون لمشروعنا بسهولة».

وتعتبر مبادرة «أطلق لها العنان» Unlock Her Future واحدة من بين مبادرات أخرى انطلقت في المنطقة، مثل جائزة «كيرينغ جينرايشن» Kering Generation Award التي تحتفل بعامها الثاني في الشرق الأوسط بالشراكة مع هيئة الأزياء السعودية وجائزة «فاشن تراست أرابيا» Fashion Trust Arabia التي تأسست في عام 2018 وأصبحت حدثاً عالمياً.

فاشن ترست أرابيا:

تانيا فارس مع إحدى المرشحات لجائزة «فاشن ترست أرابيا» (غيتي)

تقول تانيا فارس، الشريكة والرئيسة المشاركة في تأسيسها: «عندما أطلقنا (فاشن تراست أرابيا) قبل أكثر من سبع سنوات، وضعنا نصب أعيننا أن نخلق فرصاً حقيقية لمصممين من منطقتنا حتى تحظى أعمالهم بالتقدير المُستحق على الساحة العالمية. فنحن لا نفتقر إلى المواهب، بل فقط إلى منصات تدعمها وتُخرج ما لديها من إمكانات ومهارات. واليوم، وأنا أنظر إلى ما تحقق، أشعر بفخر كبير بالمسيرات التي ساهمنا في تشكيلها وبالأصوات التي دعمناها». وتضيف: «إن الإبداع وعمق المواهب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا يتوقفان أبداً عن إلهامي».

راما دواجي مع زوجها زهران ممداني في حفل التنصيب بمعطف من تصميم سينثيا مرهج مؤسسة علامة «رينيسونس رينيسونس» (أ.ب)

لحد الآن لعبت هذه المبادرة دورا محوريا في تعزيز مسارات مصممين من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عبر منح مالية تتراوح بين 100 ألف و200 ألف دولار إلى جانب برامج إرشاد تمتد لعام كامل وعرض أعمالهم في متاجر كبيرة ومواقع تسوق إلكترونية مهمة مثل «هارودز» و«أوناس» وهو ما لا يمكن لمصمم مبتدئ الحصول عليه بمجهوده الخاص في وقت وجيز.

من بين الأسماء التي تخرجت في هذه المبادرة وأصبح لها باع على المستوى العالمي، سينثيا مرهج، مؤسسة علامة «ريناسونس ريناسونس« التي ارتدت لها سيدة نيويورك الأولى راما دواجي معطفاً مبتكراً في مناسبة تنصيب زوجها زهران ممداني عمدة، وياسمين منصور وزياد أبو العينين وأندريا وازن وليلى روكني ويوسف دريسي ومحمد بنشلال وغيرهم كُثر.

حلَّق اسم محمد بنشلال عالمياً بعد إعجاب ملكات ونجمات بفنيته الهندسية (غيتي + قطر كريياتس)

محمد بنشلال، مثلاً، وهو مصمم مغربي-هولندي فاز بجائزة «فاشن ترست العربية» (2021) وقبلها بجائزة «فوغ» للأزياء (2020)، أصبح اسماً عالمياً تقام له المعارض وتظهر الأميرات والملكات بتصاميمه. ملكة هولندا ماكسيما واحدة من أكثر المعجبات بتصاميمه الهندسية. رغم ما يحققه محمد بنشلال من نجاحات حالياً لا ينسى أنه يدين بالكثير للجائزة. يقول: «كان فوزي بها نقطة تحول بالنسبة لي، لأنها ساعدتني على الجمع بين الأزياء والفن، وفتحت أمامي آفاقاً جديدة لفهمهما كمساحة إبداعية واحدة، ما قادني لتحقيق هدف مفصلي آخر حلمت به طويلاً وتمثَّل في أول معرض فردي لي في المتحف الوطني في قطر... كان هذا حلماً لم يكن ليتحقق لولا الزخم والدفع المعنوي اللذين وفرتهما لي هذه الجائزة».

من تصاميم ياسمين منصور (ياسمين منصور)

من جهتها، عبَرت ياسمين منصور، الفائزة بجائزة النسخة السادسة من ذات الفعالية على امتنانها لهذه المبادرة كمنصة يستعرض فيها المصممون الشباب مهاراتهم، وتُوفِر لهم فرصا ذهبية للتدريب واكتساب خبرات جديدة فـ«الجوائز المالية وحدها لا تغيّر الكثير» وفق قولها. توافقها سينثيا مرهج الرأي مؤكدة لل «الشرق الأوسط» أن فوزها بالجائزة كان مفصليا في مسيرتها، من ناحية تعزيز علاقتها بإرثها وتقريبها من جذورها: «لقد جاءت في وقت كنت قد أطلقت علامتي للتو، وانتقلت إلى لبنان. كنت حينها في أمس الحاجة لمساحة مريحة تتيح لي الانغماس في ثقافة بيروت وتأسيس منظومة بيئية متكاملة مبنية على الهوية الثقافية». تتابع: «اقترابي من جذوري وتقوية إحساسي بالهوية لم يتعارض أبداً مع هدفي الأول في تقديم تصاميم عالمية».

كيرينغ للأجيال

في الجانب المتعلق بالمبادرات التي تدمج الاستدامة والابتكار ضمن رؤية أعمال المستقبل، تعد مبادرة كيرينغ وهيئة الأزياء السعودية مثالاً حديثاً على الجهود التي تبذلها علامات كبيرة لتعزيز ريادة الأعمال في قطاع الأزياء المستدامة في الشرق الأوسط عموماً والسعودية تحديداً. الجائزة تستهدف أسماء ناشئة تقدم حلولاً بيئية ومجتمعية مبتكرة، حسب ما أشار إليه بوراك شاكماك الرئيس التنفيذي لهيئة الأزياء السعودية قائلاً: «إن النسخة الثانية من جائزة كيرينغ للأجيال تعيد التأكيد على أهمية الاستدامة بصفتها ركيزة محورية لمستقبل قطاع الأزياء في المملكة. ومن خلال تمكين الشركات الناشئة بالأدوات اللازمة وفرصة الظهور التي تحتاج إليها، فإننا لا نسعى إلى تنمية المواهب المحلية والدولية فحسب، بل نساهم أيضاً في تسريع وتيرة تحول الأزياء إلى منظومة أكثر استدامة وقدرة على الصمود».

تُؤيد ماري–كلير دافو، رئيسة الاستدامة والشؤون المؤسسية في مجموعة كيرينغ قوله، مضيفة أن «توسيع نطاق الجائزة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يؤكد على قناعتنا بتحويل الإمكانات التي تتمتع بها المنطقة إلى أثر مستدام، من خلال إتاحة الوصول إلى الإرشاد، والشبكات العالمية، والفرص العملية للتوسّع».

السعودية تدخل صناعة الجمال

«أستيري بيوتي» علامة تجارية رائدة في مجال الجمال أسستها رائدة الأعمال السعودية سارة الراشد لتُعبِر عن المرأة العربية وتخاطبها (أستيري بيوتي)

من بين المستفيدين من هذه المنصة، سارة الراشد، مؤسسة علامة «أستيري بيوتي» العلامة السعودية التي «ولدت من روح المرأة العربية... قوتها، صمودها وتفردها» وفق تصريحها. كحال العديد من المؤسسين، كانت البدايات مزيجاً من الدعم والاعتماد على الذات، بالنسبة للراشد: «فبناء علامة جمال بمعايير عالمية، عملية معقدة، كان فيها الدعم المعنوي والقدرة على الصمود بأهمية الدعم المالي والتقني». الفوز بجائزة «كيرينغ للأجيال» منحها مصداقية دولية، وفتح لها أبواباً وشراكات كانت تحتاج إلى سنوات للوصول إليها واختراقها. تشرح: «قبل الجائزة كنا نعمل بهدوء وبأسلوب عملي مكثَّف. بعد الفوز لاحظنا مزيداً من الظهور والتوقعات والفرص وهو ما منحنا ثقة أكبر في إمكانياتنا، وعزَّز تلك القناعة المترسخة بداخلي أن الاستدامة والابتكار وجهان لعملة واحدة».

أطلق لها العنان

نهير زين مؤسسة «لوكليذر» المستدامة حوَّلت النباتات إلى جلود مستدامة (أطلق لها العنان)

وإذا كان أكثر ما أسعد سارة الراشد من الجائزة هو فرصة التعلم والتواصل وفهم كيف يرى القادة العالميون مفاهيم الاستدامة والابتكار وكيف يمكن لعلامة سعودية ناشئة أن تكون جزءاً من هذا النقاش، كانت جائزة أطلق لها العنان» فرصة ذهبية بالنسبة لنهير زين على المستويين المادي والتعليمي على حد سواء. فالجائزة التي تدعمها مجموعة «ذي بيستر كوليكشن» The Bicester Collection هي نقطة تلاقي التمكين الاجتماعي والنسوي، حيث تُسلَط الضوء على رائدات الأعمال المبدعات في المنطقة عبر تمويل يصل حتى 100 ألف دولار ودعم أكاديمي وإرشاد من خبراء عالميين. الفرق هنا أن المبادرة لا تقتصر على المنطقة العربية وحدها، بل تنتقل كل عام إلى وجهة عالمية تستكشف خبراتها وتكتشف مواهبها، لتربطهم بشركاء محليين ودوليين. في النسخة التي شملت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أثارت نهير زين، مؤسسة علامة «لوكليذر» Leukeather - الانتباه. فمشروعها يستخدم تكنولوجيا متقدمة لإنتاج بدائل مستدامة للجلود التقليدية خالية من البلاستيك. أما الجائزة، فكانت كل ما تحتاجه نُهير لكي يتحرك مشروعها ويتحول من مجرد أفكار على الورق إلى منتج جاهز للاستخدام فعلياً.

الهوية العربية

من علامة Born in Exile لمؤسسها معز عاشور حيث تلتقي الأصالة بالمعاصرة (معز عاشور)

ما يلفت النظر في كل هذه المبادرات أنها لم تنشأ من باب الرفاهية، بل من استراتيجية تحتفل بالهوية العربية لكن بلغة عالمية، إلى جانب ربطها التمكين الاجتماعي والابتكار المستدام ببعض. فبينما ركَّزت المبادرات العالمية سابقاً على اكتشاف المواهب الواعدة وتسريع مسيرتهم المهنية بتسليط الضوء على قدراتهم، تسعى المبادرات الحديثة إلى ربط الإبداع بقضايا أوسع، مثل الاستدامة والتمكين الاقتصادي والتمثيل الثقافي والاجتماعي.

وفي هذا الإطار أصبحت مبادرات مثل فاشن تراست أرابيا» وجائزة «أطلق لها العنان» وجائزة «كيرينغ للأجيال» وغيرها من المبادرات المشابهة، جزءاً من منظومة أوسع تحاول إعادة تعريف دور صناعة الموضة في المنطقة العربية كقطاع قادر على إحداث تأثير إيجابي على مستويات عدة.


أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.