المشهد: يوميات مهرجان «فينيسيا» السينمائي الدولي (10)

برناردو برتولوتشي
برناردو برتولوتشي
TT

المشهد: يوميات مهرجان «فينيسيا» السينمائي الدولي (10)

برناردو برتولوتشي
برناردو برتولوتشي

تصرفت مجلة «فاراياتي» الشهيرة في عالم صناعة وتسويق السينما وشؤون الإعلان الأخرى كما كان يجب عليها أن تتصرف. بعد طباعة ثلاثة أعداد فقط من اليومية التي أطلقتها في مهرجان فينيسيا، أوقفت الطباعة وانصرفت. من يود قراءة مقالاتها عليه أن يبحر في عباب الإنترنت.
أما المجلة المنافسة «ذا هوليوود ريبورتر» ففهمت الوضع قبل حدوثه: فينيسيا بلا سوق فعلية، وبالتالي لا معلنين فيها، مما يجعل إصدار مجلة يومية تواكب أعمال المهرجان ترفا مكلفا لا داعي له.
كلتاهما توجهت إلى تورونتو حيث المصدر الإعلاني أقوى. صحيح أنه ليست هناك من سوق للسينما، لكن ذلك يعود إلى أن كل المهرجان الكندي سوق مفتوحة. وتبعتهما مجلة «سكرين» البريطانية، الثالثة بالنسبة للحجم والانتشار وقوة الحضور.
قبل الإنترنت كان المرء يفكر في أن العالم العربي يحتاج إلى إثبات حضور في تلك المهرجانات، وواحد من طرق هذا الإثبات أن تكون له مجلته السينمائية اليومية. تنقل بالإنجليزية - لم لا؟! - أخبار السينما والسينمائيين العالمية والعربية.. تقرب المسافة بين الجميع وتتحول إلى جسر مصالح كما هو متبع. مكتب السينما الكوري ذات مرة جاءني في «كان» يسأل إذا ما كنت مشرفا على مجلة سينمائية ليضع فيها إعلانات. أحد هناك سمع أنني أفعل ذلك. نفيت وعلمت بأن السينما الكورية، التي لا سوق لها مطلقا في العواصم العربية، راودتها فكرة افتتاح هذه السوق برصد 100 ألف دولار خلال دورة «كان» تلك. مبلغ مهم، لكن أهميته تأتي بسبب قصورنا المستمر.
وقد حاولت مجلة «فاراياتي أرابيا» ترميم هذا الفراغ وسد الفجوات عندما انطلقت حاملة اسم المجلة الأميركية.. لكن مؤسسها لم يكن على علاقة لا بالصحافة ولا بالسينما، مما جعله يدفن في المشروع رأسماله كله ويزيد. بعد سنة ونصف شحت الموارد وتوقفت.. لكن ليس كل اللوم من نصيبه وحده.. إلى اليوم، ليس هناك من مهرجان عربي يضم سوقا فعلية. أكاد أستثني «دبي»، فهو يضم سوقا، لكن التجسيد الفعلي ليس متاحا، فالعالم العربي يشتري أفلامه من «ديزني» و«فوكس» و«باراماونت» وباقي شركات الإنتاج والتوزيع الأميركية. أما الأفلام الأخرى، فقلما تتسلل إلى عواصمنا، مما يعني أن الموزع أو المنتج الأجنبي قد يحضر سوق دبي (أو غيره إذا ما تمكن) لكنه قد لا يجد من يشتري أفلامه.
الزميل سمير فريد، الذي عين رئيسا لمهرجان القاهرة السينمائي، ينوي إقامة سوق للأفلام في حاضرة المهرجان المصري الذي سينعقد في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام المقبل. وهو لاحظ أنه خلال دورات مهرجان القاهرة الـ33 لم يتم بيع فيلم واحد إلى مصر.
أمر محزن، إلى أن تدرك أنه انعكاس لأحوالنا العامة في الشأن الثقافي والسينمائي (الكتاب مثلا).. فتزداد حزنا.
* ما الأفلام التي ستحبذها لجنة التحكيم؟
* قرارات اللحظات الأخيرة
* حالة من التوقعات غير المجدية سادت اليومين الأخيرين قبل إعلان الفائزين مساء هذا اليوم (الأحد) سببها أن الأفلام تساوت من حيث إنه ليس من بينها ما هو إنجاز فني كبير ومنفرد. ليست هناك ثلاثة أو أربعة أعمال تتنافس بقوة على جائزة «الأسد الذهبي» كما كانت الحال في السنوات القليلة الماضية. وأكثر من صحافي إيطالي قال لنا، أو كتب في صحيفته، شاكيا من أن هذه الدورة هي أضعف دورات المهرجان منذ سنوات بعيدة.
جيوفاني أوتوني ناقد مجلة «سيني كريتيكا» يقول وهو يتجاهل صحن الاسباغتي أمامه: «لا أذكر متى كانت آخر مرة عانى فيها هذا المهرجان من أفلامه». حين يقول له أحد الجالسين إن المسألة تتعلق بما هو متوفر من الأفلام، يرد: «كيف لنا أن نعلم؟ ثم إن الحكم على ما هو موجود من دون أعذار. أفلام هذا العام تتنوع من رديئة إلى معتدلة تشرف على النجاح ولا تحققه».
بيتر كاوي، وهو ناقد سينمائي بريطاني سابق لا يزال نشطا في شأن الثقافة السينمائية بعدما انتقل للعيش في سويسرا، يقول:
«أعتقد أنه لا يوجد مهرجان مثل (فينيسيا) يقصد أن يؤذي نفسه. وأميل لأن أقول إن هذا ما استطاع (فينيسيا) أن يجده من أفلام متوفرة. يجب ألا نحمل عليه كثيرا».
المنظور من وجهة نظر مدير المهرجان ألبرتو باربيرا، الذي التقيناه في مكتبه قبل يومين، مختلف: «أولا لا أوافق على أن الدورة الحالية ضعيفة بالإجمال. هناك عدد من الأفلام الجيدة التي عرضناها ونالت الإعجاب. لكن الحاصل هو أن مهرجان (كان) أوصى على أفضل الأفلام قبلنا. أعتقد أنه وجد أن المنافسة بيننا باتت حامية، فقام بالعمل على جمع برنامجه للدورة التي انعقدت في مايو (أيار) الماضي قبل عشرة أشهر».
حين سؤاله عما إذا كان هذا اعترافا بتقصير من جانب إدارته، قال: «لا.. لأننا كنا سنفعل الشيء نفسه. المشكلة هي أن (فينيسيا) لا يريد أن يقلد مهرجان (كان)، بل نسعى للاختلاف عنه قدر الإمكان».
هذا لا يقبله الناقد أوتوني الذي يلقي الضوء على ما يراه السبب الرئيس وراء ضعف هذه الدورة:
«هناك سببان في الحقيقة.. الأول هو الصراع السياسي الدائر في إدارة المهرجان تبعا للصراع السياسي في البلاد. إذا ما وصل إلى سدته من ينتمي إلى حزب يميني، رفض أفلاما إيطالية من الجانب الآخر، وإذا ما انتمى إلى حزب يساري، رفض الأفلام اليمينية أو تلك التي تباركها الأحزاب الأخرى». يضيف: «السبب الثاني هو أن باربيرا يريد لمهرجانه أن يكون مثل (كان)، لكن على أصغر عوض أن يعود إلى الأسس طارحا المهرجان على أنه إنجاز ضخم».
* خلطة خفيفة
* هذه النقطة الأخيرة صالحة للتداول لكنها ليست ثابتة، فالمهرجان الإيطالي يأتي وسط متاعب اقتصادية معروفة، مما يحد من محاولة عملقته إلى الدرجة التي يمكن له فيها ترك أثر ما ينافس به زميله الفرنسي.
أكثر من ذلك، هناك حقيقة أن جوائز كل المهرجانات الكبرى لا تعني الكثير إلا للحاصلين عليها.. إنها ليست مفتاحا للتسويق والنجاح التجاري على نحو مؤكد، وليست محطة صوب أي غاية أخرى. الجائزة العالمية الأولى ما زالت من احتكار الـ«أوسكار» الأميركي، ومعظم ما يدخل تلك المنافسة إما أنه لم يعرض في أي مهرجان أو أنه توجه لمهرجان تورونتو، كما الحال مع الفيلم الذي يشهد حاليا هالة إعجاب كبيرة وهو «12 سنة عبدا».
الناظر إلى أفلام الدورة السبعين من المهرجان الإيطالي يدرك أن الفوز لن يكون سهلا؛ إذ أن الأفلام الجيدة ذاتها لا تخلو من النواقص.. هذا ينطبق مثلا على «فيلومينا» لستيفن فريرز الذي يقف حاليا، وهذا التقرير يُبعث به قبل ساعات من حفل الختام حيث تعلن الجوائز، في الصف الأول من التوقعات. إيجابياته: خلطة كوميدية - درامية لا بأس بها. قصوره كامن في أن الخلطة خفيفة أكثر من اللازم بحيث لا تترك أثرا بعد الانطباع الأول.
«مسارات» لجون كوران، مثير وجميل للنظر إليه من ناحية، ويعاني من نص تقليدي لا يشفي غليل الباحث عن معالجة دسمة وكاملة للحكاية التي يعرضها.
«تحت البشرة» لجوناثان غلايزر يحمل حبكة جيدة، لكن تنفيذه متكلف في أفضل الأحوال.
«أنا عربية» للإسرائيلي آموس غيتاي مثير للاهتمام كرسالة نوستالجية لوقت مضى، لكنه ساذج الطرح.
«هبوب العاصفة» لهاياو ميازاكي، جيد في كل ركن من أركانه، لكن ساعته الأولى أفضل من الثانية، وهو «أنيماشن»، مما يجعله يبدو متطفلا على الجائزة أكثر مما هو مستحق لها.
في هذا الإطار أخفقت السينما الأميركية في أن تثير أي رهجة أو تطرح عملا لا يمكن التغاضي عنه.. هذا على كثرة ما هو مطروح فيها.
«جو» هو أفضلها صنعا. دراما قوية الطرح اجتماعيا، وجيدة التأليف سينمائيا، لكن هذا العمل مساء فهمه؛ إذ يقع في شق ضيق من الانتاجات؛ لا هو مستقل ولا هو هوليوودي تقليدي، مما يضعف من احتمالات منحه ما يستحق.
«حركات ليلية» لكيلي ريتشارد، تضعفه حبكة غير المتقنة رغم فكرته الجديدة حول قيام ثلاثة مدافعين عن البيئة بتفجير سد على بحيرة، مما أدى لقتل رجل بريء، وما يلي ذلك من دخول نفق الشعور بالذنب.
«المعروف المجهول» الفيلم التسجيلي لإيرول موريس كان مثيرا للنظر مع طروحات غير جديدة. نعم كان يستحق التقديم في مسابقة، لكن حصوله عليها هو أمر آخر.
إلى جانبها كانت هناك مجموعة أفلام أميركية أخرى، لكنها تنحدر من المعتدل («باركلاند») إلى الرديء («طفل الله»).
ثم هناك رئيس لجنة التحكيم برناردو برتولوتشي نفسه.. كأي رئيس لجنة تحكيم يمسك الخيوط جميعا، ولديه، بحكم الخبرة، ما يحبذه كثيرا وما يحبذه قليلا وما لا يحبذه مطلقا بصرف النظر عن الرأي النقدي. ومن الصعب تصور أنه سينقاد بالكامل وراء أي من الأفلام المذكورة. هذا كله مما يجعل الصورة غير واضحة بالنسبة لمن سيفوز أو لا يفوز.
يضاف إلى ذلك أن الرئيس محاط بثمانية أصوات متنافرة.. أعضاء موزعون بين الكتابة والإخراج والتمثيل، ولكل اتجاه وتفضيل خاص به. نعم هذه حالة كل لجان التحكيم، لكن عادة ما تستطيع أن تجد إمكانية اتفاق بين اثنين أو ثلاثة.. ليس هذه السنة! في القسم الرئيس الثاني للمهرجان، وهو «آفاق» (المصنوع على هوى «نظرة ما» في مهرجان «كان») بدأ الصراع قبل يومين وانتهى من دون أن يحقق عمرو واكد، وهو أحد أعضاء هذه اللجنة، ما كان يود تحقيقه:
«لا أستطيع ذكر عناوين أو أسماء أشخاص. لكن هناك في هذا القسم فيلم وجدته مبهرا ووافقني على هذا الرأي عضوان آخران.. لكني تلمست صدا منيعا من قبل رئيس لجنة التحكيم (المخرج الأميركي بول شرادر) والأعضاء الآخرين. حاولت إيصال فكرتي، لكني ووجهت بوجوم شديد.. في النهاية قلت لهم: يوما ما سأحقق فيلما عنكم».
في العام الماضي، نال الفيلم الأميركي «السيد» جائزة «الأسد الذهبي»، لكن خللا في القوانين لا يسمح بمنح جائزتين لهذا الفيلم، قاد إلى سحب هذه الجائزة ومنحها إلى الفيلم الكوري «بييتا» لكي بوك كيم. الجائزة الثانية لحساب فيلم «السيد» بقيت كما هي وذهبت إلى الممثلين واكين فينكس وفيليب سايمور هوفمان. هذا العام لا نتوقع شيئا من هذا، لكن ذلك لا يعني أن الجائزة قد تكون مفاجأة بأكثر من مقياس.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».