السيسي في دافوس: معركة الإرهاب لن تثني مصر عن التحديات الأخرى

دعا الجميع إلى مراجعة نقاط تستفز مشاعر الآخرين

السيسي في دافوس: معركة الإرهاب لن تثني مصر عن التحديات الأخرى
TT

السيسي في دافوس: معركة الإرهاب لن تثني مصر عن التحديات الأخرى

السيسي في دافوس: معركة الإرهاب لن تثني مصر عن التحديات الأخرى

سلطت الأضواء في المنتدى الاقتصادي العالمي أمس على الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي حضر الاجتماع السنوي للمنتدى للمرة الأولى، وألقى خطابا رئيسيا صباح أمس، حدد فيه أولويات مصر خلال المرحلة المقبلة.
وتركزت مشاركة السيسي في الاجتماع السنوي الـ45 للمنتدى على بناء الجسور مع قيادات سياسية واقتصادية، لدعم مصر وتوضيح رؤية الحكومة المصرية للمرحلة المقبلة. وشدد السيسي على أن مصر تلعب دورها في مواجهة الإرهاب، وأن هذه «المعركة» لن تثني مصر عن جهودها لمواجهة التحديات الأخرى للبلاد، خاصة في ما يخص البطالة والمصاعب الاقتصادية.
وبدأ السيسي خطابه الذي ألقاه بالعربية بالحديث عن تاريخ مصر وشعبها، مؤكدا أن الشعب المصري «لم يتردد عن نزع شرعية من أراد أن يحرف الشخصية المصرية»، في إشارة إلى السلطة السابقة لـ«الإخوان». وأضاف أنه «من الضروري التعويل على وعي الشعوب والإنصات لها». وبهذه المقدمة، انتقل السيسي للحديث عن التحدي الأمني الذي لا يواجه مصر فحسب وإنما العالم كله، وهو الإرهاب. وقال إن الإرهاب الذي ضرب فرنسا قبل أسبوعين لا يختلف عن الإرهاب الذي يحاول تهديد مصر والمنطقة، موضحا «نفس الإرهاب يحاربنا بمحاولة فرض رؤيته»، مضيفا أن مصر والعراق وسوريا وليبيا ونيجريا ومالي وكندا وفرنسا ولبنان وغيرها من دول «تواجه نفس الآفة الذي يجب القضاء عليها أينما وجدت». وطالب زعماء العالم بالاتحاد لأن «المعركة واحدة، ونفس الإرهاب يحاربنا لفرض رؤيته». لكنه حرص على توضيح أن التصدي للإرهاب يجب ألا يكون عسكريا فقط، قائلا «علينا أن نتصدى لآفة الإرهاب بالوعي والاعتبار الواعي، بالإضافة إلى تعاوننا ثقافيا وأمنيا». وكرر السيسي طرح عدد من المسؤولين في دافوس هذا العام، قائلا إنه من الضروري «منع الإرهابيين من استخدام وسائل الإعلام الاجتماعية» لبث سمومهم.
وكان شق من خطاب السيسي مخصصا لضرورة مراجعة «الخطاب الديني»، مشددا على أن هذا التحرك ليس متعلقا بالعقيدة الثابتة للدين، بل الخطاب الديني. وقال «يتعين علينا كمسلمين أن نصلح من أنفسنا، وأن نراجع أنفسنا كي لا نسمح لقلة بتشويه ماضينا وتهديد مستقبلنا بناء على فهم خاطئ». وطالب المسلمين بأن يترفعوا «عن الانزلاق نحو التشاحن».
وقال السيسي إن مراجعة النفس والترافع في التعامل يجب ألا يكونا فقط من مهام المسلمين. وأضاف «كلنا نحتاج، ليس فقط المسلمين بل العالم كله، أن نتوقف ونراجع كثيرا من النقاط التي تستفز مشاعر الآخرين». وأضاف «إذا كنا نتحدث عن خطاب ديني جيد فيجب أن نهيئ بيئة راقية لاحترام الأديان».
وشدد السيسي على «سماحة الإسلام»، وأن صورة الدين تم تشويهها خلال العقدين الماضيين. وقال «علينا أن نتوقف.. أن نعيد تنقية خطابنا الديني الذي أدى إلى هذا التشويه. لن يحدث ذلك من دون الأزهر ورجاله، وهم المعنيون بأن يتعاملوا مع الخطاب الديني». وأضاف «لا يوجد خطاب ديني يصطدم مع محيطه والعالم.. علينا أن نراجع هذا الخطاب. لا علاقة لذلك بالعقيدة، فلا أحد يتحدث عن العقيدة الدينية، وهي راسخة وثابتة.. الحديث عن الخطاب».
وكانت قضايا الإرهاب والتطورات السياسية من ضمن مناقشات السيسي في دافوس، حيث التقى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، وغيرهما من الزعماء في دافوس. ولكنه شدد خلال خطابه على أن «المصاعب والتحديات التي نواجهها لا تقتصر على الإرهاب، ولن تثنينا معركتنا معه عن مواجهة التحديات الأخرى»، مشيرا إلى مواصلة جهود بناء مؤسسات الدولة الحديثة و«استكمال الشعب لخارطة المستقبل باختيار الشعب ممثليه»، في إشارة إلى الانتخابات البرلمانية المقبلة.
وخلال كلمته في دافوس، تحدث السيسي مجددا عن جدية بلاده بشأن إزالة العقبات أمام المستثمرين الأجانب الذين يشكلون أهمية حيوية لتقوية الاقتصاد المتعثر. وقدم السيسي «رؤية شاملة للتحديث الاقتصادي والاجتماعي» أمام المشاركين الـ2700 في دافوس، قائلا في خطابه إنها «ستؤمن حصول المصريين على فرص العمل». وأضاف أن ثروات الشعب المصري عديدة وعلى رأسها «الثروة البشرية والشباب». وتعهد السيسي بالقيام بالإصلاحات الضرورية لدعم دور القطاع الخاص «حتى ينهض بدوره»، مع تعزيز فرص المشاركة بين القطاعين العام والخاص. وأكد «لقد انطلقت جهودنا لتطبيق تلك الرؤية، مع قدرة الحكومة على تقديم الرؤية المستدامة»، بناء على عدد من المحاور الرئيسية، أبرزها «سياسة مالية رشيدة لرفع دعم الطاقة، وخفض نسبة الدين العام باتباع سياسة نقدية لمعالجة التضخم»، بالإضافة إلى رفع العقبات أمام القطاع الخاص بما في ذلك «طرح قوانين تضمن حقوق جميع المستثمرين وتحقق الشفافية والعدالة، وإعداد قانون الاستثمار الموحد. وهناك خطة عملية مستمرة لتحقيق بيئة استثمارية شاملة للارتقاء بمعدل النمو إلى 7 في المائة، وخفض البطالة إلى 10 في المائة، بحلول عام 2020». ولفت إلى أن الحكومة تعمل على «التنمية المستدامة وتحقيق العدالة الاجتماعية»، مشيرا إلى أنه «يجب عدم التغاضي عن أهمية توفير فرص العمل للشباب»، بالإضافة إلى «زيادة المخصصات المالية للتعليم والصحة لـ10 في المائة» من الإنفاق الحكومي مستقبلا.
ولفت السيسي إلى أهمية توفير المزيد من المخصصات للاستثمار في مجالات التعليم والصحة، والتي ستعتمد على تمويل جزئي من الموازنة وشق من المستثمرين، بالإضافة إلى تشجيع الصناديق السيادية. وكان هناك ترحيب عام من رجال الأعمال خاصة الأجانب بحديث السيسي عن ضرورة تحقيق الإصلاح المؤسسي وقوانين مكافحة الفساد وإعادة هيكلة نظام المعاشات. ودعا السيسي المستثمرين إلى المشروعات التطويرية في مصر، مشيرا إلى المرحلة الثانية لتطوير محور قناة السويس الثاني وفتح مجال الاستثمار في المشروع. ووجه دعوة للمشاركين في دافوس لحضور مؤتمر «مصر المستقبل» في شرم الشيخ للتعرف على المشروعات المتاحة وبيئة الاستثمار في مصر.
أما على صعيد السياسة الخارجية، فقال السيسي إن «مصر تؤكد على حرصها على الانفتاح على العالم.. وتحرص على تنفيذ التزاماتها التعاقدية والاستثمار في التعاون المثمر وتوثيق علاقاتها مع الشركاء الدوليين». ولفت إلى أن تحقيق طموحات مصر يتطلب تعاونا دوليا، قائلا «لا يمكن لأي طرف أن يحقق طموحات بمعزل عن العالم»، ليشير أولا إلى أهمية التنمية المستدامة في القارة الأفريقية، وضرورة مواجهة الفجوة المتزايدة بين الدول المتقدمة والنامية. وصرح بأن «مصر الجديدة على وعي كامل بأنها بقدر انفتاحها لتحقيق طموحات شعبها فلا بد أن تراعي وضع محيطها العربي والإسلامي والأبعد عن ذلك». وكانت هذه هي رسالة وزير الخارجية المصري سامح شكري، والوفد المرافق للرئيس السيسي في دافوس، خلال اجتماعاتهم الثانوية، ليؤكد المسؤولون المصريون على حرصهم على أوضاع المنطقة.
وكرر السيسي مرتين في خطابه «ستظل مصر ساعية لإنهاء النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي بناء على حل الدولتين، ودولة فلسطينية بحدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، باعتبار ذلك السبيل الوحيد لتنعم كل شعوب المنطقة بالأمن». وأضاف «سنعمل على حماية شعوب سوريا وليبيا والعراق واليمن.. لتحترم إرادة شعوبها العريقة في منظومة الأمن القومي».
وأوضح أن «مصر كان لها دور محوري دائما، وهي الدولة الأولى التي خطت نحو السلام مع إسرائيل. دائما هناك تصور وواقع ينتجع عن هذا التصور». وأضاف «لم يكن أحد يتصور قبل تحقيق السلام أن السلام بين مصر وإسرائيل سيكون بالشكل الذي نراه اليوم. الرسالة التي أريد أن أرسلها للعالم كله: إذا حدث بسرعة أن حققنا السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين وشجعنا عليه كلنا سيكون هناك واقع جديد في المنطقة. تصوروا لم يكن لأحد القدرة على أن يسافر في عقل ووجدان الرئيس (الراحل أنور) السادات عندما طرح السلام. السنوات أكدت صواب عقليته وصواب فكرته». وتابع «دور مصر لا نختزله فقط في أننا بذلنا جهودا لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وقطاع غزة». وأكد «من هنا مصر ستستمر في القيام بدورها وتشجع على إقرار سلام وإقامة دولة فلسطين على حدود 1967 وعاصمتها القدس، ونحن على استعداد للنظر في كل المقترحات». وأضاف «ستعمل مصر على واقع جديد لا تتصورونه في الشرق الأوسط، وستقطع الكثير من الفكر المتطرف والإرهاب في المنطقة».
وبدوره، قال الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية، عمرو موسى، لـ«الشرق الأوسط»، إن وجود السيسي في دافوس له أهداف محددة، على رأسها «انفتاح مصر» على العالم. وأضاف أنه «من بين القضايا التي يناقشها الرئيس المصري خلال مشاركته في دافوس المنتدى الاقتصادي المرتقب عقده في مارس (آذار) المقبل، ولقاءاته الموسعة لجلب المستثمرين والمهتمين إلى المؤتمر». لكنه أوضح أن الشق السياسي مهم لزيارة السيسي والوفد الرفيع المستوى المرافق له، موضحا أن «لمصر دورا مهما بالطبع في جهود حل الأزمات في المنطقة، مثل ليبيا وسوريا، وهناك حاجة لحلول عربية لهذه المشاكل وضرورة التحرك».
وردا على سؤال حول ما إذا كانت مصر منشغلة داخليا مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية والمؤتمر الاقتصادي، أكد عمرو موسى أن «الأمور تسير جيدا، ومصر تتجه إلى الانتهاء من العملية المؤسساتية الداخلية»، مشيرا إلى أن تلك التطورات لا تمنع القاهرة من الانفتاح على الخارج والتطلع للعب دورها الإقليمي المحوري.
وكان من اللافت أنه عندما قدم رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي كلاوس شواب السيسي صباح أمس، قبل إلقاء خطابه، قال شواب «لا يمكن حل المشاكل في المنطقة من دون مصر»، مضيفا أن الرئيس المصري «شخص له تأثير كبير بشأن كيفية تبلور المستقبل».

* لقطات
* أصبح فندق «إنتركونتيننتال» محور اجتماعات الكثير من الساسة، بعد أن افتتح العام الماضي ليكون فندق 5 نجوم وفخما وسط فنادق متواضعة في دافوس اعتادها المشاركون في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي.
* وزع مصرف «يو إس بي» أجهزة تقيس خطوات السير التي يقوم بها المشتركون في دافوس، لتشجيعهم على السير على الأقدام. وتعهد المصرف بتوصيل دراجة هوائية لقرى أفريقية محتاجة للمساعدة مقابل كل 6 أميال. وحتى يوم أمس، تم تسجيل سير المشاركين لمنح 838 دراجة هوائية.
* كان رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير ملاحقا من قبل الإعلام البريطاني خلال اليومين السابقين بهدف الحصول على تصريحات منه حول تقرير تشيلكوت للتحقيق بالحرب على العراق. واكتفى بلير بإصدار تصريح مكتوب والابتعاد عن الصحافيين وعدم السير على الأقدام، متنقلا مع حرس خاص في دافوس.
* تشارك الفنانة الأسترالية لينيت والورث في المنتدى هذا العام حيث تقدم عملا فنيا تسجيليا يتحدث عن معاناة اللاجئين وقدرتهم على بناء حياة جديدة في أستراليا. وبعنوان «الملاذ» شاهد المئات من المشتركين التسجيل في محاولة لشرح قضية النازحين واللاجئين.



منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)
النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)
TT

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)
النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

وقَّعت اليابان والمنظمة الدولية للهجرة (IOM)، مذكرتَي تفاهم تتعلقان بمنحة مخصصة لدعم الأوضاع الإنسانية في اليمن، وذلك في إطار مشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

وجرى توقيع المذكرتين، في جنيف بين القائم بالأعمال بالإنابة في البعثة الدائمة لليابان لدى المنظمات الدولية في جنيف، يوشيزاني إيشئي، والمدير الأول للاستراتيجية والتواصل الخارجي في المنظمة الدولية للهجرة، كيم - توبياس إيلينغ. وتبلغ قيمة المنحة نحو 840 مليون ين ياباني، (5.3 مليون دولار).

النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

وقالت السفارة اليابانية لدى اليمن، في بيان، إن هذا المشروع يأتي في ظلِّ الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يشهدها اليمن جراء النزاع المستمر منذ سنوات، حيث تستضيف محافظة مأرب، التي يبلغ عدد سكانها نحو 3.1 مليون نسمة، أكبر تجمع للنازحين داخلياً في البلاد، يقدَّر عددهم بنحو 1.8 مليون شخص، ويعيش أكثر من 60 في المائة من هؤلاء في ملاجئ طارئة أو خيام.

وأضافت السفارة: «وفق المعطيات المتاحة، يفتقر أكثر من 260 ألف نازح في المحافظة إلى خدمات الرعاية الصحية الملائمة، في حين يضطر أكثر من 50 ألف شخص إلى الاعتماد على مصادر مياه غير آمنة، مثل البرك وشبكات المياه المتدهورة».

ويهدف المشروع إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين والمجتمعات المستضيفة عبر تنفيذ عدد من التدخلات الإنسانية، من بينها إعادة تأهيل المرافق الصحية والطبية، وتطوير البنية التحتية المرتبطة بإدارة الكوارث، إضافة إلى إنشاء ملاجئ في المناطق التي تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين في مأرب.

ومن المتوقع أن يسهم المشروع - بحسب السفارة اليابانية - في تحسين الأوضاع الإنسانية في المحافظة، بما يعزِّز قدرة المجتمعات المحلية على مواجهة التحديات المرتبطة بالنزوح المستمر، مؤكدة أن تحقيق السلام والاستقرار في اليمن يمثل عاملاً مهماً لاستقرار منطقة الشرق الأوسط.

ويُنظَر إلى المشروع، الذي يستهدف تحسين الوضع الإنساني والمساهمة في تعزيز الاستقرار، بوصفه جزءاً من الجهود الرامية إلى دعم الأمن الاقتصادي في المنطقة. وأشارت طوكيو إلى أنها ستواصل العمل بالتعاون مع الأمم المتحدة والدول المعنية لدعم الجهود الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في اليمن.


تقارير حقوقية توثّق آلاف الانتهاكات الحوثية بحق اليمنيات

مسلح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بحيّ في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بحيّ في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

تقارير حقوقية توثّق آلاف الانتهاكات الحوثية بحق اليمنيات

مسلح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بحيّ في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بحيّ في صنعاء (إ.ب.أ)

سلطت أحدث التقارير الحقوقية الضوء على آلاف الانتهاكات التي ترتكبها الجماعة الحوثية بحق اليمنيات في مختلف المدن والمناطق الخاضعة لسيطرتها، بالتوازي مع تحذيرات أممية من استمرار تفاقم الوضع الإنساني والمعيشي للنساء والفتيات.

وندد المركز الأميركي للعدالة، وهو منظمة حقوقية مقرها في أميركا، في بيان بمناسبة اليوم الدولي للمرأة الذي يصادف 8 مارس (آذار) من كل عام، باستمرار الانتهاكات المُمنهجة ضد اليمنيات قمعاً وتهجيراً، مُحملاً جماعة الحوثيين التبعات الجنائية المُباشرة غير الإنسانية لتحويل النساء إلى رهائن سياسيات، كما طالب التقرير المعنيين بالعمل على بناء شبكات حماية حقيقية ومستدامة تتجاوز مربع الاستجابات الإغاثية الطارئة، وتعمل على تخفيف وطأة القيود المفروضة على النساء.

«زينبيات» يرفعن أسلحة تظهر عليها شعارات الحوثيين في صنعاء (غيتي)

وبحسب التقرير الحقوقي، فقد تحولت الانتهاكات الحوثية ضد المرأة اليمنية إلى سياسة يومية مُمنهجة، حيث تبرز هذه المنهجية القمعية للجماعة باتخاذ الاعتقال التعسفي والمحاكمات المُسيسة أدواتٍ لكسر الإرادة المجتمعية، كما هو الحال مع المُعتقلة فاطمة العرولي، مؤكداً عدم توقف آلة القمع والترهيب الحوثية عند هذا الحد، لتتسع وتشمل مصادرة الفضاء المدني عبر استمرار تغييب عدد من الناشطات وصاحبات الرأي اليمنيات.

وأشار التقرير إلى أن استمرار تقاعس المنظومة الدولية واكتفاءها ببيانات القلق إزاء الانتهاكات المُتكررة بحق النساء اليمنيات يجعلاها طرفاً متواطئاً في إطالة أمد هذه المعاناة، واستعادة الأمن الإنساني للمرأة اليمنية.

آلاف الجرائم

وثقت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» في تقرير حديث، أكثر من 5.8 ألف جريمة وانتهاك حوثي بحق المرأة في اليمن خلال 9 سنوات، شمل بعضها القتل والإصابات والاختطاف والإخفاء القسري والتعذيب، والفصل من الوظيفة والتجنيد القسري.

ورصد الفريق الميداني للشبكة نحو 5.834 انتهاكاً ارتكبتها الجماعة الحوثية بحق اليمنيات خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) 2017 وحتى نهاية 2025، في 15 محافظة، شملت: الحديدة، الضالع، تعز، حجة، ذمار، لحج، مأرب، ريمة، شبوة، إب، صنعاء، البيضاء، الجوف، صعدة، صنعاء، عمران.

وشمل بعض الانتهاكات الحوثية 1.479 جريمة قتل، و3.398 حالة إصابة، و547 حالة اختطاف وإخفاء قسري وتعذيب، و176 حالة تجنيد قسري للنساء والفتيات، من بينهن طالبات، فضلاً عن انتهاكات أخرى.

يمنية مع طفلها على جسر لعبور المشاة في صنعاء (الشرق الأوسط)

وجاءت هذه الانتهاكات في وقت لا تزال تعاني فيه المرأة في اليمن ظروفاً إنسانية ونفسية بالغة القسوة من جراء استمرار العنف الممنهج، وفقدان الآلاف من أفراد الأسرة والمنازل، إضافة إلى وجود مئات النساء اللواتي يعانين من إعاقات دائمة وتشوهات جسدية ناجمة عن الحرب.

وعلى الرغم من تطور أساليب ووسائل الحرب، يؤكد التقرير أن المرأة اليمنية لا تزال هدفاً مباشراً لهذه الجرائم، مع استمرار القصف الحوثي الذي يطول منازل المواطنين والأحياء السكنية، بما فيها المناطق البعيدة عن خطوط المواجهات.

وطبقاً للتقرير، لا تزال مُعظم النساء اليمنيات يعانين من ضيق نفسي شديد من جراء العنف المفرط وتكرار أعمال القتل والفظائع التي ترتكبها الجماعة الحوثية ضد كثير منهن، وأكد التقرير أنه لا يمر يوم دون موت أو دمار.

كما حمّل التقرير المجتمع الدولي ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة المسؤولية القانونية والأخلاقية لحماية المدنيين، وفي مقدمتهم النساء، من الإرهاب والانتهاكات التي يمارسها الحوثيون، داعياً لاتخاذ إجراءات رادعة وعاجلة لوقف هذه الجرائم وضمان مُحاسبة مرتكبيها.

تحذيرات أممية

على وقع هذه الانتهاكات، حذّرت الأمم المتحدة من تفاقم الوضع الإنساني للنساء والفتيات في اليمن، مؤكدة أن نحو 6.2 مليون امرأة وفتاة بحاجة عاجلة إلى الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي.

قيود كثيرة ومشددة يفرضها الحوثيون على اليمنيات (أ.ف.ب)

وأوضح صندوق الأمم المتحدة للسكان، في بيان له، أن تقلّص المساحات الآمنة والخدمات المخصصة للنساء والفتيات في اليمن يزيد من تعرضهن لمخاطر جسيمة، بما في ذلك العنف الأسري، وزواج القاصرات، وأشكال متعددة من الاستغلال.

وأكد البيان أن استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية يزيد معاناة النساء والفتيات، ويجعل توفير الحماية والدعم لهن أولوية إنسانية ملحّة. مُبيناً أن ملايين اليمنيات ضمن 18 مليون شخص يعانون من الجوع الحاد هذا العام، ولافتاً إلى أن 3 نساء يمتن يومياً بسبب مضاعفات الحمل، بينما يفتقد 5 ملايين امرأة خدمات الصحة الإنجابية الأساسية.


رغم القلق... «سوريّو مصر» يحافظون على طقوسهم الرمضانية

الحلويات أبرز ما يميز «رمضان السوريين» (الشرق الأوسط)
الحلويات أبرز ما يميز «رمضان السوريين» (الشرق الأوسط)
TT

رغم القلق... «سوريّو مصر» يحافظون على طقوسهم الرمضانية

الحلويات أبرز ما يميز «رمضان السوريين» (الشرق الأوسط)
الحلويات أبرز ما يميز «رمضان السوريين» (الشرق الأوسط)

على سفرة منزلها في مدينة القاهرة الجديدة بشمال العاصمة، استنسخت أسرة رجل الأعمال السوري أنس ربيع طقوس شهر رمضان التي كانت تمارسها في سوريا... من مأكولات خاصة، إلى مناكفة على مشروب «العرقسوس»، إلى الاحتفاء بالأطفال الصائمين لأول مرة.

ويقول ربيع إن استقرار جزء من عائلته في مصر أتاح استحضار العادات نفسها، وروح الشهر الدمشقية، وإضافة عادات مصرية إليها.

يقيم ربيع في مصر منذ أكثر من عقد، حيث افتتح مصنعاً للشوكولاته، وتوسَّع في عمله، وحصل على إقامة استثمارية تمكّنه من البقاء مطمئناً دون قلق، على عكس سوريين آخرين يمنعهم قلق الترحيل من الاستمتاع بالأجواء الرمضانية، نظراً لانتهاء مدة إقامتهم، سواء التعليمية، أو لزواج من حامل للجنسية المصرية، أو المسجلين لدى مفوضية اللاجئين، ووجود صعوبات في تجديدها في ظل حملة لتقليل أعداد الوافدين في مصر، بحسب مراقبين.

أحد هؤلاء هو الصحافي السوري سامر مختار، الذي رُحّل قبل أيام رغم حملة أطلقها صحافيون ونشطاء لمناشدة السلطات تجديد إقامته لمنع تشتيت شمله عن ابنه الوحيد، المصري الجنسية.

«التكريزة» و«الزفة»

تذهب التقديرات إلى أن حجم الجالية السورية في مصر يصل إلى مليون ونصف المليون نسمة، وفق ما أعلنه رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية في مصر أحمد الوكيل في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وتتشابه عادات المصريين والسوريين في شهر رمضان، من حيث تزيين المحال والشوارع استقبالاً لشهر الصوم، والإكثار من ولائم الإفطار مع الأهل، والأصدقاء، وارتباطه بأنواع معينة من الحلوى؛ غير أن ذلك لا يخلو من تفاصيل مميزة لكل شعب، فبينما يتفوق المصريون في الزينة، يتميز السوريون بالمأكولات، والمشروبات.

مطاعم سورية ملاصقة لأخرى مصرية في وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

ويبدأ استعداد السوريين لشهر رمضان بـ«التكريزة» التي يصفها ربيع في حديثه لـ«الشرق الأوسط» بأنها نزهة للعائلة قبل شهر رمضان بأسبوعين أو أقل، احتفالاً بقدوم الشهر، وتوديعاً للتنزه الذي يصعب تكراره مع روتين رمضان الخاص. ولا تزال أسرته تحرص على هذه العادة منذ استقرارها في القاهرة قبل أكثر من عشرة أعوام.

أما إن كان لدى الأسرة السورية طفل يصوم لأول مرة، فالأمر لا يخلو من إقامة «زفة» احتفالاً، وتشجيعاً.

وعن طقس «الزفة» يقول ربيع: «الطفل الذي يبلغ 7 سنوات مثلاً ويرغب في صوم رمضان، نختبره بصيام يوم النصف من شعبان؛ فإذا استطاع صيامه، صام رمضان. وعند الإفطار في أول يوم من الشهر، تنظم العائلة المجتمعة له زفة، مثل زفة العُرس، وتغدق عليه بالأموال احتفالاً به، وتشجيعاً له على الصوم».

المطبخ السوري

لطالما اشتهر السوريون بأطباقهم الشهية التي كانت مفتاحاً لقلوب المصريين. وهم يحتفون برمضان عبر قائمة مأكولات ومشروبات مميزة ترتبط بالشهر، خصوصاً الحلوى، مثل «الناعم»، وهو يشبه الخبز المقرمش مع «الدِبس».

ويحرص هيثم عثمان (31 عاماً)، وهو رجل أعمال سوري مقيم في مدينة 6 أكتوبر جنوبي القاهرة، على إحضار حلوى رمضان السورية لعائلته كل عام منذ استقروا في مصر قبل سنوات.

يقول: «العادات متشابهة إلى حد كبير، خصوصاً العزومات التي تجمع الأهل والأصدقاء طيلة الشهر».

غير أن الناشط السوري سليم سبع الليل يرى أن الحلوى السورية لم تكن متوفرة بسهولة في مصر هذا العام مع غلق الكثير من المطاعم، وعودة أهلها إلى سوريا.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «السوريون كانوا يُفضلون تناول الإفطار خارج المنزل داخل مطاعم تقدم الأكل السوري التقليدي، لكن بعضها أُغلق، ما أثر على هذه العزومات أيضاً».

حالة من القلق تسيطر على السوريين بشأن مستقبلهم في مصر (مفوضية اللاجئين)

وعن المشروبات، يقول ربيع إنها «شيء أساسي على السفرة قبل الإفطار، خصوصاً العرقسوس، والتمر هندي، والجلاب»، وهو مشروب قريب من «العنَّاب» لدى المصريين.

ويظل «العرقسوس» لدى السوريين، كما المصريين، محل مناوشات على وسائل التواصل، وداخل الأُسر كل عام، بين محب وكاره له، وكل ينتقد الآخر على ذوقه.

أما أشهر المأكولات السورية فهي «الشاكرية»، وهي لحم ضأن مطبوخ بالزبادي السوري، بالإضافة إلى «الشوربة» و«البرك»، وهي مخبوزات لا توجد في المطبخ المصري، حسب ربيع.

ويتطرق ربيع إلى عادة أخرى لدى السوريين تتمثل في الوقوف لنحو ربع الساعة أمام المساجد بعد صلاة التراويح، لاحتساء الشاي الذي يُحضره كبار العائلات في أوانٍ تحفظ الحرارة، وهي عادة ما زالوا يمارسونها في مصر.

عادات مكتسبة من المصريين

وعدَّد السوريون في حواراتهم مع «الشرق الأوسط» العادات التي اكتسبوها من المصريين في شهر رمضان، بداية من الزينة على البيوت والطرقات، وانتهاء بـ«شُنط رمضان» التي يعبئون فيها سلعاً غذائية، ويوزعونها على الأسر البسيطة.

يقول ربيع: «أصبحنا نزيّن المنزل احتفالاً بقدوم شهر رمضان، وهي عادة لم تكن لدينا في سوريا».

وعن «سلة رمضان» كما يطلق عليها السوريون، أو «شنط رمضان» الخيرية، قال عثمان: «في سوريا كانت تُوزع على نطاق ضيق. من الممكن أن يُهديها صاحب العمل للعاملين لديه. لكن في مصر تُوزع بشكل واسع على الفقراء والمحتاجين دون وجود أي صلة بين من يوزعها ومن يحصل عليها».

ويلفت إلى أنه تعلم التوسع في هذا العمل الخيري خلال وجوده في مصر.