تلوث الهواء في البلدان العربية يتجاوز 10 أضعاف الحدود العالمية

تلوث الهواء في البلدان العربية يتجاوز 10 أضعاف الحدود العالمية
TT

تلوث الهواء في البلدان العربية يتجاوز 10 أضعاف الحدود العالمية

تلوث الهواء في البلدان العربية يتجاوز 10 أضعاف الحدود العالمية

تنشر صفحة البيئة في «الشرق الأوسط» ابتداءً من هذا الأسبوع سلسلة مقالات عن التحديات البيئية ذات الانعكاسات الصحية في البلدان العربية، وذلك استناداً إلى فصول التقرير عن «الصحة والبيئة» الذي صدر أخيراً عن المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد). ويتضمن التقرير أحدث المعلومات عن قضايا الهواء والمياه والنفايات والبيئة البحرية وتغير المناخ. الحلقة الأولى عن تلوث الهواء، وهي تستند في معلوماتها إلى الفصل الذي كتبه الدكتور حسن الدهيني، أستاذ علم السموم وتقييم المخاطر الصحية في الجامعة الأميركية في بيروت، والدكتور شربل عفيف، الباحث في تلوث الهواء وتغير المناخ والأستاذ في جامعة القديس يوسف في لبنان وفي مركز أبحاث المناخ والغلاف الجوي في قبرص.

تمثل الثورة الصناعية التي بدأت في القرن الثامن عشر حقبة جديدة تتعلق بجودة الهواء، حيث أدى التصنيع والنمو السريع لسكان العالم إلى زيادة في استهلاك الوقود الأحفوري من أجل تلبية الطلب المتزايد على الطاقة، ونمو في النشاط الزراعي لضمان الأمن الغذائي العالمي، وتراكم في النفايات، وقطع للغابات، مع ما يعنيه كل ذلك من تأثير على نوعية الهواء والبيئة عموماً.
ويرتبط تلوث الهواء الداخلي والخارجي بطيف واسع من الآثار الصحية الحادة والمزمنة، بما في ذلك أمراض القلب والرئة والسرطان بأنواعه المختلفة. وإلى جانب آثاره الصحية، يمكن لتلوث الهواء أن يتسبب أيضاً في هطول الأمطار الحمضية، وإضعاف مدى الرؤية على الطرقات، وإلحاق ضرر بالنباتات.
وكانت الأمم المتحدة اعتبرت في سنة 2015 تلوث الهواء تحدياً ملحاً، وجعلته مقصداً لاثنين من أهداف التنمية المستدامة حتى سنة 2030. فهي دعت في الهدف 3.9 إلى الحد بشكل كبير من الوفيات والأمراض الناجمة عن المواد الخطرة في الهواء والماء والتربة الملوثة، ونادت في الهدف 11.6 المتعلق بالحد من العوامل الضارة والأثر البيئي للفرد في المدن إلى إيلاء اهتمام خاص بنوعية الهواء.
ويناقش تقرير «الصحة والبيئة»، الذي صدر هذه السنة عن المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد)، الدوافع البيئية الرئيسية التي لها تأثير كبير على مختلف جوانب صحة الإنسان في الدول العربية، بما فيها تلوث الهواء، ولا سيما أن الدول العربية من بين أكبر المساهمين عالمياً في انبعاثات أول أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين.
وتعزى الانبعاثات المرتفعة على الطرق في المنطقة العربية إلى قيادة المركبات المتهالكة، والاستخدام غير الفعال للوقود، وضعف التحكم بانبعاثات العادم. وتغيب اللوائح التي تضبط نوعية الهواء على الطرقات في معظم الدول العربية، أو تكون منقوصة غير شاملة. ففي لبنان مثلاً توجد رقابة على ثاني أكسيد الكربون فقط، فيما تعد لوائح الكويت الأكثر اكتمالاً في المنطقة، ولا توجد تشريعات ناظمة في معظم البلدان.
وغالباً ما تتجاوز مؤشرات جودة الهواء في البلدان العربية القيم التوجيهية لمنظمة الصحة العالمية بنحو 5 إلى 10 أضعاف في بعض المناطق. ويعزى هذا التدني في النوعية إلى عوامل طبيعية وبشرية. فمن ناحية تتأثر جودة الهواء المحيط سلباً بجزيئات ملح البحر والغبار، ومن ناحية أخرى ترتبط بالنشاط البشري حيث تتركز الانبعاثات.
ويشير تقرير «أفد» إلى أن الانبعاثات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا زادت بمقدار خمسة أضعاف خلال العقود الثلاثة الماضية، بسبب زيادة الطلب على المياه والطاقة والنقل. وفي السعودية والبحرين والكويت والإمارات ارتفعت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بمعدل 6 في المائة سنوياً بين سنتي 2005 و2014، جنباً إلى جنب مع ارتفاع إجمالي الناتج المحلي وزيادة استهلاك الطاقة.
وتؤدي هيمنة سيارات الركاب الخاصة على وسائط النقل في البلدان الخليجية إلى مضاعفة مشاكل الازدحام المروري وزيادة الانبعاثات. علماً أن المركبات على الطرق العامة في معظم بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مسؤولة عن 59 في المائة من انبعاثات أكاسيد النيتروجين في المنطقة، وهي أيضاً تنتج 90 في المائة من ثاني أكسيد الكربون و75 في المائة من المركبات العضوية المتطايرة.
وتعاني المنطقة العربية من ارتفاع نسبة الجسيمات المعلقة في الهواء. ففي الكويت كان المتوسط السنوي للجسيمات التي يقل حجمها عن 10 ميكرون أكثر بثماني مرات من الحد الأعلى وفق معايير منظمة الصحة العالمية بين سنتي 2014 و2016. وتظهر مراجعة بيانات عدة دول في المنطقة، بما فيها مصر والأردن والكويت وسورية وقطر والإمارات ولبنان، أن تراكيز الجسيمات المعلقة التي يقل حجمها عن 2.5 ميكرون تتجاوز غالباً القيمة التوجيهية المحددة من قبل منظمة الصحة العالمية. ويزداد الضرر الصحي للجسيمات المعلقة كلما صغر حجمها.
وفي مصر على سبيل المثال، تمثل حركة المرور على الطرق مصدراً لنحو 36 في المائة من الجسيمات المعلقة التي يقل حجمها عن 2.5 ميكرون. وفي دول مجلس التعاون الخليجي يعزى ما نسبته 54 في المائة من مستويات هذه الجسيمات إلى الغبار والعواصف الرملية واحتراق النفط في محطات توليد الطاقة.
وفي البلدان غير المنتجة للنفط، مثل لبنان، تعتبر الأنشطة البشرية الأخرى كالصناعة والنقل البري ومواقع البناء مصدراً مهماً للجسيمات المعلقة في الهواء. وتتجاوز تراكيز الجسيمات المعلقة التي يقل حجمها عن 2.5 ميكرون القيمة الإرشادية لمنظمة الصحة العالمية بما يصل إلى خمسة أضعاف، مع تعرض مفرط في مصر والسعودية بسبب العواصف الترابية المتكررة.
ومن ناحية أخرى، شهدت الفترة بين 2005 و2014 زيادة في تراكيز ثاني أكسيد النيتروجين تتراوح بين 3 و12 في المائة، وكذلك في ثاني أكسيد الكبريت بزيادات بين 60 و120 في المائة. ورصدت أعلى مستويات تلوث الهواء فوق موانئ ومصافي تكرير النفط وفي المناطق الحضرية في البحرين والكويت وقطر والإمارات والسعودية.
ومنذ التخلص التدريجي من البنزين الحاوي على الرصاص، أصبحت أكثر من 175 دولة خالية من الرصاص، مما يمثل استئصالاً شبه عالمي. ومع ذلك، لا يزال هذا الوقود يستخدم في بعض الدول العربية مثل العراق والجزائر واليمن. علماً أن تراكيز الرصاص في الدم لدى الأطفال تقترن بتراجع الذكاء والصعوبات السلوكية ومشاكل التعلم.
وتشير العديد من الدراسات التي أجريت في الدول العربية إلى وجود تلوث كبير للهواء الداخلي. ويرتفع تلوث الهواء في الأماكن المغلقة بدرجة كبيرة في دول مجلس التعاون الخليجي بسبب اضطرار المواطنين للبقاء مزيداً من الوقت في الداخل نتيجة الظروف المناخية، واستمرار تشغيل مكيفات الهواء لساعات طويلة، والتدخين في الداخل، والاكتظاظ.
وعلى نحو واسع، تتأثر جودة الهواء الداخلي في البلدان العربية بتدخين التبغ، ولا سيما انتشار تدخين الشيشة في الأماكن المغلقة. ويعد الأطفال أكثر عرضةً للتلوث الداخلي لتواجدهم ساعات طويلة في أماكن غير مهواة كالمدارس التي لا تحتوي على أجهزة تدفئة مناسبة أو لا توفر معالجة لهواء التبريد.
وينوه تقرير «أفد» بالأحداث المستجدة التي تؤثر على نوعية الهواء في العالم العربي، حيث تسبب النزاع في سورية خلال السنوات الماضية في انخفاض مستويات ثاني أكسيد النتروجين في البلاد بنحو 30 إلى 40 في المائة نتيجة انخفاض النشاط البشري بسبب النزوح. وتسببت حالة النزوح إلى لبنان في زيادة الانبعاثات وتلوث الهواء الناتج عن النقل البري والتدفئة والنفايات الصلبة وتوليد الكهرباء.
وفي حين لا توجد أي دراسات حتى الآن تتناول تأثير أزمة «كوفيد - 19» على جودة الهواء والصحة في المنطقة العربية، فقد أظهرت دراسة نوعية الهواء في 27 دولة حول العالم انخفاضاً في مستويات ثاني أكسيد النيتروجين والأوزون الأرضي والجسيمات المعلقة. وتشير تقديرات سنة 2020 إلى أن إجراءات مواجهة انتشار فيروس كورونا ساعدت في تجنب 7400 حالة وفاة مبكرة و6600 حالة ربو لدى الأطفال خلال أسبوعين من بدء الإغلاق. أما من ناحية تأثير نوعية الهواء على الوباء، فقد تبين أن فيروس «كورونا» ينتشر بسرعة في المناطق التي تتمتع بدرجات مرتفعة من تلوث الهواء، كما أن المضاعفات الصحية للإصابة تكون أكثر حدة في هذه المناطق، حيث يصيب الهواء الملوث الجهاز التنفسي بالضعف ويفقده المناعة. وهذا يفسر انتشار الإصابات في المناطق المكتظة في المدن، ذات نوعية الهواء السيئة، أكثر من انتشاره وأثره في الأرياف.
ويرتبط تلوث الهواء الداخلي والخارجي بزيادة المخاطر الصحية مثل الوفاة المبكرة وأمراض القلب والرئة والسرطان. ووفقاً لمقياس عبء المرض العام، الذي يعبر عنه بعدد السنوات الضائعة من العمر بسبب اعتلال الصحة أو الإعاقة أو الوفاة المبكرة، تصل سنوات الحياة الصحية المفقودة لكل 100 ألف مواطن عربي بسبب تلوث الهواء إلى 5 سنوات في العراق، و3 سنوات في ليبيا وجيبوتي، وسنتين في مصر، وإلى ما دون ذلك في باقي الدول.
وتحدث معظم أمراض الجهاز التنفسي بسبب العوامل المحمولة جواً، مثل البكتيريا والفيروسات والمواد الكيميائية والمواد المسببة للحساسية والغازات وجزيئات الغبار. وفي السنوات الأخيرة، اتسع انتشار الربو بشكل عام في العالم العربي مع زيادة التحضر. كما لوحظ أن السكن بالقرب من مصدر لتلوث الهواء هو عامل خطر للإصابة بأمراض القلب والرئة.
وفي دراسة أجريت في لبنان، ارتبط العيش في المناطق الحضرية بالقرب من حركة المرور بسرطان الرئة. كما ارتبط التعرض لتلوث الهواء، خاصةً أكسيد النيتروجين، بأنواع مختلفة من السرطان.
وتتأثر جودة الهواء أيضاً بالاحتباس الحراري، حيث زادت العواصف الترابية المنبعثة من الصحاري الكبيرة في شبه الجزيرة العربية من حيث التكرار والشدة على مدار السنوات الماضية، ويرجح أنها تسببت في زيادة معدلات الوفيات والإصابة بالربو وأمراض الجهاز التنفسي الأخرى.
ويوصي تقرير «أفد» باتخاذ مجموعة من الخطوات لتحسين إدارة جودة الهواء، تشمل تحديث الإطار التشريعي من أجل تحديد المعدلات القصوى المسموحة من مصادر التلوث المحتملة الثابتة والمتنقلة، وإقامة شبكة من المحطات الدائمة لقياس نوعية الهواء، والحزم في إجراءات معاقبة الملوثين عبر تطبيق القوانين بطريقة فعالة، والحفاظ على مراقبة الهواء لضمان الجودة، وإنشاء قوائم جرد عالية الدقة للانبعاثات على الصعيد الوطني، ووضع قوائم أولويات لتقييم المخاطر الصحية على أساس رصد الهواء، واعتماد خطوات إجرائية توازن بين تراكيز الملوثات والاستجابة للمخاطر الصحية.


مقالات ذات صلة

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

بيئة الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
بيئة أقدام الديناصورات التي اكتشفها علماء حفريات إيطاليون (أ.ب)

العثور على آثار أقدام ديناصورات بجبال الألب في إيطاليا

اكتشف علماء حفريات إيطاليون الآلاف من آثار أقدام الديناصورات على صخرة شبه عمودية على ارتفاع أكثر من ألفي متر فوق مستوى سطح البحر في متنزه ستلفيو الوطني.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الاقتصاد وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية خلال اجتماعها مع أحد المستثمرين (رئاسة مجلس الوزراء)

مصر تبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية

عقدت وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية اجتماعاً مع أحد المستثمرين لبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
علوم يؤكد الباحثون أن الصدوع التي تقع على أعماق سحيقة في باطن الأرض يمكن أن تلتحم من جديد بعد انكسارها نتيجة الهزات الأرضية (بيكسباي)

الأرض «تضمد جروحها» بعد الزلازل القوية

توصل فريق من علماء الجيولوجيا في الولايات المتحدة إلى أن الصدوع الزلزالية العميقة في باطن الأرض يمكن أن تلتئم في غضون ساعات بعد حدوث الهزات الأرضية القوية.

«الشرق الأوسط» (سان فرنسيسكو)
صحتك الأشخاص الذين مارسوا ما لا يقل عن ساعتين ونصف من التمارين الرياضية أسبوعياً انخفض لديهم خطر الوفاة (رويترز)

المشكلة الشائعة التي تُقلّل من فوائد التمارين الرياضية

معروف أن ممارسة الرياضة بانتظام تُحسّن الصحة النفسية، وتُقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب، وتُحسّن محيط الخصر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.


العليمي: توحيد القرار الأمني والعسكري شرط لاستعادة الاستقرار

العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
TT

العليمي: توحيد القرار الأمني والعسكري شرط لاستعادة الاستقرار

العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)
العليمي يستقبل في الرياض مسؤولين ألمانيين (سبأ)

أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد محمد العليمي، أن توحيد القرار الأمني والعسكري يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق الأمن واستعادة الاستقرار في بلاده، وتهيئة بيئة مواتية لعمل مؤسسات الدولة، وتدفق المساعدات الدولية، وبناء شراكة موثوقة مع المجتمع الدولي، محذراً من أن تعدد الجماعات المسلّحة خارج إطار الدولة يعيد إنتاج الفوضى ويُغذّي التطرف.

جاءت تصريحات العليمي خلال استقباله، الاثنين، أمين عام وزارة الدفاع الألمانية نيس بولتر، يرافقه سفير جمهورية ألمانيا الاتحادية لدى اليمن توماس شنايدر، حيث ناقش الجانبان العلاقات الثنائية، وآفاق تعزيز التعاون في المجالات الأمنية والدفاعية، إلى جانب أولويات الدعم الألماني والأوروبي لتمكين الحكومة اليمنية من فرض الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب، وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وشدد العليمي، وفق المصادر الرسمية، على أن القرارات السيادية التي اتخذتها بلاده، خلال الفترة الأخيرة، جاءت لمنع تكريس قوى موازية تنازع الدولة سلطاتها الحصرية، مؤكداً أن إنهاء ازدواجية القرار يمثل خطوة ضرورية لحماية السلم الداخلي، وتعزيز ثقة الشركاء الدوليين، وضمان فاعلية المؤسسات الرسمية.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وتناول اللقاء الأبعاد الإقليمية والدولية للإصلاحات الأمنية والعسكرية الجارية، حيث أوضح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن توحيد القرار المؤسسي يعزز الشراكة الدولية في مكافحة الإرهاب، ويحمي الأمن البحري وحرية الملاحة، بما ينعكس على استقرار سلاسل الإمداد وأمن الطاقة العالمي.

في السياق نفسه، أكد العليمي التزام الدولة اليمنية بالتعاون مع المجتمع الدولي في مجال مكافحة الإرهاب، عبر آليات مشتركة طويلة الأمد، تجمع بين العمل الأمني، وبناء الحوكمة، وتحسين الخدمات، بما يسهم في معالجة الأسباب الجذرية للتطرف وتجفيف بيئته.

الأولوية للحل السياسي

وفيما يتعلق بمسار السلام، أوضح العليمي أن القيادة اليمنية لا تزال تمنح أولوية للحل السياسي، غير أن نجاح هذا المسار يتطلب امتلاك خيار القوة الرادعة، محذّراً من أن أي تراخٍ في هذا الجانب قد يُضعف فرص التسوية، ويشجع الميليشيات الحوثية على مواصلة التعنت.

كما عبّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني عن تقديره الموقف الألماني الداعم لوحدة اليمن وأمنه واستقراره، ولمساهمات ألمانيا الإنسانية، وعَدَّ أن هذا الدعم يعكس التزاماً سياسياً وأخلاقياً تجاه الشعب اليمني الذي يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم.

وأكد العليمي أن المرحلة الراهنة تمثل فرصة للمجتمع الدولي للتعامل مع شريك مؤسسي واحد وقابل للمساءلة، مشدداً على أن دعم الدولة اليمنية سياسياً وأمنياً واقتصادياً وإنسانياً يشكل استثماراً مباشراً في أمن واستقرار المنطقة والعالم.

Your Premium trial has ended


«مساومات إيران» تُحرّك مياه «اتفاق غزة» الراكدة

أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«مساومات إيران» تُحرّك مياه «اتفاق غزة» الراكدة

أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

من المقرر عقد لقاء مرتقب، تم تبكير موعده إلى الأربعاء المقبل، بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وسط توترات مع إيران وجمود في مسار «اتفاق غزة».

ولا يستبعد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن يشهد اللقاء، الذي كان مقرراً في الأصل عقده بعد نحو أسبوع، مساومات بشأن مزيد من الضغوط على إيران، مقابل تحريك المياه الراكدة في اتفاق وقف إطلاق النار بغزة.

وقبيل اجتماع «مجلس السلام» بشأن غزة المقرر في 19 فبراير (شباط) الجاري، والمتوقع أن يدفع المرحلة الثانية وفق موقع «أكسيوس» الأميركي، قال مكتب نتنياهو إنه من المتوقع أن يجتمع مع ترمب، في واشنطن الأربعاء، لبحث ملف المفاوضات مع إيران. وأضاف: «يُعتقد أن أي مفاوضات (مع إيران) يجب أن تشمل الحد من الصواريخ الباليستية ووقف دعم وكلاء إيران» في المنطقة.

وسيكون اجتماع الأربعاء هو السابع بين نتنياهو وترمب منذ ‌عودة الرئيس الأميركي إلى منصبه في يناير (كانون الثاني) 2025.

ويرى عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، أن التعجيل بزيارة نتنياهو لواشنطن قبل اجتماع «مجلس السلام» وراءه تنسيق في المواقف «لا سيما في ملفي إيران وغزة، وسط توافق بين واشنطن وتل أبيب في معظم بنودهما».

وأشار حسن إلى احتمالية حدوث «مساومات» بشأن مستقبل الملفين، خاصة أنه يبدو أن واشنطن «أدركت أن أضرار ضربة إيران ستخلق ضرراً أكبر بمصالحها، وهذا لا يبدو مقبولاً لنتنياهو».

أما المحلل السياسي الفلسطيني أيمن الرقب، فيرى أن «المساومة واردة»، وأن ترمب «ربما يريد تنسيق أمر ما بخصوص ملفي إيران وغزة المرتبطين، ويريد إنهاء الأمر مع نتنياهو الذي التقى أكثر من مبعوث أميركي، أحدثهم ستيف ويتكوف، وتمت مناقشة القضايا الشائكة، وأبرزها قوات الاستقرار الدولية، ونزع سلاح (حماس)، وإعادة الإعمار، وانسحاب إسرائيل».

منازل مدمرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

من جهته، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال اتصال هاتفي، الأحد، مع نظيره اليوناني جيورجوس جيرابيتريتيس «ضرورة العمل على تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي»، مشيراً إلى «دعم مصر لمجلس السلام».

وجدد عبد العاطي «دعم مصر الكامل لعمل اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة، باعتبارها إطاراً انتقالياً يهدف إلى تسيير الشؤون اليومية للسكان، بما يمهد لعودة السلطة الفلسطينية للاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في القطاع».

وشدد الوزير المصري على «ضرورة سرعة نشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، ومواصلة إمداد القطاع بالمساعدات الإنسانية والإغاثية، والتمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار».

وقال حسن إن «مصر حريصة على تنفيذ اتفاق غزة كاملاً، وتسعى في كل الجبهات أن تدعم إكمال هذا المسار، سواء عبر مجلس السلام والمشاركة فيه أو المحادثات واللقاءات مع الشركاء الدوليين»؛ في حين أشار الرقب إلى أن الملفات المتبقية من اتفاق غزة «مهمة للغاية في دفع مسار السلام»، مضيفاً أن إسرائيل «تضع عراقيل عديدة في سبيل التقدم في الاتفاق، ولقاء ترمب ونتنياهو سيكون حاسماً في هذا الصدد».