الحرب الليبية مرشحة للاستمرار سنوات والجيش يضيف 4 طائرات «سوخوي» جديدة إلى أسطوله

خلافات داخل معسكر «فجر ليبيا».. وتململ في صفوف «عملية الكرامة»

رجال الإطفاء الليبيين في مساعيهم لإخماد نيران مصافي الخزانات النفطية في منطقة السدرة الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)
رجال الإطفاء الليبيين في مساعيهم لإخماد نيران مصافي الخزانات النفطية في منطقة السدرة الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)
TT

الحرب الليبية مرشحة للاستمرار سنوات والجيش يضيف 4 طائرات «سوخوي» جديدة إلى أسطوله

رجال الإطفاء الليبيين في مساعيهم لإخماد نيران مصافي الخزانات النفطية في منطقة السدرة الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)
رجال الإطفاء الليبيين في مساعيهم لإخماد نيران مصافي الخزانات النفطية في منطقة السدرة الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)

كشفت قيادات عسكرية وقبلية وسياسية ليبية عن وجود خلافات داخل معسكر «فجر ليبيا» الذي يقوده متشددون من جماعة الإخوان ويضم مجموعات من المتطرفين، بالتزامن مع ظهور تململ في صفوف «عملية الكرامة» التي يقودها اللواء خليفة حفتر التي تجري ضد الإرهابيين تحت إشراف رئاسة الأركان التابعة للبرلمان الجديد.
وتعد «فجر ليبيا» وقوات «عملية الكرامة» التابعة للجيش، القوتين الرئيسيتين المتحاربتين في البلاد الغنية بالنفط. وتوقعت هذه المصادر التي كان بعضها في زيارة للعاصمة المصرية، القاهرة، أخيرا، استمرار الحرب الليبية لسنوات رغم ضم الجيش 4 طائرات «سوخوي» جديدة خلال الأسبوعين الماضيين، وهو أمر يجري الكشف عنه للمرة الأولى.
ومن جانبها تحدثت مصادر سياسية من مدينة مصراتة خلال زيارة غير رسمية للقاهرة، عن خلافات بين قادة المدينة التي تعد المعقل الرئيسي لقوات «فجر ليبيا»، وذلك حول العمليات العسكرية التي بدأت هذه القوات تقوم بها في مناطق الشرق الليبي وما تسببت فيه من دمار هائل للخزانات النفطية في منطقة السدرة الأسبوع الماضي. وقالت هذه المصادر إن شخصيات في المجلس البلدي لمدنية مصراتة الذي يقوده تيار يضم معتدلين، أبلغ القادة العسكريين، وأغلبهم من جماعة الإخوان والجماعة الليبية المقتلة، أن العمليات القتالية والهجوم على منطقة الهلال النفطي الواقع إلى الغرب قليلا من مدينة بنغازي «تعيق الحوار» مع باقي الليبيين.
وتابعت هذه المصادر قائلة إن 4 (3 رجال وسيدة) من نواب مصراتة الذين فازوا في البرلمان الجديد الذي يعقد جلساته في طبرق، ما زالوا يصرون على مقاطعة جلساته والوقوف إلى جانب قوات «فجر ليبيا» المناوئة للبرلمان وللجيش الوطني وعملية الكرامة، وهؤلاء النواب هم: «ح.ش»، و«ع.ب»، و«م.ض» و«ع.س»، ويقودون حراكا مثيرا للقلق في مدينة مصراتة يهدف إلى إطالة أمد الحرب ضد برلمان طبرق والجيش ويدعمون مواقف المتطرفين بطريقة تدعو إلى الخطر من المستقبل، لأن «هذا الاتجاه لن يفضي إلى سيطرة فجر ليبيا على عموم البلاد، ولكنه سيؤدي إلى عداء من جانب الليبيين ضد مدينة مصراتة».
ووفقا للمصادر نفسها مارس النواب المتشددون المقاطعون لجلسات برلمان طبرق، وغالبيتهم من جماعة الإخوان، ضغوطا كبيرة، بمساعدة قادة عسكريين من «فجر ليبيا»، على المجلس البلدي لمدينة مصراتة لمنعه من إصدار بيان يؤيد الحوار السياسي، مشيرة إلى أن المجلس البلدي كان يريد أن يصدر الأسبوع الماضي بيانا يقول فيه إن الحوار «خيار استراتيجي لحل الأزمة الليبية»، وليس السلاح أو الاقتتال.
ومن بين من زاروا القاهرة خلال الأيام القليلة الماضية قيادي ليبي من جماعة الإخوان المسلمين من الموالين لقوات «فجر ليبيا» وتوجهات المتشددين في مصراتة، يدعى «ع.ر».
وأفادت المصادر أن هذا الرجل دخل مصر بـ«تنسيق مسبق مع القاهرة، وبضمانات بعدم الملاحقة»، وأنه كان قريبا من مقابلات جرت قبل شهر بين فرقاء ليبيين عقد بعضها، بشكل غير رسمي، في دولة المغرب. ولم يعرف بعد ما إذا كان «ع.ر». قد التقى بأي من المسؤولين المصريين أم لا، مع العلم أن مصادر مصرية رسمية أبلغت «الشرق الأوسط» أن القاهرة لن تكون طرفا في أي حوار بين الليبيين تشارك فيه جماعة الإخوان أو القيادات المتطرفة، وأنها «لا تشجع على ذلك»، حتى لو عقد مثل هذا اللقاء في دول أخرى كالجزائر.
وبالعودة إلى الخلافات بين قادة مصراتة، أفادت المعلومات أن نواب المدينة المقاطعين لأعمال البرلمان، والذين شاركوا في مؤتمر «غدامس1» قبل شهرين، مع نواب من البرلمان، يتعرضون لهجوم كبير. وأضافت مصادر من مصراتة نفسها أن التيار المنحاز للحوار يقوده النائب المعتدل، فتحي باشاغا. وأضاف أن تيار النائب باشاغا في مصراتة تعرض، بسبب مواقفه المعتدلة، لاتهامات من جانب المتطرفين بالتكفير والتخوين. وقالت إن «أعضاء في جماعة الإخوان والجماعة المقاتلة يقودون حملة ضد باشاغا مستخدمين في ذلك أيضا جيشا إلكترونيا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، غالبية أفراده من النساء وربات البيوت».
وتسير هذه المعركة الخافتة في أروقة مصراتة مع معركة أكبر تجري وقائعها في طرابلس بشأن المؤتمر الوطني العام (البرلمان السابق) المنتهية ولايته، والذي يصر على الاستمرار في عقد جلساته حتى الآن، ويحاول إقناع العالم بأن «برلمان شرعي له حكومة»، ويريد أن يعزز سلطاته على الأرض بالسيطرة على المنشآت النفطية قرب سرت وبنغازي قرب منطقة السدرة والوادي الأحمر.
وقال أحد أعضاء المؤتمر الوطني لـ«الشرق الأوسط» عبر الهاتف من طرابلس، مشترطا عدم تعريفه بسبب حساسية الخلافات هناك، إنه «يوجد توتر كبير بين أعضاء المؤتمر الوطني السابق، بسبب اتهامهم لرئيسه نوري بو سهمين بالانقياد لسلطة أعضائه المتشددين»، قائلا إن من بين هؤلاء الأعضاء المتشددين محمد العماري، ومحمد بوسدرة، وعبد الوهاب القايد. وأضاف أن نحو 20 عضوا في المؤتمر الوطني المنتهية ولايته «هددوا باستصدار بيان يؤيد الحوار مع البرلمان الجديد في حال استمرار قيادات المؤتمر في رفض الحوار».
ومن بين الخلافات التي بدأت تضرب في مصراتة أيضا، اشتراط عدد من قادة ميليشيات عسكرية مهمة في «فجر ليبيا»، ومنها كتيبة الحلبوص وكتيبة المحجوب، ابتعاد صلاح بادي، قائد «فجر ليبيا» ومن القيادات الإخوانية العسكرية المتشددة، عن المشهد العام الحالي، وذلك بسبب ضلوعه في معركة المطار والمعارك التي تبعتها في جنوب غربي طرابلس في الزنتان وورشفانة، وتشدده ضد أي فرص للحوار تشارك فيه أطراف من برلمان طبرق ومن الأطراف الأخرى الفاعلة في ليبيا.
وتعتمد قوة القيادات الإخوانية على عمليات التنسيق التي تجريها بين ميليشيات المتطرفين، سواء كانوا من الموالين لتنظيم القاعدة أو لتنظيم «داعش»، وهما تنظيمان يتركز وجودهما بشكل كبير في الوقت الحالي على مدن درنة وسرت وبنغازي. ويشن الجيش الوطني بقيادة حفتر، عمليات ضد هؤلاء المتطرفين في بنغازي، لكن المعركة طالت ولم تحسم بشكل نهائي بعد، بسبب «تململ» بين ضباط عدد من قادة العمليات داخل المدينة التي تعد ثاني أكبر المدن الليبية ومهد الثورة التي انطلقت ضد العقيد معمر القذافي في 2011.
واستغلت «فجر ليبيا» بطء عمليات الجيش في بنغازي وحاولت تقديم دعم لجماعة أنصار الشريعة المحاصرة في المدينة. وقال ضابط كبير في الجيش الليبي كان ضمن وفد في زيارة للقاهرة قبل يومين إن المؤشر وراء توجه قوات «فجر ليبيا» إلى حقول النفط في المنطقة الشرقية «ليس هدفه الحقول في حد ذاتها، ولكن يريدون مناصرة أنصار الشريعة في بنغازي، لأن موضوع حسم المعارك في بنغازي تأخر بطريقة غريبة. وفي حال سيطرة «فجر ليبيا» على حقول النفط في الشرق فإنك تستطيع القول إنها تحقق نتائج كبيرة لصالحها، وهذا يزيد الأمور تعقيدا، سواء سياسيا أو عسكريا».
ويضيف أن «الناس في حرب بنغازي وقفت مع الجيش حين دخل المدينة منذ الشهر قبل الماضي. لكن ميدانيا الوضع في المدينة غير مطمئن.. كان هناك هجومان كبيران في بنغازي من جانب مجلس ثوار بنغازي (الذي يقوده المتطرفون).. المتطرفون يضغطون داخل بنغازي حتى لا يكون هناك دعم للجيش في منطقة وادي الأحمر قرب المنشآت النفطية وقرب سرت.. لا تستطيع أن ترسل قوة إلى الجبهة الواقعة غرب بنغازي بينما أنت لديك جبهات مفتوحة داخل بنغازي نفسها».
وقامت قوات فجر ليبيا بشن هجومين الشهر الماضي على القوات الموالية للجيش في منطقة رأس الأنوف، قرب المنشآت النفطية وعلى الطرق الشرقية لسرت، وتمكنت في الهجوم الثاني من حرق صهاريج ضخمة مما أثر بالسلب على عمليات التصدير وعلى مصادر الطاقة المغذية لشرق البلاد. ووفقا للمصدر العسكري المقرب من العمليات التي تقوم بها قوات حفتر والجيش الوطني، فإن القوات الموالية للجيش والتي كانت موجودة في الهلال النفطي هي «قوات معنوية» أكثر منها قوات قادرة على صد هجوم قوات فجر ليبيا.
واعتمد الجيش على القوات الجوية لضرب أرتال قوات فحر ليبيا وهي تتقدم إلى منطقة النفط، لكن طريقة تنفيذ «فجر ليبيا» للهجوم لم تكن متوقعة. وقال هذا الضابط إنه «يوجد مع قوات فجر ليبيا خبراء عسكريون سودانيون وربما أتراك في غرف العمليات، لأن الهجوم الثاني الذي قامت به (فجر ليبيا) بعد صد الهجوم الأول بطيران الجيش، استخدمت فيه 5 محاور في الهجوم، لتشتيت قدرات الطيران الحربي».
وتابع موضحا: «الهجوم من عدة محاور لم يكن موجودا في تكتيك قوات فجر ليبيا من قبل.. هذا حدث في الهجوم الثاني انطلاقا من مدينة سرت للاستيلاء على المنشآت النفطية، في مقابل قدرات متواضعة للسلاح الجوي الذي يملكه الجيش الوطني. وهو، أي الجيش، لا يستطيع أن يوجه ضرباته لأربعة أو خمسة أهداف مرة واحدة.. هذا يؤدي إلى إرهاق سلاح الجو الليبي واستنزاف قدراته، وحتى بالنسبة لعملية إعادة تذخير الطائرات، أضف إلى ذلك أن كميات الذخائر نفسها ليست بذلك القدر الذي قد يتخيله البعض، بالإضافة إلى الأعطال الكثيرة التي تصيب هذه الطائرات القديمة».
وكان الجيش الليبي الذي أعيد تأسيسه منذ الربع الأول من عام 2014 يملك أقل من 10 طائرات حربية من نوع «سوخوي» إلا أنها قديمة، وبعضها يحتاج إلى إصلاح. وكشف ضابط آخر في جيش حفتر، لـ«الشرق الأوسط»، لأول مرة، خلال زيارة للقاهرة قبل يومين، أن الجيش ضم إلى قواته الجوية 4 طائرات سوخوي جديدة، وأنها بدأت تشارك في المعارك «لكن ما زالت إمكانات القوات الجوية ضعيفة».
ويتوقع أن تستخدم الطائرات الجديدة في ضرب أهداف عسكرية للمتطرفين في طرابلس وفي مصراتة»، مشيرا إلى أن «الطائرة السوخوي الجديدة ذات كفاءة وتبقى في الأجواء فترة طويلة، ويمكنها أن تناور وتعاود الضرب مرة ومرتين وثلاث».
لكن إمكانات «السوخوي»، بما فيها الجديدة، تظل أقل من إمكانات ذلك النوع من الطائرات الذي كانت تمتلكه ليبيا قبل أن تتعرض لقصف حلف الناتو أثناء «الثورة» ضد القذافي، والمعروفة باسم الطائرة (U2) وكان لديها القدرة على الطيران لمسافة 4 آلاف كيلومتر. وكانت تعد من أسلحة الجو المهمة ليس في ليبيا فقط، ولكن في منطقة الشرق الأوسط. وما زال يوجد طيارون كثيرون في الجيش الوطني لكن لا يجدون طائرات للاشتراك في العمليات العسكرية ضد المتطرفين. وتجد ليبيا صعوبة في توفير السلاح بسبب إدراجها منذ 2011 تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وحيث أصبح محظورا عليها استيراد الأسلحة لكل أنواعها من الخارج، لكن مسؤولين عسكريين في الجيش يقولون، دون مواربة، إنهم يدبرون أمور التسليح من خلال السوق السوداء ومن خلال صفقات تجري من وراء ستار، ومنها صفقة السوخوي الأخيرة.
لكن يبدو أن عملية «فجر ليبيا» الأخيرة وجرأتها في استهداف المنشآت النفطية جعلت قيادات في البرلمان وفي الجيش الوطني تشعر بالقلق من سير عمليات الجيش وتأخرها في كسر شوكة الجماعات المتطرفة التي لا يتركز وجودها في بنغازي فقط، ولكنه يمتد إلى درنة وإلى سرت ومصراتة وطرابلس وصبراتة.
ووفقا لمصادر من نواب البرلمان التي التقطتها «الشرق الأوسط» في القاهرة أخيرا، فإنه جرى تقديم اقتراح إلى كل من رئيس البرلمان، عقيلة صالح، ورئيس الحكومة عبد الله الثني، بإيفاد مبعوث خاص إلى روسيا لعرض أمور محددة تتعلق، باختصار، بالسلاح مقابل النفط، قبل أن تتحول ليبيا إلى دولة يسيطر عليها الإرهابيون، وأن يتم إخطار الروس برسالة محددة أيضا وهي أنه في «حالة هيمنة المتطرفين على البلاد، ستكون هدفا سهلا للغرب لكي يتدخل بنفسه، وبالتالي لن تجد روسيا موضع قدم في ليبيا مستقبلا».
لكن صالح والثني ردا على النواب الذين تقدموا بهذا الاقتراح، وغالبيتهم من نواب الوسط والجنوب، بأن أصدقاء الروس من الليبيين ينطبق عليهم قانون العزل السياسي الذي سنه البرلمان السابق في عام 2013، ويمنع كل من عمل مع القذافي منذ سنة 1969 حتى 2011، من شغل أي موقع رسمي في الدولة، وأنهما ردا بأنه «في حالة إيفاد مبعوث خاص ينطبق عليه العزل السياسي، ستوضع الحكومة والبرلمان في حرج بالغ». وأضاف أحد هذه المصدر ممن كان مشاركا في اللقاء مع رئيسي البرلمان والحكومة قائلا للثني: «سيدي.. المبعوث الشخصي ليس مطلوبا أن يكون معلنا في وسائل الإعلام أو أن يعرفه الجميع»، مشيرا إلى أنه يوجد توافق في الجلسات المغلقة على أن «الرجال الذين يصلحون ويستطيعون حل مشكلة ليبيا ينطبق عليهم قانون العزل»، لكن التصريح بمثل هذا الرأي يجلب الانتقادات خاصة من خصوم البرلمان والجيش.
وجرى ترشيح إحدى القيادات التي لديها قدرة على التواصل مع الروس من أجل تسيير جلب السلاح الروسي إلى ليبيا بعيدا عن أنظار الحظر الدولي.. ويدعى هذا الرجل الذي كان يعمل فيما مضى في الدولة في عهد العقيد معمر القذافي، «س.ر».. والتقى بالفعل، في القاهرة، مع عدد من الأطراف المؤثرة في البرلمان والحكومة أثناء زيارتهم لمصر.
وأبلغ هذا الرجل الذي يقيم بالعاصمة المصرية أحد وزراء الحكومة الليبية حين التقى به بقوله: «لا يعنيني قانون العزل، لأنني لست مرشحا لموقع رسمي في الدولة.. أنت إذا كنت تريد شيئا فاطلبه مني حتى أقوم به، دون أن تعلن عن ذلك. المهم أن أربط بينك وبين الروس بحيث يمكن أن تجري اتفاقا معهم لكي يتدفق السلاح الروسي إلى السلطة الليبية الشرعية. هذا واجبي الوطني لا أريد وظيفة ولا أموالا ولا إعلاما».
وبدأ الجيش الليبي عملياته ضد المتطرفين في شهر مايو (أيار) الماضي، وأعلن وقتها أن مسألة حسم المعارك في بنغازي وباقي المدن، ستنتهي قبل بداية عام 2015، لكن طول أمد العمليات أصبح ينذر بوقوع خلافات بين القادة العسكريين المنخرطين في قوات الجيش الوطني وعملية الكرامة. وبدلا من الحديث عن الحسم بقوة السلاح، أصبح في الإمكان أن تسمع في حوارات المتحمسين الكبار الموالين للجيش، لغة جديدة تقول إن «الحسم العسكري لن يتم. هناك من يغذي المتطرفين وهناك سلاح منتشر، وهناك أيضا حساسيات قبلية. توجد مشكلات حتى بين قيادات حفتر، ولا نريد أن ندخل أنفسنا في هذه المتاهة».
ويضيف ضابط على صلة بغرفة عمليات الجيش الليبي قائلا: «الآن، حين تكون قد قطعت شوطا كبيرا في بنغازي، وتفاجأ أن هناك قوات من الإسلاميين بدأت تأتي لتقديم الدعم للمتطرفين في المدينة، قد ينقلب الموقف ولا يكون لصالحك. الذي هز الموقف وأربك عمليات الجيش في بنغازي هو نقص الذخائر. الذخائر موجودة لدى طرف ولا يريد أن يعطي منها للأطراف الأخرى، والمتشددون يستفيدون من هذه التصرفات التي لا تليق».
ويتابع قائلا في حديث موثق مع «الشرق الأوسط»: «توجد حقيقة لا يمكن السكوت عليها.. ضباط في الميدان في بنغازي أبلغونا بأنهم انسحبوا من بعض أحياء المدينة التي تتحصن فيها مجموعات متطرفة، لأنه ليس لديهم ذخائر. الذخائر نفدت من أيدي الجنود ومن أيدي المتطوعين (ما يعرف بالصحوات) وقالوا لنا إنهم حين طلبوا ذخيرة من الجيش لم يعطونا.. هذه مشكلة.. لا يصح أن يكون هناك تنابذ ونيات غير طيبة وصراع على مواقع بشأن مرحلة ما بعد تحرير بنغازي».
ويضيف أنه في حال عدم إعادة الانضباط إلى عمل أفرع الجيش فإن المعركة بهذا الشكل ستطول لسنوات.. «ليس بسبب الحساسيات التي بدأت تظهر بين بعض القادة في الجيش وفي عملية الكرامة، ولكن أيضا بسبب الانقسامات المتوقعة بين الميليشيات الإسلامية. هنا ستتحول ليبيا إلى مناطق للحروب الصغيرة التي لا يمكن السيطرة عليها، ونتمنى ألا يحدث ذلك».
ويلفت هذا الضابط الانتباه إلى أنه أصبح يوجد فرع من الجيش له عقيدة مختلفة عن جيش حفتر رغم أنه يتعاون معه في الوقت الرهان، في قتال المتطرفين و«فجر ليبيا»، في منطقة غرب طرابلس، وهو «جيش القبائل» الذي يتكون من عناصر كانت في الجيش الليبي القديم وترفض العمل تحت قيادة حفتر علانية، «لأنه مستمر في تبني ثورة فبراير (شباط) 2011 التي أطاحت بالقذافي، وهو ما يرفضه قيادات الجيش السابق، ولذلك ومنعا للحساسيات واحتراما للمشاعر، تم تسمية الجيش في الغرب باسم جيش القبائل لكنه يعمل بالتنسيق والتعاون تحت رئاسة أركان الجيش الليبي».
وحقق تعاون جيش القبائل مع الجيش الوطني تقدما كبيرا جدا على الأرض في غرب طرابلس. وأصبحت هناك غرفة عمليات في الغرب فيها مجموعة من الضباط وأصبح يأتيهم سلاح من منطقة الشرق من جيش حفتر. ويخضعون لأوامر بالتقدم أو الانسحاب، وأصبحت تجري حرب تكتيكية في مناطق غرب طرابلس وليست حربا عشوائية كما كان في السابق حين نشبت الحرب بين ميليشيات فجر ليبيا وميليشيات الزنتان التي انضمت هي الأخرى إلى الجيش الوطني وتعمل بالتنسيق مع جيش القبائل.
وفي المقابل يتوقع قيادات في الجيش الوطني الليبي أن يؤدي التضييق المالي على قوات «فجر ليبيا» إلى انقسامات في داخلها، وفي حال تقوية الجيش وزيادة تسليحه، فإنه سيكون قادرا على حسم الكثير من المعارك، لكن هذا قد يستغرق عدة سنوات، بسبب ما تملكه قوات المتطرفين من أسلحة ومعدات وتحصنها في المدن التي يصعب على القوات النظامية خوض حرب شوارع فيها.
وكان قادة المتطرفين يهيمنون على الحكم في عامي 2012 و2013 وقاموا بضخ ملايين الدولارات للميليشيات المسلحة.. وجاء التضييق المالي على المتطرفين بعد قيام البرلمان الجديد بالإشراف على البنك المركزي والسيطرة على منابع النفط. ويقع حقلا الفيل والشرارة، في المنطقة الجنوبية تحت سلطة قوات الزنتان الموالية للجيش الوطني والبرلمان.. كما أن الأنابيب النفطية التي تأتي من الجنوب تمر من منطقة نفوذ الزنتان.
ويقول أحد القادة من جيش القبائل: «الآن أصبحت خطوط النفط في المنطقة الغربية، والقادمة من الجنوب، تحت سلطة جيش القبائل التي هي مع الزنتان. وقامت بوقف النفط عن موانئ التصدير للخارج في مليتة وزوارة وغيرها. وفي المنطقة الشرقية النفط تحت سيطرة جيش الكرامة ومقاتلي الشرق»، مشيرا إلى أن قوات فجر ليبيا «تسدد مبالغ كبيرة للمقاتلين الذين معها. في كل يوم تدفع ملايين الدولارات.. وكل مجموعة تعمل على نوع من أنواع الأسلحة لها سعر.. من يعمل على مدفع 14.5 يحصل على 500 دينار في اليوم، ومن يعمل على كلاشنيكوف يحصل على 200 دينار في اليوم. والأرقام مهولة».
ويضيف أن من بين هذه العناصر من المقاتلين الذين يعملون مع فجر ليبيا «تونسيون وجزائريون ومصريون وأجانب من دول شتى. هذا يحتاج لضخ أموال باستمرار، وإلا فإن هؤلاء المقاتلين إن لم يحصلوا على مستحقاتهم سيتركون القتال مع أولئك المتطرفين». ويقول إن «فجر ليبيا» شعرت بالضائقة المالية وعدم القدرة على الدفع للمرتزقة الذين يعملون معها، بعد أن جرى سحب التوقيع من محافظ البنك المركزي السابق، وأصبح محافظ البنك المركزي الجديد يعمل وفقا لأوامر البرلمان الموجود في طبرق. وبعد فشل «فجر ليبيا» في محاولة الوصول لحقل الفيل والشرارة في الجنوب شعرت بالاختناق، فاتجهت إلى حقول البترول في الشرق، مما أدى إلى خلافات بين قادة مصراتة، لتبقى الخيارات في البلاد مفتوحة على جميع الاحتمالات.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.