انتصار قره باغ يعزّز سمعة «الملك المتوّج» إلهام علييف

واجه «الحرس القديم» وأحكم قبضته على أذربيجان... وعيّن زوجته نائباً للرئيس

انتصار قره باغ يعزّز سمعة «الملك المتوّج» إلهام علييف
TT

انتصار قره باغ يعزّز سمعة «الملك المتوّج» إلهام علييف

انتصار قره باغ يعزّز سمعة «الملك المتوّج» إلهام علييف

لم يكن رئيس أذربيجان إلهام علييف الذي يتربع على سدة الحكم في بلاده منذ نحو عقدين، في حاجة إلى نصر عسكري حاسم في إقليم ناغورنو قره باغ من أجل تثبيت أركان حكمه. ذلك أنه نجح عبر أربع ولايات رئاسية متتالية، في إضعاف خصومه، وفرض سلطات مطلقة في الجمهورية القوقازية السوفياتية السابقة.
إلا أن الزعيم القوي الذي عاش طوال حياته في جلباب أبيه حيدر علييف، الرئيس القومي صاحب لقب «صانع الاستقلال»، كان يحتاج بقوة إلى رفع رايات «نصر عظيم» ليعزز صورته وإنجازاته كبطل قومي، ليكون أول مرسوم رئاسي يصدره بعدما وضعت «حرب قره باغ» الأخيرة أوزارها تحديد العاشر من نوفمبر (تشرين الثاني) من كل عام «عيداً للنصر». هذه الهالة التي سيدخل علييف الابن سجلات تاريخ البلاد من بوابتها، تشكل سلاحاً إضافياً لتثبيت مقعده الرئاسي مدى الحياة، مهما بلغت حدة التعقيدات والصراعات في الفضاء المحيط. بعبارة أخرى، لم يعد الزعيم الذي يطلق عليه البعض صفة «الملك المتوّج» يخشى تداعيات «الثورات الملوّنة» التي هزّت الكراسي في بلدان مجاورة، وأطاحت كثيرين من زملائه السابقين... فمن ذا الذي يجرؤ الآن على تحدي «بطل الانتصار العظيم»؟
لا شك أن للنصر الذي حققت القوات الأذربيجانية في إقليم ناغورنو قره باغ الذاتي الحكم على الانفصاليين الأرمن، رمزية خاصة للرئيس الأذري، الذي ارتبط تاريخ عائلته بالنزاع المزمن مع أرمينيا. إذ إن والده، حيدر علييف، أول رئيس لأذربيجان بعد «إعلان الاستقلال» في نهاية العهد السوفياتي (والقيادي البارز سابقاً في السلطة السوفياتية)، ولد في ناخيتشيفان (نخجوان)، الإقليم الأذري الواقع داخل الأراضي الأرمينية. ثم إن عائلة علييف نفسها تتحدّر من قرية جومارتلي في منطقة زانجيزور، التي سميت فيما بعد سيسيان. والمنطقة كانت في مرحلة من التاريخ جزءاً من أذربيجان، لكنها الآن مدينة سيونيك في أرمينيا.
- نشأة مثيرة وظروف تاريخية
ولد الهام علييف في عام 1961، ونشأ في أحضان السلطة السوفياتية؛ إذ كان والده رئيساً لجهاز الاستخبارات الرهيب المعروف اختصاراً باسم الـ«كي. جي. بي». في أذربيجان. ثم ترأس الجمهورية كسكرتير أول للجنة المركزية للحزب الشيوعي في جمهورية أذربيجان الاشتراكية السوفياتية، قبل أن ينتقل إلى موسكو، حيث عمل نائباً لرئيس مجلس الوزراء (الحكومة) في الاتحاد السوفياتي المنحل.
لذا؛ لم يكن صعباً بالنسبة إلى إلهام الذي تخرّج عام 1977 من المدرسة الثانوية أن يلتحق فوراً بـ«معهد العلاقات الدولية» في موسكو، وهو المعهد المرموق التابع لوزارة الخارجية، الذي تخرّج فيه أبرز رموز الدبلوماسية الروسية، وبينهم رئيس الوزراء الراحل يفغيني بريماكوف ووزير الخارجية حالياً سيرغي لافروف.
في وقت لاحق سوف يتذكر إلهام علييف تلك المرحلة ليقول لأحد الصحافيين «تم قبولي على أساس شهادة تنص رسمياً على أنه في غضون خمسة أشهر فقط سأبلغ من العمر 16 سنة. كانت السنة الأولى من الدراسة هي الأكثر مسؤولية. إن الدراسة في باكو (عاصمة أذربيجان) لابن السكرتير الأول للجنة المركزية للحزب الشيوعي الأذربيجاني شيء... والدراسة في موسكو شيء آخر تماماً، في بيئة مختلفة، وحتى في هذه السن المبكرة. لكنني لم أخيّب ظن والدي، فقد درست جيداً في المعهد، ثم نجحت في الدراسات العليا».
في عام 1985، بعدما دافع إلهام عن أطروحته للحصول على درجة مرشح العلوم التاريخية، عمل في التدريس بالمعهد الدبلوماسي ذاته، لسنوات محدودة عاد بعدها إلى باكو عام 1991 عندما كان الاتحاد السوفياتي يلفظ أنفاسه الأخيرة. غير أن تلك الفترة كانت مهمة جداً، لكونها مهّدت لبروز نجم «ابن الرئيس الأذري» داخل الأوساط الدبلوماسية الروسية، وهي المرحلة التي تلتها خطوة أخرى لا تقل أهمية، مهّدت لبناء إلهام علييف علاقات وثيقة ظلت مستمرة لسنوات طويلة لاحقا مع تركيا.
حصل ذلك، بعدما انخرط إلهام علييف في الأعمال الخاصة. وسرعان ما أصبح رئيساً لشركة «أورينت» المتخصّصة في مجال النفط، لينتقل عام 1992 انتقل إلى إسطنبول، حيث ارتبط النشاط الرئيسي للشركة بتركيا. وفي العام التالي عاد إلهام إلى أذربيجان بعدما غدا والده رسمياً رئيساً للجمهورية الوليدة على أنقاض الدولة العظمى السابقة. ومنذ ذلك الوقت، لم يكن للحظة بعيداً عن السلطة في بلاده. ذلك أنه شغل في السنوات بين 1994 إلى 2003 منصب نائب الرئيس، ثم النائب الأول لرئيس SOCAR (شركة النفط الحكومية لجمهورية أذربيجان). ما يعني أنه شارك عملياً في تنفيذ «استراتيجية النفط لحيدر علييف».
خلال تلك الفترة، انتُخب عام 1995 نائباً في البرلمان، وظل في موقعه النيابي مع عمله في الشركة النفطية العملاقة، حتى تولى في أغسطس (آب) 2003 منصب رئيس وزراء جمهورية أذربيجان، وهو المنصب الذي بقي فيه مدة شهرين فقط، بتوصية من والده تمهيداً لانتقاله إلى مقعد الرئاسة.
- رئيساً لأذربيجان
حصل علييف الابن على أصوات نحو 80 في المائة من الناخبين، وسط تشكيك واسع من جانب مراقبين دوليين تحدثوا عن انتهاكات عديدة، ولم تعترف المعارضة الأذربيجانية بنتيجة الانتخابات. وفي اليوم التالي تحرك أكثر من 3000 من أنصار أحد مرشحي الرئاسة المعارضين من حزب المساواة على طول الشوارع المركزية بالعاصمة باكو، لكن التحرك قُمع بسرعة، وظهر علييف على شاشة التلفزيون الوطني ليقول:
«أؤمن بمستقبل سعيد لأذربيجان. أنا واثق من أن بلادنا ستستمر في التطور والتعزيز. ستحصل الديمقراطية في أذربيجان على مزيد من التطور، وسيصار إلى ضمان التعددية السياسية وحرية التعبير. ستصبح بلادنا دولة حديثة. لتحقيق كل هذا، يجب عمل الكثير في أذربيجان. ولكن من أجل تنفيذ كل هذا وتحويل أذربيجان إلى دولة قوية، من الضروري، أولاً وقبل كل شيء، مواصلة سياسة حيدر علييف في البلاد». هذه الكلمات كرّرها مرات عدة. وفي مقابلة مع صحيفة حكومية روسية، قال إن «أذربيجان اليوم هي عمل حيدر علييف، ويمكنك التحدث لساعات عما فعله للبلاد. ويجب أن نواصل مسيرته. لقد جاهدت دائماً وسأسعى لأكون مثل والدي».
عكست تلك العبارات جوهر المشكلة التي يواجهها الرئيس الشاب، الذي راكم خبرات عملية في شركات النفط، لكنه ما زال يفتقد الخبرات السياسية، كما أنه يفتقد «الكاريزما» التي كان يملكها والده. لقد ظل لسنوات يعيش على التركة السياسية لوالده صانع الاستقلال و«باني أذربيجان الحديثة».
لذا؛ سادت توقعات بأنه لن يكون قادراً على اتباع أسلوب قيادة صارم. لكن الأمر لم يقتصر على قدراته وخبراته؛ إذ اضطر إلهام علييف إلى الاعتماد كلياً على النخبة الحاكمة القديمة، وشغل أولئك الذين احتلوا مواقع مؤثرة في عهد الرئيس الأب جميع المناصب الوزارية المهمة. واستغرق الأمر سنتين للتحضير لتغيير الجهاز الرئاسي وتشكيل فريق مقرب منه.
- الانقلاب على الحرس القديم
في أكتوبر (تشرين الأول) 2005، أعلنت أذربيجان إحباط محاولة انقلاب، وجرى اعتقال 12 من أبرز الشخصيات في البلاد، بينهم وزير التنمية الاقتصادية ووزير المالية ووزير الصحة والرئيس السابق لأكاديمية العلوم في البلاد. وكان البعض، يعتقد وفقاً لتقارير، أن إلهام علييف لن يستطيع حكم البلاد. حتى أن أوساطاً اعتبرته شخصية انتقالية ستضمن انتقالاً ناجحاً إلى عضو آخر في النخبة الحاكمة. لكن اتضح أن إلهام كان سياسياً أكثر ذكاءً بكثير من تلك الافتراضات.
لقد أدرك أن التهديد الأكبر لحكمه لم يأت من المعارضة الهشة، بل من النخبة الحاكمة. فلقد أسفرت وفاة حيدر علييف عن إطلاق أيدي العديد من العناصر النافذة المؤثرة في «الحرس القديم» الذي ارتضى مرغما نقل السلطة إلى «شاب عديم الخبرة» كي يواصل التحكم بمفاتيح القرار في البلاد. وكان يترأس تلك المجموعة عمّ الرئيس، جلال علييف، وأقرب معاونيه علي إنسانوف وهو رئيس عشيرة إيراز (الأذربيجانيون من أرمينيا) ومؤسس حزب «أذربيجان الجديدة» الحاكم.
إلا أنه خلافاً لتوقعات الجميع، تعامل إلهام بقسوة مع خصومه السياسيين. إذ اعتقل إنسانوف وعدداً من أفراد عائلة علييف الممسكين بمواقع مهمة، بتهمة الوقوف وراء محاولة الانقلاب وأدينوا بالفساد والاختلاس. وأقدمت الحكومة على قمع المعارضة بعد الانتخابات البرلمانية في نوفمبر 2005.
هذه الإجراءات ساعدت، طبعاً، على محو صورة الرئيس على أنه ضعيف، وإن كانت قد نسفت في الوقت ذاته صورته كمصلح. ولكن المهم في اعتقال إنسانوف، زعيم إيراز، أنه بشّر بالنهاية الرمزية لحكم العشائر. ورغم أن بعض الشخصيات من إيراز واصلت الاحتفاظ بمعظم المناصب الرئيسية، فإن الولاء الشخصي والقرب من الرئيس أصبحا أكثر أهمية من الانتماء إلى عشيرة أو أخرى.
وعلى عكس والده، الذي اعتمد على عشيرته بالدرجة الأولى، اتجه إلهام إلى العمل مع أناس نشأوا في العاصمة باكو ونجحوا في العديد من الأحيان في الأعمال التجارية. وعموماً، ساهمت الإيرادات الكبيرة من صادرات النفط في تعزيز السلطة الرئاسية وتقوية هيمنة الأوليغارشية.
- تعديلات دستورية... ورئاسة مدى الحياة
أثناء الدورة الرئاسية الثانية أجرى إلهام علييف استفتاءً في البلاد لتعديل الدستور عام 2009، بمبادرة من حزب «أذربيجان الجديدة» الحاكم. وبحسب نتائج الاستفتاء صوّت 90 في المائة من المقترعين لصالح التعديلات. ومن التعديلات التي جرت الموافقة عليها منح الرئيس حق الترشح أكثر من مرتين. وهو ما مهد الطريق أمام إلهام لإنهاء الجدل الداخلي حول خلافته، مع أنه كان هناك اعتقاد شائع بأن الاستفتاء كان يهدف إلى توضيح للمتنافسين داخل النخبة الحاكمة أنه لا داعي للخوف من تغيير السلطة في المستقبل القريب. في أي حال، اتهمت المعارضة علييف بالعمل على تحويل أذربيجان إلى نظام حكم ملكي، واعتبرت المفوضية الأوروبية الاستفتاء «خطوة خطيرة إلى الوراء»، ووصفت منظمات دولية عدة، أذربيجان بأنها «بلد ركز فيه الرئيس سلطة واسعة بين يديه».
ووقع الاستفتاء الدستوري التالي خلال الولاية الرئاسية الثالثة عام 2016. هذه المرة بادر إلهام علييف نفسه إلى الطُلب من المواطنين التصويت لزيادة فترة الرئاسة من 5 إلى 7 سنوات، واستحدثت مناصب النائب الأول للرئيس ونواب الرئيس. وكان بين التغييرات المثيرة للجدل نقطتان أخريان تؤثران على أنشطة السلطتين التشريعية والتنفيذية. ففي عهد حيدر علييف - عندما كان إلهام رئيساً للوزراء - نظّم استفتاء نقلت على إثره نقل صلاحيات رئيس الدولة، في حال رحيله المبكر، ليس إلى رئيس مجلس النواب، بل إلى رئيس الوزراء. وفي هذه المرة، طُلب من المواطنين إقرار تعديل مختلف ينصّ على أنه إذا ما استقال الرئيس طواعية، فلا تنتقل صلاحياته إلى رئيس الوزراء، بل إلى النائب الأول للرئيس. ووفق على جميع التعديلات الـ29 في استفتاء عام 2016 بمستويات دعم تراوحت بين 90 و95 في المائة من الأصوات. ومجدداً، انتقد «مجلس أوروبا» هذا الاستفتاء، ووصفه بأنه ضربة جديدة للتطور الديمقراطي في البلاد.
ولكن، سرعان ما اتضحت بعد مرور ثلاثة أشهر على إقرار التعديلات الدستورية الجديدة، أهداف إلهام علييف منها. إذ أصدر في فبراير (شباط) 2017 مرسوماً رئاسياً بتعيين زوجته مهريبان لمنصب النائب الأول لرئيس الجمهورية. وللعلم، كانت السيدة الأولى منذ 2005 نائبة في البرلمان، إلا أنها غدت مع التعديلات الدستورية صاحبة سلطة واسعة جدا، ومرشحة أكثر من محتملة للرئاسة في حال تعرّض الرئيس لأي طارئ. وبطبيعة الحال، آثار هذا التعيين عاصفة من الجدل في أوساط الباحثين.



«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.