هراري: الخطر الأكبر عندما ترفض المجتمعات مواجهة الجوانب المظلمة من تاريخها

صاحب {موجز تاريخ الانسانية} عن عالمنا المعاصر ومآله و«كورونا» التي «كشفت السياسيين»

يوفال نوح هراري
يوفال نوح هراري
TT

هراري: الخطر الأكبر عندما ترفض المجتمعات مواجهة الجوانب المظلمة من تاريخها

يوفال نوح هراري
يوفال نوح هراري

كنت ولا أزال أرى أن كتاب «موجز تاريخ الإنسانية» لج. هـ. ويلز (1922) من الكتب المهمة لقراءة التاريخ بشكل شامل وموضوعي، وتحديداً لغير المتخصصين في دراسة التاريخ.
لكنني أرى أن كتاب «العاقل» أو «الإنسان الأول» للمؤرخ وعالم المستقبليات الإسرائيلي بروفسور يوفال نوح هراري، لا يقل أهمية عن كتاب ويلز، خصوصاً من حيث التوقيت، بل ويتميز عنه بهذا التنقل السلس بين الماضي والحاضر مع تلميحات عالية الذكاء لمستقبل البشرية، وخاصة الفصل الخاص بالزراعة الذي يأخذنا فيه المؤلف إلى الخطوة الكبيرة التي اتخذتها الحضارة الإنسانية حينها، بما في ذلك العلاقة الاجتماعية بين الفلاح ومالك الأرض، ثم إلى حمورابي من بلاد ما بين النهرين (1776 قبل الميلاد) وقانونه البابلي للعدالة الاجتماعية إلى إعلان استقلال الولايات المتحدة وكتابة الدستور الأميركي في يوليو (تموز) 1776.
يجد القارئ في هذا الكتاب كثيراً من الوقائع والأحداث التي قد تواجهنا كل يوم أو نسمع أو نقرأ عنها، لكن لا يخطر لنا للتمعن في جوهرها أو أسبابها أو عواقبها المحتملة.
هنا حوار عبر الانترنت مع المؤرخ هراري حول رؤيته لتاريخنا المعاصر، ومآل التطور البشري، والتحديات التي تواجهه، وحول كتاب «العاقل» الذي ترجمه إلى العربية صلاح الفلاحي وحسين العبري، وصدر عن دار نشر «منجول» في الهند:
> لقد ذكرت أن بعض «القصص الخيالية» تمكنت من السفر عبر الأرض وعبر التاريخ، واكتسبت أتباعاً حتى يومنا هذا. في حين أن مفاهيم مثل «حقوق الإنسان» و«العدالة» و«الديمقراطية» لم تتمكن من السفر عبر الأبعاد الجغرافية والتاريخية ذاتها، وبالوتيرة والقوة ذاتها. بماذا تفسر هذا؟ وكيف يمكن تحصين عقولنا واحترامها كبشر في القرن الحادي والعشرين؟
- في الواقع، انتشرت قصص الديمقراطية وحقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم بشكل أسرع بكثير من الأديان، مثل المسيحية التي استغرقت 300 سنة كي تكتسح الإمبراطورية الرومانية و1200 سنة أخرى لتصل إلى أميركا. حتى ذلك الحين، رفض معظم العالم المسيحية. على النقيض من ذلك، في حين أنه في عام 1750 لم تكن هناك دول ديمقراطية في العالم ولم يسمع أي شخص عن حقوق الإنسان، فإن هذه المفاهيم اليوم تهيمن على السياسة العالمية، وقد ساعدت في تحرير مليارات الناس من البؤس والقمع.
وإذا تطلعنا إلى المستقبل، يجب أن نتذكر أن القصص هي أدوات. نحن نحتاج إليها لبناء المجتمعات على نطاق واسع. لكن يجب ألا نسمح لهذه القصص باستعبادنا. لنأخذ «الدول» على سبيل المثال. الدول ليست كيانات فيزيائية أو بيولوجية. هي موجودة فقط في أذهاننا. يمكن أن تكون الأمم شيئاً رائعاً، لأن الإيمان بأمة يجعل الناس يهتمون بالآخر، ويضمن تأمين صحتهم وسلامتهم وتعليمهم. لكن إذا نسينا أن الدول هي «قصص» خلقناها لمساعدة الناس، فقد نبدأ في قتل ملايين الأشخاص من أجل هذا الشيء المتخيل.
السؤال الأهم هو: «من يعاني؟» يمكن أن يعاني البشر. يمكن أن تعاني الحيوانات. لكن الأمة لا يمكن أن تعاني، حتى لو خسرت الحرب. لا عقل لها ولا تشعر بالألم أو الحزن. المعاناة هي أفضل مقياس لتقييم ما إذا كانت القصة مفيدة أم ضارة. إذا كان الإيمان بقصة ما يقلل المعاناة، فهذه قصة جيدة. إذا كان الإيمان بقصة يسبب المعاناة، فهو ضار وسيكون من الأفضل أن نغير تلك القصة.
> عطفاً على السؤال السابق، وكما تقترح في كتابك، لعب «الخيال» الدور الأكبر في توحيد البشرية وتنمية الحضارات، وهذا صحيح بالطبع. هل تعتقد أن الإنسانية، في هذه الفترة الحرجة من «الأخبار المزيفة» وتدفق البيانات، تحتاج إلى المزيد من الخيال أم إلى العلم؟
- عندما أتحدث عن التخيلات fictions، لا أقصد الكذب. أعني الأشياء التي لا توجد إلا في خيالنا. القول بأن اللقاحات تسبب التوحد هو كذبة. إن القول إنك فزت بلعبة كرة القدم بتسجيل أهداف أكثر من منافسك ليس كذبة. إنه خيال. إنها قاعدة موجودة فقط في الخيال البشري. الأكاذيب دائماً سيئة. يمكن أن تكون القصص الخيالية جيدة أو سيئة. لعب كرة القدم هو متعة كبيرة، وهذا جيد. ولكن عندما يبدأ مشاغبو كرة القدم في القتال مع مشجعي الفريق الآخر، فهذا أمر سيئ.
> تؤكد بأسى وبأمثلة حقيقية أن العلم غير قادر على تحديد أولوياته وغير قادر على تحديد ما يجب فعله باكتشافاته، لأنه محكوم بقيود سياسية واقتصادية. إلى أين سيأخذنا هذا كبشر في الحروب «البيولوجية» و«الكيميائية» و«الذكاء الاصطناعي» التي تلوح في الأفق؟ وهل ترى انتشار «كوفيد - 19» والطريقة التي تفاعلت بها الحكومات في بداية الوباء هي ناقوس اليقظة؟
- أظهرت جائحة «كوفيد - 19» القوة الهائلة لعلمنا، وكذلك ضعف سياساتنا. لقد كان نصراً علمياً مصحوباً بكارثة سياسية. تعاون العلماء من جميع أنحاء العالم للتعرف على الفيروس واكتشاف كيفية منعه من الانتشار وتطوير لقاح. السياسيون فشلوا في التعاون. بعد مرور عام على بداية الوباء، وما زلنا لا نملك أي قيادة عالمية، ولا أي خطة عالمية لوقف الوباء، أو أي خطة عالمية للتعامل مع الأزمات الاقتصادية. يجب أن يكون هذا بالتأكيد بمثابة دعوة للاستيقاظ. سيتطلب التعامل مع تغير المناخ وظهور الذكاء الاصطناعي مزيداً من التعاون العالمي أكثر من التعامل مع «كوفيد - 19». إذا لم نتمكن من التوحد للدفاع عن المصالح المشتركة للبشرية، فإن نهايتنا ستكون حتمية.
> يقول ويليام روبسون في كتابه «الحصار العظيم للتاريخ» قبل أكثر من 200 عام إن «الأحداث الأخيرة أثبتت أنه رغم أحلام الفلاسفة وآمال المحسنين، فإن الألفية لم تصل بعد؛ لا يمكن للحمل أن يرقد بسلام مع الأسد. لقد حقق العلم المعجزات في سبيل توفير وسائل الراحة والكماليات للإنسان؛ وكان للأدب والفن تأثيرهما العبقري على حياته وأخلاقه؛ وقربّت التجارة الدول البعيدة جغرافياً عن بعضها البعض بعلاقات أكثر حميمية. ومع ذلك، فإن جذور كل الشرور - المصالح والعواطف والطموحات - ما زالت نشطة في تعزيز الخلاف، كما هو الحال في أحلك فترات تاريخ العالم» هل توافقه الرأي؟ إذا كان الأمر كذلك، ففي أي فترة من التاريخ البشري استقر هذا «الشر» في روح الإنسان وهل يمكن اقتلاعه من جذوره؟
- خلال القرن الماضي حققت البشرية الكثير. العالم اليوم أكثر سلاماً وازدهاراً من أي وقت مضى. الآن ولأول مرة في التاريخ، يقتل العنف عدداً أقل من الناس من الحوادث، والمجاعة تقتل عدداً أقل من الناس من السمنة، والأوبئة تقتل عدداً أقل من كبار السن. لكن بالطبع لا يزال الجانب المظلم للبشرية موجوداً، والمخاطر أكبر من أي وقت مضى. أسلحتنا النووية قد تدمرنا. قد تؤدي التغيرات المناخية التي نتسبب فيها إلى عدم توازن النظام البيئي بأكمله. الذكاء الاصطناعي قد يخلق أسوأ الأنظمة الشمولية في التاريخ. مع الهندسة الحيوية، لدينا القدرة على تغيير القواعد الأساسية لتطور الحياة. لدينا قوة هائلة، ولكن من المشكوك فيه أن تكون لدينا الحكمة لاستخدامها بشكل صحيح.
> ذكرت في كتاب «العاقل» مثالاً عن شخص وُلد في برلين عام 1900 وعاش (افتراضاً) حتى سن المائة، ومر خلال حياته بخمسة أنظمة - آيديولوجيات اجتماعية وسياسية مختلفة؛ من إمبراطورية هونزولرن، جمهورية فايمار، الرايخ الثالث (النازية)، ألمانيا الشرقية الشيوعية إلى ألمانيا الموحدة الديمقراطية. سواء كان ذلك بسبب تطور الإدراك البشري، أو مجرد «التكيف من أجل البقاء»، هل ترى «خطراً» في ذلك؟ أقصد إمكانية التأثير وقلب آراء وقناعات العامة بهذه السرعة وجعلهم مجرد خراف؟
- لقد كانت القدرة على التكيف مفتاح نجاح جنسنا البشري. ويوضح المثال الذي استشهدت به عن ألمانيا أن المجتمعات ليست محددة سلفاً. في عام 1945، أعتقد كثير من الناس أن الألمان قد تم تكييفهم وفقاً لتاريخهم وثقافتهم وربما حتى بيولوجيتهم ليكونوا عنيفين وسلطويين. ومع ذلك، تُعد ألمانيا اليوم واحدة من أكثر الدول ديمقراطية وسلمية في العالم. لم يتطلب ذلك انتقال الألمان إلى بلد آخر أو تغيير حمضهم النووي أو التخلي عن لغتهم وثقافتهم. لكنها تطلبت من الألمان أن يكونوا صادقين بشأن تاريخهم، وأن يعترفوا بأخطاء الماضي. الخطر الأكبر ليس عندما تتغير المجتمعات، بل عندما ترفض المجتمعات مواجهة الجوانب المظلمة من تاريخها.
> ذكرت في أكثر من مناسبة أن الفجوة بين الجنسين ستتقلص في المستقبل بسبب التقدم العلمي السريع. هل تعتقد أن الفجوة بين الجنس البشري سوف تتقلص؟ وكيف تتخيل العالم بعد ذلك؟
- في تجمعات الصيادين القديمة، كان الجميع متساوين. لكن أثناء الثورة الزراعية، في الوقت الذي بدأ فيه البشر في تحويل الماعز والأبقار إلى ممتلكات، أعتقد بعضهم أنه إذا كان بإمكانه امتلاك ماعز، فربما يمكنه أيضاً امتلاك إنسان. كان ذلك عندما تحول بعض الناس إلى عبيد، وعندها بدأ العديد من الرجال ينظرون إلى النساء على أنهن جزء من ممتلكاتهم. من الناحية التطورية، هذا التغيير حديث جداً، ولم يدم طويلاً. في القرون القليلة الماضية، تم إلغاء العبودية، وحصلت النساء على قدر أكبر من المساواة، وكذلك فعلت العديد من المجموعات الأخرى.
لكن لا يوجد قانون في الطبيعة ينص على أن البشر سيصبحون أكثر مساواة من الآن فصاعداً. مثلما استعبدت الثورة الزراعية الكثير من الناس، فإن الثورات التكنولوجية الجديدة في القرن الحادي والعشرين قد تستعبد أيضاً العديد من الناس. الذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، قد يمكّن نخبة صغيرة، ويثريها ويخلق أنواعاً جديدة من الديكتاتوريات الرقمية. لأول مرة في التاريخ، قد يصبح من الممكن للديكتاتور أن يتتبع كل الناس في كل وقت. لمنع مثل هذه المخاطر، يجب أن نضمن أن منافع التقنيات الجديدة يتم تقاسمها بين جميع الأشخاص، وأن لا أحد يحتكر ويحصر جميع بياناتنا في مكان واحد.



الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
TT

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)

حالة من الغموض تحيط بمدفن الأديبة اللبنانية من أصل فلسطيني مي زيادة «1886-1941» بعد إعلان باحث مصري في شؤون المقابر والجبانات عن اختفائه من موقعه في مدافن الطائفة المارونية.

وكان الباحث في شؤون الجبانات والمقابر إبراهيم طايع أعلن عن اختفاء المقبرة، مشيراً على صفحته بـ«فيسبوك» إلى أنه كان في زيارة هناك، ولم يجد لها أثراً، وقال طايع: «المعروف أن مي زيادة توفيت في القاهرة، وخرجت جنازتها من مستشفى المعادي في 17 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1941م ودفنت في مقابر الطائفة المارونية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «زار القبر أكثر من مرة، وقام بتصويره، وهو مدفن بسيط مرتفع عن الأرض، وموضوع عليه رخامة مكتوب عليها: الأديبة مي زيادة... نابغة الشرق، وعليه تاريخ وفاتها».

ويضيف طايع: «في الأيام الماضية حين دخلنا المقابر الخاصة بالطائفة المارونية، لم نجد أثراً لقبر مي ولا توجد رخامة، وكان مكانها رخامة بديلة دون كتابات أدت إلى تغيير شكل القبر تماماً، اختفى القبر كأن المكان لم يكن فيه مدفن من قبل».

وتساءل طايع أين اختفى قبر مي زيادة ومن فعل هذا؟ وما مصير رفاتها؟ وتابع: «حين توجهنا بهذه الأسئلة لبعض المسؤولين عن مقابر الجاليات أخبرونا أن بعض المدافن، عندما تمر عليها سنوات طويلة دون أن يسأل أحد عنها، تتم إزالتها وإعادة استخدام المكان لدفن موتى آخرين، لكن هل ينطبق هذا على مي زيادة، صاحبة الصالون الأدبي الشهير، التي اجتمع حولها كبار أدباء ومثقفي عصرها، وقال عنها أحمد شوقي: (إذا نطقت صبا عقلي إليها، وإن بسمت إليَّ صبا جناني)، ووصفها الشيخ مصطفى عبد الرازق بأنها: رائدة النهضة النسوية في الشرق».

شاهد قبر قديم لمي زيادة (الباحث إبراهيم طايع)

من جهته، قال ميشيل حنا الأديب والباحث في عمارة القاهرة، «إن قبر مي زيادة كان موجودا في خانة في الحائط، وإنه زارها منذ عامين، كان القبر هناك، لكن هذا المدفن لم يكن أول مكان دفنت به، كان هناك مدفن آخر لها، لكن رفاتها نقل إلى مكانها الذي رأيت المقبرة به آخر مرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هي عادة يلجأ لها المسؤول عن المقابر عندما يجد مكاناً ليس له صاحب ولا يسأل عنه أحد فيقوم بنقل الرفات لإعادة وضع متوفى جديد».

كان لمي في الأصل مدفن خاص بها، حسب قول ميشيل حنا، لكنها نقلت بعد ذلك لمربع في الجدار، وتساءل: «لا أعرف كيف يحدث هذا مع شخصية مثل مي؟ فهي أديبة، وكاتبة، ومترجمة، وشاعرة مهمة، وتُعد واحدة من أبرز رائدات النهضة الأدبية والعمل النسوي في العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين».

مي مع والدتها في الناصرة (من الباحث إبراهيم طايع)

من جانبه، قال الأب نبيل رفُّول مسؤول الطائفة المارونية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يعلمون شيئاً عن اختفاء مدفن مي زيادة «فقد كان موجوداً بالفعل»، ويضيف رفُّول أن «هناك قضية مقامة ضد حارس المدافن بعد أن اكتشفنا أنه يتم العبث بها، فهو يدعي أنه ورثها عن جده»، ويضيف رفُّول أن «الطائفة المارونية في انتظار كلمة القضاء في هذا الشأن».

ولدت مي زيادة في مدينة الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية، وانتقلت لاحقاً مع عائلتها إلى مصر واستقرت في القاهرة حيث درست في جامعة القاهرة، واشتهرت بثقافتها الواسعة وإتقانها لعدة لغات أجنبية، وأنشأت صالونها الأدبي الأسبوعي الشهير في القاهرة، الذي كان ملتقى لكبار أدباء ومفكري العصر، مثل أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ومصطفى صادق الرافعي.


السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
TT

السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

في كل صيف، تتكرر على شواطئ البحر المتوسط معجزة طبيعية عمرها ملايين السنين، حين تشق صغار السلاحف البحرية طريقها من الأعشاش الرملية إلى البحر. لكن هذا المشهد الآسر بات يحمل مؤشرات مقلقة لعلماء البيئة؛ إذ تكشف السلاحف ضخمة الرأس عن التأثير المتنامي لتغير المناخ على النظم البحرية، مع ارتفاع درجات الحرارة الذي يخلّ بالتوازن الطبيعي بين الذكور والإناث ويهدد مستقبل أحد أبرز الكائنات المهاجرة في المتوسط.

على شاطئ إيزتوزو التركي، أحد أهم مواقع تعشيش السلاحف البحرية في البحر المتوسط، تشق نحو 30 ألف سلحفاة صغيرة طريقها إلى البحر كل موسم بعد خروجها من مئات الأعشاش المنتشرة على امتداد الساحل. ورافقت «رويترز» عالم الأحياء البحرية يعقوب كاسكا وفريقه من المتطوعين خلال جولاتهم الليلية لمراقبة الأعشاش وحماية البيوض المدفونة في الرمال. وتنتشر فوق الأعشاش أقفاص هرمية الشكل تحول دون وصول الثعالب إليها، في حين يتحول الشاطئ، الذي يعج بالسياح نهاراً، إلى ملاذ هادئ لحماية السلاحف ليلاً.

صغار السلاحف البحرية تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو الواقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​في مقاطعة موغلا بتركيا (رويترز)

تميمة «كوب 31»

وأصبحت السلحفاة ضخمة الرأس، التي تحفر أعشاش بيوضها على شواطئ البحر المتوسط، التميمة الرسمية لمؤتمر الأطراف (كوب 31) للمناخ الذي تستضيفه تركيا الشهر المقبل. وستكون حماية البيئة البحرية من المحاور الرئيسية للقمة التي ستنعقد على ساحل أنطاليا.

ويقول باحثون إن تلك السلحفاة توضح كيفية تأثير تغير المناخ على النظم البيئية بمنطقة البحر المتوسط، التي تشهد اتجاهاً طويل الأمد نحو ارتفاع درجات الحرارة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

درجات حرارة أعلى

أظهر تحليل أجرته «رويترز» أن المياه الأوروبية سجلت أعلى درجات حرارة صيفية على الإطلاق، مع تداعيات خطيرة على بعض المجتمعات الساحلية.

ويقول باحثون إن تغير المناخ يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تدريجي في درجات حرارة الشواطئ في أنحاء البحر المتوسط ‌وهي الشواطئ التي ‌تضع فيها السلاحف بيوضها.

ويتحدد جنس صغار السلاحف وفقاً لدرجة حرارة العش؛ إذ تؤدي الرمال الأكثر ​دفئاً ‌إلى ⁠إنتاج أعداد ​أكبر ⁠من الإناث.

وقالت آيفر شيرين، المحاضرة في علم البيئة بجامعة أسكودار والتي أجرت أبحاثاً موسعة على السلاحف ضخمة الرأس: «تقدم لنا السلاحف البحرية نظام إنذار مبكراً وسريعاً للغاية». وأضافت أن تلك الكائنات تظهر عليها آثار التغيرات البيئية التي تؤثر في النظم الساحلية والبحرية لأنها من الأنواع التي تعتمد على اليابسة والبحر معاً.

وفي دراسة دكتوراه استمرت خمس سنوات في جامعة باموكالي، خلصت شيرين إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بتبكير مواعيد وضع البيوض وتقليص فترات الحضانة لها في الأعشاش وزيادة نسبة الإناث.

يراقب عالم الأحياء البحرية المتخصص في السلاحف البحرية يعقوب كاسكا وأحد المتطوعين سلحفاة صغيرة وهي تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو (رويترز)

وقدرت الدراسة التي أجريت على شاطئ باتارا أن نحو 70 في المائة في المتوسط من صغار السلاحف ضخمة الرأس عند الفقس من الإناث، وخلصت إلى أن تعديل السلوكيات وحده قد لا يكون كافياً للتخفيف ⁠من آثار تغير المناخ.

وقال كاسكا إن درجات حرارة الأعشاش في إيزتوزو ارتفعت بنحو درجة مئوية ‌واحدة خلال العشرين عاماً الماضية، مضيفاً أن تحليلات أوسع أشارت إلى أن الإناث ‌تمثل ما بين 80 و90 في المائة من صغار السلاحف في العديد من التجمعات.

ويقول ​العلماء إن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي في نهاية المطاف ‌إلى انخفاض أعداد الذكور إلى حد لا يكفي لضمان نجاح التكاثر.

وأضافت شيرين أن درجات حرارة الأعشاش التي تتجاوز 30 ‌درجة مئوية تزيد أيضاً من خطر نفوق الأجنة. ووفقاً لفريق الخبراء المختص بالسلاحف البحرية، تصنف السلاحف ضخمة الرأس على أنها معرضة لخطر الانقراض على مستوى العالم.

أما في البحر المتوسط فتدرج ضمن فئة يقل القلق عليها، وهو ما يعكس نجاح جهود الحفاظ على الأنواع، لكن العلماء يقولون إن تغير المناخ يفرض ضغوطاً جديدة.

تعاون بين الدول

قال كاسكا إن نمط الهجرة الذي تتبعه السلاحف يبرز الحاجة إلى تعاون عابر للحدود خلال مؤتمر «كوب 31».

وتابع قائلاً: «قد ‌تضع بيوضها في تركيا، لكنها تتغذى في تونس أو في البحر الأدرياتيكي وغيرها من المناطق»، ودعا الدول إلى التعاون لحماية التنوع البيولوجي في البحر المتوسط.

وأشار كاسكا إلى أن إناث السلاحف ضخمة الرأس تعود عادة بعد عقود إلى الشواطئ التي فقست فيها لوضع البيوض، لكن التغيرات في الأنظمة البيئية دفعت بعضها إلى وضع البيوض في مناطق أبعد شمالاً وهو أمر لم يكن شائعاً من قبل.

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

ويراقب المتطوعون على الشاطئ صغار السلاحف مستخدمين أضواء حمراء خافتة لتقليل أي إزعاج للحد الأدنى في أثناء توجهها نحو البحر، لكن الصغار يواجهون في البحر مخاطر أخرى، من بينها شباك الصيد والقوارب والنفايات البلاستيكية.

وقالت شيرين: «السلحفاة البحرية التي تعلق في شبكة صيد لا تستطيع الصعود إلى السطح للتنفس، وللأسف تموت غرقاً».

ويشكل التلوث بالبلاستيك مصدر قلق على وجه الخصوص. وقال كاسكا إن 60 في المائة من السلاحف التي تنقل إلى مركز للتأهيل يوجد في أجهزتها الهضمية ما لا يقل ​عن خمس قطع من البلاستيك.

وتابع قائلاً: «إلقاء كيس بلاستيكي في ​البحر يشبه ضرب السلاحف بالرصاص».


«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
TT

«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)

في معرضه الأحدث، الذي يحمل عنوان «ناس من شارعنا»، يقدم الفنان المصري عبد الرازق عكاشة حكايات وقصصاً من فرنسا، إذ يرصد أحد الشوارع الباريسية التي عاش فيها واختلط بسكانها وروادها من الفنانين والمبدعين، ويقدم رؤيته الجمالية عنهم في نحو 30 لوحة تتداخل فيها الألوان الساخنة والباردة لتنسج حكايات باريسية مشوقة.

ويواصل عكاشة، في المعرض الذي افتُتح الخميس بغاليري «فلك» بوسط القاهرة، الرهان على جرأة استخدام الألوان، مع تكوينات تعبيرية وتجريدية تجعل للحكاية أبعاداً مختلفة في ذهن المتلقي، فتتعدد الرؤى والحكايات المنبثقة من العمل الواحد بقدر تعدد المشاهدين.

من أعمال المعرض (فيسبوك)

ويقول الفنان عبد الرازق عكاشة إن فكرة معرض «ناس من شارعنا» تستند إلى شارع «ريدي ذا بيس» في فرنسا، الذي عاش فيه، ويصفه بأنه شارع مهم جداً في منطقة مونمارتر، التي يعيش فيها الفنانون والأدباء والكتّاب، وتضم أيضاً «مولان روج» أو الطاحونة الحمراء، ويمر بها طريق بيكاسو إلى الهضبة العليا، كما سكنت داليدا بالقرب من هذا الشارع.

ويضيف، في كلمة مصورة تعريفية بالمعرض، أنه لم يختر الرسم عن شارع باريسي تنازلاً عن هويته أو تبادلاً للهويات، وإنما تعبير عن التفاعل الإنساني مع شارع وأشخاص من الفنانين والمبدعين عاش بينهم وقرر أن يرسمهم.

ويوضح: «في هذا المعرض، أعرِّف الجانب العربي أو المصري بكيفية تفكير الآخر ونمط حياته، وأحاول أن أصوِّر له هذا النمط وأنقله إليه كاملاً، فليس هناك تضارب في الهويات، بل محاولة للتقريب بينها».

لوحة تعبر عن حكاية بالمعرض (الفنان)

وتشي اللوحات بالعديد من الحكايات في الشارع الذي اختاره الفنان، من المقاهي وجلسات السمر إلى النزهات بالدراجات والجداريات على المترو، وجميعها تأتي في إطار من الألوان المبهجة والتكوينات الفنية ذات الدلالات المفتوحة على أكثر من حكاية وتفسير.

وأشار الفنان أيضاً إلى أن شغفه برسم الشارع لا يقتصر على الشارع الباريسي، إذ لديه، كما يقول، «مشروع فني منذ 10 سنوات عن العمارة في شوارع مصر»، يحاول من خلاله رصد كيفية عيش الناس في مصر، خصوصاً في الأحياء الإسلامية التراثية وبعض المناطق الشعبية، بما تشهده من زحام، مثل الحسين والعتبة والجمالية وحارة اليهود، وغيرها من الأماكن التي تتجلى فيها هوية الإنسان وخصوصيته.

جانب من المعرض (فيسبوك)

وفيما يلفت عكاشة إلى شروع متحف بيكاسو في باريس في دراسة عرض لوحاته عن غزة، يؤكد أن هذه اللوحات، التي خصص لها معرضاً سابقاً في القاهرة ورسم جدارية كبيرة عنها، تظل من أهم الأعمال التي قدمها، إذ تعبّر عما يشعر به فنان عربي تجاه مأساة غزة.

وسبق أن قدم عكاشة معرضاً بعنوان «جدارية غزة»، ضم أعمالاً ملحمية ومشاهد موجعة من المأساة التي شهدها القطاع جراء الحرب. ورصد في لوحاته مشاهد متعددة من داخل القطاع، استلهمها من نشرات الأخبار والصور والوقائع التي شاهدها العالم.