موسكو تعزز «ترسانتها» في الحرب الإعلامية مع الغرب

عبر توسيع النشاط الموجه إلى الخارج والتضييق على «المنصات المعادية»

موسكو تعزز «ترسانتها» في الحرب الإعلامية مع الغرب
TT

موسكو تعزز «ترسانتها» في الحرب الإعلامية مع الغرب

موسكو تعزز «ترسانتها» في الحرب الإعلامية مع الغرب

لم تكن موسكو بحاجة إلى مشاهد اقتحام الكونغرس الأميركي لتتوج حملتها الإعلامية القوية ضد «الديمقراطية الغربية التي سقطت في الامتحان»، في إطار تمجيد مظاهر «انتهاء هيمنة الأنجلوسكسونية»... فضلا عن الكثير من العناوين الرنانة المماثلة، التي حفلت بها وسائل الإعلام والمنصات الرقمية الروسية على مدى الأسابيع الأخيرة. إذ يكاد متابع وسائل الإعلام الروسية يظن أن الحدث الأميركي داخلي بامتياز، فالتغطيات لم تقتصر على نقل المعلومة أو الخبر، مع إضافة بعض «البهارات» التي تعد بـ«انتهاء أميركا التي عرفناها» بقدر ما كانت موجهة لعقد مقارنات، وتوجيه تحذيرات من «دعاة الليبرالية والديمقراطية» الروس، مفادها أن «هذا ما كانوا يحاولون دفعنا إليه».
لذلك لم يكن غريباً أن تظهر عناوين لافتة حملت قدرا كبيرا من التشفي، ومن الاستعجال في توجيه الرسائل التي تستغل الحدث، مثلما فعلت واحدة من كبريات وسائل الإعلام الروسية عندما وضعت عنوانا مثيرا لملف تغطياتها للحدث: «الأميركيون هبوا ضد النظام» في استخدام مقصود، تم تحريفه قليلا لشعار «الربيع العربي» المعروف. لكن هذا المزاج الإعلامي كان متوقعاً في روسيا، التي تخوض خلال السنوات الأخيرة «حرباً إعلامية» واسعة النطاق، تشكل واحدة من تجليات الشكل الجديد لـ«الحرب الباردة».
وفي مقابل الاتهامات الغربية المتواصلة لروسيا بتوجيه حملات إعلامية مكثفة تستهدف التأثير على مزاج الناخبين في بلدان أوروبية أو في الولايات المتحدة، بالتوازي مع شن «جيش إلكتروني روسي» هجمات سايبرانية لا تتوقف خلال السنوات الأخيرة، فإن موسكو تشكو بدورها من أنها تتعرض للحرب الإعلامية الغربية التي تهدف إلى تشويه سمعتها.
ومنذ عام 2016 تصاعدت المواجهة الإعلامية بقوة بين روسيا والغرب، على خلفية اتهام موسكو بالتدخل في الانتخابات الأميركية. وفي خريف عام 2017 طالبت وزارة العدل الأميركية مكتبي قناة «آر تي» (روسيا اليوم) ووكالة «سبوتنيك» في الولايات المتحدة بالتسجيل رسمياً بصفة «عملاء أجانب» بموجب القوانين الأميركية. وجاء هذا الطلب على خلفية الحديث عن علاقة بين قناة «آر تي» والجنرال مايكل فلين المستشار السابق للرئيس دونالد ترمب لشؤون الأمن القومي، فضلاً عن تقرير للاستخبارات الأميركية اتهم القناة بأنها «وسيلة الدعاية الرئيسية الدولية للكرملين». أيضاً اتهمت وزارة العدل الأميركية وسائل الإعلام الروسية ببث أخبار كاذبة بهدف التدخل في السياسة الأميركية الداخلية.
وفي مايو (أيار) عام 2017 اتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شبكة «آر تي» ووكالة «سبوتنيك» بأنهما «نشرتا أكاذيب تخص شخصي وحملتي الانتخابية، ولم تتصرفا كوسائل إعلامية بل كوسائل دعائية وتأثير سياسي، لذلك تم منعهما من الدخول إلى مقري الانتخابي». وفي بريطانيا، كذلك، اتهمت مؤسسة تنظيم الإعلام «أوفكوم» قناة «آر تي» بخرق قواعد الحياد في العديد من البرامج التي بثت بعد تسميم الجاسوس المزدوج سيرغي سكريبال وابنته في بريطانيا.
في المقابل، اتهمت مرغريتا سيمونيان، رئيس تحرير شبكة «آر تي»، الولايات المتحدة بأنها «تمارس الكذب إعلامياً». وردت السلطات الروسية بتعديلات أقرها البرلمان على قانون الإعلام، تتيح لوزارة العدل الروسية تسجيل أي وسيلة إعلامية تتلقى التمويل الخارجي على قائمة «العملاء الأجانب» الروسية.

إعلام موجه إلى الخارج

بالتأكيد فإن تنامي دور الإعلام الروسي الموجه إلى الخارج خلال السنوات الأخيرة، عكس توجهاً روسياً لاستخدام كل الوسائل الممكنة في المواجهة المفتوحة مع الغرب. وظهر ذلك بوضوح منذ العام 2016 في مقالة لافتة نشرها الصحافي الروسي البارز فيتالي تريتيكوف على موقع وكالة أنباء «نوفوستي» قال فيها: «إننا نقف أمام استحقاق تحديد المهمات الرئيسة. وأهمها هو مواجهة الحرب الإعلامية والعمل لتعزيز وجود الرؤية الروسية في الخارج. في هذه المعركة أمامنا خيار واحد فقط هو الانتصار».
لكن موسكو في سياق خوضها هذه «الحرب» لم تقصر جهدها على تبني قوانين تحد من حرية تحرك وسائل الإعلام الأجنبية، في إطار التدابير الجوابية على القيود التي فرضت في أوروبا والولايات المتحدة على بعض وسائل الإعلام. بل نراها انتقلت إلى مواجهة محاولات التأثير الداخلية على بعض وسائل الإعلام المستقلة التي باتت متهمة «بالعمالة للغرب»، في سياق السعي إلى التضييق على قدرتها على التأثير داخل روسيا أو خارجها.
وفي هذا الصدد، قال السيناتور أليكسي بوشكوف إن ما يحدث هو «حرب باردة تدور رحاها ضد روسيا في مجال المعلومات». وأشار إلى أن «بعض وسائل الإعلام العاملة في روسيا جار تمويلها من موازنات حكومية في الولايات المتحدة وألمانيا ودول أخرى، غير أنه لا يصار إلى تمييزها على «تويتر» بعلامة «منشور حكومي». في حين أن هذا الإجراء ينطبق فقط على وسائل الإعلام الحكومية الروسية، ما يعني أنه يعكس درجة استخدام المعايير المزدوجة في الغرب».
تزامنت هذه الدعوة، مع إعلان هيئة الرقابة الروسية على المصنفات أن «فيسبوك» و«تويتر» و«غوغل» تضع قيوداً على الوصول إلى مواد حوالي 20 وسيلة إعلامية روسية، بما في ذلك مؤسسات كبرى مثل «نوفوستي» و«سبوتنيك» و«القناة الحكومية الأولى». وفي المجموع، وفقًا لمصادر حكومية، جرى إدراج حوالي 200 منصة باللغة الروسية على القائمة السوداء في الخارج خلال السنوات الأخيرة.
دفع هذا إلى اتساع نطاق المطالبة بوضع آليات جديدة لتعزيز قدرات روسيا في «حرب المعلومات»، بما في ذلك إنشاء منصات إلكترونية خاصة بروسيا للاستغناء تدريجياً عن خدمات المحركات ومقدمي الخدمات الأجانب. ولقد عكست هذه الدعوات مخاوف روسية من زيادة تأثير قدرات مؤسسات كبرى مثل «تويتر» و«غوغل» على اتخاذ إجراءات عقابية ضد روسيا، أو ضد المؤسسات أو الشخصيات الحكومية الروسية، لا سيما بعدما أغلق «تويتر» أخيراً حساب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب. وحول هذا الشأن، قال مقدم البرامج التلفزيونية الروسي فلاديمير سولوفيوف إن «التطورات تظهر أن روسيا بحاجة ماسة إلى منصات الإنترنت الخاصة بها، وإلا فإننا سنشهد خلال الانتخابات المقبلة لمجلس الدوما (مجلس النواب) هجمات إعلامية متصاعدة. وستشن «تويتر» و«فيسبوك» وشبكات اجتماعية أخرى هجمات على أولئك الذين يعلنون مواقف مناهضة لسياسات الولايات المتحدة».
وشدد سولوفيوف على أن روسيا «بحاجة إلى استخلاص النتائج مما يحدث في الولايات المتحدة». واستشهد بمثال الصين، التي تعتبر «أكثر أمناً بكثير في هذا المجال»، مشدداً أن على روسيا إنشاء برنامجها المستقل الخاص بها. وتزامن هذا مع تزايد الدعوات في روسيا أخيرا إلى فرض قيود على محركات بحث غربية مثل «غوغل»، ووسائل تواصل كبرى مثل «تويتر» و«يوتيوب».

«شبكة «آر تي»... وتأثيرها

على صعيد متصل، مع أن شبكة «سبوتنيك» الإخبارية التابعة لمؤسسة «نوفوستي» وقناة «آر تي» شكلتا رأس الحربة في الحرب الإعلامية الروسية في الخارج، فإن ثمة مؤسسات روسية عديدة تنظم حملات «البروباغندا» الروسية القوية لدى الغرب. أبرز هذه المؤسسات شبكة «روسكي مير» (العالم الروسي) و«وكالة التعاون الروسي» التابعة لوزارة الخارجية الروسية، وهما تنشطان بالدرجة الأولى في أوساط الناطقين بالروسية (في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق) وفي المناطق التي تشهد حضورا كثيفا للجاليات الناطقة بالروسية في الغرب. إلا أن الاهتمام الغربي لم ينصب عليها بعد، لكونها لا تسعى إلى مخاطبة المتلقي الغربي، بخلاف قنوات «آر تي» التلفزيونية ووكالة أنباء «سبوتنيك».
راهناً، تضم شبكة «آر تي» ثماني قنوات إخبارية ووثائقية، وبوابات معلومات ومنصات رقمية بلغات مختلفة عبر الإنترنت. وهي تمتلك أيضاً، وكالة «رابتلي» التي تقدم محتوى حصريًا للقنوات التلفزيونية حول العالم. وتبث قنوات «آر تي» الإخبارية من موسكو على مدار الساعة باللغات الإنجليزية والعربية والإسبانية. وهذا، فضلا عن قناة «آر تي دي» الوثائقية، التي تبث باللغتين الروسية والإنجليزية. في حين تبث قناة «آر تي أميركا» من مكاتبها في واشنطن، وهي المتهم الرئيس بالعمل على ترويج معلومات «تضليلية» بهدف التأثير على مزاج الناخب الأميركي. وللعلم، في بريطانيا وفرنسا تقدم هذه الشبكة أيضاً بثاً باللغتين الإنجليزية والفرنسية هو أساساً موجه إلى هذين البلدين.
«آر تي»، التي تحصل على تمويل مباشر من الكرملين، تقول إن لدى 700 مليون مشاهد في أكثر من 100 دولة القدرة على متابعة تغطيات قنواتها. ووفقاً لنتائج استطلاع الرأي حول موضوع الاستهلاك الإخباري أجرته شركة «ايبسوس» - الرائدة في مجال الأبحاث الاجتماعية - يشاهد بث القناة أسبوعياً نحو 100 مليون مشاهد في 47 بلداً. وفي الولايات المتحدة وحدها، يصل عدد مشاهديها أسبوعياً إلى 11 مليون مشاهد، بينما في أوروبا لديها 43 مليون مشاهد. ثم إن «آر تي» تسعى للتأثير في بلدان أميركا اللاتينية حيث يصل عدد جمهورها إلى 18 مليون.
كذلك، تحتل قناة «آر تي» المرتبة الأولى بين القنوات التلفزيونية الإخبارية غير «الأنجلوسكسونية» من حيث الجمهور عبر الإنترنت، إذ تجاوزت الزيارات الشهرية لمواقع مجموعة «آر تي» الإلكترونية أكثر من 175 مليون، وفقاً لمعطيات القناة التي تحتل نسختها العربية مكانة متميزة بين المواقع التلفزيونية الناطقة بالعربية من حيث عدد الزيارات.
أما فيما يخص شبكة «سبوتنيك» فهي حالياً اضخم وسائل الإعلام الروسية الموجهة إلى الخارج. وكانت «سبوتنيك» قد بدأت نشاطها نهاية العام 2014، وهي تضم حاليا شبكة واسعة تقدم محتوى إعلامياً بـ32 لغة أبرزها الروسية والإنجليزية والعربية والإسبانية والصينية والألمانية والفرنسية.



«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.


الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».