قراءة في أفلام «ذا غولدن غلوبس»: دراميات واقعية وكوميديات فانتازية غالبا

«الشرق الأوسط» في موسم الجوائز‬ (1)

 بندكيت كمبرباتش في «لعبة المحاكاة»
بندكيت كمبرباتش في «لعبة المحاكاة»
TT

قراءة في أفلام «ذا غولدن غلوبس»: دراميات واقعية وكوميديات فانتازية غالبا

 بندكيت كمبرباتش في «لعبة المحاكاة»
بندكيت كمبرباتش في «لعبة المحاكاة»

تتيح جوائز «غولدن غلوبس» التي سيقام حفلها يوم الأحد الـ11 من الشهر المقبل، مجالا أوسع للمرشحين والمرشـحات، كما للأعمال الفنية المتنافسة. فهناك قسم للدراما وقسم للكوميديا والغناء في مسابقات أفضل فيلم وأفضل تمثيل رجالي وأفضل تمثيل نسائي. بذلك يكون عدد الأفلام المرشحـة في كل قسم 5 مما يجعل المجموع 10. ويكون عدد الممثلين والممثلات المرشـحين في قسمي الدراما والكوميديا 20 ممثلا، إلا إذا تكرر ورود ممثل في أكثر من فيلم أو في أكثر من قسم.

* مقارنة
مقارنة بالأوسكار فإن عدد الأفلام المرشحة 9 (وقد يصل إلى 10، لكنه لا يتجاوزها) وعدد الممثلين والممثلات 10 أيضا (إلا في حال تكرار لممثل أو ممثلة).
إلى سنوات قليلة، كانت ترشيحات الأوسكار في مجال الأفلام الناطقة بالإنجليزية هو 5 فقط. لكن اشتداد المنافسة بين الجائزتين دفع بأكاديمية العلوم والفنون السينمائية لرفع عدد الترشيحات إلى نحو شبه مضاعف، وبذلك عادت إلى تقليد ساد في الأربعينات والخمسينات.
من ناحيتها، قامت «جمعية هوليوود للمراسلين الأجانب» بإضافة قسم لمسابقة الأفلام الكرتونية (أنيميشن) يحتوي على 5 أفلام متنافسة، وهو قسم لم يكن موجودا من قبل وحتى نحو 5 سنوات سابقة.
هذا، من بين دلالات أخرى، يعكس المنافسة القائمة بين جائزتي الأوسكار و«غولدن غلوبس»؛ الأولى لا تزال في الموقع الأول والأعلى بين كل الجوائز السنوية، والثانية تحتفظ (والمنافسات من حولها كثيرة) بالموقع الثاني وبعناد.
هذا العام لا يختلف عن الأعوام السابقة بالنسبة لسباق «أفضل فيلم روائي درامي» في ترشيحات «غولدن غلوبس». الأفلام المتنافسة على هذه الجائزة تبدأ بـفيلم «صبا»Boyhood وتشمل، تبعا لورودها أبجديا: «صائد الثعالب»Foxcatcher و«لعبة المحاكاة»،The Imitation Game و«سلما» Selma و«نظرية كل شيء» The Theory of Everything.
كل هذه الأفلام حقيقية المصادر والجذور، وإن كانت مختلفة.
«فوكسكاتشر» و«لعبة المحاكاة» مأخوذان عن أحداث واقعة. «نظرية كل شيء» هو سيرة حياة (بالتالي الشخصيات والكثير من الأحداث حقيقية) و«صبا» يسجل حياة شخصية حقيقية لولد ثم يؤلف الدراما التي يريد عليها. أما «سلما» فهو أيضا حقيقي المنحى، كونه يتعامل مع واقعة المظاهرة السلمية التي قام بها السود في ألاباما، والتي قوبلت بالعنف وأدت إلى مقتل الكثير.
بذلك أفلام هذه المسابقة مالت إلى الدراما المأخوذة من الواقع، وبذلك اتسعت الهوة بينها وبين أفلام المسابقة الكوميدية - الاستعراضية، كون كل ما ورد في تلك المسابقة (باستثناء واحد) هو خيالي وفانتازي.

* جريمة تبحث عن دافع
«صبا»، شهد عروضه الأولى في مطلع عام 2014، عندما اختاره مهرجان «صندانس» لعرض عالمي أول. بعده ضمه مهرجان برلين في عرض أوروبي أول ثم ساح الفيلم على شاشات 30 مهرجانا آخر.
الفيلم الذي أخرجه ريتشارد لينكلتر على مدى سنوات عدة، صور بطله صغيرا ثم عاد إليه فتى وانتهى به شابا، كان بإمكان المخرج جلب 3 ممثلين مختلفين وإنجاز الفيلم في 6 أشهر لو أراد، لكنه عمد إلى ممثل واحد (لم يكن ممثلا حين بدأ) اسمه إيلار كولتران صوره في هذه المراحل المتعددة. ومن يدري، ربما يعود إليه المخرج بعد 5 أو 10 سنوات ليقدمه لنا مجددا.
قوة الفيلم لا تكمن في هذه المتابعة الدؤوبة بل في تحويلها إلى دراما إنسانية شفافة وجميلة. هو ملحمة حياة طبيعية وبسيطة، لكن بحجم مضاعف من المشاعر والمواقف داخلها. على السطح الفيلم متابعة لحياة شخصيات عدة محورها ذلك الصبي. في الجوهر، هو رصد لتحولات شخصية واجتماعية وسياسية في أفق هذه الحياة. الشخصيات محدودة، لكن ما تعبر عنه شاسع. القصـة ملتزمة بخط معين، لكن جوانبها مليئة ببذور أكثر من حياة مشتقـة. يجعلك تتساءل بعد أن يقدم وينهي شخصية ما، إلى أين تذهب تلك الشخصية التي لن نراها بعد الآن؟ هل سيلتقطها المخرج في فيلم آخر؟
ينقلنا المخرج من زمن لآخر بسلاسة وتلقائية، ومن دون عناوين على الشاشة، ومن دون حدوث صدمة. لا يبحث المخرج عن عناوين كبيرة يصنف بها حياة الآخرين. لا يقصد تهميش الواقع والانطلاق في بناء روائي بعيدا عنه. في الصميم، هناك حس مرهف بالعائلة من دون أن يكون الفيلم عائلي النبرة. تلك المشاهد التي تظهر لمّ شمل العائلة من تلك الرقيقة والدافئة. وحوارات المخرج من تلك الصميمية. هذا دائما ما كان أحد مميزات أفلام لينكلتر.
«فوكسكاتشر» مختلف تماما، هو أيضا فيلم جيـد اشتغله المخرج بَـنت ميلر (صاحب «كابوتي» و«مونيبول») بحرفية جيدة. وهو يتناول في جوانب حكايته أميركا وما لها وعليها في وجهيها الفردي والاجتماعي. هو في الأصل حكاية واقعية؛ جون دو بونت (يؤديه ستيف كاريل) مصارع أميركي وضع الفوز بذهبية الرياضة فوق كل اعتبار، وبعد 9 سنوات من التدريب والتخطيط والعرق قام بقتل ديف شولتز (مارك روفالو) في جريمة احتارت المحكمة في أمرها؛ فهي لم تكن مبررة ولا حوت أي دافع لفعلها، مما جعلها تقضي باعتبار القاتل مخبولا. لكن الحقيقة، وهي ما سعى الفيلم لإعلانها، تكمن في أن القتيل ديف حاول إنقاذ شقيقه مارك (شانينغ تاتوم) من براثن العجوز الثري والغريب جون دو بونت، بعدما سطا هذا الأخير على شخصية مارك وحياته، وجعله يدمن المخدرات ويترك حلم الوصول.
هذا فيلم صعب لكنه مر، ككثير من الأفلام الأميركية التي يختارها مهرجان «كان»، بلا تقدير كاف أو جائزة. صعب لأنه يوحي بدكانة تتجاوز النفس البشرية لتصيب العاهات الاجتماعية، ولأنه يتحدث عن القوة المهيمنة (ما يصفه الناقد تود مكارثي بـ«الرأسمال القديم») والتمثيل جيد من الجميع بلا فروق تذكر، ولو أن ستيف كاريل هو الوحيد بين ممثلي هذا الفيلم الذي يفوز بالترشيح في سباق أفضل ممثل درامي.

* حكايات الغابة
الفيلم التالي هو أيضا مأخوذ عن وقائع حقيقية، ومثل «فوكسكاتشر» يتدخل السيناريو لكي يوصل بين الفقرات الواقعة بفصول خيالية. إنه «لعبة المحاكاة» لمخرج جديد اسمه مورتن تلدوم. دراما تقع أحداثها في بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، ويؤدي بطولته الممثل بندكيت كمبرباتش في دور العالم الشاب الذي يتم توكيله بحل الشيفرات النازية قبل أن تحل الواقعة وتخسر بريطانيا الحرب. إنها شيفرات عسكرية يذكر الفيلم أنها بالغة التمويه لدرجة أن هناك 159 مليون احتمال لقراءتها. فقط عالم الحسابات ألان تورينغ (لعبه المسرحي ديريك جاكوبي في عام 1986 في مسرحية بعنوان «تفكيك الشيفرة») استطاع سبر غور هذه المتاهة بنجاح وأنقذ، حسبما يؤكد بعض المؤرخين، بريطانيا من كارثة.
الفيلم قائم على دراسة وافية وضعها في كتاب أندرو هودجز سنة 1983 والمخرج وجد الطريقة لتلميع الحكاية المثيرة بالإنتاج ذي المزايا اللافتة بالصنف التاريخي للحكاية مع بعض التجاوزات (الجمع بين شخصيات لم تلتقِ في الواقع).
بالنسبة لفيلم «سلما»، فإن اختلافه أكثر وضوحا عن كل شيء آخر. في حين أنه ما زال فيلما مستوحيا من أحداث وشخصيات حقيقية، إلا أنه جاد من حيث طرحه أكثر من سواه.
في عام 1965 وقف مارتن لوثر كينغ يحث رئيس الجمهورية ليندون جونسون على العمل لضمان صدور قانون المساواة الاجتماعية والحقوق المدنية للأفرو - أميركيين. جونسون كان مترددا إلى أن تقع حادثة بلدة سلما في ولاية ألاباما حين فتح البوليس النار على متظاهرين سود عُزّل وقتل وجرح منهم أكثر من مائة.
أما الفيلم الخامس هنا في «نظرية كل شيء» لجيمس مارش، وهو - كما ذكرنا حين شوهد الفيلم في افتتاح مهرجان دبي الأخير - رحلة في حياة العالم ستيفن هوكينغ الشخصية، مثل «لعبة المحاكاة» يسبح فوق الأرقام والمعلومات ولا يفسـرها وأكثر من ذلك الفيلم في سعيه للحديث عن الحياة الخاصـة للعالم البريطاني.
قائمة مسابقة الفيلم الكوميدي أو الموسيقي تحتوي على 5 أفلام، أحدها كان ختام مهرجان دبي المذكور، وهو «في الغابة» للمخرج روب مارشال المتخصص أكثر من سواه في سينما اليوم، بالأفلام الغنائية (انطلاقا من «شيكاغو»).
«في الغابة» يجمع بين حكايات فانتازية معروفة ومشهورة من بينها حكاية «ليلى والذئب» و«شجرة اللوبيا» و«سندريلا»، كون أحداثها تقع في الغابة وما لا يقع منها في الغابة يتم وضعه فيها شاء أم أبى. الناتج فانتازيا متعددة الأحداث والشخصيات والاتجاهات. الساعة الأولى منها رائعة التمازج ومتناسقة كأوراق الشجرة، لكن الساعة الثانية منها هي المشكلة التي تجبر الفيلم على الانحناء تحت ثقل ما يريد تناوله، أي كل تلك الحكايات وفوقها نهايات مبتكرة، كنوع من تبرير الجمع بينها.
الأفلام الأخرى هي «بيردمان» (وقد تحدثنا عنه سابقا) لأليخاندرو غونزاليز إيناريتو و«ذا غراند بودابست هوتيل» لوز أندرسون (أيضا من بين ما شهده مهرجان برلين من أفلام) و«كبرياء» وهو كوميديا عن حركة من المثليين تبادر للوقوف لجانب عمـال المناجم ضد نية رئيسة الوزراء البريطانية في التسعينات، مارغريت ثاتشر.
هذا هو الفيلم الوحيد المستند إلى قصـة واقعية بين أفلام هذا القسم. أما الفيلم الخامس فهو «سانت فنسنت» لتيودور ملفي، وهو من بطولة بل موراي الذي يرتفع مستوى الفيلم بظهوره، ثم ينخفض حين يغيب.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».