العلاقات الدبلوماسية بين الرباط وتل أبيب متوقعة بدءاً من فبراير

ترقب سعي ترمب إلى ترتيب اتصال ثلاثي يجمعه بمحمد السادس ونتنياهو... والمغرب يتحدث عن «إعادة الاتصال» بإسرائيل وليس التطبيع

اتفاق مغربي - إسرائيلي على إقامة علاقات دبلوماسية (أ.ف.ب)
اتفاق مغربي - إسرائيلي على إقامة علاقات دبلوماسية (أ.ف.ب)
TT

العلاقات الدبلوماسية بين الرباط وتل أبيب متوقعة بدءاً من فبراير

اتفاق مغربي - إسرائيلي على إقامة علاقات دبلوماسية (أ.ف.ب)
اتفاق مغربي - إسرائيلي على إقامة علاقات دبلوماسية (أ.ف.ب)

هيمن الإعلان عن إقامة علاقات بين المغرب وإسرائيل، برعاية أميركية، على المواقف السياسية في كل من المملكة المغربية والدولة العبرية، وسط توقعات بأن يسعى الرئيس دونالد ترمب إلى ترتيب اتصال ثلاثي يجمعه بالعاهل المغربي الملك محمد السادس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لرسم معالم الخطوات المقبلة في خصوص إقامة العلاقات الدبلوماسية المتوقعة بدءاً من فبراير (شباط) أو مارس (آذار) المقبلين. وفيما لفتت الرباط إلى أن «إعادة الاتصال» مع تل أبيب ليست تطبيعاً كون العلاقات كانت موجودة أصلاً حتى العام 2002، برز ترحيب واسع في المغرب بالإعلان الأميركي عن الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء، وهو موقف ترافق مع الإعلان عن إقامة علاقات بين إسرائيل والمغرب.
وقال وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، أمس، إن التطور الأخير في العلاقات بين الرباط وتل أبيب «ليس تطبيعاً»، مشيراً إلى أن «المغرب كان لديه مكتب اتصال حتى عام 2002، وأن بعض القرارات التي تطلبت إعادة الاتصال مع إسرائيل لا تعد تطبيعاً». ونفى بوريطة، في تصريحات لوكالة «سبوتنيك» الروسية، أن يكون الاعتراف الأميركي بالسيادة المغربية على الصحراء جاء مقابل إعادة العلاقات مع إسرائيل، خاصةً أن هناك علاقة بين المغرب وإسرائيل منذ عقد التسعينات، بحسب ما نقل عنه.
وقال سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة الأمين العام لحزب العدالة والتنمية (مرجعية إسلامية)، للقناة التلفزيونية الأولى المغربية، إن الاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على كامل صحرائه يعد «إنجازاً كبيراً»، معتبراً أن هذه الخطوة «ستؤثر على مسار قضية الصحراء المغربية في السنوات المقبلة إذا لم نقل في الشهور المقبلة». واعتبر أن عزم الولايات المتحدة فتح قنصلية لها بمدينة الداخلة، ثاني كبريات مدن الصحراء، هو اعتراف «عملي وواقعي».
ولم يشر العثماني إلى قرار المغرب إقامة علاقة دبلوماسية مع إسرائيل. ولاحظ مراقبون أن حزب «العدالة والتنمية» التزم حتى مساء أمس الصمت، واكتفى موقعه الرسمي على الإنترنت بنشر بياني الديوان الملكي الصادرين مساء الخميس. في سياق ذلك، كتب مستشار الحزب نزار خيرون على «تويتر» قائلاً «الصحراء_مغربية ومغربيتها ثابتة تاريخياً وواقعاً، وإسرائيل كيان محتل ومغتصب للحق الفلسطيني تاريخياً وواقعاً». لكنه لم يعبر عن أي انتقاد مباشر لبيان الديوان الملكي بشأن العلاقة مع إسرائيل.
لكن بعض «صقور الحزب» انتقدوا في تدوينات على «فيسبوك» خطوة «التطبيع»، ومنهم النائب المقرئ الإدريسي أبو زيد، الذي وصف ما وقع بأنه «الخراب القادم»، متسائلاً «كيف إذا أصبح لمليون مغربي إسرائيلي حق التصويت بمسمى أنهم من مغاربة العالم؟».
بدورها، كتبت النائبة أمينة ماء العينين، المنتمية إلى «العدالة والتنمية»، تدوينة على «فيسبوك»، انتقدت فيها محاولة «خلق تقابل بين قضية الصحراء المغربية والقضية الفلسطينية»، معتبرة أن ذلك «يضر بالقضية الوطنية التي لا يمكن كسبها من دون تكريس مبدئيتها باعتبارها قضية عادلة». وأوضحت أن المغاربة «لن يتخلوا عن الشعب الفلسطيني ومطالبه العادلة والمشروعة»، وأن التطبيع لن ينجح «في بنية ظلت تقاومه لعقود بإصرار».
من جهته، أشاد بيان للمكتب السياسي لحزب «الأصالة والمعاصرة» المعارض بموقف الرئيس ترمب باعتراف واشنطن «للمرة الأولى في تاريخها، بسيادة المملكة المغربية الكاملة على كافة مناطق الصحراء المغربية»، وهو موقف «تاريخي حاسم وغير مسبوق في تطورات قضية وحدتنا الترابية». وثمن الحزب إعلان العاهل المغربي «الواضح والصريح»، بكون المغرب «يضع دائماً القضية الفلسطينية في مرتبة قضية الصحراء المغربية، وأن عمل المغرب من أجل ترسيخ مغربيتها لن يكون أبداً، لا اليوم ولا في المستقبل، على حساب نضال الشعب الفلسطيني من أجل حقوقه المشروعة». وأعلن الحزب تأييده للرعاية التي يخص بها العاهل المغربي «بصفته أميراً للمؤمنين، اليهود المغاربة في إسرائيل أو في مختلف بقاع العالم بصفتهم رعايا مغاربة»، كما أعلن تأييده قرار «تسهيل الرحلات الجوية» المباشرة لنقل اليهود من أصل مغربي من المغرب وإليه، وكل القرارات التي تهم علاقات المغرب مع الخارج «بما فيها إسرائيل».
أما المكتب السياسي لحزب «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» (مشارك في الحكومة)، فقد ثمن «عالياً» قرار الولايات المتحدة «بالاعتراف الواضح والصريح بالسيادة الوطنية على أقاليمنا الصحراوية الغالية وفتح قنصلية في ربوعها»، معتبرا أن ذلك يعد «تحولاً تاريخياً غير مسبوق». وقال «هذا الاعتراف سيكون له ما بعده». وبالمقابل، سجل «الاتحاد الاشتراكي» بـ«اعتزاز وإكبار» تشديد الملك محمد السادس على «السلام واستكمال الحرية، في القضايا العادلة في العالم العربي والإسلامي، وعلى رأسها قضية فلسطين وعاصمتها القدس».
في السياق ذاته، اعتبر نبيل بن عبد الله، الأمين العام لحزب «التقدم والاشتراكية» المعارض، أن القرار الأميركي لصالح مغربية الصحراء يعد «تحولاً تاريخياً لقضية الوحدة الترابية»، متوجهاً بتحية تقدير للعاهل المغربي على هذا «الإنجاز العظيم بالنسبة لوطننا وشعبنا»، وتأكيده على التشبث بـ«ثوابت بلادنا لمناصرة قضية فلسطين العادلة».
من جهتها، ثمنت منظمة الشبيبة الاستقلالية (منظمة شبابية تابعة لحزب الاستقلال المعارض) في بيان لها صدر مساء أول من أمس، الخطوة التي اتخذتها الإدارة الأميركية، وأشادت بمضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها العاهل المغربي مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وأكدت «موقف المملكة المغربية الثابت ملكا وشعبا الداعم للقضية الفلسطينية، عبر حل الدولتين».
من جهته، أعلن عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، حمدي ولد الرشيد، نائب مدينة العيون في البرلمان، عن تنظيم تجمع خطابي في ساحة بالعيون، «دعماً للقرار الملكي وتثميناً لقرار الإدارة الأميركية». وينتظر أن تصدر قيادة حزب الاستقلال لاحقاً بياناً حول الموضوع.
بدورها، أصدرت «مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين» وهي هيئة تدعم فلسطين تضم شخصيات حزبية وجمعوية يسارية وإسلامية بياناً أمس بعنوان «فلسطين أمانة... ولا للتطبيع باسم الصحراء المغربية»، معبرة عن رفضها «مطلقاً لكل أشكال التطبيع الصهيوني كيفما كان مستواها وكيفما كانت طبيعتها وأيا كانت مبرراتها».
في سياق ذلك، قال وزير الخارجية المغربي إن «من ينتقدون هذا الاتفاق يعارضون سيادة المغرب على الصحراء».
ورغم معارضة أحزاب إسلامية وأخرى مناصرة للقومية العربية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل فإن آخرين يدعمون ذلك ومنهم ناشطون يؤيدون حقوق الأمازيغ. وقال الناشط الأمازيغي منير كجي إن «إعادة العلاقات مع إسرائيل نبأ طيب يخدم مصالح المغرب العليا».
في غضون ذلك، رحبت باريس الجمعة «باستئناف العلاقات الدبلوماسية» بين إسرائيل والمغرب، معتبرة أن نزاع الصحراء «طال أمده» ولا بد من إيجاد حل «عادل ودائم» له. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الفرنسية إن «النزاع في الصحراء الغربية طال أمده ويمثل مخاطر دائمة باندلاع توتر»، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية.
أما جبهة البوليساريو الانفصالية المدعومة من الجزائر فقد وعدت بمواصلة القتال في الصحراء. وقال وزير خارجيتها، محمد سالم ولد السالك لوكالة الصحافة الفرنسية، الجمعة إن القتال سيستمر حتى الانسحاب الكامل للقوات المغربية. وهذه ليست المرة الأولى التي تعلن فيها جبهة البوليساريو عن مواصلتها القتال. وتعلن الجبهة يومياً عن تبادل لإطلاق النار على طول الجدار الرملي الأمني المغربي في الصحراء، وذلك منذ تدخل المغرب في معبر الكركرات الواقع عند الحدود المغربية - الموريتانية، وهو ما اعتبرته الجبهة خرقا لإطلاق النار بعد أن ظل سارياً منذ عام 1991.
ولم يعلن المغرب ولا بعثة الأمم المتحدة في الصحراء «مينورسو» عن أي عمليات لتبادل إطلاق النار، بينما أكد مسؤولون محليون في الصحراء المغربية «أن الوضع آمن، والطمأنينة تسود المنطقة، وأن المعارك تدور رحاها في مواقع التواصل الاجتماعي أكثر مما تدور على أرض الواقع».
وعد ولد السالك القرار الأميركي بأنه «باطل»، مشيرا إلى أن المجتمع الدولي «لا يعترف ولن يعترف بأي سيادة مغربية على الصحراء الغربية».
ودانت روسيا أمس قرار الرئيس الأميركي الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، معتبرة أنه يتعارض مع القانون الدولي. ونقلت وكالات الأنباء الروسية عن نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف قوله «هذا انتهاك للقانون الدولي».
وفي المنامة، رحب ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة مساء الخميس باعتراف الولايات المتحدة بسيادة المملكة المغربية على «منطقة الصحراء المغربية» وافتتاح قنصلية أميركية في مدينة الداخلة باعتباره خطوة تاريخية مهمة تعزز من السيادة الترابية والحقوق المغربية في «الصحراء المغربية». وأشاد ملك البحرين، بحسب ما أوردته وكالة أنباء البحرين (بنا)، بما أعلنه الملك محمد السادس من إقامة الاتصالات الرسمية والعلاقات الدبلوماسية بين المملكة المغربية ودولة إسرائيل الأمر الذي من شأنه تعزيز فرص تحقيق السلام والاستقرار والازدهار في المنطقة. ونوه ملك البحرين بالجهود الطيبة التي بذلها الرئيس ترمب لتسهيل التوصل إلى هذا الاتفاق.
وفي مسقط، قالت وزارة الخارجية العمانية الجمعة إن السلطنة ترحب بإعلان المغرب إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وتأمل في أن تعزز هذه الخطوة المساعي نحو إقرار سلام دائم وعادل في الشرق الأوسط. وذكرت وزارة الخارجية العمانية في بيان «ترحب سلطنة عمان بما أعلنه الملك محمد السادس في اتصالاته الهاتفية بكل من الرئيس ترمب والرئيس الفلسطيني محمود عباس، وتأمل أن يعزز ذلك من مساعي وجهود تحقيق السلام الشامل والعادل والدائم في الشرق الأوسط».
وفي طهران، وصف مسؤول إيراني كبير قيام المغرب بتطبيع العلاقات مع إسرائيل بأنه «خيانة». وقال حسين أمير عبد اللهيان، وهو مستشار لرئيس البرلمان الإيراني، الجمعة إن تطبيع المغرب للعلاقات مع إسرائيل «خيانة وطعنة في ظهر فلسطين».
في غضون ذلك، قالت ثلاثة مصادر أميركية مطلعة إن الولايات المتحدة تتفاوض على بيع طائرات مسيرة كبيرة ومتطورة من طراز إم. كيو - 9 بي، وعددها أربعة على الأقل، إلى المغرب، وإن التشاور مع الكونغرس بشأن الصفقة المحتملة يتوقع أن يجري خلال الأيام المقبلة، بحسب وكالة «رويترز».
وفي تل أبيب، أكدت مصادر سياسية أن محادثات ستبدأ في القريب العاجل بين إسرائيل والمملكة المغربية في سبيل توقيع اتفاق رسمي لتطبيع العلاقات. وأعربت عن التقدير بأن إتمام المحادثات الأولية سيتم خلال شهر واحد، وأن العلاقات ستبدأ في فبراير (شباط) أو مارس (آذار) وكذلك خط رحلات مباشرة بين الرباط وتل أبيب. وأعلنت شركة الطيران الإسرائيلية «العال» أنها تستعد من الآن لتسيير رحلات مباشرة إلى المغرب في أسرع وقت. وأعرب مسؤول فيها عن تقديره بأنه مع فتح خط الطيران المباشر سيتم تسيير 30 رحلة في الأسبوع على الأقل بين البلدين، وأن بعض هذه الرحلات ستكون على خط مراكش – تل أبيب وأخرى على خط الرباط - تل أبيب، وأن وقت الرحلة سيستغرق 5 ساعات.
وكانت إسرائيل، حكومة ومعارضة وحتى على الصعيد الشعبي، قد رحبت بإعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عن إطلاق العلاقات المغربية - الإسرائيلية. وتوقعت مصادر في تل أبيب أن تنظم الإدارة الأميركية مكالمة هاتفية ثلاثية بين الرئيس ترمب والملك محمد السادس ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يتم خلالها وضع جدول زمني للقاء المسؤولين من الطرفين تمهيداً لصياغة الاتفاقيات الرسمية حول العلاقات وكذلك حول التعاون المشترك، في مختلف المجالات، من الأمن والتكنولوجيا وحتى الزراعة والعلوم والثقافة.
وحاول وزير الأمن الإسرائيلي من حزب «كحول لفان»، بيني غانتس، ورفيقه في الحزب وزير الخارجية، غابي أشكنازي، أن يكظما غيظهما من قيام رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، باستبعادهما تماماً عن أسرار التطورات في العلاقة مع المغرب. وأكدا أنهما تلقيا المعلومات عن هذا التطور فقط قبل يومين، عندما اتصل بهما مندوب عن البيت الأبيض في واشنطن. ومع ذلك فقد أشادا بالاتفاق. وقال مسؤول في وزارة الأمن إن «هذا الاتفاق يعكس نسيج المصالح السياسية في الشرق الأوسط، ويؤكد على الوزن الجيوسياسي وتأثير الحلف الإقليمي على العلاقات» بين إسرائيل والعديد من الدول العربية. وأضاف المسؤول: «هذا الاتفاق يعد إنجازاً لملك المغرب بما لا يقل عن كونه إنجازاً لإسرائيل. وهذه هي ميزة اتفاقيات السلام. أن يشعر الطرفان بالرضا والربح».
وأعربت مصادر سياسية في تل أبيب عن تقديرها بأن تستمر وتتسع عملية السلام بين إسرائيل والدول العربية والإسلامية. وتوقع أن تكون الدول القادمة، إندونيسيا وبروناي وسلطنة عمان.



اليمن: سجون الضبة السرية… احتجاز وتعذيب خارج سلطة الدولة

أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
TT

اليمن: سجون الضبة السرية… احتجاز وتعذيب خارج سلطة الدولة

أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)

على جدرانٍ حاويات حديدة داخل سجنٍ غير معلن، كُتبت حكايات لا تُروى حفرها معتقلون بأظافر الخوف وطول الانتظار: «ارحموني... يكفي ظلم»، «فرجك يا رب»، «أمي»، «أنا مظلوم والله شاهدٌ عليّ».

لم تكن هذه الكلمات زينة حائط، بل شهادات إنسانية معلّقة بين اليأس والرجاء، تركها سجناء سجن الضبة غير الشرعي، الذي أدارته القوات الإماراتية سنوات، لتكشف وجهاً خفياً لمعاناة ظلت طويلاً خلف الأسوار.

أكد الإرياني أن الدولة لم تفوّض أي طرف خارجياً كان أو محلياً بإنشاء مراكز احتجاز (الشرق الأوسط)

«الشرق الأوسط» زارت السجن الواقع في ميناء الضبة النفطي بمدينة المكلا (شرق البلاد)، ضمن وفدٍ صحافي وحقوقي، واطّلعت ميدانياً على وجود عدة سجون غير قانونية أنشأتها الإمارات على مدى سنوات، من دون أي تنسيق مع السلطات اليمنية، في مشهدٍ يكشف اتساع شبكة احتجاز خارج إطار القانون، وما رافقها من انتهاكات ظلت طيّ الكتمان.

وبحسب معمر الإرياني وزير الإعلام والسياحة والثقافة اليمني، فإن هذه السجون «لا تندرج ضمن أي منظومة قانونية أو أمنية تابعة للدولة»، موضحاً أنها «معتقلات خارج إطار سلطة الدولة والقانون والدستور اليمني».

وزير الإعلام والثقافة والسياحي اليمني معمر الإرياني من موقع الضبة بالمكلا (الشرق الأوسط)

وأشار الإرياني، في حديثه أمام 12 معتقلاً سرياً في موقع الضبة، إلى أن «هذا المكان يجسّد ممارسات جرت خارج مؤسسات الدولة الشرعية، ومن دون أي رقابة قانونية أو إدارية»، مؤكداً أن «الدولة لم تفوّض أي طرف، خارجياً كان أو محلياً، بإنشاء مراكز احتجاز أو تعذيب خارج إطار القانون».

ووصف الوزير هذه الممارسات بأنها «تمثّل انتهاكاً صريحاً للدستور اليمني الذي يحصر صلاحيات الاعتقال والتحقيق والاحتجاز في مؤسسات الدولة القانونية والأمنية»، مؤكداً أنها «تشكل أيضاً خرقاً للقانون الدولي والقانون الإنساني».

ووثّقت عدسة «الشرق الأوسط» مشاهد صادمة داخل الموقع، حيث تبيّن أن عدداً من السجون عبارة عن حاويات حديدية مغلقة، متفاوتة الأحجام، في حين لا تتجاوز مساحة بعض الزنازين متراً واحداً في خمسين سنتيمتراً. وعلى جدران تلك الحاويات، ازدحمت كتابات المعتقلين التي اختزلت تفاصيل حياتهم اليومية ومعاناتهم خلف القضبان.

كتابات السجناء ركزت على إبراز كلمة (مظلوم) شعوراً منهم بأن هذه السجون غير شرعية (الشرق الأوسط)

وبدا أن بعض المحتجزين حرصوا على تدوين عدد الأيام التي قضوها في الاعتقال ضمن جداول مرتبة، كأنهم يعدّون الزمن يوماً بيوم، بينما لجأ آخرون إلى كتابة أدعية يتضرعون فيها إلى الله بالتعجيل بالفرج. وفي إحدى الزوايا، لم يجد أحدهم سوى كلمة واحدة يختصر بها ألمه وحنينه: «أمي».

كما بدت على جدران الزنازين آثار دماء وعلامات سياط، في مشاهد تعكس ما تعرّض له المحتجزون داخل تلك الغرف الضيقة. وبين الخوف والأمل، كتب أحدهم بيدٍ مرتجفة: «شهر و10 أيام... وبعدها الفرج»، بينما ترك آخر صرخته محفورة على الجدار: «أنا مظلوم والله شاهد عليَّ... ارحموني يكفي ظلم».

بالعودة للوزير معمر الإرياني أكد أن «ما تقوم به الدولة اليوم هو استعادة سيادة القانون، وليس تصفية حسابات سياسية»، موضحاً أن «فتح هذه المواقع أمام الإعلام المحلي والدولي يأتي في إطار الشفافية، ورسالة واضحة بأن الدولة لا تخشى الحقيقة، بل تسعى إلى توثيقها ومعالجتها قانونياً».

أحدهم كتب كلمة «أمي» في تعبير عاطفي عن شوقه لعائلته في أثناء وجوده في السجن (الشرق الأوسط)

وأضاف الإرياني: «نحن لا نطلب تغطية سياسية، بل دعماً لمسار دولة القانون. لا نقدّم رؤية سياسية، وإنما نعرض مواقع ووقائع ومسؤوليات قانونية».

وفي سياق متصل، كشف مصدر عسكري يمني لـ«الشرق الأوسط» أن معسكر الضبة الواقع في أعلى الجبل، المعروف سابقاً بمعسكر الدفاع الجوي، جرى تسليمه بالكامل إلى قوات الدعم الأمني بقيادة أبو علي الحضرمي.

وأوضح المصدر، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، أن «مجرد توجيه اتهام إلى أي شخص، من دون الاستناد إلى أدلة، كان كفيلاً بزجّه في السجن»، لافتاً إلى أن «من يخرج من تلك المعتقلات لا يعود إلى حالته الطبيعية، بل يكون شخصاً مختلفاً تماماً عمّا كان عليه».

وأضاف المصدر أن «الأمر الأكثر خطورة تمثّل في إطلاق سراح بعض السجناء الذين ثبت تورطهم في عدة جرائم، حيث فوجئنا بتحول بعضهم إلى عملاء مزدوجين بعد الإفراج عنهم من الجانب الإماراتي»، مشيراً إلى أن من بين هؤلاء «عناصر ينتمون إلى تنظيم (القاعدة)».


دبلوماسي سوري: سيادة البلاد ووحدتها لا تقبلان المساومة

محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

دبلوماسي سوري: سيادة البلاد ووحدتها لا تقبلان المساومة

محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)

أكد دبلوماسي سوري أن تعامل بلاده مع ملف الشمال والشرق جاء انطلاقاً من مبدأ راسخ لا يقبل المساومة يتمثل في وحدة أراضيها وسيادتها، واحتكارها الشرعي لاستخدام السلاح، ومسؤوليتها الكاملة عن حماية المواطنين ومكافحة الإرهاب، بالتوازي مع التزامها الدائم بالحلول السياسية والحوار الوطني خياراً أول لمعالجة جميع القضايا الداخلية.

وقال محسن مهباش، رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض، إن الحكومة اختارت منذ البداية مسار التهدئة والتفاهم مع «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، ووقّعت عدة اتفاقيات واضحة نصّت على وقف إطلاق النار، وعودة مؤسسات الدولة، وتسليم الموارد والمعابر، ودمج المقاتلين ضمن الجيش. وأردف أن هذه الاتفاقيات قوبلت بالمماطلة والنقض المتكرر من قِبل قيادة «قسد»، رغم التزام الدولة الكامل ببنودها، الأمر الذي فاقم حالة عدم الاستقرار وهدَّد أمن المدنيين.

وأضاف الدبلوماسي السوري، في تصريحات صحافية، أنه «في ظل التصعيد الميداني الذي أقدمت عليه (قسد)، بما في ذلك حشدها العسكري شرق حلب، واستهدافها المدن بالمسيّرات، ورفضها الاستجابة للإنذارات الرسمية؛ اضطرت الدولة، وبعد استنفاد جميع السبل السياسية لممارسة حقها السيادي في الدفاع عن أراضيها وأمن شعبها، عبر عملية عسكرية محدودة هدفت حصراً إلى حماية الاستقرار، ومنع تمدد الفوضى والإرهاب، مع الالتزام الكامل بحماية المدنيين، وعدم تهجير أي مكوّن سوري».

وشدَّد على أن ملف سجناء تنظيم «داعش» جرى توظيفه بشكل خطير من قِبل «قسد» بصفته ورقة ابتزاز سياسي وأمني، وصل إلى حد إطلاق سراح عناصر إرهابية، في انتهاك صارخ لمسؤوليات مكافحة الإرهاب، مؤكداً جاهزية الدولة السورية الكاملة لتسلّم هذا الملف، وتأمين مراكز الاحتجاز وفق المعايير الدولية، مُحمّلة «قسد» المسؤولية الكاملة عن أي خرق أمني أو تهديد ناتج عن هذه الممارسات.

وجدّد مهباش تأكيد أن الدولة السورية كانت ولا تزال في مواجهة مباشرة مع «داعش» منذ أكثر من عقد، وخبرتها في مكافحة الإرهاب ميدانية وحقيقية، وليست إدارة أزمات أو تفاهمات ظرفية، مشدداً على أن الجيش العربي السوري هو الضامن الوحيد لوحدة البلاد وأمنها، وسوريا ستواصل بسط سيادتها على كامل أراضيها، وحماية جميع مواطنيها دون تمييز، بما يرسخ الأمن الوطني والإقليمي والدولي على حد سواء.

وأشار إلى أنه جرى الاتفاق بين الرئيس السوري أحمد الشرع و«قسد» على مهلة أربعة أيام أمام الأخيرة لوضع آلية دمج عملية، وعدم دخول القوات الحكومية مراكز الحسكة والقامشلي أو القرى الكردية، مع اعتماد أمن محلي، ودمج قوات «قسد» عسكرياً وأمنياً ومدنياً ضمن مؤسسات الدولة، وترشيح ممثلين عنها لمناصب رسمية، بالإضافة لتنفيذ المرسوم رقم 13 لضمان حقوق الكرد، وبدء تنفيذ التفاهم في الساعة الثامنة مساءً، منوهاً بأن ذلك جاء «انطلاقاً من حرص الدولة على وحدة البلاد، وكانت استجابة الحكومة لا مثيل لها».


السيسي يلتقي ⁠ترمب في «دافوس» بعد إشارات ودية متبادلة

لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يلتقي ⁠ترمب في «دافوس» بعد إشارات ودية متبادلة

لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)

يلتقي الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في مدينة دافوس السويسرية، بعد «إشارات ودية» متبادلة بين الجانبين بالفترة الأخيرة.

وأعلنت الرئاسة المصرية، الثلاثاء، أن السيسي وترمب سيعقدان جلسة محادثات على هامش أعمال «منتدى دافوس»، للتباحث بشأن آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب «بحث سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين مصر والولايات المتحدة، بما يخدم مصالح البلدين، ويعزّز الاستقرار الإقليمي والدولي».

وتوجه الرئيس المصري، الثلاثاء، إلى مدينة دافوس، للمشاركة في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يُعقد في الفترة من 19 حتى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، تحت شعار «روح الحوار».

وسيتضمن جدول مشاركة الرئيس المصري، بـ«منتدى دافوس»، لقاءً مع نظيره الأميركي، للتباحث حول آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وفق الرئاسة المصرية.

ويعد هذا اللقاء الثاني لمحادثات مباشرة تجمع السيسي وترمب، منذ عودة الرئيس الأميركي للبيت الأبيض قبل عام، وذلك بعد المحادثات التي جمعتهما في مدينة شرم الشيخ المصرية، في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، على هامش «قمة السلام» بشأن وقف الحرب في غزة.

ويأتي لقاء القمة المرتقب بين الرئيسين المصري والأميركي، بعد إشارات ودية متبادلة في الفترة الأخيرة، حيث بعث ترمب برسالة تقدير إلى السيسي أخيراً، على جهوده الناجحة في الوساطة بين حركة «حماس» وإسرائيل، للوصول لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتضمنت الرسالة رغبة من جانب ترمب لإطلاق وساطة أميركية بين مصر وإثيوبيا «من أجل التوصل إلى حل لأزمة السد الإثيوبي، بما يحقق تسوية عادلة ونهائية لمسألة تقسيم مياه النيل».

وفي المقابل، أشاد الرئيس المصري، برسالة نظيره الأميركي، وقال في تدوينة عبر حسابه الرسمي السبت: «أثمن رسالة الرئيس دونالد ترمب، وجهوده المقدرة في ترسيخ دعائم السلام والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي، وما تضمنته من تقدير لدور مصر المحوري في دعم الأمن والاستقرار بالمنطقة»، كما ثمّن السيسي «اهتمام ترمب بمحورية قضية نهر النيل لمصر».

محادثات السيسي وترمب في شرم الشيخ بشهر أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، أن لقاء السيسي وترمب في «دافوس»، «يأتي في توقيت مهم وضروري، ويعكس الشراكة الاستراتيجية بين البلدين»، وقال إن «المحادثات تتزامن مع بدء تنفيذ المرحلة الثانية من (اتفاق غزة)»، مشيراً إلى أن «هذه المرحلة تعوّل عليها القاهرة، على أساس أن نجاحها، سيفتح الباب للتعامل الإيجابي مع القضية الفلسطينية، وإيجاد حلول عادلة لها».

وهناك تقدير أميركي متواصل للدور الذي تقوم به مصر للتهدئة في الإقليم، وفق تقدير هريدي، مشيراً إلى أن «واشنطن خلال العامين الماضيين، سواء وقت إدارة جو بايدن، أو مع إدارة ترمب الحالية، تدرك مركزية الدور المصري في التعامل مع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وفي تسوية الأزمات الإقليمية».

وفي عدة مناسبات، أطلق ترمب تصريحات ودية تجاه السيسي ومصر التي وصفها بأنها «دولة تسيطر على أمورها جيداً»، واستثناها من زيادة الجمارك التي فرضها على دول أخرى، كما تحدثت تقارير كثيرة موثوقة عن ضغطه على إسرائيل لتمرير صفقة الغاز الأخيرة معها.

وتجاوب ترمب مع رفض مصر تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، دون أن يتخذ موقفاً عدائياً ضد القاهرة، حيث لبى دعوة السيسي للمشاركة في قمة «شرم الشيخ للسلام»، للتوقيع على اتفاق لإنهاء الحرب في غزة.

ويرى السفير حسين هريدي، أن «الولايات المتحدة تعول على السياسة المصرية للتسوية في المنطقة»، مشيراً إلى أن «مصر لا تدعم أي ميليشيا مسلحة تعمل في دول بالمنطقة»، كما أن التحركات المصرية للتهدئة «تمتد إلى منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي أيضاً».

وفي أكثر من مناسبة، تؤكد مصر على استراتيجية علاقاتها مع الولايات المتحدة، وتحصل القاهرة على مساعدات عسكرية أميركية بقيمة 1.3 مليار دولار، منذ توقيع اتفاق السلام بينها وبين إسرائيل، وأعلنت الخارجية الأميركية، في سبتمبر (أيلول) 2024، عن «موافقة واشنطن على تقديم قيمة المساعدات كاملة» إلى القاهرة.

وهذا هو اللقاء الثاني الذي يجمع السيسي وترمب خلال ثلاثة أشهر، وفق أستاذ السياسات الدولية، أشرف سنجر، الذي قال إن «لقاء (دافوس)، سيكون مهماً للتأكيد على أهمية تنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام في غزة».

ويرى سنجر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الترتيبات الأمنية والإقليمية التي تقوم بها واشنطن، من الصعب أن تديرها بمفردها، بسبب تعقد المشاكل الإقليمية وتعدد أطرافها»، مشيراً إلى أن «التعاطي مع تلك المشكلات يتطلب تنسيقاً مع أطراف فاعلة في المنطقة مثل مصر».