«كورونا» يحجر ترمب في البيت الأبيض ويعلّق رحلاته الانتخابية

الرئيس الأميركي وزوجته يعانيان من «أعراض خفيفة»

TT

«كورونا» يحجر ترمب في البيت الأبيض ويعلّق رحلاته الانتخابية

استيقظ الأميركيون والعالم صباح أمس على خبر إصابة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزوجته ميلانيا بفيروس «كورونا»، قبل شهر من موعد الانتخابات الرئاسية.
وفي حين أكد البيت الأبيض أن أعراض الرئيس والسيدة الأولى «خفيفة»، وأنه يواصل ممارسة مهامه من البيت الأبيض، حيث يقضي فترة الحجر، أثار خبر إصابته سلسلة تساؤلات حول صحته، وقدرته على الاستمرار في القيام بأعماله الرئاسية، واحتمال إصابة أعضاء إدارته من الوزراء والمساعدين وكبار المسؤولين. ولعل أكثر ما يشغل الرأي العام الأميركي هو مصير الحملات الانتخابية، وتأثير الإصابة على حظوظ ترمب، خاصة في ظل تقدم منافسه الديمقراطي جو بايدن في استطلاعات الرأي. وكان مستشارو حملة ترمب يأملون في تكثيف الحملة الانتخابية في الأسابيع المقبلة، لتحسين حظوظ ترمب في استطلاعات الرأي، مع جدول سفر صارم، ورسالة مفادها أن جائحة «كوفيد-19» قد انتهت إلى حد كبير.
- إصابة المستشارة
أعلن ترمب، فجر الجمعة، عبر حسابه على «تويتر»، خبر إصابته وزوجته بفيروس «كورونا»، وذلك بعد ساعات من تأكد إصابة مساعدته هوب هيكس التي سافرت معه على متن الطائرة الرئاسية. وقد صاحبت هيكس الرئيس ترمب، يوم الثلاثاء، إلى كليفلاند، بولاية أوهايو، لحضور المناظرة التي جمعته مع بايدن، وأيضاً يوم الأربعاء إلى ولاية مينيسوتا، ثم الخميس إلى ولاية نيوجيرسي، حيث شارك الرئيس في حفل لجمع التبرعات في ناديه للغولف في مدينة بيدمينستر، وكان على اتصال وثيق بالعشرات من الأشخاص.
وقال ترمب، عقب إعلان إصابة هيكس، إنها «تعمل بجهد. غالباً ما تضع قناعاً، لكن نتيجة اختبارها جاءت إيجابية»، مشيراً إلى أنه يقضي «وقتاً طويلاً مع هوب». وأشار إلى أن مستشارته ربما أصيبت بالفيروس من خلال الاتصال بالجنود أو مسؤولي إنفاذ القانون. وتابع: «وجودك بين عناصر من الجيش أو الشرطة صعب جداً، إذ يتهافتون عليك لتقبيلك لأننا قمنا بعمل جيد لهم حقاً... إنها تعلم أن في الأمر مخاطر، لكنها شابة».
وانضمت هوب هيكس إلى فريق حملة ترمب في أوائل عام 2016، وهي جزء من دائرة المقربين له. وبعدما شغلت منصب مديرة الاتصالات في البيت الأبيض، تركت منصبها للانضمام إلى مجموعة «فوكس» التي تشمل قناة «فوكس نيوز» الإخبارية، قبل أن تعود للعمل في مقر الرئاسة الأميركية. ولم تكن هذه العارضة السابقة التي عملت مع إيفانكا ترمب في نيويورك تظهر كثيراً في وسائل الإعلام، لكنها كانت مؤثرة جداً في الكواليس، وكان يأخذ برأيها، كما أنه لم يبدِ أي تحفظ تجاهها، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية.
وبعد ساعات من تأكيد إصابة هيكس، قال ترمب عبر «تويتر»: «الليلة، ثبتت إصابتي أنا والسيدة الأولى بـ(كوفيد-19)، وسنبدأ عملية الحجر الصحي والتعافي على الفور، وسوف نتجاوز هذا معاً». ونشر البيت الأبيض تقرير الطبيب الخاص بالرئيس بعد دقائق، مؤكداً أن ترمب وزوجته «كلاهما في حالة جيدة في الوقت الحالي، ويخططان للبقاء داخل البيت الأبيض خلال فترة نقاهتهما». وأضاف الطبيب شون كونلي: «اطمئنوا، أتوقع أن يواصل الرئيس أداء مهامه دون انقطاع في أثناء التعافي، وسأطلعكم على أي تطورات مستقبلية». وتوقع كونلي أن الرئيس «سيتغلب على هذه الفيروس، وأن الأعراض الحالية هي أعراض خفيفة».
وكان التشخيص بمثابة صدمة للشارع الأميركي والأسواق في جميع أنحاء العالم، ومثل أسوأ «مفاجأة أكتوبر (تشرين الأول)» التي تشهدها الانتخابات الرئاسية الأميركية تقليدياً، قبل شهر من عملية التصويت.
- أعراض الرئيس
أبدى أطباء أميركيون ومعلقون قلقاً من تدهور وضع الرئيس الأميركي، رغم عدم معاناته حتى وقت كتابة هذا التقرير من أي أعراض خطيرة، وذلك بصفته من فئة المصابين «عالية المخاطر» بسبب سنه ووزنه.
ووفقاً لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، فإن الرئيس البالغ من العمر 74 عاماً هو أكثر عرضة 5 مرات لدخول المستشفى، وأكثر عرضة للوفاة من «كوفيد-19»، بالمقارنة من شخص يتراوح عمره بين 18 و29 عاماً. كما أنه وزنه يتجاوز الحد الموصى به، مما يضاعف خطر دخول المستشفى 3 مرات بسبب العدوى.
وفي حين قال الخبراء إنه بينما يواجه ترمب كثيراً من عوامل الخطر المرتبطة بأشكال حادة من «كوفيد-19» لأنّه كبير في السن، ويعاني من زيادة في الوزن، فإنه من الصعب تحديد كيفية تأثير المرض عليه.
وبهذا الصدد، قال أستاذ طب التمثيل الغذائي في جامعة غلاسكو، نافيد ستار، إنّ «خطر الإصابة بأمراض خطيرة والموت يعتمد على كثير من العوامل، بعضها غير قابل للقياس، لذلك هناك دائماً عدم يقين، وليس من السهل استخلاص استنتاجات من شخص أو اثنين فقط». وتابع أنّ المخاطر قد تتم «موازنتها» من خلال عوامل أخرى، بما في ذلك ما إذا كان ترمب لا يعاني من أمراض مزمنة، ونشط بشكل معقول، مشيراً إلى حب الرئيس الأميركي لممارسة الغولف. وفي أحدث فحص طبي له، نُشر في يونيو (حزيران)، كان وزن ترمب 110.67 كلغ. وبالنسبة لطوله البالغ 1.91 متراً، فهذا يعني أنه تجاوز العتبة الرسمية للسمنة للعام الثاني توالياً.
ومن جهتها، قالت ميلانيا ترمب، على «تويتر»، إنها تعاني من أعراض خفيفة، لكنها على ما يرام، مشيرة إلى أنها تتطلع إلى تعافٍ سريعٍ.
- مصير الحملة الانتخابية
لم يحدد البيت الأبيض فترة حجر الرئيس، بينما تحدثت تقارير إخبارية، نقلاً عن مقربين منه، عن أن رحلاته وأنشطة حملته الانتخابية ستتوقّف 10 أيام على الأقل. وأعلنت حملة إعادة انتخاب ترمب إلغاء خطط السفر كافة إلى فلوريدا لحضور تجمع انتخابي، كما أُلغيت رحلته إلى ولاية ويسكونسن السبت، وإلى ولاية أريزونا الإثنين. وجاءت إصابة الرئيس بمثابة ضربة للحملة الانتخابية التي تميّزت بعقد عدة تجمعات لحشد الناخبين. ولم توضح الحملة الموقف فيما يتعلق بالمناظرة الرئاسية الثانية بين ترمب وبايدن، المقرر إجراؤها في 15 أكتوبر (تشرين الأول) في ميامي بولاية فلوريدا.
ومن جهتها، نقلت وكالة «أسوشيتد برس» وصحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤول بالبيت الأبيض قوله إن الرئيس الأميركي يعاني من «أعراض خفيفة» لمرض «كوفيد-19». وقال مصدران مطلعان على حالته للصحيفة إنها تشبه أعراض البرد. وتابع مسؤول كبير بالبيت الأبيض أن الرئيس «ليس عاجزاً» عن أداء مهامه، مضيفاً أنه يباشر عمله بالفعل من المقر.
- تداعيات سياسية
وعمل موظفو البيت الأبيض ومستشارو الرئيس وكبار قادة الحزب الجمهوري على طمأنة الأميركيين والأسواق. وفي هذا السياق، أكد البيت الأبيض أن نائب الرئيس مايك بنس وزوجته خضعا لاختبار «كوفيد-19»، وجاءت النتائج سلبية. كما جاءت النتائج سلبية لكل من إيفانكا ترمب، وزوجها جاريد كوشنر، ونجل الرئيس الأصغر. وتوالت تصريحات المسؤولين الحكوميين وأعضاء الكونغرس بالتمنيات بالشفاء العاجل للرئيس. وأصدر المرشح الديمقراطي الذي جاءت نتائج فحصه سلبية كذلك بياناً، أعرب فيه عن تمنياته بالشفاء للرئيس ترمب وزوجته. وقال بايدن في تغريدة: «نواصل الصلاة من أجل صحة وسلامة الرئيس وعائلته».
وعد محللون أن إصابة ترمب ستكون لها تداعيات واسعة على مستوى السياسية الداخلية والأمن القومي، وأيضاً على السياسة الخارجية. وتعتمد درجة التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية بشكل كبير على شدة مرض الرئيس، خاصة حول ما إذا كان ترمب نفسه قد أصبح عاجزاً. وعلى المدى القصير، قد يستفيد سياسياً من موجة التعاطف العام، كما استفاد منها رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بعد إصابته بالفيروس. كما يمكن أن تقلل من حدة الانتقادات التي تم توجيهها إلى الرئيس ترمب فيما يتعلق بسجله الضريبي، وقيامه بدفع 750 دولاراً فقط ضرائب عن الدخل الفيدرالي لعامي 2016 و2017.
ولطالما خفف الرئيس ترمب من خطورة جائحة «كورونا». وقبل ساعات من إعلان إصابته بالفيروس، صرح بأن نهاية جائحة «كوفيد-19» باتت وشيكة، فيما اتهمه بايدن، على «تويتر»، بمحاولة جذب الانتباه بعيداً عن «تعامل فاشل مع (كوفيد-19)» أدى لوفاة أكثر من مائة ألف أميركي بالمرض. ونادراً ما يضع الرئيس كمامة، حتى أنه سخر ممن يفعلون ذلك، ومن بينهم منافسه الديمقراطي بايدن، كما نقلت وكالة «رويترز». وحضر الرئيس بنفسه مؤتمرات انتخابية مع أنصاره الذين يرفضون بشكل أساسي وضع كمامات، وكان آخر تجمع انتخابي له مع عشرات المتبرعين في نيوجيرسي.


مقالات ذات صلة

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)

فُقد ثلاثة بحّارة إندونيسيين بعد غرق سفينة قاطرة، الجمعة، في مضيق هرمز، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإندونيسية.

وأفادت الوزارة في بيان أن «ناجياً إندونيسياً يعالَج حالياً من حروق بمدينة خصب في عُمان. وما زالت السلطات المحلية تبحث عن الإندونيسيين الثلاثة الآخرين»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت السفينة قبل أن تغرق انفجاراً تسبّب في اندلاع حريق، وفق بيان الوزارة التي أشارت إلى فتح تحقيق.

 

 

وأثارت الحرب اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً.


في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...


أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
TT

أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)

أظهرت برقية داخلية لوزارة الخارجية الأميركية، اطلعت عليها وكالة «رويترز» للأنباء، اليوم (الجمعة)، أن واشنطن ضغطت على حكومة سريلانكا لعدم إعادة الناجين من السفينة الحربية الإيرانية التي أغرقتها أميركا هذا الأسبوع، بالإضافة إلى طاقم سفينة إيرانية أخرى محتجزة لدى سريلانكا.

وأغرقت غواصة أميركية السفينة الحربية «آيريس دينا» في المحيط الهندي على بُعد نحو 19 ميلاً بحرياً من مدينة غالي الساحلية بجنوب سريلانكا، يوم الأربعاء، مما أسفر عن مقتل عشرات البحارة وتوسيع نطاق ملاحقة واشنطن للبحرية الإيرانية بشكل كبير.

وبدأت سريلانكا، أمس الخميس، في إنزال 208 من أفراد طاقم سفينة إيرانية ثانية، وهي سفينة الإمداد البحرية «آيريس بوشهر»، التي علقت في المنطقة الاقتصادية الخالصة لسريلانكا، لكن خارج حدودها البحرية.

وقال رئيس سريلانكا، أنورا كومارا ديساناياكي، إن بلاده تتحمل «مسؤولية إنسانية» لاستقبال الطاقم.

ويُعدّ استهداف الغواصة «دينا» بطوربيد -الذي وصفه وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بأنه «موت هادئ»- أول عمل من نوعه تقوم به الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، ودليلاً واضحاً على اتساع النطاق الجغرافي للصراع الإيراني.

وذكرت البرقية الداخلية لوزارة الخارجية الأميركية المؤرخة في 6 مارس (آذار)، ولم تُنشر سابقاً، أن جاين هاول، القائمة بالأعمال في السفارة الأميركية في كولومبو، أكدت لحكومة سريلانكا ضرورة عدم إعادة طاقم «بوشهر» ولا الناجين من «دينا»، وعددهم 32، إلى إيران.

وجاء في البرقية: «ينبغي على السلطات السريلانكية الحد من محاولات إيران استخدام المعتقلين لأغراض دعائية».

ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية بعد على طلب من «رويترز» للتعليق. ولم يتسنَ الحصول على تعليق فوري من ممثلي مكتب ديساناياكي ووزارة الخارجية السريلانكية.

وأفادت البرقية بأن هاول أبلغت السفير الإسرائيلي لدى الهند وسريلانكا بعدم وجود أي خطة لإعادة طاقم السفينة إلى إيران. وأضافت أن السفير سأل هاول عما إذا كان هناك أي تواصل مع الطاقم لتشجيعه على «الانشقاق».

ولم يرد ممثل السفارة الإسرائيلية في نيودلهي بعد على طلب للتعليق.

وقال نائب وزير الصحة والإعلام السريلانكي لـ«رويترز»، يوم الأربعاء، إن طهران طلبت من كولومبو المساعدة في إعادة جثامين ضحايا السفينة «دينا»، لكن لم يُحدد بعد إطار زمني لذلك.

وشاركت السفينة «دينا» في مناورات بحرية نظّمتها الهند في خليج البنغال الشهر الماضي، وكانت في طريق عودتها إلى إيران عندما أُصيبت بطوربيد أميركي.

وصرح مسؤول أميركي -شريطة عدم الكشف عن هويته- لـ«رويترز»، بأن السفينة «دينا» كانت مسلحة وقت استهدافها، وبأن الولايات المتحدة لم تُصدر أي تحذير قبل تنفيذ الضربة.

وأفادت برقية «الخارجية الأميركية» بأن السفينة الثانية، «بوشهر»، ستبقى رهن احتجاز سريلانكا طوال فترة النزاع.

وصرحت السلطات السريلانكية، الجمعة، بأنها تُرافق «بوشهر» إلى ميناء على الساحل الشرقي، وتنقل معظم طاقمها إلى معسكر للبحرية قرب كولومبو.