سهير المصادفة: الكتابة محنة... والشعر خلصني من ثرثرة التفاصيل

صاحبة «لهو الأبالسة» تتمنى توقيع رواياتها باسم مستعار

سهير المصادفة
سهير المصادفة
TT

سهير المصادفة: الكتابة محنة... والشعر خلصني من ثرثرة التفاصيل

سهير المصادفة
سهير المصادفة

انحازت الكاتبة الروائية سهير المصادفة في بداياتها  للشعر، ولفتت الأنظار إلى صوت شعري واعد، لكن سرعان ما خطفتها الرواية، فبقي الشعر «نقطة حنين في الكراس». في عالمها الروائي تولي اهتماماً بالطبقات الكادحة والمهمشة، وبقيم الحق والعدل والحرية. درست الفلسفة وحصلت على الدكتوراة من موسكو، وترى أن الأدب أكثر اتساعاً من التنظيرات النقدية والفكرية، خاصة التي راجت في الستينيات، وأنه يجب أن يكون الكاتب شاعرًا ليكتب أي نوع أدبي آخر.  

هنا حوار معها حول روايتها الجديدة، وعالمها الأدبي عموماً:

> في روايتك الجديدة «يوم الثبات الانفعالي» تنحازين إلى الطبقات الاجتماعية الكادحة والمهمشة، هل ما زلت تؤمنين بما يسمى الوظيفة الاجتماعية للأدب؟ وهل يجب أن يحمل النص الروائي «رسالة» ما؟
- «يوم الثبات الانفعالي» تنحاز -مثل كل رواياتي- للعدل والحق والجمال والحرية والكرامة الإنسانية، سواء كان للمهمشين أو للمثاليين الذين يريدون تغيير العالم إلى الأفضل. على كل حال، لا أعرف روايات كبيرة مهمة وقفت مع الطغاة أو اللصوص، ابتداء من «بؤساء» فكتور هوغو حتى «حرافيش» نجيب محفوظ. الأدب أصبح الآن أكثر اتساعاً من مقولات نقاد جيل الخمسينيات والستينيات الكبرى، مثل الوظيفة الاجتماعية أو الرسالة... إلخ. لقد تجاوزت الرواية كل هذه القراءات الآن، وأصبحت خصوصاً بالنسبة إلي هي كتاب الحياة، فهي تجسد مأزق الإنسان الوجودي، وعذاباته، ومحبته، وسؤال الوجود والموت، والدهشة البِكر مِن بطش من لا يقدرون مقدراته ويقوضون أحلامه.
> كثير من المقاطع في «يوم الثبات الانفعالي»، ومن قبلها «لعنة ميت رهينة»، تكاد تكون محض شعر، ما أثر تجربتك الشعرية في أعمالك الروائية؟
- ما زلت أرى أنه يجب أن يكون الكاتب شاعراً ليكتب أي نوع أدبي آخر؛ كان الأمر هكذا وسيظل إلى الأبد هكذا... فشكسبير الشاعر الكبير هو كاتب مسرحي أيضاً، بالطبع قبل أن تظهر الرواية، وكانوا يطلقون - بالمناسبة - على مسرحياته روايات. ونعم، أوافق كثيراً على ما كُتب عن رواياتي، بأن الشعر عمود مهم من الأعمدة الثقافية في سردي، الشعر أثّر كثيراً في أسلوبي، وساعدني أن أرى خرائط عالمي الروائي من علٍ، وفي بعض الوقفات التأملية، بتجريد فلسفي، كما أنه عمل على تخلصي من ثرثرة التفاصيل غير الضرورية التي تصيب السرد بالترهل.
> بالمناسبة، بدأت شاعرة واعدة، ثم اتجهت للرواية منذ 17 عاماً... هل سنرى ديواناً جديداً؟
- أكتب بعض القصائد فعلاً، ولكن تعرفين أن الشعرَ قليلٌ دائماً، وعزيز، وعالٍ سُلمه، كما أن وقتي في الحياة - مع الأسف - محدود، والرواية تحتاج إلى وقت ودأب وعمل متواصل حتى وضع نقطة النهاية. ربما ليس لدي وقت لإعداد ديوان جديد للنشر، وربما لأن دور النشر تفضل أن تنشر الروايات الآن، لا أعرف، ولكنني مستسلمة لحالتي التي بدأت بالأصداء القوية التي حققتها روايتي الأولى «لهو الأبالسة»، وترحيب الناشرين بنشر رواياتي أكثر.
> الفضاء الروائي العربي يعج الآن بأسماء كثيرة تكتب نصوصاً تنطوي على آيديولوجية ما طمعاً في الحصول على جائزة أو لقب «كاتب روائي» بأي ثمن... كيف ترين هذا الأمر؟
- المشهد الأدبي العربي مرتبك الآن، فنحن استوردنا من الغرب بعض آليات سوق الكتاب، وأهمها الجوائز وظاهرة «الأكثر مبيعاً»، لكن هذه الآليات مناسبة أكثر للغرب، حيث صناعة الكتاب قوية هناك، تحكمها معايير صارمة ومحفوظة للجميع. كما أنها تجاوزت منذ بداياتها المحسوبية والشللية والفساد والقبلية. نحن في واقع عربي يُمثل الجحيم بالنسبة للكاتب الحقيقي، فالكاتب متروك في العراء؛ يستلبه الناشر حقوقه، ولسان حاله يقول له: «لكَ الشهرة، ولنا عائد مؤلفاتك». في هذا الواقع، قد يحصد العمل الأدبي الضعيف فنياً، ولكنه الأكثر مبيعاً، جوائز مهمة، رغم أن أعماله تجارية في الأساس. وهكذا، ندور في دائرة مغلقة لا تؤدي إلى صناعة حقيقية للكتاب والنشر، ومن أهم ملامحها أن تكون لدينا حركة بحثية ونقدية قوية مهمة تستطيع فرز الأدب العربي، وإعادة ترتيب المكتبة العربية.
> قسم من رواياتك أصبح موضوعاً لأطروحات ماجستير ودكتوراه، فضلاً عن أن بعضها أصبح ضمن مقررات دراسية في الجامعات المصرية... ما مردود ذلك عليك؟
- بالتأكيد يسعدني كثيراً، خصوصاً التحاور مع الباحثين (نقاد المستقبل)، وهم جميعهم يمثلون الأمل في الخروج بالمشهد الأدبي إلى آفاق أرحب؛ أذهلني وعي وألمعية باحثي جامعة السلطان بني ملال بالمغرب، وجامعة القاهرة وجامعة السادس من أكتوبر وبني سويف، وكل كليات الآداب في صعيد مصر. النقد والبحث مرآة أرى فيها رواياتي، وأثرها على المتخصصين في الأدب، ويدهشني دائماً أنهم يستخرجون كثيراً من الدلالات والرموز والقراءات المذهلة التي أستمتع بها أنا نفسي.
> التشويق وسلاسة السرد سمتان أساسيتان في كتابتك كما يلاحظ كثيرون...
- المتعة الفنية شرط أساسي من شروط الرواية، فلماذا نعذب القراء بأعمال ثقيلة الوقع، وليست عميقة في الوقت نفسه؛ أرى أن صعوبة قراءة بعض الأعمال تنتج دائماً عن قصور اللغة، أو عدم امتلاك ناصيتها، بصفتها أداة مهمة للكاتب، ومن ثم لا يجد الكاتب أسلوبه الخاص، وإنما يكتب بلغة مستعارة ركيكة لا تستطيع حمل مشاعره ورؤاه إلى القارئ.
> رغم الطابع غير التقليدي لأعمالك، سواء على مستوى اللغة أو البناء، لا تبدين منشغلة بتقديم نفسك بصفتك من كاتبات ما بعد الحداثة والتجريب وغيرها من التسميات التي ينشغل بها آخرون أكثر من انشغالهم بالكتابة نفسها... كيف ترين ذلك؟
- بالفعل، أظن أنني منشغلة بالكتابة فحسب، كما أظن أنه ليس دوري تصنيف ما أكتب ودراسته، وإنما هو دور النقاد والباحثين. وفي الواقع، هم قاموا بدورهم مع رواياتي كما ينبغي، فكتبوا عنها ذلك وأكثر كثيراً، حتى أن المقالات والدراسات والأبحاث التي كُتبت عن رواية «لهو الأبالسة» أكثر من عدد صفحاتها التي تجاوزت ثلاثمائة صفحة.
> أنت بعيدة عن الأضواء، بل تبدين كأنك تنفرين منها، على الرغم مما تتمتعين به في الوسط الثقافي من تقدير، ويبدو أنك تؤثرين العزلة... إلى أي مدى هي مهمة للمبدع برأيك؟
- أقدر وأحب الوسط الثقافي الصابر على ما ابتلي به، ولكنني أحب أسلوب حياة كاتبة واحدة في العالم كله حباً جماً، وليتني توفرت لي الفرصة في حياتي العملية لأكون مثلها. الكاتبة هي الإيطالية «إيلينا فيرّانتي»، صاحبة «صديقتي المذهلة». وتُعد فيرّانتي من أبرز الروائيين الإيطاليين المعاصرين في يومنا هذا. وفيرّانتي ليس اسمها الحقيقي، وإنما هو اسم مستعار لكاتبة إيطالية مجهولة رفضت الإفصاح عن هويتها، وترى أنه ليس من الضروري أن تذهب إلى الأماكن نفسها التي تذهب إليها رواياتها، أو أن تتغير حياتها لمجرد أنها وضعت بين أيدي القراء كلماتها. أحب فيرّانتي لأنها حلمي الذي لم يترك لي الواقع الأدبي في مصر فرصة لأنفذه، حيث اضطررت طوال حياتي للعمل لكي أعيش، ولم أستطع التفرغ للأدب، فوجدت في الإعلام باسمي الأدبي والوظيفي معاً، كما كان هو الأمر مع جميع الأدباء، وأولنا نجيب محفوظ. أغبط فيرّانتي على انتصارها للإبداع المجرد، وتضحيتها بكل شيء من أجل الكتابة، بطريقة من فرط بساطتها تبدو آسرة؛ التضحية بالشهرة التي قد تحققها الكتابة نفسها.
> الملاحظ أيضاً أنك لست محسوبة على «شلة» معينة أو «جماعة مصالح» تستندين إليها في الوسط الثقافي...
- نعم، وبالتالي ليس لديّ أي نوع من الدعم حتى لدى القراء، ربما كتابتي نفسها هي السبب، فرواياتي لا تنحاز لفكرة ما أو آيديولوجية ما، فلماذا سيدعمها اليسار أو اليمين؟ قال لي ناقد كبير ذات يوم: «لقد شتم بطلكِ المتطرفين دينياً كما شتم الشيوعيين، وهكذا سيغضب منكِ كلاهما، وكلاهما يسيطر على المشهد الثقافي بميليشيات لجان إلكترونية موجهة للقراء ولجان جوائز ونشر ومؤتمرات، إلخ... قلت له بدهشة حقيقية: «إنه بطل روايتي، وليس أنا». كما أنني لا أنحاز لأحد سوى المواطن المصري البسيط الصامد في وجه نوائب الدهر، وانسداد الأفق.
> في حياة كل كاتب محطات ما يتوقف عندها، بل أحياناً يستعيدها بطفولة، ويحس بأن مناخاتها المنقضية تشتبك مع لحظته الإبداعية الراهنة... حدثيني عن هذه المحطات.
- كانت لديّ من حسن حظي كثير من المحطات المهمة في حياتي، ألهمتني فتوحات لأكتب دون توقف لعشرات السنوات، فلقد مررت بتجارب انتقالية كبرى، حيث انتقلت من الريف بكل عراقته وشخوصه المزروعين بجذورهم في الأرض إلى المدينة المزدحمة بكل أصناف العابرين والسابلة والدخان والاغتراب وتوحش العزلة رغم الضجيج، ثم إلى موسكو في اللحظة التي كانت تنفض فيها عن جسدها ثوب الشيوعية، وترتدي ثوب الأسواق المفتوحة، وإلى أميركا التي كتبت عنها ذات مرة أنها مدينة المرايا؛ تنعكس على صفحتها ملامح كل شعوب الأرض، دون أن تمتزج معاً
في أغلب الأحيان، ربما أحن دائماً إلى هذه اللحظة؛ عندما كنت الطفلة التي تحاول تشكيل طين الأرض إلى أشكال يتعرف إليها أقرانها من الأطفال. كنت منذ سنواتي الأولى متمردة، وأواصل طرح أسئلة تدهش الكِبار وتؤرقهم، ربما هذه الأسئلة التي لم يستطع أحدٌ الإجابة عنها هي ما تحتل فضاء رواياتي حتى هذه اللحظة.
> ما جديدك حالياً؟
أراجع الآن روايتي السابعة للمرة الثانية، كما أعد كتاباً أدبياً للنشر، لم أستقر بعد على اختيار عنوان له، أنتظر حتى يعود العالم إلى نشاطه بعد حظر كورونا، ويتم شفاء الكرة الأرضية من جنونها. وعادة لا أبدأ رواية جديدة بأفكار مسبقة أو فكرة واحدة، فالرواية هي كتاب الحياة، وهي أكبر من الأفكار والشخوص، ومن التاريخ والسياسة والجغرافيا وحدودها الصارمة، الرواية هي كل ذلك وأكثر. أحياناً أبدأ بمشاعر ملحة قوية بأنه ثمة عالم هنا عليّ أن أكتبه، يكون في العادة غير واضح المعالم للوهلة الأولى، ولكنه موجود وأكثر وضوحاً وواقعية من الواقع نفسه، وكل ما عليّ هو نزع أستاره واحدة بعد الأخرى لتتضح معالمه.



تقرير: «سبيس إكس» تؤجل خططها للمريخ وتركز على القمر

إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من  مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
TT

تقرير: «سبيس إكس» تؤجل خططها للمريخ وتركز على القمر

إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من  مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)

ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أمس (الجمعة)، نقلاً عن مصادر، أن ​شركة «سبيس إكس» التابعة للملياردير إيلون ماسك، أبلغت المستثمرين بأنها ستعطي الأولوية للوصول إلى القمر أولاً، وستحاول القيام برحلة إلى المريخ لاحقاً، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف التقرير أن الشركة ستستهدف شهر مارس (آذار) 2027، للهبوط على سطح القمر ‌من دون إرسال ‌رواد فضاء على ‌متن ⁠المركبة.

يأتي ​ذلك ‌بعد أن وافقت «سبيس إكس» على الاستحواذ على شركة «إكس إيه آي»، في صفقة قياسية تدمج شركة الصواريخ والأقمار الاصطناعية مع شركة الذكاء الاصطناعي المصنعة لروبوت الدردشة «غروك». وتقدر قيمة شركة ⁠الصواريخ والأقمار الاصطناعية بتريليون دولار وقيمة ‌شركة الذكاء الاصطناعي بـ250 مليار دولار.

صورة مركبة تظهر الملياردير إيلون ماسك وشعار شركة «سبيس إكس» (رويترز)

وقال ماسك العام الماضي، إنه يهدف إلى إرسال مهمة غير مأهولة إلى المريخ بحلول نهاية عام 2026.

وتعمل «سبيس ​إكس» على تطوير صاروخ «ستارشيب» من الجيل التالي، وهو صاروخ ضخم ⁠مصنوع من الفولاذ المقاوم للصدأ، ومصمم ليكون قابلاً لإعادة الاستخدام بالكامل، وليخدم مجموعة من المهام بما في ذلك الرحلات إلى القمر والمريخ.

وتواجه الولايات المتحدة منافسة شديدة هذا العقد، من الصين، في سعيها لإعادة رواد الفضاء إلى القمر، حيث لم يصل إليه أي إنسان منذ آخر مهمة ‌مأهولة ضمن برنامج «أبولّو» الأميركي في عام 1972.


دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
TT

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)

افتتح الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، «معرض دمشق الدولي للكتاب 2026»، في قصر المؤتمرات بالعاصمة، واستقبل وزيرَ الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، الذي تشارك فيه بلاده ضيفةَ شرف.

وتمثّل هذه الدورة من المعرض، محطة إشعاع ثقافي مهمة، تعيد الاعتبار للكتاب بوصفه حاملاً للمعنى ومساحة للحوار.

وخلال زيارته الرسمية، التقى وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، وقدَّم له التهنئة بمناسبة إقامة المعرض.

ودشّن الوزير السعودي جناح بلاده في المعرض، بحضور نظيريه السوري والقطري الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني. وتستمر فعاليات المعرض حتى 16 فبراير (شباط) الحالي، في حضور ثقافي عربي يعكس دور السعودية الريادي في المشهد الثقافي العربي والدولي.


«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
TT

«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)

يغوص الفنان التشكيلي جوزيف أفرام في الذات، كاشفاً مشاعر وأحاسيس تكتنفها لعبة الحياة. ومن هذا المنطلق، يُتيح معرضه «القوى الدافعة» في غاليري «آرت ديستريكت» للزائر أن يُسقط قراءته الخاصة على الأعمال. وبين لعبة الحياة ولعبة الدول، يستكشف تركيبات السياسات الدولية المؤثرة في العالم، ويزيح الأقنعة التي تُخفى خلفها حالات الإحباط.

صاحب الغاليري ماهر عطّار يصف أفرام بأنه من المواهب اللبنانية اللافتة، وفنان ذو رؤية مختلفة وأفكار عميقة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه يخرج في أعماله عن المألوف، ويأخذ الزائر إلى مساحات فنية مفتوحة على احتمالات لا حدود لها.

يرسم أفرام الثبات والإحباط، كما الصمود والثورة، في لوحات تقوم على التناقض، مستخدماً الأبيض والأسود كلغتين بصريتين أساسيتين. ويرتكز في أعماله على «الأكريليك» والحبر الصيني، المتوَّجين بتقنية الـ«جيسو»، لتتراكم الطبقات وتُسلّط الضوء على موضوعاته. بهذا تتحوّل اللوحات إلى ما يشبه لآلئ لامعة، صاغها الفنان بالفرشاة والمجحاف والإسفنج.

من «القوى الدافعة» لجوزيف أفرام في غاليري «أرت ديستريكت» (الشرق الأوسط)

يشير أفرام إلى أن أعماله تبدأ برسوم تحضيرية تتطوّر لاحقاً إلى لوحات كبيرة. ويقول: «أعتمد هذا الأسلوب انطلاقاً من دراستي الجامعية في الهندسة الداخلية. لكن عندما أقف أمام المساحة البيضاء، حتى أغوص في عالم آخر يجرّني إلى تفاصيل لم أُحضِّر لها مسبقاً».

عناوين اللوحات المعروضة تحمل دلالات نفسية وإنسانية واضحة، وتعكس حالات نمرُّ بها في الحياة. في لوحة «المتأمِّل» تحلِّق في رحلة علاج داخلي، وفي «خيبة أمل في اللعبة» تدرك أن الحياة لا تستحق هذا القدر من التعقيد. أما في «الثوري» و«لا بأس بأن تكون معصوب العينين» فيدفعان المتلقي إلى التوقّف وإعادة النظر.

ويؤكد أفرام أن أكثر ما يشغله في أثناء تنفيذه أي لوحة هو وضوح الرسالة. ويقول: «أضيف تفاصيل صغيرة لتكشف عن نفسها بنفسها. أشكّل لوحتي من مجموعة رسومات يسكنها التجدد. أتناول أعماق الإنسان بصور تُكمل بعضها بعضاً؛ فتأتي أحياناً واضحة، وأحياناً أخرى مخفيَّة تحت وطأة لعبة الحياة التي تتطلّب منّا غضّ النظر».

في لوحة «الثوري»، يحرِّر أفرام مشاعر مدفونة تراكمت مع الزمن. وفي «المقاومة» يظهر وحيد القرن في مواجهة العواصف، رمزاً للثبات والقوة. ويعلّق: «اخترت هذا الحيوان لما يجسِّده من قدرة على التحمُّل والمواجهة».

لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» (الشرق الأوسط)

أما «الرجل الجنين» فيستحضر الحاجة إلى الأمان؛ يقول: «مرحلة وجود الجنين في رحم أمّه قد تكون الوحيدة التي تعيدنا إلى الأمان المطلق». وفي اللوحة الثنائية «الفائض بالروح» يقف كل قسم منها في مواجهة الآخر، مستحضراً مرحلة الغوص في الذات.

بعض الأعمال يدخل إليها اللونان البرتقالي والأزرق إلى جانب الأبيض والأسود. ويوضح: «في الحياة لا نكشف دائماً عن مشاعرنا الحقيقية، كما تترك السياسات آثارها السلبية علينا. استخدمت البرتقالي لتقديم الإحباط ضمن مساحة مضيئة، والأزرق للدلالة على حقائق زائفة تحتاج إلى مواجهة هادئة».

ويلاحظ أفرام أن المتلقي اليوم يميل إلى مشاهدة العمل الفني بوصفه مساحة تحليل، لا مجرد صورة عابرة. ويقول: «مع تسارع العصر وحضور الذكاء الاصطناعي، تزداد حاجتنا إلى التأمل للحفاظ على تواصلنا مع ذواتنا، لذلك اعتمدت لغة جسد مرنة تمنح الشكل بُعداً إنسانياً».

في لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» يقدِّم رسالة مباشرة: «أحياناً يكون غضّ الطرف ضرورة». ويختم: «المهم أن نبدأ من جديد وألا نستسلم للعتمة، بل نبحث عن الضوء الذي يسمح بالاستمرار».