تدخل روسيا يسكت مدافع قره باغ... وقواتها تفصل المتحاربين

باكو تعلن «النصر» ويريفان تواجه هزات... وسجال حول دور تركي في مراقبة اتفاق وقف النار

متظاهرون في مقر البرلمان الأرميني بيريفان أمس احتجاجاً على الاتفاق... وفي الإطار بوتين وعلييف يوقّعان الاتفاق أمس (إ.ب.أ)
متظاهرون في مقر البرلمان الأرميني بيريفان أمس احتجاجاً على الاتفاق... وفي الإطار بوتين وعلييف يوقّعان الاتفاق أمس (إ.ب.أ)
TT

تدخل روسيا يسكت مدافع قره باغ... وقواتها تفصل المتحاربين

متظاهرون في مقر البرلمان الأرميني بيريفان أمس احتجاجاً على الاتفاق... وفي الإطار بوتين وعلييف يوقّعان الاتفاق أمس (إ.ب.أ)
متظاهرون في مقر البرلمان الأرميني بيريفان أمس احتجاجاً على الاتفاق... وفي الإطار بوتين وعلييف يوقّعان الاتفاق أمس (إ.ب.أ)

تسارعت التطورات على جبهات القتال في قره باغ، أمس، بعد مرور ساعات على تدخل مفاجئ وحازم من جانب الكرملين أفضى إلى الإعلان عن توقيع اتفاق ثلاثي مع أرمينيا وأذربيجان، نص على وقف النار فوراً. واشتمل نص الاتفاق الذي نشره الموقع الرسمي للكرملين على ترتيبات ترسم خريطة جديدة للنفوذ في محيط إقليم قره باغ، استندت إلى الواقع الميداني الجديد بعد تقدم القوات الأذرية أخيراً في عدد من المحاور.
وباشرت موسكو، أمس، نشر قوات للفصل بين المتحاربين على طول خط الهدنة الجديدة، في حين برزت سجالات بين أذربيجان وروسيا حول مشاركة تركية محتملة في مراقبة وقف النار.
ولم تمضِ ساعات على إعلان وزارة الدفاع الروسية، مساء أول من أمس، أن مروحية عسكرية روسية سقطت بنيران أذرية في عمق الأراضي الأرمينية، حتى تسارعت تحركات الأطراف خلال ليلة وصفت بأنها حاسمة، وغيّرت مسار المعارك المتواصلة في المنطقة منذ 47 يوماً.
وأقرّت باكو بأن قواتها أسقطت المروحية من طريق الخطأ وقدمت اعتذاراً رسمياً، وأبدت استعداداً لدفع تعويضات لموسكو. وبدا أن هذا التطور حرّك الكرملين لعقد مفاوضات عاجلة بين الأطراف الثلاثة، أسفرت عن توجيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في وقت متأخر من ليل الثلاثاء خطاباً متلفزاً قصيراً، أعلن فيه أن «رئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان ورئيس روسيا الاتحادية وقّعوا إعلاناً مشتركاً حول وقف إطلاق النار في قره باغ».
وجاء في الاتفاق، أن الوقف الكامل لإطلاق النار يبدأ اعتباراً من منتصف ليل 10 نوفمبر (تشرين الثاني) بتوقيت موسكو. ويشتمل على احتفاظ الجيشين الأذري والأرميني بمواقعهما الحالية.
ووفقاً للاتفاق، يجب على أرمينيا إعادة منطقة كيلبجار إلى أذربيجان بحلول منتصف الشهر، ومنطقة لاتشين بحلول مطلع الشهر المقبل، على أن تبقي تحت سيطرتها ممر لاتشين بعرض خمسة كيلومترات الذي يضمن ربط قره باغ بأرمينيا. وأكد الاتفاق، أن مدينة شوشا التي أعلنت باكو في وقت سابق السيطرة عليها لا تقع ضمن الأراضي التي يتوجب تسليمها. وفي بند آخر، نص الاتفاق على أنه بحلول 20 نوفمبر، يجب على يريفان تسليم باكو منطقة أغدام وجزءاً من منطقة غازاخ الأذرية التي تحتلها.
ويقضي الاتفاق بنشر روسيا وحدات فصل، قوامها 1960 عسكرياً، بأسلحتهم النارية مع 90 ناقلة جند مدرعة و380 قطعة من المعدات الخاصة، على طول خط التماس في قره باغ وعلى طول ممر لاتشين. وستنتشر القوة الروسية بالتزامن مع انسحاب الجيش الأرميني من المناطق المتفق عليها.
وحددت الأطراف مدى وجود القوات الروسية في المنطقة بخمس سنوات، قابلة للتجديد التلقائي لفترات إضافية بموافقة كل أطراف الاتفاق. كما اتفقت الأطراف الثلاثة على تأسيس مركز لحفظ السلام ومراقبة وقف إطلاق النار.
وفيما بدا أنه نقطة انطلاق لاعتبار التسوية الحالية نهائية، نص الاتفاق على وضع خطة لبناء طريق مرور جديدة على طول ممر لاتشين خلال السنوات الثلاث المقبلة؛ بهدف توفير الاتصال بين عاصمة الإقليم ستيباناكيرت وأرمينيا، مع إعادة نشر وحدة حفظ السلام الروسية لاحقاً لحماية هذه الطريق. في الوقت نفسه، تضمن أذربيجان سلامة خطوط النقل على طول ممر لاتشين.
وفي بند آخر، اتفقت الأطراف على ضمان عودة النازحين واللاجئين إلى قره باغ والمناطق المحيطة بها، تحت إشراف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وأعلن الاتفاق عن إلغاء الحظر المفروض على جميع الروابط الاقتصادية والنقل في المنطقة، وتعهدت أرمينيا في هذا الإطار ضمان خطوط النقل بين المناطق الغربية لأذربيجان وجمهورية ناخيتشيفان ذاتية الحكم، على أن تضمن قوات حرس الحدود الروسي تنفيذ ذلك، مع إطلاق خطة لبناء خطوط نقل جديدة، تربط أذربيجان مباشرة مع ناخيتشيفان.
وفور إعلان توقيع الاتفاق، شهدت يريفان ومناطق أرمينية أخرى، احتجاجات واسعة النطاق، تحولت إلى أعمال عنف؛ إذ اقتحم متظاهرون مبنى البرلمان ومنشآت حكومية أخرى، رافضين «الاستسلام» أمام أذربيجان. وبدا أن أرمينيا بدأت تواجه هزات داخلية عنيفة؛ ما دفع رئيس الوزراء إلى إصدار بيان توضيحي أعلن فيه، أن وقف النار بات أمراً ملحاً لتجنيب البلاد خسائر أوسع. وقال، إن الجيش طلب منه توقيع الاتفاق بعدما باتت قدراته على التعبئة ومواصلة القتال محدودة للغاية.
وأشار باشينيان إلى ظهور عدد من المشكلات في عمل القوات المسلحة، منها أنه كانت هناك عشرات الحالات من عدم سماح سكان مناطق معينة للجيش بإعادة نشر قواته، إضافة إلى صعوبات في التجنيد، والمستوى المتدني في القدرة القتالية لفصائل المتطوعين، وحالات الفرار من الخدمة.
تبع ذلك إعلان صامويل بابايان، سكرتير مجلس الأمن القومي في «جمهورية قره باغ» استقالته من منصبه احتجاجاً على الاتفاق الذي وصفه بأنه «خيانة». واعتبر بابايان موافقة زعيمي أرمينيا وإقليم قره باغ على الاتفاق «قراراً انفرادياً»، في حين قال رئيس قره باغ أرايك هاروتيونيان، إن سلطات الإقليم «اضطرت إلى وقف القتال من أجل إنقاذ الجمهورية بعد تدهور الوضع الميداني على الجبهات»، مشيراً إلى أنه «كان من الممكن أن يسقط المزيد من الضحايا، بسبب امتداد الأعمال القتالية إلى العمق؛ مما كان سيؤدي إلى عواقب وخيمة». وزاد أن «جيش الدفاع في قره باغ، لم يكن يملك أسلحة حديثة. وسيتعين على المذنبين في ذلك تحمل المسؤولية».
وأوضح، أن «الطائرات من دون طيار الأذرية ألحقت أضراراً كبيرة بجيش الدفاع في قره باغ، والسؤال الذي يطرح نفسه، لماذا لم يصنع الجيش الأرميني أسلحة مماثلة؟ سيتحمل مسؤولية ذلك كل من تولى مناصب المسؤولية على مدى العقود الماضية».
وفي تأكيد لصعوبة الموقف، قال إنه «لو استمرت الأعمال القتالية في المنطقة بالوتيرة نفسها، كانت ستضيع قره باغ بالكامل». وأوضح «لقد فقدنا فيزولي وجبريل وكوباتلي وزانجيلان، ومنطقة هادروت بشكل كامل تقريباً، وكذلك بعض أجزاء من منطقتي مارتوني وأسكيران، والأهم من ذلك شوشي. ووصل القتال بالفعل إلى ضواحي ستيباناكرت، على مسافة 2 - 3 كيلومترات. ولو استمر بالوتيرة نفسها، كنا سنفقد في غضون أيام أرتساخ (الاسم الأرمني لقره باغ)».
وعلى خلفية الاحتجاجات الواسعة في أرمينيا، اضطرت وزارة الدفاع إلى التدخل في محاولة للتهدئة، عبر بيان مشترك مع هيئة الأركان العامة، دعا إلى «تجنب الأعمال التي يمكن أن تزعزع أسس الدولة، ولاستخلاص العبر من الأخطاء المختلفة كافة، وإنشاء جيش أقوى وأكثر كفاءة بكثير، يستحقه شعب بطل».
في المقابل، بدا أن باكو تحتفل بما وصف بأنه «النصر الكامل». وقال الرئيس علييف، إن الاتفاق «أفضل نص توصلنا إليه، وهو يلبي أهدافنا تماماً»، مشيراً إلى أن «العمليات العسكرية حققنا فيها نجاحات كبرى، وحان وقت العملية السياسية التي تلبي مصالحنا».
وفي إشارة لافتة، قال علييف، إن القوات التركية ستشارك في عمليات مراقبة وقف النار في الإقليم. وأثار هذا الموضوع ردود فعل سريعة من جانب الكرملين ووزارة الخارجية الروسية. وأكد الكرملين، أن البيان الثلاثي لزعماء روسيا وأذربيجان وأرمينيا حول وقف القتال في إقليم قره باغ لا يتضمن أي إشارة إلى إمكانية نشر قوات حفظ سلام تركية في الإقليم. وقال الناطق باسم الرئاسة الروسية ديميتري بيسكوف، إن «الأطراف الثلاثة لم تتفق على ذلك، ولم يتم التفاهم على وجود الجنود الأتراك في قره باغ». وأوضح، أنه «في الحقيقة، كان هناك حديث عن إنشاء مركز على الأراضي الأذرية لمراقبة وقف إطلاق النار. وهذا سيكون في أذربيجان وليس في قره باغ».
لكن بيسكوف أشار في الوقت ذاته إلى أن موضوع إنشاء مركز في أذربيجان لمراقبة وقف إطلاق النار في قره باغ «سيخضع لاتفاق منفصل». وذكر أن الولايات المتحدة وفرنسا، وهما الرئيسان المشاركان لمجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا بشأن التسوية في قره باغ، لم يشاركا في إعداد اتفاق وقف النار الذي وصفه بأنه «انتصار لشعبي أرمينيا وأذربيجان؛ لأن بفضله توقفت الحرب».
وكان علييف قال في إشارة إلى بند في الاتفاق ينص على إنشاء المركز، إن «هذا المركز سيعمل فيه عسكريون روس وأتراك، وسيكون لتركيا دور رسمي في الجهود المستقبلية لتسوية النزاع ومراقبة وقف إطلاق النار».
من جهته، أكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو مشاركة بلاده في المراقبة على وقف إطلاق النار في قره باغ، وقال إن المناقشات حول كيفية مراقبة نظام وقف إطلاق النار لا تزال مستمرة، لكن «عملية المراقبة بأكملها سننفذها بشكل مشترك، وسنبقى بجانب أذربيجان مستقبلاً».
إلى ذلك، أكدت الخارجية الروسية بدورها على الموقف من نشر قوات تركية، وقالت الناطقة باسمها ماريا زاخاروفا، إن الحديث يدور عن «قوات حفظ السلام التابعة لروسيا فقط». وأشارت إلى أن الوزير سيرغي لافروف اتصل صباح أمس، بنظيره التركي وأعربت أنقرة خلال الاتصال عن «تأييدها البيان الثلاثي».



شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟