«سوء حظ»... تاريخ موجز لسيرة خاسر وموت دولة

سهيل سامي نادر كان يريد لحياته أن تمضي في مكان آخر

«سوء حظ»... تاريخ موجز لسيرة خاسر وموت دولة
TT

«سوء حظ»... تاريخ موجز لسيرة خاسر وموت دولة

«سوء حظ»... تاريخ موجز لسيرة خاسر وموت دولة

ليس سوى «سوء حظ»... هكذا ببساطة جارحة يكتب لنا سهيل سامي نادر ذكرياته عن عمله الصحافي في زمن الانقلابات. «سوء حظ»؛ كلمتان نكرتان يتصل بعضهما ببعض لتؤلفا عنواناً مشبعاً بالألم والسخرية والكوميديا السوداء. وهما معاً الصيغة الصادمة التي يجري عبرها اختصار نصف قرن من العذاب الشخصي للكاتب، وهو ذاته بعض تاريخ الصحافة في العراق، وتاريخ العراق في زمن الانقلابات، زمن المحن المتوالدة. فهل كان الأمر مجرد «سوء حظ» لازم واحداً من أبرع صحافيي العراق وأكثرهم مهارة وكفاءة وحظاً سيئاً؟ هل حقاً أن مصائر الناس والبلاد تصنعها الأقدار السيئة والحظوظ المتدنية في بلادنا سيئة الحظ؟
ثلاث قضايا كبرى تعلَّق بها كتاب «سوء حظ... ذكريات صحافي في زمن الانقلابات: المدى، بغداد، 2020»، ولقد تحكمت بالكتاب السيري، فكان تأكيداً لها وترديداً لبراهينها. هذه القضايا عبرت عنها مقدمة الكتاب بصراحة ووضوح كافيين؛ فهي المفاتيح الممهِّدة لعالم الكتاب. أولها مقصده من تركيبة «سوء حظ»، وهي لا تحيل، هنا، إلى مجرد تاريخ شخص مفرد عاش وعمل في إطار زمني محدد؛ إنها تربط «وللدقة علينا، ربما، أن نكتب تعجن!» مصائر أجيال عراقية كثيرة بصفة «سوء حظ» في سياق تاريخ عراقي محدد، إنه ما بعد انقلاب فبراير (شباط) عام 1963، ذلك الحدث الرهيب الذي جعل الكاتب وأقرانه ومن جاء بعدهم «مجرد شريك بسوء حظ ضم أجيالاً من العراقيين فقدوا الأمان وتحولت حياتهم إلى جحيم». نحن هنا إزاء «سوء حظ» وطني يشمل بلاداً كاملة في سياق تاريخي متصل ومعلن. يبدأ الحظ السيئ، شخصياً ووطنياً، بانقلاب فبراير عام 1963. ولا بأس، لكن لماذا يبدأ الكاتب بهذا الانقلاب؛ ألم يعنون الكتاب بقوله: «ذكريات صحافي في زمن الانقلابات»؛ أليس ما حدث قبل مذبحة فبراير هو انقلاب أيضاً، ألم يسمِ الكاتب نفسه ما حدث عام 1958 انقلاباً، ونص على هذه الكلمة في كتابه هذا وفي مقالات سابقة أثارت غضب جماعات سياسية محدَّدة؟ ليس لدي تفسير لما حدث سوى أمر واحد. يتعلَّق بحداثة عهد سهيل سامي نادر، شبابه المبكر بالنسبة لحدث يوليو (تموز) عام 1958، فسهيل المولود في البصرة عام 1943 لعائلة عراقية معروفة بانحيازها اليساري؛ أبوه سامي نادر، مثلاً، أحد مؤسسي الحزب الشيوعي العراقي، لم يزد عمره، آنذاك، على خمسة عشر عاماً. ماذا يعني هذا؟ لا شيء؛ فسهيل نفسه قد كتب مراراً أن ما حدث عام 1958 هو تمرين أولي على الحياة، وهو مختلف كلياً عن انقلاب فبراير الرهيب الذي دشن الصياغات الكبرى لتأميم الحياة والأمل والخطاب بمستوياته المختلفة في العراق. لكن «سوء حظ» يلتقي هنا، عميقاً، مع السياق المقاوم للقبح وتدمير الحياة السوية في العراق. إنه بعض ما يسميه الكاتب نفسه «تحويل سوء الحظ إلى ضرب من المزاح والمرح»، وهو عندي السبيل المتاحة، الوحيدة ربما، لمقاومة اليأس والخذلان بالضحك والسخرية. في فصول الكتاب، بالضبط، في اللحظات التي نجد فيها سهيل يكتب عن سيرته تحضر السخرية والنكتة المفارقة في لجة الخوف والكراهية المضادة.
وهناك ما يسميه صاحب رواية التل «سيطرة الأزمان القصيرة» التي تبدو لنا صياغة مختلفة لموت الذاكرة عند العراقيين. نعم، لم يكن سهيل سامي نادر في وارد مناقشة قضية الذاكرة والتذكر في سياق كتابه، هذا شأن آخر لا يتصل ربما بجوهر سيرته المتأثرة بفعل السلطة الضاغط عليه وعلى غيره ولا شك، لكن سيرة الذاكرة وموتها في عقول ومخيال الناس حاضرة، بقوة، ونحن نقرأ ونشاهد فعل السلطة المخرب لكيان الدولة. وإن شئتم يمكننا أن نتحدث عن سيرة موجزة لموت الدولة في العراق برواية سهيل سامي نادر. هل نحن نقوِّل الكاتب ما لم يقله؟ لا أعتقد، فقصر الزمن شاهد ودليل على موت الذاكرة الجمعية في مجتمع ما. تحضر قسوة النسيان المفروض على الناس عبر ما يسميه الكاتب «تراكم المشاكل» بدلاً من تراكم الخبرة. وهو فعل السلطة التي تنتقي أدواتها المخربة، وفي الطليعة منها تدمير ذاكرة المؤسسات بزعم تشييد ذاكرة جديدة. يكتب نادر أن لا أحد يبقى في مكانه طويلاً «يُستبدل الأشخاص عن طريق الغضب أو الترقيات، ويختفي أشخاص عن طريق السجن أو القتل أو الهجرة، وتفسد المؤسسات بألوان من التدخلات السياسية والفكرية والمزاجية». وهذا أسوأ أنواع ألزهايمر الوطني المضاد لفعل الذاكرة. في زمن الانقلابات لا ذاكرة للدولة وشعبها سوى ما يريده القائمون على السلطة.
القضية الثالثة الرئيسية أننا في سياق كتاب ينهمك بكتابة سيرة مهنية دامت خمسين عاماً، وما زالت مستمرة، ولسنا، من ثمَّ، بصدد سيرة ذاتية «شخصية». هل هناك فارق بينهما؟ سهيل سامي نادر نفسه يقول لنا في مقدمته إن محنته في هذا الكتاب انحصرت في عدم التوسع بأمرين: حياته الشخصية والسياسة. لكن متن السياسة توسع كثيراً لأنه جزء أصيل، أو هكذا هو في عراق الانقلابات، فصارت السيرة المهنية بعضاً من مشكلة السلطة في العراق. يسمي الكاتب سيرته «ذكريات»، وهذه الكلمة تضعنا أمام مقدار لا بأس به من الذاتية المتصلة بسيرة الكاتب الشخصية. نتأمل العنوان مجدداً؛ إنه يتحدث عن ذكريات صحافي في زمن الانقلابات، ثمة هنا هامش شخصي يتحرك بموازاة السيرة المهنية، وكلاهما يتشكَّل في إطار زمن سياسي مضطرب. هامش السيرة الشخصية للكاتب يحضر في تفاصيل وفصول متن السيرة، مع حرص كبير على ألا تتحول حياة الكاتب الشخصية إلى مأثرة كبرى، أو كما كتب في رسالة شخصية: «أنا حذر من أن أمنح حياتي قيمة كبيرة». وبتصوري أن هذه القيمة حاصلة لا محالة؛ في الأقل إنها إحدى صياغات الخطاب المضمرة، نجدها في منطق الخاسر سيئ الحظ، صاحب القصة. كذلك في منطق المقاومة الساخرة، في تذكير القارئ المستمر أن ثمة حظاً سيئاً يطارد الكاتب؛ في الخشية من ورطة الكتابة، وفي التشديد على منطق البريء، مصحح الأخطاء.
لا يحيد سهيل سامي نادر عن هذه القضايا الثلاث الرئيسية في فصول وفقرات الكتاب كلها. وعندي أنها المبادئ التي انتظمت وصاغت الكتاب. ولها الفضل كله في تمكين الكاتب من الظفر باللحظات الكبرى في سيرته المهنية، وهي ذاتها، ربما بتصرف، هوامش السيرة الذاتية، مثلما هي المفاصل الكبرى للتاريخ السياسي للعراق. كان منطق الخاسر، سيئ الحظ، مثلاً، وراء اكتشاف مأثرة الستينيين المنسية، إنها في مكان آخر، بعيداً عن الصخب والجدالات الشعرية الكبرى حول البيان الشعري وجماعة كركوك. يعود بنا الكاتب إلى قلب بغداد، بالضبط إلى ساحة التحرير، حيث نصب الحرية الذي دشن الستينات العراقية؛ هنا القصة كلها، فيما جرى نسيانه، إنها مأثرة الفنانين التشكيليين العراقيين التي جرى إهمالها لحساب المنجز الستيني في الشعر والرواية والقصة القصيرة. وأحسب أن الخاسر هو وحده القادر على اكتشاف المهمل الثمين؛ لأنه بعض خسارته. فقد تحول شعر الستينات العراقية إلى محض ظواهر شعرية مهمة ولا شك، فيما ظل الفن حاضراً في الذاكرة والوجدان. ولا رهان على خيارات الناس؛ عندما جعلوا من نصب الحرية مكاناً للتنديد والتظاهر ضد السلطة الفاسدة المخربة. لا رهان أبداً، إنما هو بعض مأثرة الفنان الستيني المنسي والمهمل، وهو صنيعه في ذاكرة الأجيال اللاحقة.
ومثلها، بالضبط، قصة موت الذاكرة في زمن تأميم الحياة والخطاب، وهو ما يسميه سهيل سامي «سلطة الأزمان القصيرة»، كما أشرنا سابقاً، فإنها تظهر بصفة الحاكم والمتحكم في متن السيرة المهنية، شأن السيرة الذاتية، فلا طموحات كبيرة، ولكن لا خيبات مدمرة أيضاً. يعرف الخاسر أن لا أمل يُرجى من الكتابة؛ فهي التي ستراكم الحظ العاثر، تستجلبه من كل حدب وصوب حتى لو كان في جزر الواق واق. لكن نادر العارف بطبيعة السلطة في بلاده سمح لنفسه بأن يكتب بدراية ومعرفة وتبصر يُحسد عليها. هل كان الحسد نوعاً من سوء الحظ؟ ربما...
في «سوء حظ» يجهد مصحِّح الأخطاء، كما وصف نفسه في الكتاب بلا قصد وفي سياق محدَّد، أن يتوخى أقصى درجات الموضوعية في كتابة سيرته المهنية؛ فهو يعرف أن كتابة سيرة الذات ورطة لا أصعب منها، وهو يعرف كذلك أنه فخ لا بد منه. فكيف ستكون الحال عندما نكتب عن ذات فاعلة ومبدعة في سياق عراقي ملتبس وعصيب؟ «سوء حظ» إضافة مهمة في النقاش حول الخطاب الثقافي العراقي في عهود ما بعد فبراير 1963 ويتصل بزمن الديكتاتور والاحتلال. وعندي أن الكتاب يضيء مناطق معتمة كان الكاتب قد عاش تفاصيلها وكتب عنها بمنطق العارف الأمين المصحِّح للأخطاء، لا سيّما في حالة العراق الذي أُحرقت مكتباته وسجلاته ووثائقه، فصار تاريخه الثقافي مشاعاً للمدَّعين. «سوء حظ» تاريخ موجز لسيرة الخاسر، سيئ الحظ، لكنه كذلك تاريخ موجز للبلاد سيئة الحظ.
* ناقد عراقي



المتحف المصري بالتحرير يبرز نسيجاً جنائزياً نادراً

من القطع النادرة للنسيج الجنائزي بالمتحف المصري (المتحف المصري)
من القطع النادرة للنسيج الجنائزي بالمتحف المصري (المتحف المصري)
TT

المتحف المصري بالتحرير يبرز نسيجاً جنائزياً نادراً

من القطع النادرة للنسيج الجنائزي بالمتحف المصري (المتحف المصري)
من القطع النادرة للنسيج الجنائزي بالمتحف المصري (المتحف المصري)

من خلال قطعة أثرية استثنائية تجسد تلاقي الفن الجنائزي، والعقيدة المصرية القديمة في العصور المتأخرة، ​يعرض المتحف المصري بالقاهرة نسيجاً جنائزياً نادراً استُخرج من مقبرة «باك إن رنف» بمنطقة سقارة في الجيزة.

​ويضم النسيج الأثري تكويناً فنياً دقيقاً يتوسطه الإله أوزوريس (رمز البعث والخلود)، يحيط به ثعبان على أنه رمز للحماية الكونية. وعلى جانبيه، تظهر الربتان إيزيس ونفتيس في وضعية الحماية المعتادة، مما يعكس استمرارية الطقوس الجنائزية المصرية، وتطورها الفني خلال تلك الحقبة، وفق بيان للمتحف، الاثنين.

وبالكشف عن نسيج جنائزي نادر مستخرج من مقبرة «باك إن رِنِف» بمنطقة سقارة، يضيف المتحف المصري بالتحرير صفحة جديدة إلى سجل عرض التراث المادي الدقيق لمصر القديمة، ويعيد تسليط الضوء على عناصر كثيراً ما ظلت في الهامش لصالح القطع الحجرية، والمعدنية. وفق حديث المتخصّصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «النسيج الجنائزي ليس مجرد بقايا مادية، بل وثيقة ثقافية تحمل دلالات دينية، واجتماعية، وتقنية، تعكس مكانة المتوفى، وطقوس العبور إلى العالم الآخر، إضافة إلى مستوى التطور في صناعة النسيج، وأساليب الصباغة، والحياكة».

وعدّت أهمية هذا العرض أنها تكمن في ربطه بين سياق الاكتشاف الأثري في سقارة، ووظيفة المتحف باعتباره مؤسسة علمية، وتنويرية، تُبرز القطعة داخل إطارها الزمني، والطقسي، لا بوصفها أثراً معزولاً.

وقالت إن «إبراز هذا النسيج الجنائزي النادر يعكس توجهاً متقدماً في الخطاب المتحفي المصري، يقوم على قراءة شمولية للتراث، ويمنح الجمهور -المتخصص وغير المتخصص- فرصة لفهم أعمق للحياة اليومية، والمعتقدات الجنائزية في مصر القديمة، بعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل الحضارة في التماثيل، والعمارة فقط».

يضم المتحف آثاراً من عهد بناة الأهرامات (المتحف المصري)

​وتعكس هذه القطعة مهارة النساج المصري في دمج الرموز الدينية التقليدية مع المؤثرات الفنية للقرن الثاني الميلادي، مما يجعلها مرجعاً مهماً لدراسة تطور النسيج في مصر القديمة، وهي كتان ملون بتقنيات صباغة متقدمة من حفائر بعثة «إددا بريشياني» التابعة لجامعة بيزا الإيطالية في سقارة.

ويوضح المتخصص في المصريات، والفن المصري القديم، الدكتور عمر المعتز بالله، أن «اللغة الطقسية المصرية تعد كلاً من القيام (رس) والتحول إلى (آخ) فعلين ضروريين مرتبطين ببعضهما البعض، أي إن التلفظ بهما يُحدث تغييراً وجودياً معيناً للمتوفى. ومن ثم فإن البعث يفهم باعتباره ارتقاء من حالة الموت الساكن إلى حالة وجود ممكنة قادرة على الاستمرار، والفعل في العالم الآخر».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «يشكل هذا المبدأ النصي الأساس اللاهوتي لتوسط صورة أوزيريس في المنسوجات الجنائزية، مثل القطعة القادمة من سقارة. فـأوزيريس لا يصور هنا باعتباره كياناً مقدساً لدى المصري القديم فحسب، بل بوصفه النموذج الكوني للحياة المستعادة الذي يتماهى معه المتوفى طقسياً».

ويعدّ المتحف المصري بميدان التحرير (وسط القاهرة) أقدم متحف أثري في الشرق الأوسط، وفق وزارة السياحة والآثار المصرية، ويضم مجموعة من التماثيل، والقطع الأثرية لملوك عصر بناة الأهرامات، والمجموعة الجنائزية ليويا وتويا الملك جدي الملك أخناتون، وكنوز تانيس، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من مومياوات الحيوانات، وأيضاً ورق البردي، والتوابيت، والحلي من مختلف العصور.

وقال الخبير الآثاري، والمتخصص في علم المصريات، أحمد عامر، إن «المتحف المصري بالتحرير يسعى في الفترة الحالية لتسليط الضوء على قطع أثرية فريدة، وتوابيت جنائزية يتم عرضها لأول مرة لزائريه لترسيخ مكانته في العرض المتحفي»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه القطعة الأثرية الاستثنائية تحمل العديد من الرموز، والدلالات التي تؤكد عظمة الديانة المصرية القديمة، وتبرز مكانة الفكر الديني في الحضارة المصرية القديمة، والعقيدة التي كانت موجودة في تلك الفترة، ومدى حرص المصري القديم على حياته في العالم الآخر».

وخلال الأسبوع الماضي، قدم المتحف تجربة عرض استثنائية تحت عنوان: «الخبيئة: كنوز خفية»، تسلط الضوء على أسرار الدفن في مصر القديمة، عبر مجموعة مختارة من التوابيت المبهرة، من بينها 15 تابوتاً تعرض لأول مرة أمام الجمهور، من ثلاث خبيئات ملكية وكهنوتية تم اكتشافها في القرن التاسع عشر.


جناي بولس تتألق في «صندانس» بفيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»

انتقلت من مهنة الصحافة إلى عالم السينما (جناي بولس)
انتقلت من مهنة الصحافة إلى عالم السينما (جناي بولس)
TT

جناي بولس تتألق في «صندانس» بفيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»

انتقلت من مهنة الصحافة إلى عالم السينما (جناي بولس)
انتقلت من مهنة الصحافة إلى عالم السينما (جناي بولس)

حققت المخرجة اللبنانية جناي بولس تقديراً في مهرجان «صندانس» السينمائي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، حيث نالت «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي، في إنجاز يعكس قيمة المضمون الأخلاقي والمعنوي لمهنة الصحافة.

تفرّغت جناي للعمل السينمائي بعد مسيرة طويلة في مجال الصحافة، واستندت في فيلمها إلى تجارب شخصية عاشتها مع حبيبها عبد القادر حبق، الذي أصبح لاحقاً زوجها.

وعقب فوزها، قالت جناي بولس في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «بالنسبة لي، تؤكد هذه الجائزة أهمية الصحافة، ليس فقط كمهنة، بل بوصفها عملاً أخلاقياً يقوم على الشهادة، وقول الحقيقة. فالصحافة الأكثر تأثيراً لا تنبع من الحياد البارد، بل من الانخراط، والتعاطف، والصدق».

وكانت بولس قد قدمت فيلمها إلى مهرجان «صندانس» السينمائي في الولايات المتحدة، وتقول عن ترشحه: «قدمت الفيلم في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، وبعد نحو شهرين تلقيت رسالة تفيد بإعجابهم بالعمل. الفيلم يشارك ضمن مسابقة (وورلد سينما) للأفلام الوثائقية، ويتنافس مع أعمال أخرى على جوائز المهرجان».

وشهد المهرجان هذا العام عرض 20 فيلماً وثائقياً طويلاً من إنتاج غير أميركي، تميزت بالابتكار، وارتكزت على مواهب دولية صاعدة. وأقيمت فعالياته بين 22 يناير (كانون الثاني) و1 فبراير (شباط) في مدينة بارك سيتي بولاية يوتا، ويهدف المهرجان إلى تسليط الضوء على سرديات جريئة، ومتنوعة. ويُعد «صندانس» مركزاً رئيساً للأفلام الوثائقية، حيث تُمنح الجوائز من لجان التحكيم، والجمهور في فئات متعددة.

تشير جناي بولس إلى أن فيلمها يتناول قصتها مع زوجها منذ التعارف. ففي تلك المرحلة كانت تعمل في غرفة الأخبار بمحطة «بي بي سي» في لندن، بينما كان عبد القادر حبق ناشطاً إعلامياً في سوريا خلال الحرب، والحصار. وقد نشأ بينهما تعاون إعلامي، إذ كان يزودها بآخر تطورات الحرب في بلده.

وتقول جناي: «تطورت علاقتنا مع الوقت، لا سيما أننا ننتمي إلى خلفيات متشابهة. فكلانا فُرضت عليه الهجرة بسبب الحرب، وتقاسمنا مشاعر الانسلاخ عن الأرض، والحنين إليها».

لاحقاً، انتقل حبق إلى تركيا، ومنها إلى لندن، حيث تعرَّفت إليه عن قرب. ويضيء الفيلم على قضايا الهجرة، والغربة، وعلى علاقة عاطفية تنشأ بين شخصين من دينين مختلفين. وتضيف جناي: «نقلت في الفيلم كل الصراعات الداخلية التي خضناها، كلٌّ من موقعه، وتجربته».

هذا الصراع الشخصي ألهمها لإنتاج أول أفلامها في السينما المستقلة، معتمدة على تقارير، وصور صحافية، إضافة إلى محادثات إلكترونية دارت بينها وبين زوجها، ليظهر العمل بمثابة قصة حب تشكّل خيطه المحوري.

تروي جناي في «عصافير الحرب» قصتها وزوجها (جناي بولس)

وتروي جناي أن إنجاز الفيلم استغرق نحو 3 سنوات، قائلة: «استعنّا بفريق عمل كبير ليقدّم رؤيته من خارج ثنائيتنا. فعندما يروي أحدنا قصة من حياته الواقعية، يحتاج إلى من يساهم في ضبط الوقائع كي لا يطغى عليها التشتت». وتضيف: «رويت في الفيلم ذكريات أحملها معي في غربتي عن بلدي. لبنان حاضر بقوة في العمل، كما ينقل أحداثاً حقيقية وقعت في سوريا».

وتؤكد جناي أن شعوراً بالذنب كان يرافقها بعد مغادرتها لبنان: «كانت المسافة التي تفصلني عن وطني تؤرقني، إذ كنت أتابع الأحداث من مكتب إخباري في لندن، مستندة إلى تقارير تصلني من دون أن أشارك فيها ميدانياً. من هنا وُلدت فكرة الفيلم، لأوثّق كل هذه المشاعر، وأترجمها».

وترى أن عرض الفيلم لأول مرة كان تجربة مؤثرة: «امتلأت الصالة بجمهور عربي، وأميركي، وعندما تفاعل الحضور بالتصفيق الحار في الختام، شعرت بتأثير العمل عليهم».

وترى جناي أن الفيلم يحمل رسالة إنسانية تدعو إلى التعاطف بين الناس: «علينا أن نفهم بعضنا بعضاً. في النهاية نحن جميعاً بشر، والسياسة وحدها قادرة على تفريقنا».

وعقب إعلان فوز الفيلم، نشرت جناي على حسابها في «إنستغرام» كلمات شكرت فيها زوجها على دعمه، قائلة: «قبل 3 سنوات تقريباً، أمسك هذا الرجل الشجاع بيدي وقلبي، بينما كنا نخطو خطوة إيمانية لنتبع ما نؤمن به، وننصت إلى أصواتنا الداخلية».

وتختم حديثها بالقول: «يشرفني أن يُحتفى بهذا العمل للسبب نفسه الذي صُنع من أجله، أي منح صوت للواقع المعيش. كما يذكّر الجمهور بأن خلف كل عنوان إخباري أشخاصاً حقيقيين، لهم آمالهم، ومخاوفهم، وروابطهم الإنسانية».


صراع الصدارة يشتعل بين فنانين مصريين عشية موسم رمضان

صراع الصدارة يشتعل بين فنانين مصريين عشية موسم رمضان
TT

صراع الصدارة يشتعل بين فنانين مصريين عشية موسم رمضان

صراع الصدارة يشتعل بين فنانين مصريين عشية موسم رمضان

انطلق صراع الصدارة حول الأعلى أجراً والأكثر مشاهدةً بين فنانين مصريين عشية موسم دراما رمضان الذي يشهد منافسةً كبيرةً بين أكثر من 30 عملاً درامياً ما بين إنتاجات «الشركة المتحدة» وبعض شركات الإنتاج الخاصة.

وكتب الفنان عمرو سعد الذي يخوض الموسم الرمضاني بمسلسل «إفراج»، على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك»: «الطموح حلو»، وظهر في صورة ممسكاً بلوحة الكلاكيت التي تحمل عنوان مسلسله الجديد.

وانتقد سعد ادعاء زملاء له تربعهم على عرش المشاهدات والنجومية عبر مداخلة تلفزيونية مع الإعلامي عمرو أديب ببرنامجه الحكاية (الأحد) الذي يُعرض عبر قناة «إم بي سي مصر» في معرض سؤال لعمرو أديب عمن يكون الأعلى أجراً حالياً في الدراما، فرد عليه قائلاً إن «هذا سؤال لا يُسأل»، مضيفاً أنه بطبيعته خجول ولا يحب أن يشير لنجاج حققه، ومشدداً على أنه «لا يوجد محطة تلفزيونية ولا منصة ولا مُنتج في مصر إلا ويدرك أن مسلسل عمرو سعد هو الأعلى في القيمة التسويقية، والأغلى في الوطن العربي كله»، معبراً عن فخره كفنان مصري استطاع أن يحقق ذلك خلال 5 سنوات.

وقال خلال حديثه إنه «لا يصح أن نكذب على الجمهور وإلا نكون بذلك نغشهم في البضاعة التي نقدمها لهم»، لافتاً إلى «حدوث متغيرات مذهلة، وأن كثيراً من الناس يتلقون الشائعات على أنها حقائق، وهذه هي المشكلة»، مطالباً الناس بأن تزن بعقلها ما يقال.

أحمد العوضي على ملصق مسلسل «علي كلاي» (حسابه على فيسبوك)

ورأى متابعون عبر مواقع التواصل أن تعليق عمرو سعد جاء رداً على ما أثاره الفنان أحمد العوضي حول أنه الأعلى أجراً والأعلى مشاهدة، وطالب بعضهم، الفنانين، بوقف هذه التصريحات، وأن يتركوا للجمهور الحكم على أعمالهم عند عرضها، وكتب حساب باسم ياسر محمود: «يا خسارة على الفن المصري بعد رحيل نجومه الكبار واعتزال عادل إمام، عمرنا ما سمعنا ولا شفنا مثل هذه المهاترات».

كان أحمد العوضي ظهر مؤخراً في «لايف» عبر حسابه على «فيسبوك»، وقال إنه النجم الأعلى أجراً في مصر والأعلى مشاهدة ومبيعاً في مصر، مؤكداً أنه سيكمل مسيرة النجاح مع مسلسل «علي كلاي» ليكون الأعلى أيضاً في رمضان المقبل بفضل دعم جمهوره، ومشيراً إلى أن الفرق بينه وبين المركز الثاني كبير، ليدخل على الخط وائل شقيق الفنانة ياسمين عبد العزيز وقد نشر صورة تجمع ياسمين ومحمد رمضان قائلاً إن «الاثنين الأعلى أجراً وجماهيرية بالوطن العربي».

مسلسل محمد إمام (حسابه على فيسبوك)

وأثارت تصريحات العوضي جدلاً كبيراً، وعلق الفنان محمد إمام عبر حسابه على «إنستغرام» قائلاً: «(الزعيم) عادل إمام كان وما زال الأعلى أجراً في الوطن العربي ولم يستطع أحد أن يقترب منه».

وكانت قد أثيرت مناوشات بين أحمد العوضي وياسمين عبد العزيز العام الماضي حينما أعلن العوضي عن تصدر مسلسله «فهد البطل» قائمة الأعلى مشاهدة على منصة «وتش إت»، ونشرت ياسمين عن حصولها على جوائز أفضل ممثلة، وكتب المؤلف عمرو محمود ياسين أن مسلسل «وتقابل حبيب» حاز المركز الثالث على المنصة ذاتها لكنه كان يعرض على منصة «شاهد» أيضاً، ما يجعله يوازي المركز الأول في الأكثر مشاهدة.

مصدر الأرقام

وتتساءل الناقدة ماجدة خير الله عن مصدر الفنانين لتلك الأرقام، مؤكدة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أنه لا يوجد مقياس يمكن الوثوق به، وأن ما يقولونه يعكس قلة الثقة بالنفس لأن من لديه ثقة في تكوينه كفنان لا يلجأ لأرقام ولا إعلان، قائلة إن «أحمد العوضي يقدم لوناً واحداً لم يخرج عنه منذ بدايته، كما أن تجربته في السينما لم تكن ناجحةً رغم عمله مع مخرج له اسم مثل خالد يوسف».

ياسمين عبد العزيز تتصدر بطولة «وننسى اللي كان» (حسابها على فيسبوك)

وتلفت خير الله إلى أن «محمد رمضان اعتبر نفسه قبل سنوات (نمبر وان)، فهل يستطيع أن يقول عن نفسه ذلك الآن في وقت لم يعد له وجود بالسينما أو الدراما التلفزيونية، وأصبح هناك من يقدمون نفس لونه». مشددةً على أنه «لا يوجد أحد يكون رقم 1 إلى الأبد، وأن من يعلن تفوقه يجب أن يكون لديه ما يوثق كلامه حتى يتمتع بالمصداقية أمام جمهوره».

ورأى الناقد أحمد سعد الدين أنه لا يوجد بين من يدعون أنهم الأعلى أجراً من يجرؤ على إعلان أجره الحقيقي، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الأجر الذي يُحاسب عليه الفنان ضريبياً يكون مختلفاً عما يتقاضاه في الواقع، كما أنه لا يوجد ما يُثبت من هو صاحب الأجر الأعلى، عاداً هذا مجرد كلام مرسل وصراع زائف الهدف منه الدعاية لأعمالهم قبل شهر رمضان. وأشار سعد الدين إلى أن «محمد رمضان هو من أشعل هذا الأمر قبل 10 سنوات، وقال أنا الأعلى أجراً وهناك من يسير على نفس خطته في الدعاية لنفسه الآن».

منافسة كبيرة

ويشهد موسم رمضان 2026 منافسة كبيرة بين مسلسلات عدة، من بينها «رأس الأفعى» لأمير كرارة، و«كان يا ما كان» لماجد الكدواني، و«توابع» لريهام حجاج، و«مناعة» لهند صبري، و«حكاية نرجس» لريهام عبد الغفور، و«أولاد الراعي» لأحمد عيد، و«فخر الدلتا» لأحمد رمزي، و«درش» لمصطفى شعبان، و«اتنين غيرنا» لدينا الشربيني، و«النص التاني» لأحمد أمين، و«فرصة أخيرة» لطارق لطفي، و«اللون الأزرق» لجومانا مراد، و«على قد الحب» لنيللي كريم، و«عرض وطلب» لسلمى أبو ضيف، و«فن الحرب» ليوسف الشريف، و«علي كلاي» لأحمد العوضي، و«بيبو» لأحمد بحر (كزبرة)، و«أب ولكن» لمحمد فراج، و«حد أقصى» لروجينا، و«كلهم بيحبوا مودي» لياسر جلال، و«عين سحرية» لعصام عمر، و«صحاب الأرض» لمنة شلبي.