السينما في 2014 بين الأفلام التجارية والمستقلة

لماذا أفلام النجوم {الكبيرة} تتساقط؟

 «لوك».. من الأفلام البريطانية المستقلة
«لوك».. من الأفلام البريطانية المستقلة
TT

السينما في 2014 بين الأفلام التجارية والمستقلة

 «لوك».. من الأفلام البريطانية المستقلة
«لوك».. من الأفلام البريطانية المستقلة

لا تزال الأرقام النهائية لمجموع ما حصدته السينما الأميركية والعالمية الأخرى غير متوفرة وتحتاج إلى أسبوع من التمحيص قبل أن تُنشر، لكن لن يكون من المستغرب أن أحد الأفلام الأولى إيرادا بالنسبة لصالات السينما المستقلة (تلك الصغيرة التي تعيش على أفلام بديلة وغير تجارية وليست من إنتاج الصف الأول) سيكون «المقابلة» رغم أنه ليس فيلما مستقلا ولا صغيرا ولا ينتمي إلى الفن الذي يبحث عنه جمهور هذه الصالات بصلة.
لكن السبب هو أن سوني، عندما تمنّعت شركات الصالات الكبيرة التي تهيمن على نحو 80 في المائة من صالات السينما في الولايات المتحدة وكندا عن عرض هذا الفيلم، وجدت في الصالات المستقلة (نحو 450 صالة في المجموع اختارت منها 300) البديل المطلوب. وصالات السينما المستقلة (أو سمّها صالات الفن والتجربة إذا أردت) رحّبت بذلك أيما ترحيب، فحال العروض المستقلة هذا العام لم تكن جيّدة، وإن كانت أفضل قليلا من العام السابق 2013. وهو استمرار للحال ذاته في الأعوام القليلة الماضية عندما انحسرت قوّة الفيلم الأوروبي الوافد بما فيها الأفلام الفرنسية، وتراجع وقع غالبية الأفلام الأميركية المستقلة (تلك التي تُصنع بعيدا عن نظام هوليوود الإنتاجي) على الجمهور المتخصص.

أميركيا الأفلام الأكثر أهمية وجودة من تلك التي تم إنتاجها وعرضها هذا العام تحتوي على 4 أعمال تأتي في المقدّمة وهي «سلما» لآفا ديفورناي، و«ذا غراند بودابست هوتيل» لوس أندرسون و«بيردمان» لأليخاندرو غونزاليس إيناريتو و«صبا» لرتشارد وَتكر. هذه الأفلام هي من بين الأنجح تجاريا بين تلك المستقلة.
وهناك 5 أميركية أخرى قدّرها النقاد الأميركيون وهي «الجوال» لديفيد ميشو و«فقط العشاق بقوا أحياء» لجيم جارموش و«عدو» لدنيس فيلليوف و«زاحف الليل» لدان غيلروي و«سوط» لداميان شازال.
أوروبيا، برزت السينما البريطانية من حيث انتشار الفيلم الخارج عن المألوف التجاري في الصالات عبر الأطلسي ومنها «تحت الجلد» لجوناثان غلايزر و«لوك» لستيفن نايت و«نظرية كل شيء» لجيمس مارش.
ويضاف إليها أفلام أسترالية منها «بابادوك» لجنيفر كنت و«سنوبيرسر» لجون - هو بونغ (إنتاج كوري - تشيكي) و«القلوب الجائعة» لسافيريو كوستانزو (إيطاليا).
عربيا، هناك أمر لافت وربما فريد: غالبية ما يتم إنتاجه من أفلام يمكن تسميته بالمستقل إلى درجة أن المستقل صار هو السائد. هذا ليس عن تجاوب جماهيري ونهضة فنية ضاربة، بل لأن المهرجانات العربية وجوائزها المغرية وصناديق دعمها المجزية صارت مقصدا أساسيا للمخرجين والمنتجين العرب. من ناحية ثانية فإن الأسواق مقفرة فيما عدا المصرية التي ما زالت تقدم على عرض الأفلام التجارية السائدة لكنها تفتح المجال، من حين لآخر، لفيلم معاكس للاتجاهات السائدة عاش طويلا على شاشاتها أو مر عابرا.
لا يمكن والحال كما ورد، إلا ملاحظة أن الأفلام المعروضة في كافّة المهرجانات (ولا بد من التحدّث عنها في مقال منفصل) هي بدورها ضد السائد. في كوريا كما في فرنسا وفي البرازيل كما في إسبانيا وفي العالم العربي كما في آسيا وأميركا اللاتينية عموما، هناك السينما السائدة التي تعرض محليا على وجه غالب وتلك الفنية التي تنتشر بين مهرجانات السينما ولجمهور هذه المهرجانات فقط.
ما يمكن الخروج به من هذا اللفتة صوب حال السينما المستقلة هي أنها منتشرة جيّدا ولو أن الظروف الإنتاجية ما زالت صعبة كما كان عهدها سابقا. ما برهن عليه العام المنصرم هو أن المخرج الذي استطاع شق الطريق صوب جائزة كبرى وبعض النجاح التجاري يسهل عليه تحقيق فيلمه التالي، في حين أن المسافة تتباعد بين أفلام المخرجين الآخرين إلا إذا كانوا ذوي شهرة عالمية وإن كان ذلك لا يعفي أيا منهم من بطء الحصول على التمويل اللازم.

* البديل المختلف
عام 2014 سيكون مشهودا بأفلامه وليس بإنتاجاته. لشرح ذلك علينا أن نفرق بين الفيلم وبين الإنتاج ثم بينهما وبين السينما. الفيلم هو عرض الحال الذي يوفّره المخرج ومن يقف وراءه إلى الجمهور. الإنتاج هو الوضع الشامل الذي يساعد أو لا يساعد المخرج (وذلك يعتمد على المخرج نفسه) تحقيق أعماله. ثم السينما هي الفن الذي تنتمي إليها كل الأفلام وطروحاتها ومشاكلها الإنتاجية والصناعية كما التعبيرية والثقافية.
ومن بين كل ما تم إنتاجه من مطلع السنة وإلى اليوم، يقف فيلم «بيردمان» منفصلا عن سواه. إنه عن ذلك الممثل (مايكل كيتون) الذي يحاول إيقاف الزمن: يدرك أنه من عائلة: «كان ذات مرّة» إذ عرف الشهرة والنجومية والأدوار الأولى وكلها انتهت، لكنه يريد أن يبرهن أنه لا يزال يستطيع أن يفي بفنّه وأن يحقق نجاحا ما ولو عبر وسيط مختلف (المسرح).
ما يتمحور الفيلم عنه، في طي هذا الموضوع هو العالم الذي يولّي والآخر الذي يحل مكانه. ريغان كما يؤديه كيتون (وهو ممثل فات أوانه بدوره وسبق له أن لعب شخصية «سوبرهيرو» إذ كان الممثل الأول تحت قناع «باتمان» في زمن الدجيتال) لا يعرف كيف فيسبوك ولا تويتر وابنته (إيما ستون) تسأله كيف يتوقع أن يعود نجما وهو لا يتعامل مع هذين الوسيطين. والسؤال مقصود فالفيلم يريد تقديم وضع يلخص ما تمر به صناعة السينما اليوم حيث ما ينقل ممثليها من الصفوف الخلفية إلى الأولى لم يعد الفيلم الناجح وحده، بل ما يتبادله ملايين المستخدمين لهذين الوسيطين من أخبار وآراء. الإنترنت بشُعبِه المختلفة هو ذلك الوحش الذي انقض على المشاهد المتلقّي في الثمانينات وأقنعه بأن يتخلّى عن التلقي وينتقل إلى دور الفاعل. بذلك لم يعد مهمّا، إلى حد كبير، ما يقوم الممثل به من أدوار، بل بما يراه الجمهور الجديد مهمّا لديه.
من هذه الزاوية نفهم لماذا أفلام النجوم التي اعتبرت «كبيرة» فيما مضى تتساقط: جوني دب طمح كثيرا هذا العام في «تجاوز» Transcendence لإنجاز فيلم يعود فيه إلى تبوؤ موقعه السابق الذي كان ضُرب بفشل فيلمه «ذَ لون رانجر» (2013). روبرت داوني جونيور اندفع لتمثيل «القاضي» ليتلقّف نجاحا محدودا للغاية (76 مليون دولار حول العالم علما بأن كلفة الفيلم وصلت إلى 50 مليون دولار). هيو جاكمان هو عار من النجاح إذا ما ابتعد عن سلسلة «رجال إكس»، كذلك حال كريس إيفانز بطل «كابتن أميركا» وأول ما يخطو أندرو غارفيلد بعيدا عن «سبايدر مان» سينجز إخفاقا شبيها بإخفاق زميله في ذلك الفيلم جامي فوكس وفيلمه الجديد «آني».
في الواقع فإن السبب الذي يعود فيه جوني دب إلى سلسلة «قراصنة الكاريبي» الذي يتم تصويره حاليا في أستراليا، والسبب الذي من أجله وافق روبرت داوني جونيور على البقاء في ظل «آيرون مان» و«كابتن أميركا» و«شرلوك هولمز» كامن في أنهما يدركان الآن أن نجاحهما الوحيد مرتبط بهذه المسلسلات السينمائية. وهو نجاح لا يجيّر لهما (ولا لأي من الممثلين الذين وقفوا في بطولات أدوار «سوبرهيرو» مشابهة) بل إلى تلك الأفلام التي تتدخل كل سنة لإنقاذ استوديوهات هوليوود من أعراض الإخفاق.
والإيرادات تبرهن على ذلك: 6 من الأفلام الأعلى نجاحا في الولايات المتحدة هي لأفلام مسلسلات. الأفلام الأخرى هي لتلك التي تصلح أن تكون مسلسلات في المستقبل.
الـ6 المنتمية إلى مسلسلات هي «ألعاب الجوع: موكينجاي 1» (300 مليون دولار) و«كابتن أميركا: جندي الشتاء» (260 مليون دولار) و«ترانسفورمرز: عصر الإبادة» (245 مليون دولار) و«رجال إكس: أيام المستقبل الماضية» (234 مليون دولار) و«فجر كوكب القردة» (209 ملايين دولار) و«سبايدر مان المذهل 2» (203 ملايين دولار).
الأفلام الطموحة للتجربة ذاتها هي «حراس المجرّة» (أنجز 333 مليون دولار في الولايات المتحدة) و«ذَ ليغو موفي» (258 مليون دولار) و«غودزيللا» (201 مليون دولار).

* حسب الروزنامة
مايكل كيتون ليس وحده الممثل الذي يحاول أن يلتقط وهجا مضى. نجد آل باتشينو في «الإذلال» لباري ليڤنسون في السياق ذاته: ممثل سابق سيعود إلى المسرح لإثبات أنه لا يزال الفنان الكبير الذي جمع المجد من أطرافه سابقا. كلاهما يجد في المسرح الملاذ والفعل المجازي هنا هو أن المسرح لا يزال، إلى حد بعيد جدّا، خاليا من الثورة الرقمية على عكس السينما التي تنهل منها لدرجة بات يُخشى عليها من الاندثار تحتها. مثل هؤلاء الممثلين الذين لا يجرؤون على الانفصال عن أفلام المسلسلات (خوفا من أي يتحوّلوا إلى مايكل كيتون آخر) الأفلام ذاتها التي تخشى أن تفقد جمهورها إذا ما عمدت إلى التخلّي، ولو بمقدار معيّن، عن علاقتها بالمؤثرات الغرافيكية والرقمية.
لكنها ورطة كما سبق وذكرنا سنة 2013 في استعراض ذلك العام وورطة كما لا تزال حاليا. معظم نجاحات الصيف (الذي يبدأ حسب روزنامة هوليوود في الربيع) وغالبية الأفلام المذكورة أعلاه، من بين ما عرض في هذا الموسم العاجق، عليها أن تعتمد على ما يثير الجمهور فيقبل على الصالات، وهذه الإثارة لا يمكن أن تتم عبر الأفلام محض كوميدية أو درامية أو عاطفية أو حتى بوليسية، بل بأفلام السوبرهيروز التي كان منها، فوق ما ذكر آنفا: «سلاحف النينجا المتحوّلة» و«300: صعود الإمبراطورية» و«أنا أصول» I Origins و«هركوليس» و«سن سيتي 2».
لا يعني ذلك أن كل ما يعرض في الصيف ينجح. الواقع أن كل واحد من هذه الأفلام المذكورة هنا سقط أو شارف على السقوط، لكن الكم الأكبر من إيرادات هوليوود لا تزال تحدث في الصيف داخل وخارج الولايات المتحدة الأميركية بعدما تمّت برمجة جداول العروض في العالم حسب الروزنامة الأميركية فإذا ما يعرض في صيف نيويورك ودالاس ونيوجيرسي هو ما يعرض أيضا في صيف لندن وستوكهولم ودبي.

* عقل حاسوبي
هذا من أهم الأسباب التي تجد فيها السينمات المحلية من القاهرة إلى باريس ومنها إلى ريو دي جانيرو صعوبة في تقدّم صناعاتها المحلية. خذ الوضع الأوروبي على سبيل المثال تجد أن عام 2014 استند في نجاحاته الأوروبية على ما دخل تلك الأسواق من أفلام هوليوود. النسبة المبدئية (ما زالت بحاجة إلى إعلان نهائي) تشي بأن 71 في المائة من تذاكر صالات السينما الأوروبية بيعت لأفلام أميركية ما يعني أن أقل من 30 في المائة هو مجمل ما بيع من تذاكر لأفلام أوروبية.
تأثير ذلك في عام 2014 كان أيضا من تبعات الأعوام السابقة لأن ما نشهده هو امتداد لظاهرة صاحبت اعتماد السينما الأميركية الملح على الإمكانات المبهرة وذلك منذ أن اخترق المخرج ستيفن سبيلبرغ موسم الصيف بفيلمه «جوز» Jaws سنة 1975 (قبله وبعده إلى سنوات قليلة كان موسم الصيف موسما تقوم فيه معظم صالات السينما حول العالم بإعادة القديم فقط). هذا ما لا تستطيع الأفلام غير الأميركية توفيره إلا لماما. أحد هذه الأفلام النادرة هذا العام هو «لوسي» الذي أنتجه وأخرجه الفرنسي لوك بيسون من بطولة سكارلت جوهانسن. لكن بيسون في نهاية المطاف هو أكثر المخرجين الفرنسيين تشبّثا بـ«الموديل» الهوليوودي وينجز أفلامه حسبه.
«لوسي» من ناحية ثانية، كانت له علاقة وطيدة بفيلم أناريتو «بيردمان». تجد هذه العلاقة في التناقض: بطل «بيردمان» يحاول المستحيل لنجاح خارج إطار الزمن المعاصر. نجاح لا يعترف بالإنترنت وتوابعه. «لوسي»، في المقابل، هو عن امرأة مصنوعة لتواكب العصر. مخّها، حسب الفيلم، جهاز حاسوبي من نوع أوّل يستطيع فعل معجزات غير مسبوقة. وبطبيعة الحال، نجح «لوسي» بين الجمهور أكثر مما نجح «بيردمان» ما يؤكد أن النجومية باتت اليوم أيضا من منتجات هذه المؤثرات بأكثر من طريقة.

* الروس ينتقدون
بالحال هذه، فإن ما يرفع من مستوى السينما لا يزال تلك الأفلام المختلفة عن السائد. والعام بدأ وفيرا في هذا الصدد. وكالعادة فإن مهرجان برلين هو المهرجان الكبير الأول الذي يطالعنا بما ينقذ ذواتنا من الانصهار في أتون سينما الأكشن المجرد وهذا العام لم يكن مختلفا في هذا الصدد. الفرنسي ألان رينيه عرض آخر أعماله: «حياة ريبلي» ثم رحل. السينما الألمانية قدّمت فيلمين جديرين هما «محطات الصليب» لديتريتش بروغمان و«الشقيقتان المحبوبتان» لدومينيك غراف. ورشيد بوشارب عرض آخر أعماله «رجلان في البلدة» بنجاح محدود لكن «البيت الصغير» للياباني يوجي يامادا عوّض الباحث عن سينما تريد قول شيء مفيد ومختلف كذلك سودابه مرتضاي (نمساوية من أصل إيراني) التي قدّمت فيلما جيّدا عن الإسلام وجاليته في «ماكوندو» (يلتقي ذلك بموضوع في «رجلان في البلدة» إلى حد).
صحيح أن لجنة التحكيم وجدت في الفيلم الصيني «فحم أسود، ثلج رقيق» استحقاقا للجائزة الأولى وهو الأمر الذي يبدو أقرب إلى لطخة في دورة هذا العام من برلين، إلا أن مهرجانا عرض اثنين من أهم أفلام السينما الأميركية المستقلة هذا العام، وهما «صبا» لرتشارد لينكلتر و«ذَ بودابست غراند هوتيل» لا يمكن إلا وأن يفوز بالأولوية بين المهرجانات الأخرى.
الفيلم الفائز بذهبية مهرجان «كان» السينمائي بعد أشهر قليلة كان الفيلم التركي «سبات شتوي» لنوري بيلج شيلان. مثل الصيني الذي أخرجه دياو يينان، عليك أن تكون رحب الصدر لتقبل هذه النتيجة على هنّاتها. لكن هل عرف المهرجان الفرنسي عملا خارقا هذا العام؟
الفيلم الذي كان عليه أن ينال الذهبية في «كان»، حسب آراء كثيرين هو الفيلم الروسي «حوت» («ليفيثيان») لأندريه زيغنتسف. من ناحية هو فيلم جريء في طرحه النقد السياسي الموجّه لروسيا اليوم، من ناحية أهم هو أكثر شغلا ودراية وعمقا فنيا من أي شيء عداه. وهو واحد من أفلام مشابهة تم تحقيقها ضمن الهدف ذاته من بينها «الغبي» ليوري بيكوف (مهرجان لوكارنو أولا) و«الليالي البيضاء لساعي البريد» لأندريه كونتشالوفسكي (فينيسيا) و«تجربة» لألكسندر كوت (أبوظبي).

* مواضيع شائكة
عربيا، بات مهرجانا أبوظبي ودبي محجة الباحث عن أفلام جيّدة تؤويه من ظلمة الأيام العصيبة. لولاهما، نقول ذلك بقدر كبير من الواقعية، لما كان من الممكن لهذه السينما أن تنمو على النحو الحاصل. الحذر الذي كان بدأ ينتاب الجهات الأوروبية حيال تمويل شبه مفتوح لمواهب عربية، وهو الحذر الذي لاحظناه في نهاية عام 2013 استمر. صناديق الدعم الإماراتية والقطرية باتت المعيل الأول. الجوائز الممنوحة في مهرجاني أبوظبي ودبي (وإلى حد قطر) وتلك التي تتبرّع بها مؤسسات ثقافية واقتصادية أوروبية بمناسبة هذا المهرجان أو ذاك، باتت المعيل الفعلي الذي يمكن كاتب السيناريو والمخرج من تحويل المشروع إلى فيلم. عدا ذلك، عليه أن يعتمد على المنتج الخاص الذي لا يتبرّع بل يخوض ما يراه مضمونا.
وفعل الضمانة غير موجود. في الحقيقة الالتباس الحاصل في هذه السنة خلال هذا العام لا يزال على ما هو: مع غياب أسس الصناعة (إنتاج، توزيع، جمهور) كيف يمكن لمثل هذا الدفق من الأفلام أن يتم؟ ما الغاية منه؟ ما الذي يستفيده الفيلم الذي ينتهي بعد عرضه إذا لم ينل توزيعا محليا أو عالميا أو جائزة تعوّض بعض تكاليفه؟
الكلام مسحوب على جميع الإنتاجات بما فيها المصرية رغم أن وضعها التجاري لا يزال أفضل منه في معظم الدول الأخرى. في عام 2014 استطاعت هذه السينما الأقدم عربيا إنتاج 34 فيلما في حين اكتفت المغربية بنحو 22 فيلم. باقي الدول المنتجة عادة (لبنان، العراق، الأردن، سوريا، فلسطين، الجزائر، الكويت، تونس، اليمن، البحرين) تراوحت إنتاجاتها بين الفيلم والـ7 لكل منها (نتحدّث عن الأفلام الروائية أو التسجيلية الطويلة وليس القصيرة).
وحاولت السينما المصرية التطرّق لمواضيع حادّة في أفلام واجهتها الرقابة بحزم مثل «الملحد» لنادر سيف الدين (الدين) و«أسرار عائلية» لهاني فوزي (المثلية) و«حلاوة الروح» لسامح عبد العزيز (الجنس) لكن الغالب بقي أفلام الأكشن والكوميديا مثل «الحرب العالمية الثالثة» و«الجزيرة 2» و«الفيل الأزرق».
ليس من بين هذه الأفلام ما هو أعلى مما يرغب فيه الجمهور السائد. لكن مهرجان القاهرة، الذي عاد برئاسة قوية لسمير فريد، عرض عملين بارزين فنيا (ولو أن ذلك لا يعفي أحدهما من الهفوات) وهما «ديكور» لأحمد عبد الله و«باب الوداع» لكريم حنفي. بينما فاز مهرجان دبي بفيلم أحد المخضرمين الجادين وهو «قدرات غير عادية» لداود عبد السيد بينما ذهب «القط» لإبراهيم البطوط إلى أبوظبي. كلاهما خرج من دون جوائز.

* الوضع الماثل
لكن في حين أن السينما المصرية عرفت كيف تحافظ على الكم في الوقت الذي تتقدم فيه خطوات إلى الأمام بفعل رغبة بعض مخرجيها الخروج من النمط والتقليد، نجد أن السينمات العربية الأخرى توزّعت معالمها في اتجاهات متعددة ولو أنها فاعلة.
بعض هذا التفعيل ما زالت له علاقة بالأوضاع السياسية والأمنية السائدة في بعض أرجاء هذا العالم العربي. هذه منحت الفرصة لأكثر من مخرج لكي يطرح الحاضر والماضي معا. لا حديث عن المستقبل.
في الشأن السوري المهدور شاهدنا «مياه الفضّة» لأسامة محمد و«العودة إلى حمص» لطلال الدركي و«رسائل إلى اليرموك» لرشيد مشهراوي و«من غرفتي» لحازم الحموي. كلها تفي بالغرض في اتجاهات شتّى، لكن أكثرها التزاما بالسعي لتمكين فن الصورة من قول كلمته هما «العودة إلى حمص» (عن بداية الثورة قبل أن تميد بها العواصف) و«من غرفتي» عن الرسم كتعبير عن الحالة الحاضرة. «رسائل إلى اليرموك» و«مياه الفضّة» يشتركان في أن تنفيذهما معدّ بواسطة الكومبيوتر: مراسلات من الداخل يولّفها المخرجان مشهراوي ومحمد ويعطيانها وجودا فيلميا.
وفي حين أن الوضع العراقي لم يأت بجديد إلا أن 3 أفلام برزت من هذا «اللا - جديد» هي «أوديسا عراقية» للمخرج سمير (كما يكتفي بذكر اسمه) و«صمت الراعي» لرعد مشتت و«ذكريات على حجر» لشوكت أمين كوركي.
فلسطينيا، لازمت الأفلام رغبتها في الإعلان عن مواقف ولا يمكن لومها على ذلك كون الواقع على الأرض ما زال كما هو. لكن المخرجة سها عراف هي الأكثر ابتعادا عن المألوف هذا العام إذ التزمت بخط درامي يقع في نطاق الطائفة المسيحية من دون الدخول في تفاصيل الوضع القائم. بذلك ضمنت التركيز على الوضع من دون شحنات سياسية على عكس ما أقدمت عليه نجوى النجار في «عيون الحرامية». فيلمان عن فلسطينيين يرفضون قيام السلطات الإسرائيلية بانتزاعهم من بيوتهم هما «روشميا» لسليم أبو جبل و«قهوة لكل الأمم» لوفاء جميل والثاني أفضل من الأول.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».