بلجيكا: تطرف الشباب المسلم أبعد من المناطق العشوائية

تعد أكبر مساهم في عدد المقاتلين الأوروبيين المتجهين إلى سوريا

انتقل تركيز التحقيقات بشدة إلى بروكسل وخصوصا حي مولنبيك وهو حي توجد فيه نسبة كبيرة من المهاجرين مع وجود 22 مسجدا معروفا للمسؤولين المحليين (نيويورك تايمز)
انتقل تركيز التحقيقات بشدة إلى بروكسل وخصوصا حي مولنبيك وهو حي توجد فيه نسبة كبيرة من المهاجرين مع وجود 22 مسجدا معروفا للمسؤولين المحليين (نيويورك تايمز)
TT

بلجيكا: تطرف الشباب المسلم أبعد من المناطق العشوائية

انتقل تركيز التحقيقات بشدة إلى بروكسل وخصوصا حي مولنبيك وهو حي توجد فيه نسبة كبيرة من المهاجرين مع وجود 22 مسجدا معروفا للمسؤولين المحليين (نيويورك تايمز)
انتقل تركيز التحقيقات بشدة إلى بروكسل وخصوصا حي مولنبيك وهو حي توجد فيه نسبة كبيرة من المهاجرين مع وجود 22 مسجدا معروفا للمسؤولين المحليين (نيويورك تايمز)

عندما توجه عبد الحميد أباعود، البلجيكي المولد وابن صاحب متجر من المهاجرين المنحدرين من المغرب، إلى سوريا منذ عام للمشاركة في القتال، لم يهتم بذلك أحد، فقد كان مجرد واحد من أكثر من 20 شابا ساخطا من حي مولنبيك الشعبي في بروكسل قرروا، بدافع حب المغامرة وطمعا في الفوز بالثواب من الله، القتال في سبيل الإسلام، حسب تصورهم.
ولكن الأمر استرعى الانتباه، بعد بضعة أشهر، عندما جند أباعود شقيقه الذي يبلغ من العمر 13 عاما للانضمام له في سوريا، بعد وقت قصير من نشر مقطع فيديو شنيع يظهر فيه وهو يركب شاحنة بيك آب صغيرة تسحب كومة من الجثث الممثل بها.
من جانبها، قالت ياسمينة، أختهم الأكبر سنا: «لقد كانت صدمة كبيرة بطبيعة الحال»، في إشارة إلى رحيل شقيقها الذي لم يبلغ سن المراهقة بعد.
تصاعد هذا الشعور في الأيام الأخيرة فقط مع ظهور اسم عبد الحميد أباعود، الذي يعتقد أنه عاد إلى أوروبا، كمشتبه به رئيسي فيما تقول السلطات البلجيكية إنها عملية إرهابية وشيكة تم إحباطها من خلال غارات شنتها الشرطة في 15 يناير (كانون الثاني) على أحد مخابئ المتطرفين في شرق بلجيكا و9 منازل موجودة في حي مولنبيك.
هذه المؤامرة التي تم إحباطها هنا، والتي تأتي في أعقاب الجريمة التي ارتكبها 3 متطرفين في باريس على مدى 3 أيام، تعتبر رسالة تدق ناقوس الخطر تتلخص في أن تطرف الشباب المسلم يمتد إلى ما هو أبعد من المناطق العشوائية التي تحيط بمدينة باريس والمدن الفرنسية الأخرى.
لقد سلطت الضوء على المخاطر التي يمثلها تدفق الجهاديين السريين بشكل جعل بلجيكا أكبر مساهم في عدد المقاتلين الأوروبيين المتجهين إلى سوريا بالنسبة لعدد سكانها، وكذلك على المخاوف من الفوضى المحتملة التي قد يتسبب فيها هؤلاء المتطرفون لدى عودتهم.
ورغم تركيز الاهتمام على فرنسا منذ وقوع الهجمات في باريس والمدن الموجودة حولها مما أسفر عن مقتل 17 شخصا، فإن نسبة الشباب الذين رحلوا من أجل القتال في الخارج من هذه الدولة الصغيرة نسبيا واجهت السلطات هنا بتهديد أمني داخلي كبير ينافس الدولة التي تجاورها.
من جانبها، حذرت الحكومة البلجيكية الجديدة، في وثيقة صدرت في شهر أكتوبر (تشرين الأول)، من «خطر الحركات المتطرفة العنيفة التي تهدد بالانتشار في ربوع مجتمعنا»، وذكرت أن 350 بلجيكيا ذهبوا إلى سوريا وأن أكثر من 70 منهم عادوا للوطن مرة أخرى.
من ناحيته، أشار بيتر فان أوستاين، باحث بلجيكي يتابع عن كثب أحوال المتطرفين المتجهين من بلجيكا إلى سوريا، إلى أن العدد الحقيقي للمقاتلين البلجيكيين يقترب من 450، أي أقل من نصف العدد الذي رحل من فرنسا، ولكنه يعتبر عددا كبيرا للغاية بالنسبة لدولة يبلغ تعداد سكانها 11 مليون نسمة فقط. جدير بالذكر أنه يوجد في بلجيكا، مثل فرنسا، جالية مسلمة كبيرة تمثل أكثر من 5 في المائة من عدد السكان.
ويقول مسؤولون بلجيك إنهم لم يتوصلوا إلى وجود أي صلة بين الهجمات التي وقعت في مدينة باريس وتلك التي يقولون إنه كان يجري التخطيط لها في بلجيكا، ولكن تبقى هناك الكثير من العناصر المشتركة: التجمعات من المتطرفين في منطقة صغيرة، والحدود غير الواضحة بين مرتكبي الجرائم والعنف، ودور السجن باعتباره حاضنة للتطرف.
منذ أن قامت الشرطة البلجيكية بمداهمة أحد المنازل في مدينة فيرفييه في شرق البلاد، التي تقع قرب الحدود مع ألمانيا، يوم 15 يناير (كانون الثاني)، انتقل تركيز التحقيقات بشدة إلى بروكسل، وخصوصا حي مولنبيك، وهو حي توجد به نسبة كبيرة من المهاجرين مع وجود 22 مسجدا معروفا للمسؤولين المحليين – وهو عدد يفوق بنسبة أكثر من 4 أضعاف عدد الكنائس - وغيرها تعمل في الخفاء.
قالت فرنسوا شيبمان، رئيسة بلدية مولنبيك، إن «الشبكة التي تم تفكيكها في فيرفييه تمتد جذورها إلى مولنبيك. وهذا أمر واضح، فهم استأجروا مخبأ فقط في فيرفييه».
أضافت رئيسة البلدية أن الإرهابيين الاثنين المشتبه فيهما اللذين قتلا خلال تلك الغارة التي شنتها الشرطة «كانا، للأسف، من مولنبيك»، وهي ثاني أفقر منطقة في بلجيكا، حيث يبلغ معدل البطالة بين الشباب 40 في المائة.
من جهته، كشف مكتب المدعي العام البلجيكي، الأربعاء، بشكل جزئي عن هوية القتيلين لأول مرة، حيث قال إن أسماءهم هي سفيان .أ. وهو مواطن بلجيكي من أصل مغربي ولد عام 1988، وخالد .ب. وهو مواطن بلجيكي ولد عام 1991.
والتساؤل الآن: لماذا تفرخ مناطق معينة تحديدا هذا العدد غير المتناسب من المتطرفين العنيفين؟ هذا السؤال أصاب المحققين والعلماء بالحيرة.
يرى الباحث البلجيكي فان أوستاين بوجود عنصر مهم داخل حي مولنبيك وهو على الأرجح دور منظمة متشددة في بلجيكا تسمى «الشريعة من أجل بلجيكا» أنشئت في عام 2010 لنشر الشريعة الإسلامية ولكنها كرست جهودها بعد ذلك لتجنيد مقاتلين للسفر إلى سوريا، وهذه الجماعة نشطة بشكل خاص في مولنبيك، بحسب فان أوستاين.
وأحيل زعيم الجماعة، فؤاد بلقاسم، وهو متطرف إسلامي يبلغ من العمر 32 عاما له سجل اعتقال طويل على خلفية ارتكابه جرائم مثل السرقة والاعتداء، إلى المحاكمة في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي في مدينة أنتويرب، واتهمه ممثلو الادعاء بالانتماء لجماعة إرهابية وغسل أدمغة الشباب.
كما أحيل أكثر من 40 متهما آخر بالانتماء للجماعة للمحاكمة كذلك، معظمهم يحاكم غيابيا، لأنهم موجودون في سوريا. وكان من المفترض إصدار حكم في القضية في أوائل هذا الشهر ولكن تم تأجيل النطق بالحكم.
جدير بالذكر أن أباعود، مثل بلقاسم وأميدي كوليبالي، الذي قتل 4 يهود فرنسيين في متجر للأطعمة اليهودية في مدينة باريس، المتهم بأنه زعيم المؤامرة التي أحبطت في بلجيكا، لديه مشاكل مع القضاء وقضى وقتا في السجن، يقال إنه على خلفية اتهامات بالسرقة، قبل أن يتحول إلى التطرف.
قال مصطفى إير، مساعد رئيس بلدية مولنبيك: «لقد تبنى المنهج الراديكالي في سجن في سان جيل»، في إشارة إلى سجن موجود في جنوب بروكسل.
وفي مولنبيك، قالت رئيسة البلدية شيبمان إن السلطات لها علاقات جيدة مع مسجد الخليل، وهو أكبر مسجد في الحي، ولكن لها اتصالات ضئيلة أو معدومة مع المساجد الصغيرة، البعض منها «شبه مغلق».
وأضافت أن المثير للقلق والخوف «أماكن الاجتماعات التي لا ندري بها والتي تعمل في الخفاء».
ولكنها قللت من دور الدين في تطرف أقلية صغيرة ولكنها خطيرة، وألقت بدلا من ذلك بالمسؤولية في هذا الأمر على «شبكات التواصل الاجتماعي» بين الشباب الذين تتوثق أواصر الصداقة والإيمان المشترك بينهم بالتشدد غالبا في الشارع.
وأضافت رئيسة البلدية: «كان يمكن بسهولة أن يتعثر جميع هؤلاء الأشخاص في مستنقع الإجرام بدلا من التطرف».
وقالت ياسمينة أباعود، الشقيقة الكبرى لأباعود، وهي سيدة عاملة لا ترتدي الحجاب وتعيش حاليا في منطقة راقية في مدينة بروكسل، إن أيا من أخويها اللذين رحلا إلى سوريا أظهر أي اهتمام حماسي بالدين قبل رحيله. وأضافت: «لم يكونا يرتادان المساجد حتى». كما أنهما لم ينحدرا من خلفية فقيرة على نحو خاص. كان والدهما يمتلك متجرا وكان يعيش مع زوجته وأطفاله الستة في شقة بشارع دافيني (شارع المستقبل) الذي يقع في أحد أفضل أحياء مولنبيك، بالقرب من قناة تفصل مولنبيك عن حي بروكسل الراقي الذي يوجد به حانات ومطاعم.
ووفقا لتقرير صدر هذا الأسبوع في صحيفة «لاكابيتال»، قضى الأخ الأكبر عاما واحدا على الأقل في كوليج سانت بيير، وهي مدرسة كاثوليكية مشهورة في حي أوكل المترف، ولكن المدرسة رفضت التعليق على ذلك.
لم تذكر النيابة العامة البلجيكية بشكل علني اسم أباعود باعتباره أحد المشتبه فيهم في المؤامرة الفاشلة، التي كان أحد أهدافها الرئيسية مركز شرطة مولنبيك، لكن المسؤولين في مولنبيك وصفوه بأنه «العقل المدبر المفترض» الذي يقف وراء عملية تم إحباطها وتضم العديد من المتطرفين الذين عادوا من سوريا.

* خدمة «نيويورك تايمز»



إقالة مسؤولَين بارزَين في جهاز الأمن الأوكراني على خلفية شبهات فساد

قوات أمن خارج سكن للمجندين في ضواحي كييف (رويترز)
قوات أمن خارج سكن للمجندين في ضواحي كييف (رويترز)
TT

إقالة مسؤولَين بارزَين في جهاز الأمن الأوكراني على خلفية شبهات فساد

قوات أمن خارج سكن للمجندين في ضواحي كييف (رويترز)
قوات أمن خارج سكن للمجندين في ضواحي كييف (رويترز)

أعلن جهاز الأمن الداخلي الأوكراني (إس بي يو)، الأربعاء، إقالة مسؤولَين رفيعين ورد اسماهما في تحقيق على صلة بمراكز اتصال احتيالية.

وقال جهاز الأمن الداخلي إن رئيسه أوليكسندر بوكلاد، أعفى مسؤولَين كبيرَين في الجهاز من مهامهما بعد ورود اسميهما في تحقيق يجريه المكتب الوطني لمكافحة الفساد (نابو).

وأضاف في بيان عبر تلغرام أن بوكلاد يتوقّع إجراء تحقيق «شفاف وموضوعي ونزيه» من جانب المكتب، رغم التوتر بين المؤسستين. وتفاقم الخلاف بينهما العام الماضي بعدما حاول الرئيس فولوديمير زيلينسكي تقليص استقلالية مكتب مكافحة الفساد.

من جهته، قال مكتب مكافحة الفساد، إن أحد مسؤولي جهاز الأمن «هدد باستخدام سلاح ناري» ومنع المحققين من دخول مواقع كانوا ينفذون فيها عمليات تفتيش الأربعاء.

ووفقًا للمكتب، فإن مسؤولين كبارًا في جهاز الأمن والنيابة العامة والشرطة دفعوا رشاوى لعناصر من أجهزة إنفاذ القانون مقابل غض الطرف عن أنشطة مراكز اتصال احتيالية.

وأضاف أن عمليات الاحتيال استهدفت أوكرانيين وأجانب، وشملت بيع مخدرات وإنتاج سجائر مقلدة وعملات أجنبية مزورة.

واتهم مجموعة إجرامية مؤلفة من 12 شخصًا على الأقل بتنظيم «اعتداءات وخطف وهجمات مخطط لها».

وكانت التحقيقات دفعت المدعي العام الأوكراني رسلان كرافتشينكو إلى الاستقالة في أيلول/سبتمبر بعد تفتيش مكاتب تابعة له، علمًا أنه نفى ارتكاب أي مخالفات.

وبحسب المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ومقرها سويسرا، يوفر قطاع مراكز الاتصال الاحتيالية في أوكرانيا وظائف لنحو 60 ألف شخص، أي ما يعادل نحو ثلثي العاملين في القطاع المصرفي.

وتقدّر المبادرة أن هذه الأنشطة تدر إيرادات قد تصل إلى مليار دولار شهريًا.


زيلينسكي يأمل أن تؤدي نتائج الانتخابات الأميركية إلى المزيد من الدعم لبلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
TT

زيلينسكي يأمل أن تؤدي نتائج الانتخابات الأميركية إلى المزيد من الدعم لبلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في مقابلة أجريت معه الأربعاء، إنه يأمل في أن تؤدي المكاسب التي حققها الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفي بالولايات المتحدة إلى توفير مزيد من الدعم لأوكرانيا في حربها مع روسيا.

وذكر أنه يأمل في أن تكون التغييرات التي ستنتج عن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ العام المقبل في صالح كييف.

وأوضح: «أنا ممتن أيضاً للجمهوريين، لكن الديمقراطيين يتحدثون بمزيد من الوضوح عن دعم أوكرانيا وتقديم المساعدة لها».

وأضاف: «إنهم يتحدثون عن تجديد العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا... ولذلك، هناك أمل في أن يتشكل توازن للقوى وأن نتلقى مزيداً من الدعم».

وقال زيلينسكي إن تلقي المزيد من المساعدات الأميركية ربما يكون له تأثير على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وبذل زيلينسكي جهوداً كبيرة لتعزيز العلاقة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لا سيما بعد اجتماع شهد توتراً في المكتب البيضاوي في فبراير (شباط) 2025، عندما اتُهم الرئيس الأوكراني «بعدم الامتنان» تجاه المساعدات الأميركية.

وفي الأسابيع الماضية، اتخذ ترمب عدة خطوات تظهر محاباة لروسيا، بما في ذلك اتفاق لاستيراد الديزل الروسي وتخفيف العقوبات.

لكن من المقرر أن تُستأنف محادثات ثلاثية تقودها الولايات المتحدة مع أوكرانيا وروسيا الأسبوع المقبل، بعد توقف دام عدة أشهر.


أوروبا تستقبل نتائج «النصفية» بتفاؤل حذر... وتخشى انتقام الرئيس الجريح

السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)
السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تستقبل نتائج «النصفية» بتفاؤل حذر... وتخشى انتقام الرئيس الجريح

السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)
السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)

عندما فاز دونالد ترمب بولايته الرئاسية الثانية، استقرَّت في الأوساط الأوروبية موجة من القلق الذي كان يتراكم جراء المخاوف التي تولَّدت من إقامته الأولى في البيت الأبيض، ومن الوعود التي أطلقها خلال حملته الانتخابية وانتهت بوضع الحليف التقليدي في خانة الخصوم، والوعيد المبطّن بتقويض المشروع الأوروبي.

وعندما ظهرت النتائج الأولى للانتخابات النصفية فجر الأربعاء، وتأكدت سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي الشيوخ والنواب، سادت في المؤسسات ومعظم العواصم الأوروبية أجواء من الارتياح الحذر؛ خرج عنه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الذي يلعب بكل أوراقه في انتخابات عامة مسبقة مصيرية أواخر هذا الشهر، إذ قال: «اقترع المجتمع الأميركي، أمس، ضد السياسات التي تتسبب بالفقر، وضد الحقد والذكورية، وضد إنكار التغيُّر المناخي، وضد مزايا النخب»، ثم أضاف: «هذا ما حصل في البرازيل، والآن في الولايات المتحدة، وقريباً في إسبانيا».

ترمب وزيلينسكي على هامش قمة «ناتو» في أنقرة يوم 8 يوليو الماضي (أ.ب)

لكن العواصم الكبرى في الاتحاد اختارت عدم التعليق مباشرة على نتائج الانتخابات النصفية الأميركية، وكذلك فعلت المؤسسات الأوروبية، إدراكاً منها بأن الهزيمة القاسية التي أصابت النهج الترمبي هي رسالة احتجاج شديدة دوافعها محلية بامتياز: ضد غلاء المعيشة المطرد، وطرد مئات الآلاف من المهاجرين وإساءة معاملتهم، وتقليص الخدمات الصحية العامة، والفساد الجامح المتفشي في المحيط العائلي للرئيس، وأن فقدان الأغلبية في الكونغرس لن ينتقص من صلاحياته الواسعة جداً في السياسة الخارجية، لا، بل من المرجح أن يدفعه إلى التركيز عليها أكثر لاستعادة الهيبة التي فقدها داخلياً.

جميع الأوساط الأوروبية التي استمزجتها «الشرق الأوسط» بعد صدور النتائج النهائية للانتخابات النصفية تميل إلى الاعتقاد أن الهزيمة ستحفِّز الرئيس الأميركي على مضاعفة جهوده لإنهاء الحرب في أوكرانيا، وفتح الأبواب أمام أسرته وشركائه لمزيد من الصفقات المجزية في روسيا قبل خروجه من البيت الأبيض.

ويخشى الأوروبيون أنه لن يتردَّد في استخدام الوسائل والأدوات التي في متناوله لدفع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نحو مزيد من التنازلات الاستسلامية، مثل المعلومات الاستخباراتية الحيوية التي تزوِّد بها واشنطن القوات المسلحة الأوكرانية، وخدمة «ستارلينك» الساتلية، والأسلحة التي منذ فترة تبيعها الولايات المتحدة لكييف.

ويستبعد الأوروبيون أن ينجح الكونغرس الأميركي الجديد في دفع ترمب نحو تغيير سياسته من حرب أوكرانيا، خصوصاً ما يتعلق منها بالعقوبات المفروضة على روسيا والتي رفع كثيراً منها مؤخراً، ما لم يخرج من صفوف النواب الجمهوريين العدد الكافي من الرافضين لهذه السياسة، وينضموا إلى الأغلبية الديمقراطية الجديدة التي تعارض التخلي عن أوكرانيا في أحرج مراحل الحرب.

من اليمين: رئيس الوزراء النرويجي والرئيس الأوكراني ونظيره الفنلندي وستيف ويتكوف (أ.ب)

وكان المستشار الألماني فريدريش ميرتس صرَّح مؤخراً بأن روسيا خسرت في الشهر الماضي وحده 52 ألف جندي بين قتيل وجريح، وأن هذا «عدد غير قابل للاحتمال».

على الجبهة الأطلسية، لا يتوقع الأوروبيون مزيداً من الصدمات والمفاجآت بعد فصول الضغط الأخيرة التي تعرَّضوا لها لزيادة الإنفاق العسكري والتَّوصُّل إلى اتفاق جديد مع الدنمارك حول غرونلاند.

لكن يخشى البعض، في حال تجدُّد الهجمات ضد إيران، أن يلجأ ترمب إلى التصعيد في وجه الدول التي امتنعت، في السابق، عن فتح مجالها الجوي، أو استخدام قواعدها المشتركة، أمام المقاتلات الحربية الأميركية.

لكن أكثر ما يبعث على الارتياح في الأوساط التي تخشى من عواقب صعود القوى والأحزاب اليمينية المتطرفة على المشروع الأوروبي، وتماهيها مع أهداف استراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة التي من بينها دعم المقاومة لهذا المشروع، أن دائرة الذين يجنحون نحو الخروج من تحت المظلة الترمبية مرشحة للاتساع في المعسكر اليميني المتطرف، خصوصاً بعد سقوط أوربان في المجر، وبولسونارو في البرازيل، وبعد أن كانت أحزاب يمينية متطرفة وازنة في أوروبا، مثل «التجمع من أجل الجمهورية» في فرنسا، و«إخوان إيطاليا»، قد سلكت هذا الطريق، علماً بأن أحزاباً أخرى مثل «فوكس» الإسباني و «البديل من أجل ألمانيا» ما زالت على ولائها للرئيس الأميركي.

الاشتراكيون الأوروبيون كانوا الأكثر احتفالاً بالنصر الديمقراطي في الانتخابات النصفية الأميركية، إذ صرَّحت رئيسة الكتلة الاشتراكية في البرلمان الأوروبي، إيراتشي غارسي، بقولها: «إنها الموجة الزرقاء، وهي بداية نهاية حروب ترمب، والرسوم الجمركية غير القانونية، والاعتداءات على النظام الديمقراطي». أما الكتلة الشعبية المحافظة في البرلمان الأوروبي، فقد اكتفت بتصريح مقتضب جاء فيه: «نتيجة هذه الانتخابات كانت واضحة، والاتحاد الأوروبي جاهز للتعاون مع الكونغرس الجديد، بجناحيه، الديمقراطي والجمهوري».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)

العبرة الرئيسية التي يخرج بها المحللون الأوروبيون من هذه الهزيمة المدوية التي مُني بها الجمهوريون وترمب في الانتخابات النصفية الأميركية، هي أن الديمقراطية ما زالت حيّة في الدولة التي احتفلت هذه السنة بمرور 250 عاماً على تأسيسها، وأن النظام الديمقراطي قادر دائماً على احتواء الشطط التوتاليتاري ومنع تفشيه أو رسوخه. لكن ثمة مَن يحذِّر من أن هذه الهزيمة قد تؤجِّج عند الرئيس الجريح نزعته الانتقامية المتأصلة، وتدفعه نحو مزيد من التصعيد على أكثر من جبهة.