روسيا تحصي «أرباحها» في سوريا وتقف على أعتاب التسوية السياسية

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (أ.ف.ب)
TT

روسيا تحصي «أرباحها» في سوريا وتقف على أعتاب التسوية السياسية

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (أ.ف.ب)

قد تكون العبارة اللافتة التي أطلقها أخيرا، وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، كافية لتلخيص المشهد السوري على الصعيدين الميداني والسياسي، بعد مرور خمس سنوات على التدخل العسكري المباشر في سوريا. قال: «انتهت المواجهة المسلحة بين السلطات السورية والمعارضة». وأوضح أنه بقيت «بؤرتان فقط» للتوتر، واحدة في إدلب والثانية في شرق الفرات، لكن موقفه كان واضحا بأنه «لا حل عسكريا» في هاتين المنطقتين.
حملت العبارة رسائل سياسية عدة موجهة إلى أكثر من طرف، وأوجزت موقف موسكو وهي تحصد مكاسبها وترصد إخفاقاتها بعد مرور خمس سنوات على الانخراط الروسي الكامل في هذه الأزمة.
قلب دخول الجيش الروسي، في نهاية سبتمبر (أيلول) 2015 على خط المواجهة الأهلية الدامية في سوريا موازين القوى على الأرض. ونجحت موسكو خلال الجزء «النشط» من العمليات العسكرية المكثفة في تفتيت المعارضة المسلحة، وحشرها في إدلب تحت رقابة روسية - تركية مشتركة. تقول موسكو إن هذه العملية استغرقت 804 أيام. سياسيا، أطلقت موسكو «مسار آستانة» واخترعت حل «مناطق خفض التصعيد» كبديل عن مسار التسوية السياسية في جنيف، ما مكنها من مواصلة العمليات العسكرية لقضم الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة تدريجيا.

مكاسب عسكرية وجيوسياسية
بين المكاسب، تراكم الخبرات القتالية التي «لا تقدر بثمن» وفقا لوصف مسؤولين عسكريين. والأمر لا يقتصر على التجارب الميدانية لمئات الطرازات من الأسلحة الحديثة التي لم تجرب في أي حرب حقيقية، بل امتد لإعادة تأهيل وتدريب العسكريين الروس في كل القطاعات على طول البلاد وعرضها في الميدان السوري. وتكفي عقد مقارنة بسيطة بين مشاهد استعراض قدرات روسيا العسكرية في جورجيا 2008 وأوكرانيا 2015 ثم بعد «التجربة السورية» في 2020.
وكشف وزير الدفاع سيرغي شويغو في مقالة نشرتها صحيفة «النجمة الحمراء» التابعة لوزارة الدفاع أمس، تفاصيل مثيرة عن التحضير لإطلاق العملية العسكرية الروسية في سوريا، وقال إنه «قبل بدء العملية تم وبشكل سري تشكيل قوة عسكرية في قاعدة حميميم، ضمت 50 طائرة حديثة ومحدثة، منها 34 مقاتلة وقاذفة و16 مروحية، وتم نشر وحدات للتموين والإسناد المادي والتقني، والحراسة وقوات العمليات الخاصة». وأشار شويغو إلى أنه تم نقل عشرات القطع من المعدات ومئات العسكريين ومخزونات ملموسة من مختلف المواد لمسافة 2.5 ألف كيلومتر بشكل سريع، وذلك وسط إجراءات غير مسبوقة للتمويه. وأضاف أن ظهور مثل هذه التشكيلة القوية على بعد آلاف الكيلومترات عن الأراضي الروسية كان «مفاجئا للكثيرين».
وأكد شويغو، أنه بنتيجة العملية العسكرية الروسية في سوريا، تمت تصفية أكثر من 133 ألف مسلح، 4.5 ألف منهم من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، بينهم أيضا 865 من القياديين في الجماعات المسلحة.
ورأى أن «أهم نتيجة وميزة بالنسبة لنا كانت نشر قاعدتين عسكريتين روسيتين بشكل دائم. في حميميم، لدينا قاعدة جوية من الدرجة الأولى قادرة على استقبال جميع أنواع الطائرات وقاعدة طرطوس التي تتمتع بوضع مركز لوجيستي للبحرية الروسية. وخلص إلى أن الحرب السورية «عززت مكانة روسيا، وعززت نفوذها الدولي، وحيدت محاولات المنافسين الجيوسياسيين لعزل بلادنا سياسيا ودبلوماسيا».

تباين مع دمشق
وجدت موسكو نفسها أمام واقع جديد، واستحقاقات جدية بحلول الذكرى الخامسة على انطلاق العمليات العسكرية الروسية.
قاد «تعنت النظام» أمام الخطوات التي اقترحتها موسكو لدفع التسوية السياسية، إلى شروع موسكو في إجراء مراجعة شاملة لمقاربتها السورية. إذ وجدت روسيا نفسها أمام مساع لعرقلة عمل اللجنة الدستورية في جولتين العام الماضي، كما فشلت في حمل النظام على تقديم أي خطوات في إطار «إظهار حسن النية» لدفع مسار التسوية، فهو تعنت في ملف إطلاق المعتقلين، وماطل طويلا في اتخاذ خطوات على الأرض لتسهيل التحركات الروسية على صعيد ترتيب عودة آمنة للاجئين، وأبرزت موسكو تقارير تتحدث عن استهداف العائدين طوعا في حالات كثيرة. وفشل النظام في فهم الرسالة الروسية حول ضرورة إبداء قدر من المرونة في المفاوضات مع المكون الكردي، ووضعَ شروطا قاسية وغير مقبولة أمام الأكراد بينها مسألة التجنيد الإجباري ونقاط أخرى عديدة أثارت استياء الروس. وأكثر من ذلك فهو نكث بالتزامات رعتها روسيا مثل اتفاق إبعاد الإيرانيين عن مناطق الجنوب قبل عامين. تزامن هذا كله مع استفحال الوضع الداخلي على صعيد الفساد، وفي إطار إجراء إصلاحات جدية لتحسين الوضع المعيشي والاقتصادي، وهو أمر ألحت عليه موسكو مرارا.
أمام هذا الواقع بدأت موسكو تعيد ترتيب أولوياتها في سوريا. وشهد العام الخامس على التدخل العسكري المباشر، إعادة هيكلة شاملة لآليات تعامل روسيا على الصعيدين الميداني والسياسي مع النظام. من تعيين السفير ألكسندر يفيموف مبعوثا رئاسيا خاصا لشؤون العلاقة مع سوريا، ما منحه تفويضا واسعا من الكرملين للتدخل في كل صغيرة وكبيرة. إلى إعادة رسم ملامح الوجود العسكري عبر اتفاقات جديدة توسع مساحة الحضور الروسي المباشر وتمنح العسكريين الروس قدرة أوسع على التحرك برا وبحرا. وصولا إلى تثبيت خطوط وقف النار وإعطاء إشارة واضحة بأن موسكو ملتزمة باتفاقاتها مع تركيا في إدلب. وبين الترتيبات الجديدة الانفتاح على اللاعبين الأساسيين في مناطق شرق الفرات في إطار مواجهة التحركات الأميركية الميدانية.
وتوجت موسكو إعادة ترتيب مقاربتها بالزيارة المهمة لوفد روسي بارز قبل أسابيع، وضع أمام القيادة السورية وفقا لمصادر 18 بندا تضمنت «رؤية القيادة الروسية لمختلف جوانب الوضع المتعلق بالتسوية واستعادة الحياة الطبيعية في سوريا. بعض تلك البنود ما زالت موسكو بانتظار أجوبة محددة عليها من دمشق.

متاعب مزمنة مع طهران
مع تزايد التقارير عن احتدام التنافس الروسي الإيراني على صعيد الفوز بعقود اقتصادية واستثمارية طويلة الأمد، أو على صعيد النفوذ في المؤسسات الأمنية والعسكرية، تواصل موسكو تأكيد حرصها على التنسيق بشكل وثيق مع شريكيها في محور آستانة تركيا وإيران، لكن لم تكن نادرة التقارير التي تحدثت أكثر من مرة عن تذمر روسي واضح من تصرفات طهران أو المجموعات المسلحة الموالية لها. وكشف الفريق الروسي المتقاعد سيرغي تشفاركوف، الذي شغل في عام 2016 منصب رئيس مركز المصالحة في سوريا جانبا من مشكلات روسيا مع الإيرانيين عبر الإشارة إلى أن استمرار التدخل «الكبير» لإيران بسوريا، سيخلق مشاكل لحكومة دمشق في الداخل، ويضر بالعلاقات مع واشنطن وإسرائيل وتركيا والدول العربية. وأوضح أن «التواصل المتزايد للانتشار الإيراني واسع النطاق في سوريا، سيخلق الكثير من العقبات الخطيرة أمام تقدم الإصلاحات وتطوير العملية السياسية في سوريا».
وكان لافتا أن تشفاركوف، لفت إلى متاعب مزمنة لروسيا مع الإيرانيين خلال العمل العسكري المشترك في سوريا.
وزاد: «رغم الاختلاف، في الأهداف والمسالك تجاه التسوية السلمية للوضع في سوريا، فإن تعاون القوات الجوية الروسية، مع القوات البرية الإيرانية والجماعات الشيعية الموالية لإيران، كان إيجابيا، لكن يجب الاعتراف بأن فاعلية التعاون في مكافحة الإرهابيين كانت تتقلص بشكل كبير، لأن الوحدات العسكرية الإيرانية لا تفي، بالاتفاقات في كل الأوقات». وأوضح الضابط، أن هذا «فاقم الوضع بشكل عام في سوريا وأسفر عن خسائر غير مبررة للجيش السوري وبين التشكيلات الشيعية».
ووفقا لتشفاركوف، يكمن الاختلاف في سياسات روسيا وإيران في سوريا أيضا، في أن طهران تراهن على إنشاء هياكل عسكرية موازية غير تابعة للسلطات ولا تخضع للدولة السورية.

التوازن بين اللاعبين
في مقابل المشهد الداخلي السوري، باتت موسكو أمام قناعة رئيسية وهي تغلق عامها الخامس في الانخراط الكامل في الملف السوري، بأن عليها إعادة معالجة العلاقة مع الأطراف الفاعلة الأخرى في سوريا؛ إذ تقف موسكو أمام استحقاق الوجود الإيراني الذي يعرقل بشكله الراهن كل خطواتها اللاحقة، فضلا عن ضرورة معالجة ملف العلاقة مع إسرائيل، التي واصلت توجيه الضربات العسكرية ضد الإيرانيين وضد مواقع عسكرية سورية غير آبهة بدعوات موسكو لتجنب استهداف المنشآت والقواعد السورية. وأمام موسكو مشكلة التنسيق مع الشريك التركي المتعب، فضلا عن الاستحقاق الأكبر بمواجهة الوضع في مناطق شرق الفرات في حال التزمت واشنطن بانسحاب مزمع، أو في حال أبقت على بعض قواتها.
يقول خبراء في موسكو إن التوازن الدقيق الذي أقامته روسيا خلال سنوات في علاقاتها مع الأطراف المنخرطة في الأزمة، وصل إلى مرحلة النهاية، وإن الفترة المقبلة يجب أن تشهد إعادة ترتيب شاملة للوضع تقوم على توافقات محددة مع كل منها.
بهذا المعنى يفسر خبراء اتجاه موسكو نحو توسيع دائرة تحركاتها لدفع العملية السياسية في إطار لا يقتصر على المدخل الدستوري الذي يشكل الرافعة الأساسية من وجهة نظر موسكو، لكنه يتسع ليشمل وضع آليات جديدة لتنفيذ القرار 2254 بكل بنوده. بهذا المعنى فإن الترجيحات الروسية تشير إلى أن العام السادس الذي يفتح أبوابه حاليا سيكون حاسما على صعيد التسوية السياسية.



بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.


حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
TT

حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)

كثّفت القيادة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والعسكرية والتنفيذية، ضمن مساعيها لتثبيت مسار التعافي، وتعزيز حضور الدولة، وبعث رسائل طمأنة للشركاء الدوليين حول جدية الإصلاحات، ووحدة القرار السياسي والأمني، وقدرة الحكومة على إدارة المرحلة المقبلة.

وخلال سلسلة لقاءات أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وأعضاء المجلس، ورئيس الحكومة، أن اليمن اليوم أقرب إلى الاستقرار مما كان عليه خلال السنوات الماضية، وأن الدعم الدولي في هذه المرحلة سيصنع الفارق الاستراتيجي، ليس لليمن فحسب، بل لأمن المنطقة والممرات المائية الدولية.

ووصف العليمي، خلال لقائه القائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة لدى اليمن جوناثان بيتشا، الشراكة التاريخية مع واشنطن بأنها «تمثل ركيزة أساسية في دعم الشرعية اليمنية، ومكافحة الإرهاب، وحماية الأمن الإقليمي والدولي».

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني استقبل القائم بأعمال السفارة الأميركية (سبأ)

وثمّن رئيس مجلس القيادة اليمني الموقف الأميركي الحازم تجاه الحوثيين، والضغوط القصوى المفروضة على النظام الإيراني، عادّاً ذلك جزءاً من حماية النظام الدولي القائم على القواعد، ومنع تقويض الاستقرار في المنطقة.

وتطرق اللقاء إلى مستجدات الأوضاع الداخلية، حيث استعرض العليمي ما وصفه بالمؤشرات الإيجابية، وفي مقدمها تشكيل حكومة جديدة وفق معايير الكفاءة والسجل المهني، مع تمثيل جيد للمرأة والشباب، إلى جانب التحسن الملموس في الخدمات الأساسية، وانتظام صرف الرواتب، ومعالجة ملف الكهرباء، وإنهاء عسكرة المدن، وتوحيد القرار الأمني والعسكري تحت وزارتي الدفاع والداخلية.

وجدد رئيس مجلس القيادة التأكيد على التزام المجلس والحكومة بسلام عادل ودائم، ينهي الحرب ولا يشرعن السلاح خارج إطار الدولة.

توحيد القرار

وفي لقاء منفصل، استقبل العليمي وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط هاميش فالنكوفر، بحضور رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني، حيث جرى بحث العلاقات الثنائية وأولويات الدعم البريطاني والدولي لتعزيز قدرات الحكومة اليمنية.

وأشاد رئيس مجلس القيادة اليمني بالمواقف البريطانية الثابتة إلى جانب الدول الوطنية، ودورها داخل مجلس الأمن بعدّها «حامل القلم»، وشريكاً مسؤولاً في صياغة حلول سياسية واقعية ومستدامة. وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وأوضح العليمي أن التحولات التي شهدها اليمن بدعم سعودي تؤكد أن الحديث عن فراغ أمني بعد إنهاء الترتيبات الموازية كان «سردية مضللة»، مشدداً على أنه لا يمكن بناء سلام دائم في ظل مراكز قرار متعددة.

وشدد رئيس مجلس الحكم اليمني على أن توحيد القوات تحت وزارتي الدفاع والداخلية يمثل الضامن الأساسي للأمن والاستقرار، ومكافحة الإرهاب، ونجاح أي عملية سياسية، مؤكداً أن استقرار اليمن مدخل حاسم لاستقرار المنطقة وتأمين الملاحة الدولية.

جاهزية عسكرية وإصلاحات

على الصعيد العسكري، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، خلال لقائه قيادات عسكرية بارزة على رأسهم رئيس هيئة الأركان صغير بن عزيز، على أهمية الحفاظ على مستوى عالٍ من الجاهزية القتالية، وتعزيز التنسيق العملياتي لمواجهة المشروع الإيراني وأدواته المتمثلة بالحوثيين.

وأشاد صالح بأداء القوات العسكرية، مؤكداً أن تضحياتها تشكل الركيزة الأساسية لتحقيق النصر واستعادة الدولة، مثمّناً في الوقت ذاته دور التحالف بقيادة السعودية في دعم القوات اليمنية، وجهوده الإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مجتمعاً مع قادة عسكريين رفيعين (سبأ)

وفي ملف الخدمات، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي أهمية الارتقاء بقطاع النقل، مشيداً بالدعم السعودي المتواصل، خصوصاً مشروع المرحلة الثالثة من تأهيل مطار عدن الدولي بكلفة تتجاوز 12 مليون دولار، وتدشين خط جوي جديد بين جدة وسقطرى.

من جانبه، أعلن رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني أن الحكومة تعمل على إعداد برنامج حكومي عام قصير حتى نهاية العام، يركز على الأولويات العاجلة التي تمس حياة المواطنين مباشرة.

جاء ذلك خلال استقباله السفيرة الفرنسية لدى اليمن، التي أكدت دعم باريس الكامل للحكومة الجديدة، فيما شدد الزنداني على أهمية الشراكة مع فرنسا بعدّها شريكاً فاعلاً في دعم الشرعية والسلام والاستقرار.