مثلما تفعل مع نهاية كل عام، اختارت مجلة «تايم» الأميركية «شخصية العام» 2014، لكن بدلا من اختيار شخصية محددة بالاسم وضعت على غلافها صورة طبيب يساهم في جهود محاربة فيروس «إيبولا» في غرب أفريقيا. وفي اليوم التالي تضمن بريد قراء المجلة وجهات نظر حول الموضوع، فالبعض ممن يؤيدون الحزب الجمهوري قالوا إنهم يحترمون جهود محاربة «إيبولا» لكن كان يفترض أن يقع الاختيار على الرئيس باراك أوباما باعتباره «شخصية العام»، ذلك لأن شعبيته بين الأميركيين انخفضت إلى أدنى مستوى له منذ دخوله البيت الأبيض عام 2009. وجادل هؤلاء بأن مجلة «تايم» كانت اختارت الرئيس السابق جورج بوش الابن «شخصية العام» ووضعت صورته على الغلاف عندما تدنت شعبتيه مع اقتراب نهاية سنواته في البيت الأبيض. وقال آخرون إن «شخصية العام» في 2014 كانت يفترض أن تؤول إلى الكونغرس بعدما اكتسح الجمهوريون انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني)، وسيطروا على مجلسي الشيوخ والنواب.
وعموما، يرى كثيرون في الولايات المتحدة أن 2014 هو بالفعل عام «أوباما المنتصر» وأيضا «أوباما المنهزم»، ذلك لأنه نجح في قضايا وأخفق في أخرى.
يمكن تقسيم «انتصارات» أوباما خلال هذا العام إلى خارجية وداخلية، فمع نهاية العام انسحب الجزء الأكبر من القوات الأميركية، وضمنه القوات الأطلسية الأخرى، من أفغانستان، ورسميا أنهت القوات الأطلسية مهامها القتالية في هذا البلد، بعد أن كانت توجهت إلى هناك عقب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 على نيويورك وواشنطن. لكن لم تنسحب كل القوات لأن بعضها سيبقى لمساعدة الحكومة الأفغانية في مواجهة متمردي طالبان. ولا شك أن هذه لن تكون مهمة سهلة، ذلك لأن طالبان لم تهزمها القوات الأميركية، وقوات حلف شمال الأطلسي خلال 13 عاما، بل زادت قوتها، ويخشى بعض المحللين أن تتقوى أكثر خلال المرحلة المقبلة، وقد تتمكن من إسقاط الحكومة الأفغانية.
ومع استعداد الولايات المتحدة للانسحاب من أفغانستان بدت مهتمة بالانخراط في حرب أخرى، فشكلت في الربع الأخير من العام تحالفا مع دول عربية وأوروبية لمواجهة التحدي الجديد الذي بات يمثله تنظيم داعش في العراق وسوريا. وباشرت قوات التحالف شن ضربات جوية ضد مقاتلي «داعش» مع استبعاد خيار إرسال قوات برية في المرحلة الأولى على الأقل. ولقي استبعاد أوباما لخيار إرسال قوات برية انتقادات من قبل بعض الأميركيين الذين قالوا إن الرئيس أوباما كان أعلن النصر في العراق عندما سحب كل القوات الأميركية من هناك وما كان يجب أن يسحب تلك القوات.
وبعد شهر من عودة العمليات العسكرية الأميركية إلى العراق، أعلن أوباما بداية ضرب «داعش» في سوريا. ومرة أخرى، دون إرسال قوات أرضية.
كما تعرض أوباما لانتقادات داخلية من بين الكثير من الأميركيين لرفضه خلال عام 2014 التدخل عسكريا في سوريا من أجل الإطاحة بنظام الرئيس بشار الأسد. وتعرض أيضا لانتقادات داخلية لإعلان عزمه سحق «داعش» من دون أن يعلن ذلك بشكل واضح مع نظام الأسد.
وإذا كان أوباما حاول إنقاذ سياسته الخارجية بمبادرة التحرك العسكري ضد «داعش» فإنه وقف في موقف الدفاع أمام التحديات التي نجمت عن الأزمة الأوكرانية، وخصوصا إقدام روسيا على ضم شبه جزيرة القرم في مارس (آذار) الماضي، مما جعل أوباما ومعه قادة الدول الغربية يبدون في حالة ضعف نسبي. وتعرض أوباما لانتقادات داخلية كبيرة تجاه ما عد ترددا إزاء التعامل مع ملف أوكرانيا.
داخليا، تصدى أوباما لملفات حساسة، فأعلن مع قرب نهاية العام عزمه تسوية وضعية نحو 5 ملايين شخص من المهاجرين المقيمين بطريقة عير قانونية، وينحدر غالبية هؤلاء من المكسيك ودول أخرى في أميركا اللاتينية وأميركا الوسطى. ولجأ أوباما إلى استخدام صلاحياته (التشريع بأوامر رئاسية) تجاه هذه الأمر بعدما لاحظ أن الكونغرس سيتجه لعرقلة مسعاه. وكان أوباما قد تعهد قبل فوزه بفترته الرئاسية الأولى عام 2008 بحل مشكلة نحو 12 مليون شخص يقيمون في الولايات المتحدة بطرق غير قانونية، إلا أنه فشل في تحقيق وعده ذلك بسبب اعتراضات خصومه. ومع سيطرة الجمهوريين على الكونغرس ابتداء من الشهر المقبل، فإنهم قد يتمكنون من عرقلة الخطوة التي اتخذها أوباما في الآونة الأخيرة (عبر رفض اعتماد بنود في الميزانية تغطى تكاليف التنفيذ). وعند النظر إلى بقية من لا يزالون يقيمون بطرق غير قانونية، وعددهم يقترب من 6 ملايين، نجد أن غالبيتهم مكسيكيون يجدون سندا لدى مواطنيهم الآخرين الذين قد تسوى وضعياتهم. ومع ملاحظة استحالة إبعاد هؤلاء عن الأراضي الأميركية فإن المشكلة تبدو بعيدة عن الحل النهائي.
وحول ملف يتعلق بدولة أخرى في أميركا اللاتينية، فإن أوباما أعلن مع أواخر 2014 عزمه تطبيع العلاقات مع كوبا المقطوعة منذ أكثر من نصف قرن. ومرة أخرى هب قادة الحزب الجمهوري لانتقاد أوباما، وقد يتحركون أيضا لعرقلة مسعاه هذا. ويقول هؤلاء إن أوباما جعل نظيره الكوبي راؤول كاسترو يبدو كأنه هو الذي انتصر بعد مواجهة 50 عاما، كما أن أعضاء الكونغرس الذين يمثلون ولايات فيها عدد كبير من المهاجرين من كوبا (فلوريدا مثلا) يعارضون قرار أوباما الرامي إلى تطبيع العلاقات مع هافانا بشدة.
وقد يتعرض أوباما لمتاعب أخرى بخصوص موضوع داخلي ثالث يتعلق بمشروع التأمين الصحي لكل الأميركيين (المصطلح عليه بين الأميركيين بـ«أوباماكير»)، إذ يبدو أن الجمهوريين باتوا أقدر الآن على استغلال غالبيتهم الجديدة في الكونغرس وإلغاء مشروع أوباما الصحي بمشروع بديل.
كذلك انشغل الأميركيون خلال النصف الثاني من العام المنصرم بموضوع المواجهة بين السود والبيض، إذ خرجت في مظاهرات كبيرة على خلفية مقتل أكثر من شاب أسود على أيدي عناصر بيض من الشرطة. ووجد أوباما نفسه في وضع حرج، إذ هو في جهةٍ رئيس للبلاد مطلوب منه أن يقف مع الشرطة التي تحفظ القانون والنظام، لكنه في الجهة الأخرى هو واحد من السود يحس بأنه أميل إلى الوقوف مع مظاهرات السود. وهكذا دعا الرئيس الأميركي المتظاهرين السود إلى تفادي العنف، لكنه في نفس الوقت قال بكلمات دبلوماسية إن العناصر البيض في الشرطة يسيئون معاملة السود (سواء لأساب موضوعية أو غير موضوعية. وحكى أوباما نفسه عن مضايقات الشرطة له عندما كان شابا).
ومن المفارقات أن تتطور هذه المواجهات بين المتظاهرين، وغالبيتهم من السود مع الشرطة التي ينتمي غالبية عناصرها إلى البيض، بينما ينتمي رئيس البلاد إلى السود. ووقف كثيرون عند هذه الجزئية مؤكدين أن مشكلة العنصرية في الولايات المتحدة عميقة الجذور.
وعموما يمكن القول إن عام 2014 اتسم بتنامي الضغوط الداخلية التي واجهت الرئيس أوباما، إلى درجة أن ضعف وهجه وتدنت شعبيته كثيرا، على خلفية القضايا الداخلية المعقدة أو الملفات الخارجية.
أحداث العام 2014: الأميركيون انقلبوا على أوباما
الولايات المتحدة شهدت صعود التوتر العنصري.. ووضع حد لقطيعة نصف قرن مع كوبا
أحداث العام 2014: الأميركيون انقلبوا على أوباما
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
