علم النفس والأدب... صراع حول أسرار النفس البشرية

كتاب جديد يكشف أقنعته مستشهداً بـ«فرويد» و«نجيب محفوظ»

علم النفس والأدب... صراع حول أسرار النفس البشرية
TT

علم النفس والأدب... صراع حول أسرار النفس البشرية

علم النفس والأدب... صراع حول أسرار النفس البشرية

تتداخل العلاقة بين علم النفس والأدب، وتصل إلى حافة الصراع والتنافس حول تفسير السلوك الإنساني، واكتشاف أسرار النفس البشرية، وتأخذ طابعاً جدلياً حول من أسبق من الثاني في نبش جذور ودوافع هذه الأسرار، خاصة أن أعمالاً أدبية شهيرة شكلت عتبة مهمة أمام الطبيب النفسي لمعرفة حقيقة المرض، والوقوف على مظاهره وأبعاده.
في كتابه «علم النفس والأدب... أسئلة حائرة وإجابات مراوغة»، للباحث د. محمد حسن غانم، الصادر حديثاً في «هيئة الكتاب» بالقاهرة، يسعى لتفكيك تلك العلاقة الجدلية، وفض الاشتباك بين كلا المجالين الكبيرين.
في البداية، يؤكد الباحث أن الأدب يسبق علم النفس في محاولة سبر أغوار الحقيقة الإنسانية، فمن خلال قراءة عالم النفس الشهير مؤسس مدرسة التحليل النفسي سيغموند فرويد (1856-1939) للأدب، توصل إلى كثير من الاكتشافات المهمة، ومنها اكتشافه «عقدة أوديب»، عاداً أن الروائع الأدبية التي عرفتها الإنسانية ثلاث: «الملك أوديب» للروائي اليوناني القديم سوفوكليس، و«هاملت» للكاتب المسرحي الإنجليزي ويليام شكسبير، و«الإخوة كارامازوف» للروائي الروسي ديستويفسكي، إضافة إلى كثير من العقد النفسية الأخرى التي اكتشفها فرويد من خلال قراءته المتعمقة في الآداب والأساطير، مثل «عقدة إلكترا» و«عقدة نرجس» وغيرهما، ما جعل فرويد يقول: «إن النفس الإنسانية أشبه ما تكون بجبال الثلج الغارقة في محيط متلاطم لا يظهر من جبل الثلج إلا الثلث، والباقي متوارٍ خلف تراكمات المحيط وتموجاته».
الأديب يعرف كثيراً عن حقيقة النفس الإنسانية، وربما أكثر من علم النفس، حتى أن فرويد وجد خطاً مشتركاً بين الأديب والشخص الذي أصيب بالاضطراب العقلي والجنون، فكلاهما ينفصل عن الواقع، ويحلق في آفاق الخيال والأحلام والرؤى، بيد أن الفارق الأساسي بين الأديب والمريض العقلي هو أن الأديب ينجح مرة أخرى في العودة إلى الواقع، واكتشافه بصورة أفضل، في حين أن المجنون أو المريض العقلي يفشل في ذلك، وقد يظل أسيراً للهذيانات والهلاوس والتعايش في مستويات خيالية لا تمت للواقع بصلة.
- طفل يلهو
ويوضح المؤلف أنه إذا كان علم النفس منذ نشأته الأولى يسعى إلى معرفة النفس الإنسانية على نحو يتسم بالعمق والنفاذ وسبر أغوار الحياة النفسية للإنسان، وصولاً إلى القوانين التي تحكمها، فإن الأدب يسعى إلى الهدف نفسه. ومن هنا ظهر ما يسمى «علم نفس الأدب»، وهو فرع من فروع علم النفس يهتم بدراسة إنتاج أي مادة من المواد التي اصطلح على إدراجها في مجال الأدب، من قبيل القصة القصيرة والقصيدة والرواية والمسرحية والشعر المسرحي، وتحليل العناصر المشتركة بينهما. ويدلل الباحث على أسبقية الأدب لعلم النفس في كشف مجاهل النفس الإنسانية باستعانة فرويد بالأديب نفسه، حيث جعله خير عون له للوصول إلى نظريته الخاصة بعالم اللاوعي، والتماس الأدلة على وجوده والدفاع عنه. وقد استعان على ذلك بكثير من الأعمال والروايات لشكسبير وجوته وغيرهما. ولم يقتصر فرويد على اتخاذ الأعمال الأدبية وسيلة لشرح محتويات علم النفس، وتنظيم عناصرها، وإنما اتخذها كذلك مادة يستعين بها لاستخلاص النتائج العلاجية التي توخاها بصفته طبيباً نفسياً. ويذكر فرويد أنه في عالم اللاوعي تختزن التجارب البعيدة التي يراد لها أن تُنسى إلا أنه لا يمكن التعبير عنها لأن المجتمع لا يقبل ذلك لأن هذه التجارب تسعى إلى الخروج في أشكال ورموز مختلفة، ولذا فإن الأديب عند فرويد يشبه الطفل في أنه يخلق لنفسه عالماً من الوهم، ويعامله بغاية الجدية والاهتمام، ويودعه كل ما لديه من عاطفة، ويفصله عن العالم الواقعي المحسوس، وكذلك يفعل الطفل في لعبه.
- مصطلحات شهيرة
ويشير الباحث إلى أن فرويد نفسه أكد استفادته من الأعمال الأدبية والأساطير في صياغة مصطلحات التحليل النفسي الشهيرة، مثل «الأودبية» نسبة إلى أوديب، و«النرجسية» نسبة إلى أسطورة نرجس، و«السادية» إلى الماركيز دو ساد، وما إلى ذلك. وذهب إلى وجود ما يثبت أن الأدب قد تجاوز الطب النفسي التقليدي، وأن الروائي دائماً ما يسبق رجل العلم في اقتحامه عالم النفس، بكل ما فيه من حيل وعقد وصراعات وإحباطات. وفي هذه الحالة، يصبح المبدع أو الأديب -وفق مدرسة التحليل النفسي- شخصاً ذا استعداد للانطواء والعزلة، وليس بينه وبين مرض «العصاب» مسافة بعيدة. وهو شخص تحفزه نزعات عنيفة صاخبة، فهو يصبو إلى الظفر بالقوة والتكريم والثراء والشهرة ومحبة النساء، لكن تعوزه تلك الوسائل التي توصله لتحقيق تلك الغايات، لذا فهو يعزف عن الواقع، شأنه في ذلك شأن كل فرد لم تشبع رغباته، وينصرف بكل اهتمامه وبكل طاقاته «الليبدية» أيضاً إلى الرغبات التي تخلفها حياته الخيالية، مما قد يسلم به بسهولة إلى المرض النفسي.
وأيضاً وفق تلك المدرسة -حسبما يؤكد المؤلف- يصبح المنتج الفني أو الأدبي مظهراً من مظاهر السلوك، ولذا فلا بد من ربط هذا المنتج بشخصية صاحبه، على أساس أنه يعبر بطريقة رمزية عن هذه الشخصية، خاصة دوافع بعض السلوك الشعورية وغير الشعورية.
ومن ثم، يؤكد المؤلف أن العلاقة القائمة بين الأديب وعمله هي علاقة مزدوجة ذات اتجاهين، إذ يمكن من خلال تحليل العمل وتفسيره إلقاء الضوء على بعض اتجاهات الأديب ودوافعه، وما قد يعانيه من صراعات نفسية، كما أن معرفة الملابسات الحياتية التي عاش في ظلها، خاصة الخبرات التي مر بها منذ طفولته، تساعد على تحليل وفهم النص الأدبي الذي ينتجه. وعلى سبيل المثال، يساعدنا فهم الخبرات الحياتية التي مر بها المؤلف في معرفة الأسباب التي دفعت الأديب، ولماذا طرق بعض الموضوعات دون غيرها، وصياغة أسلوبه بشكل خاص على هذا النحو، لذلك غالباً ما نكتشف أن الأديب أو الشخص المبدع يعاني كثيراً من الصراعات، وأن النص أو المنتج الأدبي إنما هو حل لهذا الصراع النفسي القائم بين الرغبة ومعوقات الإشباع، أو بين مبدأي اللذة والواقع، حيث يلجأ الكاتب لاشعورياً ربما إلى كبت رغباته من أجل التصالح مع الحضارة.
- اللص والكلاب
ويتخذ المؤلف من رواية «اللص والكلاب» الشهيرة لنجيب محفوظ عينة أدبية يخضعها للتحليل النفسي، حيث تبدأ بخروج بطلها «سعيد مهران» من السجن بعد أن قضى أربعة أعوام نتيجة خيانة زوجته وصديقه. فيفكر في الانتقام، ولكن الرصاصات تخرج طائشة، ويقتل رجلاً لا يعرفه، كما يقتل خادم «رءوف علوان» الكاتب الصحافي الشهير مثله الأعلى ومرشده، بدلاً من قتله رءوف نفسه. وهنا يصبح «مهران» حديث وسائل الإعلام كافة، ومصدر قلق الشرطة، وينجح في الاختباء عند غانية ما زالت تحبه، إلا أنه يصر على الانتقام، ويقع أخيراً في قبضة الشرطة وهو مقتنع بقضيته، رافضاً الاستسلام للخونة الكلاب. ويناقش مؤلف الكتاب النتائج في نهاية الحدث الدرامي، ويفسرها بأن علاقة البطل في تلك الرواية بأبيه علاقة سطحية، ولأنه الابن الوحيد أصيب بتضخم في الذات، تلك التي قادته إلى التمرد، وقد أخذ على عاتقه محاربة الشر وهو يتلمس المعنى المثالي لحياته ويتلمس المعنى لموته في تحقيق هذا الهدف، ألم يقل «إن من يقتلني إنما يقتل الملايين؛ أنا الحلم والأمل وفدية الجبناء، وأنا المثل والعزاء والدمع الذي يفضح صاحبه»؟
ويتناول المؤلف أيضاً شخصية الزوجة التي كانت تعمل خادمة عند سيدة تركية، وقد حدثها عن حبه وأخلص لها وتزوجها، إلا أنها خانته مع صديقه، حين أبلغا الشرطة عنه وعن نشاطه الآثم. ولولا الخيانة ما دخل السجن، فقد ظلت ذكرى الخيانة عالقة في ذهنه، بل بسببها كره كل النساء، ودخل في تمرد ضد كل أشكال السلطة، في موقف عدائي، منصباً نفسه حاكماً وقاضياً وجلاداً لإقامة العدل والقانون في الأرض، وهذه هي مأساته التي ظلت منذ المشهد الأول حتى النهاية وهو يركض تجاه نهايته المحتومة.
تتشابك الأحداث والمواقف، حيث يعود مهران للوراء بالذاكرة، حين كان ابناً وحيداً لكهلين انشغلا بالبحث عن لقمة الخبز. حرص الأب على أن يفقه ابنه سعيد مهران في دروس الدين، ولكن الواقع كان أقسى وأمر، حيث مات والده، ومرضت الأم وتم طردها من المستشفى الخاص، فاضطر أن يسرق، ولذا قام والده الفكري الأدبي «رؤوف علوان»، المقابل البيولوجي لوالده الغائب، بتحريضه على السرقة، زاعماً أن الفقر الذي نعانيه ما هو إلا رد فعل لسرقة الأغنياء لنا، وبالتالي يحق لنا السرقة!
- الحب والقناع
ويتخذ المؤلف نصاً آخر لنجيب محفوظ، هو قصة «الحب والقناع» ضمن المجموعة القصصية «أهل الهوى»، ليخضعه لأدوات التحليل النفسي. هنا، يلامس محفوظ -حسب المؤلف- وباقتدار كثيراً من القضايا النفسية والفلسفية والاجتماعية التي تتعلق بجوهر الشخصية والنشأة، والفارق بين القناع الخارجي والقناعة الذاتية، فالقصة تتحدث عن زوجين يوجد بينهما بون شاسع فيما يتعلق بفلسفة كل منهما في الحياة، فالزوج قد تنقل بين كثير من الفلسفات الطائشة والأفكار المحلقة، في حين أن الزوجة شخصية تقليدية ملتزمة على جميع المستويات. يحاول الزوج قدر طاقته التمثيل ومجاراتها، عكس اتجاهه الحقيقي، حتى يضيق ذرعاً بعملية التمثيل أو القناع ويمل ذلك الأداء، فيصارحها بعد أن أنجبت منه بحقيقة فلسفته في الحياة؛ تغضب الزوجة وتترك المنزل، ويحاول أصدقاؤه جاهدين إعادتها إليه، ولكن بلا جدوى.
ويخلص المؤلف إلى أن محفوظ أبرز القناع وكشفه للتعبير عن مأزق شخصية الزوج الذي ألف معايشة المتناقضات، ففي أثناء حواراته مع زوجته كان يظهر القناع، على عكس ما يبطن. ولذا كان يذكر نفسه دوماً بشخصية الممثل الذي يتهادى على المسرح وحده، ما يشير إلى أن مشكلة البون الشاسع بين القناع والحقيقة تعد المدخل الأساسي للصحة النفسية، ومدى تكيف الفرد مع الوسط الاجتماعي والثقافي الذي يعيشه.



حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
TT

حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)

يتنقل الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي بين المسارح الثلاثة التي يديرها في طرابلس وصور وبيروت، مطمئناً على حال رواده الذين أتوا هذه المرة لا لمشاهدة مسرحية ولا لمتابعة مهرجان، بل أتوا هاربين من القصف الإسرائيلي. عشرات النازحين وجدوا في هذه المسارح المكان الوحيد الذي استطاعوا الالتجاء إلى سقفه.

«المسرح الوطني اللبناني» بفروعه في المدن الثلاث تحوَّل إلى مأوى لنازحين من مختلف الجنسيات. في مدينة صور التي تلفّها النيران، تجد لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، وعاملات منزليات من إثيوبيا وبنغلاديش، إضافة إلى أطفال ومسنين. كلٌّ يمضي وقته بالطريقة التي تروق له. ومع النازحين في المسرح حيواناتهم الأليفة التي اصطحبوها معهم؛ فهناك من أتى بعصفور، وآخر يعتني بكلبه الذي رفض أن يتركه خلفه. 50 شخصاً في صور يعيشون معاً في هذا المسرح، ويحاولون إضفاء المرح على جلساتهم رغم الخطر المحدق بهم.

ورشة رسم في المسرح (المسرح الوطني اللبناني)

يخبرنا إسطنبولي أن الأمر ليس بالسوء الذي نتصوره. يقول: «ننظم أنشطة باستمرار، وثمة أطفال بالعشرات يأتوننا من خارج المسرح خصيصاً ليشاركوا في برامجنا خلال النهار رغم أجواء الحرب». وينوِّع القيّمون على المسرح وسائل التسلية المفيدة لتزجية الوقت. ويضيف: «ننتقل بين الرسم والقراءة والأشغال اليدوية، ونركز على السيكودراما كي نساعد الأولاد على التغلب على مخاوفهم التي لا يعبرون عنها. التمثيل كفيل بذلك، والحكواتي مفيد أيضاً في مثل هذه الظروف».

وحين نسأل إن لم يكن الخوف أقوى من الفن في مثل هذه اللحظات، يجيبنا إسطنبولي متفائلاً: «الله هو المسلِّم». ويستطرد ضاحكاً: «الغريب أنه بدلاً من الخوف نجد الناس في المسرح يتواطؤون ضمناً على خلق أجواء من البهجة والراحة مع بعضهم بعضاً. هناك ألفة وتعاطف. ثمة من يأتون لليلة واحدة ثم يغادرون لأنهم وجدوا مكاناً آخر، أو ارتأوا العودة إلى منازلهم».

ميزة أن تكون هارباً من الحرب إلى مسرح أنك تخرج من أجواء الحرب قسراً. ثمة نازح يجيد العزف على البيانو يرفّه عن الموجودين كل يوم بقدر استطاعته، كما تُعرض أفلام بشكل مستمر لتمضية الوقت، وتُنظَّم ورشات رسم وتمثيل. إنها طريقة للترفيه عن أناس تركوا بيوتهم ولا يعرفون إن كانوا سيجدونها عند عودتهم إليها، خصوصاً أن غالبية الموجودين في المسرح الوطني في صور هم من القرى الحدودية التي تتعرض لأشد أنواع القصف والتدمير.

النوم في المسرح شأن آخر (المسرح الوطني اللبناني)

الألم كبير والقلق دائم. الأطفال يجدون ضالتهم في المسرح، تحديداً في هذه المدينة المرهقة بالقصف، حيث يحرص إسطنبولي على البقاء مع النازحين. يقول: «ثمة من قال إنه ينسى أحياناً الحرب وهو يتابع فيلماً أو يسمع معزوفة. تلك طريقتنا في المقاومة».

ولا يكتفي إسطنبولي بالترفيه عن رواد مسرحه، بل يجول أيضاً في مراكز إيواء مختلفة مع أعضاء من «جمعية تيرو للفنون»، وينشّط ورشات عمل للأطفال في مراكز متعددة موزعة في هذه المدينة الجنوبية.

بين النازحين في المسارح الثلاثة من كانوا قد لجأوا إلى المكان نفسه في الحرب العام الماضي؛ فقد باتوا يعرفون العنوان ويأنسون له.

في «المسرح الوطني» في طرابلس تقيم عائلة من جنوب أفريقيا وأخرى فرنسية، إلى جانب 7 عائلات تضم 27 شخصاً. يقول إسطنبولي: «معنا شعروا بالأمان العام الماضي، وهم يقيمون اليوم معزَّزين مكرَّمين».

وتشرح سيدة سورية في المسرح أنها لم تتمكن من العودة إلى بلادها مع أولادها اللبنانيين، ففضَّلت البقاء هنا إلى أن تنجلي الغمة.

تمضي الأيام بطيئة على النازحين، لكنهم يتعاونون في تحضير الوجبات في مطبخ المسرح. فقد أمّنت هذه المراكز الثلاثة كل ما يلزم من ضروريات أولية: كهرباء، وماء ساخن، وإنترنت على مدار اليوم، إضافة إلى الكتب والألعاب. ويقول إسطنبولي: «من حسن حظنا أننا احتفظنا بالفرش والأغطية من حرب العام الماضي. بمجرد أن وصل الملتجئون إلينا، كنا في جاهزية».

بعض المساعدات تصل إلى النازحين؛ إذ بدأت جمعيات تعرف بالحاجة في طرابلس وتحاول تقديم العون، لكنها غير كافية. لذلك أطلق المسرح دعوة للتبرع، ووزّع أرقام هواتف لمن يريد تقديم المعونة، ومن يرد أن يتوجه إلى المسرح شخصياً ويتبرع لعائلة بعينها، فالأمر مفتوح ومتاح.

المسرح يتَّسع لرواده في كل الأوقات (المسرح الوطني اللبناني)

لكن هذا ليس ما يشغل المنظمين أساساً؛ فالمهم هو الإحساس بالراحة والتعاون بين المقيمين في المسرح الواحد، وروح الأخوّة بينهم.

الصعوبات مقدور عليها، والحرب كانت متوقعة؛ لذلك منذ اللحظات الأولى لاندلاعها بدأت الاجتماعات.

ويقول إسطنبولي: «كانت لدينا كميات من الماء، والعصير، والكيك، وبعض الأشياء الأخرى، وما يقارب من 50 فرشة جاهزة، لذلك جاءت الاستجابة سريعة».

يرى إسطنبولي أن «المسرح الوطني» و«جمعية تيرو للفنون» يعملان أقل من الواجب في ظروف تستدعي نخوة الجميع. ويوضح: «المسرح هو نبض الناس وصوتهم، وقد وُجِد في الأصل لخدمتهم. وهذه علاقة لا تتوقف على تقديم المسرحيات وتنظيم المهرجانات». ويضيف: «ما قيمة المسرح إن أغلق أبوابه في وجه رواده في الأوقات العسيرة التي يكونون فيها بأشد الحاجة إلى الدعم؟».

وحين سأل إسطنبولي امرأة نازحة إلى المسرح، في اليوم العالمي للمرأة، عمَّا تتمناه في عيدها، قالت: «أن يبقى لكل امرأة بيتها».


«عميد المنشدين» ياسين التهامي يختتم الليالي الرمضانية بالأوبرا المصرية

ياسين التهامي خلال الحفل (الأوبرا المصرية)
ياسين التهامي خلال الحفل (الأوبرا المصرية)
TT

«عميد المنشدين» ياسين التهامي يختتم الليالي الرمضانية بالأوبرا المصرية

ياسين التهامي خلال الحفل (الأوبرا المصرية)
ياسين التهامي خلال الحفل (الأوبرا المصرية)

ليلة استثنائية قضاها محبو الإنشاد الديني والأشعار الصوفية مع «شيخ المنشدين» ياسين التهامي، ضمن ليالي رمضان بدار الأوبرا المصرية على المسرح المكشوف، مساء الاثنين، وسط حضور جماهيري حافل وتفاعل كبير مع أعماله.

وفى أجواء رمضانية مثالية، اختتمت دار الأوبرا المصرية سهراتها الرمضانية لعام 2026، بأمسية حملت توقيع «عميد الإنشاد الديني» الشيخ ياسين التهامي وفرقته.

وعلى المسرح المكشوف بدأ الحفل بأنغام روحانية، ثم ارتفع صوت ياسين التهامي الهادئ والقوي بمجموعة من التواشيح والمدائح، فتدفقت القصائد الصوفية والابتهالات التي طالما ترددت في مجالس الذِّكر والموالد على مدى عقود، وخلقت حالة من الخشوع والصفاء النفسي، وتفاعل معها الحضور، وعكست عمق ارتباط الجمهور المصري بالإنشاد الديني، وفق بيان لدار الأوبرا المصرية، الثلاثاء.

ويختتم هذا الحفل البرنامج الرمضاني الذي نظمته دار الأوبرا المصرية، وضم ألواناً إبداعية تنوعت بين الليالي العربية والإسلامية، والأمسيات الروحانية، والعروض الموسيقية والغنائية الفريدة، إلى جانب اللقاءات الثقافية التنويرية.

ياسين التهامي قدم إنشاداً من القصائد الدينية (الأوبرا المصرية)

ويرى الناقد الموسيقي المصري، أحمد السماحي، أن «ياسين التهامي أشعل الأجواء في الأوبرا المصرية بأدائه المميز وجمهوره ومحبيه، وجعل الأجواء الروحية والصوفية تخيِّم على المكان وعلى الحضور». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «يرجع هذا الحضور الطاغي والمميز لحفلات ياسين التهامي لأسباب عدة، أولها أن اللون الصوفي الذي يقدمه ياسين التهامي لا يقدمه غيره على الساحة بالكفاءة نفسها».

ووصف السماحي الشيخ ياسين التهامي بأنه «واحد من القلائل في مصر والعالم العربي الذين يستطيعون جذب الجمهور لآفاق من السمو الروحاني، عبر أدائهم للإنشاد الديني والصوفي، فنرى الجمهور من بداية الحفل يرتقي مع التهامي في مراتب روحية، من خلال الموسيقى والأناشيد وطريقة الأداء».

ويُعد ياسين التهامي (77 عاماً) من أبرز منشدي القصائد الصوفية في مصر، واشتهر بتقديمه أشعار ابن الفارض في حفلات متنوعة لوزارة الثقافة، وفي الاحتفالات الدينية الأخرى، مثل الموالد الكبرى، كما يقدم ابتهالات دينية وأشعاراً لرموز التصوف في التاريخ الإسلامي، وقصائد المديح النبوي. ومن القصائد التي اشتهر بغنائها: «قلبي يحدثني»، و«هامت الأرواح»، و«أبا الزهراء»، و«لغة القلوب».

ويلفت الناقد الموسيقي أحمد السماحي إلى أن اختيارات ياسين التهامي للقصائد التي يغنيها؛ سواء في الموالد أو الاحتفالات الدينية أو الحفلات الموسيقية الكبرى، هي التي رسخت لصوته وأدائه وشخصيته، لتصبح له بصمة فنية مميزة وجمهور يتبعه في كل مكان تقريباً.

جمهور حاشد تفاعل مع الحفل (الأوبرا المصرية)

وتابع: «أصبح ياسين التهامي الأشهر في مصر في مجال الغناء الصوفي، لإخلاصه التام لهذا المجال، فلم يقدم –مثلاً- تواشيح ولا غناءً عادياً؛ بل أصر على لونه الصوفي المميز جداً، مما رسخ بصمته الخاصة. كما أن الأجواء الرمضانية التي نعيشها حالياً مع اقتراب نهاية الشهر تزيد تجاوب الجمهور مع الموسيقى والأشعار الصوفية، لما تقدمه من جرعة فنية روحية».

وقدمت دار الأوبرا المصرية كثيراً من الليالي الرمضانية ذات الطابع الخاص الذي يناسب الأجواء الروحانية لشهر رمضان. وكانت من بينها ليالٍ لفرق أجنبية من دول إسلامية، مثل: باكستان، وفلسطين، والفلبين، والعراق، وتونس، وإندونيسيا.

وقدم صالون الموسيقى العربية بالقيروان حفلاً تضمن مجموعة من الأعمال الطربية والروحانية والموشحات والأغاني التقليدية التي تعكس الطابع التونسي، كما قدمت فرقة «الحضرة» للإنشاد الديني مجموعة مختارة من القصائد الصوفية والمدائح النبوية، وهي الفرقة التي اشتهرت بأغاني «قمر» و«مدد يا سيدة»، و«أول كلامي بامدح»، و«جمال الوجود»، و«هاتوا دفوف الفرح»، و«خذني إليك»، و«المسك فاح»، وغيرها من الأغاني والأناشيد الدينية.


ألعاب الواقع الافتراضي تعزز الرغبة في مساعدة الآخرين

الواقع الافتراضي يتيح للمستخدم الانغماس في بيئة ثلاثية الأبعاد تفاعلية (جامعة أوريغون)
الواقع الافتراضي يتيح للمستخدم الانغماس في بيئة ثلاثية الأبعاد تفاعلية (جامعة أوريغون)
TT

ألعاب الواقع الافتراضي تعزز الرغبة في مساعدة الآخرين

الواقع الافتراضي يتيح للمستخدم الانغماس في بيئة ثلاثية الأبعاد تفاعلية (جامعة أوريغون)
الواقع الافتراضي يتيح للمستخدم الانغماس في بيئة ثلاثية الأبعاد تفاعلية (جامعة أوريغون)

أظهرت دراسة أميركية أن ألعاب الواقع الافتراضي يمكن أن تزيد من رغبة اللاعبين في مساعدة الآخرين، وتؤثر على مستويات التعاطف لديهم بطرق معقدة.

وأوضح الباحثون في جامعة أوريغون، أن الدراسة تؤكد قدرة الواقع الافتراضي على أن يكون أداة قوية لتحفيز السلوك الإيجابي والاجتماعي، ونُشرت النتائج، يوم الاثنين، في دورية «Frontiers in Virtual Reality».

والواقع الافتراضي (VR) هو تقنية رقمية تتيح للمستخدم الانغماس في بيئة ثلاثية الأبعاد تفاعلية، فيشعر وكأنه موجود فعلياً داخل المشهد. وتستخدم هذه التقنية في الألعاب، والتعليم، والعلاج النفسي، والتدريب المهني، لما لها من قدرة على خلق تجارب غامرة تحاكي الواقع وتعزز التعلم والتفاعل العاطفي والسلوكي لدى المستخدمين.

وطور فريق البحث لعبة بعنوان «Empathy in Action»، يدخل فيها اللاعبون حيّاً سكنياً لمساعدة صبي يُدعى ألدن على إيجاد كلبه الضائع. ويواجه اللاعبون مجموعة من المهام الجسدية والعاطفية، بما في ذلك البحث عن أدلة واتخاذ قرارات حول كيفية مواساة الصبي.

وتتبع الفريق مشاعر المشاركين أثناء اللعب، ووجد أن الألعاب التفاعلية الغامرة يمكن أن تحفز الأشخاص على تقديم المساعدة، حتى دون شعورهم المباشر بمشاعر الآخرين نفسها.

وبعد قياس مستويات التعاطف والإيثار قبل وبعد اللعب، لاحظ الباحثون أن الإيثار لدى اللاعبين ازداد، بينما تراجع التعاطف العاطفي، في حين ارتفع التعاطف المعرفي، أي القدرة على التعرف على مشاعر الآخرين وفهمها.

ووفق الباحثين، تشير هذه النتائج إلى أن الأشخاص قد يكونون مدفوعين لمساعدة الآخرين بناءً على إدراكهم للحاجة، وليس بالضرورة على شعورهم الشخصي بمشاعر من يحتاج للمساعدة.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج تبرز أن التحفيز للسلوك الإيثاري لا يعتمد دائماً على مشاركة المشاعر، بل يمكن أن يتحقق عبر تجربة معرفية واقعية وغامرة.

واقترح المشاركون أن مثل هذه الألعاب يمكن أن تُستخدم في الصفوف الدراسية وبيئات التعلم لتعزيز مهارات التعاون والتعاطف، وكذلك في العلاج النفسي أو التأهيلي لمساعدة الأشخاص على التعامل مع المشاعر أو المواقف الصعبة، بالإضافة إلى برامج حل النزاعات والتدريب على التعامل مع الأزمات الاجتماعية والبيئية.

وقالت الدكتورة سامنثا لورنزو، خبيرة الاتصالات والدراسات الإعلامية في جامعة أوريغون والباحثة الرئيسية في الدراسة، إن هذه الدراسة استكشافية، وهناك مجال واسع لمزيد من البحث، حيث قد تؤدي قصص وسيناريوهات مختلفة إلى نتائج متباينة.

وأضافت عبر موقع الجامعة: «تكنولوجيا الألعاب هذه جديدة ومثيرة، وهناك الكثير من الإمكانيات أمام الباحثين لاستكشاف كيف يمكن استغلال الوسائط الغامرة من أجل الخير الاجتماعي».

وتأمل لورنزو في الاستفادة من هذه التقنية في أبحاث الصحة العامة، لفهم كيفية استخدام التدخلات الرقمية الغامرة لتعزيز التعاطف ومساعدة الأفراد على التعامل مع التحديات.