مفاوضات تأليف الحكومة اللبنانية تصطدم بالعقوبات على باسيل

موفد ماكرون يسعى إلى تحقيق اختراق في جدار الأزمة

مشاورات تشكيل الحكومة اللبنانية بين الرئيس ميشال عون ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري عادت إلى المربع الأول (إ.ب.أ)
مشاورات تشكيل الحكومة اللبنانية بين الرئيس ميشال عون ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري عادت إلى المربع الأول (إ.ب.أ)
TT

مفاوضات تأليف الحكومة اللبنانية تصطدم بالعقوبات على باسيل

مشاورات تشكيل الحكومة اللبنانية بين الرئيس ميشال عون ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري عادت إلى المربع الأول (إ.ب.أ)
مشاورات تشكيل الحكومة اللبنانية بين الرئيس ميشال عون ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري عادت إلى المربع الأول (إ.ب.أ)

قالت مصادر سياسية متابعة للأزمة الحكومية في لبنان، إنه لم تعد هناك أي جدوى لاستئناف مشاورات تأليف الحكومة الجديدة بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلف بتشكيلها الرئيس سعد الحريري، بعد أن أعادها اجتماعهما الأخير قبل يومين إلى نقطة الصفر. وأضافت أن معاودة المشاورات باتت معلقة على تدخل الموفد الخاص للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، باتريك دوريل، الذي وصل مساء أمس إلى بيروت وعلى جدول أعماله عقد لقاءات تشمل أبرز المكونات السياسية المعنية بولادة الحكومة.
ويفترض أن تستمر لقاءات المبعوث الفرنسي يومي الخميس والجمعة، في محاولة لإنقاذ المشاورات وتذليل العقد التي ما زالت تؤخر تشكيل الحكومة، والتي تتجاوز الخلافات حول الملف الحكومي إلى التداعيات المترتبة على العقوبات الأميركية المفروضة على رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل، والتي سرعان ما تمددت إلى اشتباك بين الأخير وسفيرة الولايات المتحدة لدى لبنان دوروثي شيا.
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر مواكبة لمسار المشاورات بين عون والحريري، أن اجتماعهما الأخير لم يدفع باتجاه تسجيل خرق يفتح الباب أمام معاودة التواصل بينهما، وإنما أعادها إلى نقطة الصفر، ما يعني أنها لا تزال تدور في حلقة مفرغة من دون تحقيق أي تقدم يذكر. وكان اللقاء الأخير بمثابة نسخة طبق الأصل من اجتماعهما السابق الذي تلازم مع صدور العقوبات الأميركية على باسيل.
وعزت المصادر السبب إلى أن هذه العقوبات كانت حاضرة على هامش مشاورات التأليف، وكادت تتصدر جدول أعمالها، وإنما من جانب عون الذي بدا مذهولاً من استهدافها وريثه السياسي، باسيل، لما لها من ارتدادات سلبية على طموحاته الرئاسية التي يُمكن أن تتراجع، وبالتالي يتعامل مع عملية التأليف من زاوية تعويمه، باعتبار أن تشكيل الحكومة يشكل الخرطوشة الأخيرة لإنقاذه، من خلال تقديمه على أنه الشريك الأول في توزيع الحقائب من جهة وفي ممارسة حق النقض ضد كل ما يتعارض مع مصلحته السياسية.
ولفتت المصادر إلى أن البيان الأخير الذي صدر عن المكتب الإعلامي لرئاسة الجمهورية خلا من أي إشارة إيجابية، وبقي في العموميات، بخلاف البيانات السابقة التي كانت تصدر في أعقاب كل اجتماع وتشير إلى أجواء التعاون بين الرئيسين، وأيضاً إلى تحقيق تقدم في بحث الملف الحكومي. وسألت: لماذا قرر عون، استناداً إلى هذا البيان، أن يعيد المشاورات إلى نقطة الصفر؟ وما الذي تبدل ودفعه إلى تغييب الأجواء الإيجابية؟
وكشفت أن المفاوضات بين باسيل والإدارة الأميركية لم تكن وليدة ساعتها؛ بل كانت قد بدأت منذ أكثر من سنتين «لأنه من غير المعقول التطرق ومن موقع الاختلاف بين باسيل والسفيرة الأميركية، إلى هذا الكم من القضايا السياسية في خلال فترة زمنية قصيرة». وسألت: هل يعقل أن تنسحب العقوبات المفروضة عليه لتستهدف عملية تأليف الحكومة، في ضوء البيان الأخير للمكتب الإعلامي الرئاسي الذي أوحى وكأن اجتماع أول من أمس هو بداية للقاءات بينهما؟
وقالت إن عون تراجع عن موافقته بأن تُشكل الحكومة من 18 وزيراً، وبادر إلى تبني - بطريقة غير مباشرة - وجهة نظر باسيل التي تقول بإسناد كل حقيبة إلى وزير، ظناً منه أنه يتمكن من الحصول على الثلث الضامن أو المعطل في الحكومة. ورأت أن الحريري لا يتحمل مسؤولية حيال تعليق المشاورات، وأن توجهه قبل يومين إلى بعبدا قوبل بارتياح من قبل رئيس المجلس النيابي نبيه بري، الذي فوجئ باستمرار المراوحة وعدم حصول أي تقدم.
وأكدت المصادر نفسها أن عون يصر على تطبيق مبدأ المداورة لتشمل كل الحقائب، وقالت إن الحريري - وإن كان يستثني وزارة المالية من تطبيقه - فإنه لا يمانع من استثناء الحقائب السيادية، ولو لمرة واحدة، من المداورة، على أن تقتصر على الحقائب الأخرى. وقالت إن العقدة لم تكن محصورة بتطبيق المداورة، وإنما بمبادرة عون وللمرة الأولى الطلب من الرئيس المكلف ضرورة التشاور مع الكتل النيابية والوقوف على رأيها، ثم العودة إليه ليكون في وسعه أن يبني على الشيء مقتضاه.
وسألت: لماذا لم يطرح عون مثل هذا الاقتراح في اللقاءات غير الأخيرة بينهما؟ وما الدوافع لإدراج ذلك على جدول أعمال المشاورات، مع أن تشكيل الحكومة يعود للرئيس المكلف، ويمكن لرئيس الجمهورية أن يوافق على التشكيلة أو يعترض عليها؟
وقالت إن شروط باسيل أُدرجت على طاولة المشاورات فور صدور العقوبات التي استهدفته. وعزت السبب إلى أن عون يتطلع لمراعاته، بغية توجيه رسالة إلى الإدارة الأميركية، مفادها أن وريثه السياسي هو الآن أقوى مما كان عليه قبل صدور العقوبات، ورأت أن رئيس الجمهورية يرعى استنفار القوى الحليفة له للوقوف إلى جانب باسيل.
وعليه، فإن تشكيل الحكومة بات يصطدم بعقبات، أولها إصرار عون، بتحالفه مع «حزب الله» وآخرين، على تقديم باسيل على أنه الشريك الأول في تقرير مصيرها، بينما يشكل حضور الموفد الفرنسي الفرصة الأخيرة لإنقاذ لبنان، من خلال تعويم المبادرة الفرنسية من جهة، ولتأكيد أن لبنان ليس متروكاً من قبل باريس.
فهل ينجح دوريل في تضييق رقعة الخلاف بين عون والحريري التي اتسعت أخيراً؛ خصوصاً أنه اضطر للحضور شخصياً بعد أن أيقن أن مواكبته من باريس لمشاورات التأليف لم تؤدِّ إلى حلحلة العقد؟ لكن المصادر تساءلت: هل سيحقق الوكيل ما عجز عنه الأصيل حتى الساعة؟ أم أن أزمة التأليف هي الآن في مكان آخر، وتحديداً بين طهران وواشنطن؟



تجدد التكهنات بانضمام طائرة «جي - 10» الصينية لسلاح الجو المصري

جانب من تدريب «نسور الحضارة 2025» في مصر (أرشيفية - الهيئة العامة للاستعلامات بمصر)
جانب من تدريب «نسور الحضارة 2025» في مصر (أرشيفية - الهيئة العامة للاستعلامات بمصر)
TT

تجدد التكهنات بانضمام طائرة «جي - 10» الصينية لسلاح الجو المصري

جانب من تدريب «نسور الحضارة 2025» في مصر (أرشيفية - الهيئة العامة للاستعلامات بمصر)
جانب من تدريب «نسور الحضارة 2025» في مصر (أرشيفية - الهيئة العامة للاستعلامات بمصر)

تجددت التكهنات حول انضمام مقاتلات «جي - 10» الصينية إلى سلاح الجو المصري تزامناً مع انطلاق تدريبات «نسور الحضارة 2026» في دورتها الثانية، بعد أن كان الأمر مثار أنباء ونقاشات وتقارير عسكرية غير مؤكدة.

ولم تعلن وزارة الدفاع المصرية أو نظيرتها في الصين، عن أي صفقات مبرمة وبخاصة على مستوى المقاتلات الجوية، فيما ذهبت تقارير نشرتها مواقع إخبارية صينية ونقلتها «منصة الدفاع العربي»، لتشير إلى «أن تكرار التدريبات من الممكن أن يبقى مؤشراً على اهتمام القاهرة بالمقاتلات الصينية».

ونقلت «منصة الدفاع العربي» عن موقع «نت إيز» الصيني، قبل أيام، تقريراً وصف وصول مقاتلات «جي - 10» إلى الأراضي المصرية وقطعها رحلة تقارب 6000 كيلومتر بأنه «مؤشر على تنامي التعاون العسكري بين البلدين، وإشارة محتملة إلى استمرار اهتمام القاهرة بالمقاتلة الصينية».

ويرى موقع «نت إيز» الصيني، أن مقاتلة «J - 10CE» قد تكون من الخيارات التي يمكن أن تلائم احتياجات مصر، نظراً لامتلاكها راداراً ذا مصفوفة مسح إلكتروني نشط، ومنظومة حرب إلكترونية متكاملة، وقدرة على استخدام صواريخ جو - جو بعيدة المدى من طراز «PL - 15».

جانب من التدريب الجوي المشترك «نسور الحضارة 2026» (المتحدث العسكري المصري)

لكن المستشار في «الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية»، اللواء عادل العمدة، يشير إلى أنه «لا يوجد حديث رسمي عن إبرام صفقة تسليح بين مصر والصين، وقد يأتي ذلك في وقت لاحق بما لدى البلدين من شراكة استراتيجية وعلاقات تعاون متقدمة في مجالات مختلفة»، مشيراً إلى أن الدولة المصرية «تبني دبلوماسية نشطة وحريصة على تنويع أوجه التعاون بما في ذلك العسكري».

وفي الوقت ذاته، أشار العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن التدريبات المشتركة «تهدف إلى اكتشاف القدرات القتالية، وأن الصين حرصت هذا العام على أن تقطع مسافة 6000 كيلومتر بمجموعة من الطائرات والقوات الجوية محملة بعناصر الإمداد والاستطلاع وإمداد الوقود وعناصر مقاتلة، للتأكيد على أن أسلحتها لديها القدرة على النقل الاستراتيجي».

وفي المقابل، فإن مصر تتعرف على إمكانيات هذه الأسلحة ومدى ملاءمتها لمتطلباتها العسكرية، في إطار التطوير والتحديث المستمر للقوات المسلحة، وفي ظل علاقات طيبة بين البلدين، وفقاً لـلعمدة.

ومساء السبت الماضي، أعلن الجيش المصري، في بيان، انطلاق فعاليات التدريب الجوي المصري الصيني المشترك «نسور الحضارة 2026»، بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام من طرازات مختلفة، لافتاً إلى أن التدريبات تُنفذ على مدار أيام في عدد من القواعد الجوية داخل مصر، ضمن النسخة الثانية من المناورات بين البلدين.

وتشمل المراحل الأولى من التدريب مجموعة من المحاضرات النظرية والعملية، بهدف توحيد المفاهيم القتالية بين الجانبين، إلى جانب تنفيذ طلعات جوية مشتركة والتدريب على أعمال التخطيط وإدارة العمليات الجوية المشتركة.

وتستهدف التدريبات «تبادل الخبرات وتطوير مهارات القوات المشاركة، ضمن خطة التدريبات المشتركة التي تنفذها القوات المسلحة المصرية مع نظيراتها من الدول الشقيقة والصديقة، بهدف دعم وتعزيز علاقات التعاون في مختلف المجالات العسكرية»، حسب البيان المصري.

من فعاليات تدريب «نسور الحضارة 2025» (المتحدث العسكري المصري)

وإلى جانب «جي - 10» حظيت المقاتلة الصينية «جي - 16» باهتمام مواقع إخبارية صينية، قالت إن مشاركتها في التدريبات إلى جانب طائرات التزود بالوقود «YY - 20A» بمثابة «اختبار لقدراتها على الإسقاط لمسافات بعيدة، والانتشار السريع، وتنفيذ العمليات المشتركة عبر منظومات مختلفة».

واستبعد نائب مدير «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور أحمد قنديل، إبرام صفقات تتعلق بمقاتلات «جي - 10» مشيراً إلى أن الصين «لم تمنحها سوى لباكستان باعتبارها ذات أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة لبكين وبخاصة في ظل المواجهة مع الهند»، مضيفاً: «الصين لديها حساسية كبيرة في بيع هذا النوع من الأسلحة المتطورة، كما أن مصر قد لا تسعى إليها في الوقت ذاته».

وأكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر «تدرس أولاً مدى ملاءمتها مع الرادارات المصرية والإطار العملياتي المستخدمة به، وقد تكشف التدريبات عن ذلك».

وذكر أن «إبرام صفقة تسليح صينية للجيش المصري حال حدوثه سيكون ضمن سياسة تنويع موردي السلاح التي تعتمد عليها مصر لتحديث أنظمتها العسكرية، كما أن الصين قد تكون خياراً جيداً من الناحية الاقتصادية، عدا أنها لا تتضمن مشروطية سياسية أسوة بأسلحة غربية وأميركية».

وسبق أن كان التعاون العسكري الصيني المصري موضع قلق إسرائيلي، وفي فبراير (شباط) 2025، تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن «مخاوف حادة لدى الأجهزة الأمنية في إسرائيل من حصول مصر على مقاتلات صينية من طراز J - 10C مزودة بصواريخ جو - جو بعيدة المدى».

وقالت المصادر العبرية وقتها إن «ما يقلق إسرائيل ليس الطائرة المقاتلة الصينية، بل الصاروخ الصيني جو - جو بعيد المدى، وهو سلاح لم تمتلكه القوات الجوية المصرية من قبل، إذ ستسمح هذه الصواريخ للقوات الجوية المصرية بمحاولة ضرب الطائرات الإسرائيلية حتى دون أن تكون في مجال رؤيتها».


البحرية اليمنية تحبط هجوماً حوثياً جنوب البحر الأحمر

جنود من القوات البحرية اليمنية يقومون بدورية في البحر الأحمر (أ.ف.ب)
جنود من القوات البحرية اليمنية يقومون بدورية في البحر الأحمر (أ.ف.ب)
TT

البحرية اليمنية تحبط هجوماً حوثياً جنوب البحر الأحمر

جنود من القوات البحرية اليمنية يقومون بدورية في البحر الأحمر (أ.ف.ب)
جنود من القوات البحرية اليمنية يقومون بدورية في البحر الأحمر (أ.ف.ب)

أحبطت البحرية اليمنية محاولة هجوم نفذتها جماعة الحوثي المدعومة من إيران في جنوب البحر الأحمر، بعد ساعات من اعتراض شحنة تهريب إيرانية تحمل معدات يُعتقد أنها تستخدم في صناعة الطائرات المسيَّرة، في تطور يعكس استمرار النشاط العسكري واللوجستي للحوثيين على السواحل اليمنية وممرات الملاحة الدولية.

وأفاد الإعلام العسكري للمقاومة الوطنية اليمنية في الساحل الغربي بأن دوريات البحرية رصدت خمسة زوارق حوثية حاولت الاقتراب من المنطقة المطلة على خطوط الملاحة الدولية، قبل أن تشتبك معها وتجبرها على الانسحاب شمالاً باتجاه سواحل الحديدة.

وأضاف أن القوات أسقطت طائرة مسيَّرة كانت تنفذ مهمة استطلاع تمهيدية لتحرك الزوارق.

وجاء الهجوم، وفق المصدر نفسه، بعد ساعات من تمكن البحرية اليمنية من اعتراض وضبط «جلبة» (سفينة خشبية) كانت تحمل معدات مرتبطة بصناعة الطائرات المسيَّرة، مهربة من إيران إلى الحوثيين.

سفينة تابعة للقوات البحرية اليمنية تقوم بدورية في البحر الأحمر (أ.ف.ب)

ويأتي هذا التطور في وقت صعّد فيه الحوثيون خلال الأسابيع الماضية هجماتهم البرية والبحرية، ووسَّعوا استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيَّرة ضد مواقع ومنشآت مدنية وعسكرية في الساحل الغربي، بالتزامن مع استهداف سفن تجارية في البحر الأحمر وباب المندب.

هجمات صاروخية

في السياق ذاته، استهدفت الجماعة الحوثية، مساء الأربعاء، ميناء المخا غرب محافظة تعز بأربعة صواريخ باليستية، وصل ثلاثة منها إلى الميناء، بينما سقط الرابع داخل مدينة الخوخة، بحسب مصدر عسكري نقلت عنه وكالة «سبأ» الحكومية.

وقال المصدر إن الصواريخ أطلقت من مناطق خاضعة للحوثيين في جبل أومان شرق مدينة تعز، مشيراً إلى أن الهجوم يأتي ضمن سلسلة اعتداءات متكررة تستهدف ميناء المخا والمنشآت المدنية في مديريات الساحل الغربي.

صاروخ أطلقه الحوثيون في وقت سابق باتجاه الساحل الغربي اليمني (أ.ف.ب)

وكان الميناء قد تعرَّض خلال الفترة الماضية لهجمات حوثية متكررة بالصواريخ والطائرات المسيَّرة، في تصعيد أدَّى إلى أضرار في منشآت ومرافق مدنية وأثَّر على نشاط الميناء، الذي يمثل أحد الممرات البحرية المهمة على الساحل الغربي.

ولم يقتصر التصعيد على المخا، إذ استهدفت الجماعة، مساء الأربعاء أيضاً، المجمع القضائي في حي جبل جرة وسط مدينة تعز بقذائف الهاون. وأفادت مصادر محلية بأن القصف أصاب مبنى المجمع ومحيطه من دون تسجيل خسائر بشرية.

وتقول السلطات اليمنية إن استهداف المنشآت المدنية والأحياء السكنية في تعز أصبح جزءاً من نمط متكرر للهجمات الحوثية، في وقت لا تزال فيه المدينة ومحاورها المحيطة بها من أبرز نقاط التماس بين القوات الحكومية والجماعة.

مفتاح قطع الإمدادات

يرى نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، أن السيطرة على الحديدة وموانئها تمثل أولوية عسكرية وأمنية لقطع خطوط الإمداد التي يستخدمها الحوثيون للحصول على الأسلحة والمعدات الإيرانية.

وقال صالح إن قدرات الحوثيين العسكرية قبل اتفاق استوكهولم تختلف عن قدراتهم بعد الاتفاق، معتبراً أن الاتفاق أضر بجبهة الحكومة اليمنية ومكّن، بحسب قوله، «الحرس الثوري» الإيراني من مواصلة دعم الجماعة وتطوير قدراتها الصاروخية والعسكرية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (إعلام عسكري)

وأكَّد أن تأمين الملاحة والوجود البحري لن يتحقق بصورة كاملة من دون تحرير الحديدة وموانئها وتأمين كامل الشريط الساحلي، والقضاء على وجود الحوثيين في المناطق المطلة على الممرات البحرية.

وفي لقاء مع السلطة المحلية ووجهاء ومكونات الحديدة وتهامة، شدَّد صالح على أن «معركة التحرير قادمة»، مؤكداً أهمية توحيد الجبهات ومنع الحوثيين من استغلال تباينها، ومشيراً إلى أن الرد على الجماعة يجب أن يأتي من مختلف محاور القتال.

ويتقاطع هذا الموقف مع التحركات الأخيرة للبحرية اليمنية وخفر السواحل، في ظل تصاعد المخاوف من استغلال الحوثيين للساحل الغربي في تهريب الأسلحة والمعدات ومن تنفيذ هجمات على الملاحة الدولية.

وأكَّد صالح، خلال استقباله رئيس مصلحة خفر السواحل اللواء خالد القملي في المخا، أهمية الدور الذي تضطلع به المصلحة في حماية السواحل ومكافحة شبكات التهريب البحري على امتداد المياه الإقليمية اليمنية.

الهجمات الحوثية على ميناء المخا تسببت في أضرار كبيرة (أ.ف.ب)

وشدَّد على ضرورة رفع جاهزية خفر السواحل بما يتناسب مع مهامه في تأمين المياه الإقليمية وحماية الملاحة، وقطع الطريق أمام شبكات الجريمة المنظمة والتهريب.

وتأتي هذه التطورات بعد سلسلة من الهجمات الحوثية التي طالت السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب، إلى جانب التصعيد الصاروخي والمسيَّر ضد المخا ومناطق الساحل الغربي، مما دفع الأمم المتحدة إلى التحذير من أن استمرار التوتر قد يعيد اليمن إلى دائرة أوسع من الحرب.


احتفالات حوثية باهظة تتجاهل احتياجات اليمنيين الأساسية

صبي ملطخ وجهه بالألوان يشارك في حشد للحوثيين بصنعاء (رويترز)
صبي ملطخ وجهه بالألوان يشارك في حشد للحوثيين بصنعاء (رويترز)
TT

احتفالات حوثية باهظة تتجاهل احتياجات اليمنيين الأساسية

صبي ملطخ وجهه بالألوان يشارك في حشد للحوثيين بصنعاء (رويترز)
صبي ملطخ وجهه بالألوان يشارك في حشد للحوثيين بصنعاء (رويترز)

أنفقت الجماعة الحوثية مبالغ ضخمة على تنظيم احتفالات المولد النبوي في صنعاء والمدن الواقعة تحت سيطرتها، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع المعيشية والإنسانية، وتتسع دائرة الفقر، وتتراجع القدرة الشرائية، بينما يعاني آلاف الموظفين من انقطاع رواتبهم وارتفاع أسعار السلع والخدمات.

وقالت مصادر مطلعة في صنعاء إن الحوثيين خصصوا مبالغ تقدر بنحو 50 مليون دولار لشراء الألعاب والأعيرة النارية والمفرقعات وكميات من الإطارات التالفة، لاستخدامها في الفعاليات التعبوية المرتبطة بالمولد النبوي.

وتزامنت هذه الاستعدادات مع تحركات ميدانية واسعة لحشد السكان للمشاركة في الاحتفالات، في مشهد يقول منتقدون إنه يعكس فجوة متزايدة بين أولويات الجماعة واحتياجات السكان الأساسية، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجهها ملايين الأسر.

أغلبية الموارد المالية الخاضعة للحوثيين تذهب لأعمال التعبئة والحشد والدعاية (الشرق الأوسط)

وبحسب المصادر، بدأت شاحنات تابعة للجماعة، منذ ظهر الاثنين الماضي، في توزيع كميات من الألعاب النارية على «عقال الحارات» والمشرفين في عدد من أحياء العاصمة المختطفة، بالتزامن مع نشر عناصرها في مبانٍ مرتفعة ومرتفعات جبلية تحيط بصنعاء، تمهيداً لإطلاق الألعاب النارية والأعيرة النارية وإشعال الإطارات.

وشملت التحركات، وفق إفادات سكان، مناطق ومرتفعات مطلة على جبل السنينة ومذبح وعصر والصباحة والحفا ونقم وشارع الخمسين وتبة آرتل، إلى جانب مواقع أخرى حول العاصمة.

ويقول سكان إن الجماعة تستخدم مؤسسات الدولة والسلطات المحلية والقطاعات المدنية الواقعة تحت سيطرتها في تنظيم هذه الفعاليات، التي تتضمن تزيين الشوارع والمباني بالأضواء والرايات، وإقامة التجمعات والخطابات والأنشطة الجماهيرية، فضلاً عن إطلاق الألعاب النارية وإشعال الإطارات.

صورة لاحتفالات الحوثيين بالمولد النبوي في ميدان السبعي بصنعاء (الشرق الأوسط)

وتقدم الجماعة هذه الاحتفالات في ظاهرها بوصفها مناسبة دينية واجتماعية، لكنها في الواقع واحدة من أبرز الفعاليات الجماهيرية التي تستخدمها الجماعة لإظهار الحشد والتعبئة العسكرية وفرض الجبايات.

وقال موظف حكومي في صنعاء، استخدم اسماً مستعاراً، لـ«الشرق الأوسط»، إن الأسر التي تعاني من تراجع الدخل وارتفاع الأسعار لا تستطيع تخصيص أموال للألعاب النارية أو الزينة، مشيراً إلى أن الأولوية بالنسبة لكثير من العائلات تتمثل في توفير الغذاء والاحتياجات الضرورية لأطفالها.

أزمة إنسانية

يتزامن الإنفاق الحوثي على الاحتفالات مع استمرار تدهور الوضع الإنساني في اليمن، الذي يواجه واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم بعد أكثر من عقد من الصراع، أدى خلالها انهيار قطاعات واسعة من الاقتصاد إلى تراجع الخدمات واتساع الاحتياجات الإنسانية.

وحذَّرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) في تقرير حديث من تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي خلال الفترة المقبلة، لا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، نتيجة تداخل عوامل اقتصادية وإنسانية وإقليمية، إلى جانب تداعيات الظروف المناخية.

وأشارت المنظمة إلى أن أكثر من 53 في المائة من سكان اليمن قد يواجهون مستويات من الأزمة الغذائية أو أسوأ منها، وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، خلال الأشهر المقبلة، مع وجود أعداد كبيرة من السكان في مستويات الطوارئ المُصنَّفة ضمن المرحلة الرابعة.

زعيم الحوثيين يظهر على أتباعه من خلال شاشة عرض عملاقة في صنعاء (أ.ب)

كما لفتت إلى وصول الأوضاع الإنسانية في مناطق سيطرة الحوثيين إلى مستويات حرجة، في ظلِّ تراجع العمليات الإنسانية والنقص الحاد في التمويل الدولي، بما يحدُّ من قدرة المُنظَّمات على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

وبقيت خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026 عند مستوى تمويل يقل عن 15 في المائة وفق المعطيات الواردة في التقرير، ما يعكس اتساع الفجوة بين حجم الاحتياجات والموارد المتاحة.

حادث مميت

في محافظة ريمة، الواقعة إلى الجنوب الغربي من صنعاء، سلط حادث مميت الضوء على جانب آخر من عمليات الحشد الحوثية المرتبطة بالاحتفالات، بعدما قُتل وأُصيب 19 شخصاً، بينهم أطفال، إثر انقلاب عربة عسكرية تابعة للجماعة في أثناء نقل مواطنين قسرياً من قرى ريفية إلى مديرية الجبين للمشاركة في فعالية بالمناسبة.

وقالت مصادر محلية إن الحادث وقع في منطقة جبلية في أثناء توجه العربة إلى الجبين، موضحة أنها كانت تقل عدداً يتجاوز طاقتها الاستيعابية، في ظلِّ طرق جبلية ووعرة؛ ما أدى إلى انقلابها وسقوط قتلى وجرحى، بينهم مشرف أمني تابع للجماعة.

الحوثيون يسخرون ذكرى المولد النبوي للتعبئة والحشد والجبايات (إ.ب.أ)

وتأتي الواقعة مع تكثيف الحوثيين عمليات حشد السكان من مختلف الأعمار في مناطق سيطرتهم للمشاركة في فعاليات المولد، واستخدام وسائل نقل مختلفة، بينها مركبات عسكرية وأمنية، لنقل المشاركين من القرى والمناطق النائية.

وحمل أهالي الضحايا الجماعة المسؤولية عن الحادث، مطالبين بالتحقيق في ملابساته، وتحديد المسؤولين عن عملية النقل، وقالوا إن نقل المواطنين، وبينهم أطفال، في مركبات غير مخصصة لنقل أعداد كبيرة من الركاب وعبر طرق جبلية يعكس استهتاراً بسلامتهم.

وكانت ريمة شهدت في مايو (أيار) الماضي حادثاً مماثلاً أدى إلى وفاة 9 أشخاص وإصابة آخرين، إثر انقلاب شاحنة كانت تقل 18 شخصاً.