مالك جندلي.. أول موسيقي عربي يطلق سيمفونيته في قاعة «كارنيغي» الأميركية

التونسية فتحية إسماعيل تفوز بجائزته الدولية للعزف على البيانو لعام 2014

الموسيقار مالك جندلي مع مجموعة من العازفين الصغار  وفي الاطار فتحية إسماعيل
الموسيقار مالك جندلي مع مجموعة من العازفين الصغار وفي الاطار فتحية إسماعيل
TT

مالك جندلي.. أول موسيقي عربي يطلق سيمفونيته في قاعة «كارنيغي» الأميركية

الموسيقار مالك جندلي مع مجموعة من العازفين الصغار  وفي الاطار فتحية إسماعيل
الموسيقار مالك جندلي مع مجموعة من العازفين الصغار وفي الاطار فتحية إسماعيل

أعلنت لجنة تحكيم «مسابقة مالك جندلي الدولية على آلة البيانو للشباب لعام 2014»، عن جائزتها السنوية، التي شارك فيها العام الحالي، 23 عازف بيانو دون الـ18، ينتمون إلى بلدان عدة. وفازت التونسية فتحية إسماعيل (10 سنوات) بالجائزة الكبرى وقيمتها ألف دولار أميركي. درست فتحية الموسيقى منذ سن السادسة، وحققت مراكز متقدمة في مسابقة نابل الدولية للبيانو تحت إشراف أستاذها د. منتصر بن مسعود.
أما الفائزة بالجائزة الثانية، فهي عازفة البيانو السورية، مي خليفة (14 سنة) المقيمة، حالياً، في كندا، ونالت 500 دولار. وجاءت الجائزة الثالثة من نصيب سليم خميسي (11 سنة)، وحصل على 300 دولار. كما حصل الفائزون الثلاثة، على جوائز تشجيعية تشمل كتبا موسيقية لمؤلفات جندلي لآلة البيانو، ومجموعة كاملة من ألبوماته الموقعة.
وكانت لجنة التحكيم، ضمت قائد الأوركسترا توماس لودفيغ، والبروفسور عبد الرحيم الصيادي، ود. كريستيان ويندلاند، بالإضافة إلى الموسيقار مالك جندلي، ومحكمين دوليين متخصصين في علوم الموسيقى.
وقالت الفنانة الصغيرة، فور إبلاغها نبأ فوزها، إن ذلك سيمنحها دفعة قوية لمواصلة رحلتها الموسيقية، وتحقيق حلمها بأن تكون عازفة بيانو عالمية. وعبرت الفنانة الشابة مي خليفة، الحائزة على الجائزة الثانية، عن فرحتها، وتمنت أن يتسنى لها مواصلة العزف والتقدم، على الرغم من الظروف المؤلمة والكارثة الإنسانية التي يمر بها بلدها سوريا.
وسيجري توزيع الجوائز والشهادات أمام حشد كبير من المختصين والمتابعين، في الحفل الموسيقى الذي يحييه الموسيقار جندلي في قاعة كارنيغي في نيويورك، في نهاية يناير (كانون الثاني) المقبل، حيث يُطلق ألبومه الجديد «سيمفونية سوريا»، الذي قام أخيرا، بإنتاجه وتسجيله مع الفرقة الفليهارمونية الملكية في لندن.
وقال جندلي لـ«الشرق الأوسط»، إن هذا المشروع الفني «معني بتسليط الضوء على المواهب الناشئة والواعدة، والتحفيز على تفجير طاقاتهم الإبداعية الكامنة، ونشرها على المستوى العالمي، ليكونوا نواة جيل مبدع يقدر الفن ويتعلم مدارسه ويتقن أساليبه».
وأكد المايسترو لودفيغ على أهمية المبادرات الشخصية في دعم الحركة الفنية. ودعا المؤسسات الرسمية إلى تولي مسؤولياتها في دعم الفنون والمساهمة في تأسيس أجيال من المبدعين المحليين. كما دعا الصيادي، بدوره، أصدقاء الفن والإنسانية، إلى المبادرة بدعم هذه الفعالية العالمية، كونها أول مسابقة دولية يؤسسها فنان عربي في المهجر.

* غلوبال ميوزيك أويرد
وكان الموسيقار السوري، مالك جندلي، حصل على جائزة «غلوبال ميوزيك أويرد» لعام 2014. وقد اختارته لجنة التحكيم من بين قائمة ضمت 9 موسيقيين من جنسيات مختلفة، نظرا «لالتزامه الفن الراقي ولموسيقاه الجادة، ورسالته الإنسانية التي حملها ألبومه (إميسا – حمص). وقال رئيس اللجنة: «إن الخيار النهائي وقع على مالك جندلي (...) تقديرا لموهبته وألبومه (...)، بالإضافة إلى مشاريعه الإنسانية وجولاته الموسيقية لمساعدة أطفال اللاجئين.
أما الفائز جندلي، فأعلن في مؤتمر صحافي عقده في نيويورك، عن إهداء جائزته إلى أطفال سوريا، وإلى «أهلي الكرام، وأهل مدينتي حمص، ووطني الجريح سوريا، ولكل شعوب العالم المطالبين بالحرية والكرامة والعدالة الإنسانية». واعتبر الجائزة «تكريما لشهداء الحرية والمعتقلين في كل مكان وزمان». أما مديرة أعماله، ديبي سميث، فقد دعت إلى مناصرة الفنانين الملتزمين كافة، ممن يساندون شعوبهم في النضال من أجل الحرية والمساواة.

* موعد في قاعة كارنيغي
سكان نيويورك وعشاق الموسيقى الكلاسيكية في أميركا عموما، والمتطلعين إلى تجارب حداثية في سياقها، سيكونون على موعد مع جندلي، يوم 31 يناير المقبل، في قاعة كارنيغي في نيويورك، حيث يطلق الموسيقار السوري الأصل، ألبومه الجديد، ويتضمن 3 أعمال موسيقية هي: «متنوعات على لحن سوري قديم للبيانو والأوركسترا»، و«سيمفونية سوريا»، و«طائر الفينيق المنفي». وبذلك يكون جندلي، أول موسيقار عربي يحقق نجاحا عالميا يكتسب احترام المختصين الغربيين الذين فتحوا لمؤلفاته الموسيقية المجال للانطلاق، من على خشبة أهم صرح أميركي للموسيقى، شهد ولادة الكثير من أعمال عظماء الموسيقى الكلاسيكية، من أمثال رحمانينوف، وديوك إيلينغتون، وريتشارد شتراوس.
وسيقدم جندلي ولأول مرة، مؤلفاته الجديدة لموسيقى الحجرة، ضمن ثلاثي فريد من نوعه، يضم آلة العود العربية مع التشيللو والبيانو، متوجا جولة عالمية شملت قاعة الكونسيرت هاوس في فيينا، وقاعة جوائز النوبل في العاصمة السويدية استوكهولم، وخشبة المسرح الوطني في مدريد في حضور ملكة إسبانيا.
وتكمن أهمية مشروع جندلي الموسيقي الجديد الفنية، في تلخيصه حقائق الواقع ضمن تداعيات هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها سوريا والمنطقة، في خطوة هامة تهدف إلى المحافظة على الهوية الثقافية لسوريا التي تتعرض للإبادة والتدمير بشكل كامل وممنهج.

* حكاية طائر الفينيق
يفتتح جندلي ألبومه الجديد، بمؤلف للبيانو والأوركسترا، في 7 متنوعات على الموشح الأندلسي «لما بدا يتثنى». ثم ينتقل إلى السيمفونية السورية المكونة من 4 حركات، استخدم فيها ألحانا وإيقاعات من التراث السوري الموسيقي والوصلة الحلبية، في قالب سيمفوني كلاسيكي، متحرر من النمطية العربية. ويُنهي جندلي ألبومه بمؤلف للأوركسترا السيمفونية تحت عنوان «طائر الفينيق في المنفى»، وقام بتسجيله مع الفرقة الملكية الفليهارمونية في العاصمة البريطانية لندن، وهي من أهم فرقة أوركسترا في العالم.
ويأتي طرح هذا المشروع الفني الهادف، في وقت تنادي منظمة الأمم المتحدة بحماية الآثار والتراث الثقافي في سوريا والعراق والمنطقة برمتها، من خلال مشروع «الصون العاجل للتراث السوري»، حيث أشارت إلى أن الوقت قد حان «لإيقاف التدمير، والحفاظ على تراثنا الإنساني المشترك من أجل السلام». ويتطابق هذا النداء مع أهداف مشاريع جندلي السابقة «أصداء من أوغاريت» و«صوت أطفال سوريا الأحرار»، وصولاً إلى «سيمفونية سوريا» الجديدة.
يؤمن جندلي بالقوة الناعمة للفن، وبقدرة الموسيقى على جميع البشر من أجل أن ينعموا بالسلام. ويشدد على أهمية الإنتاج الفني، ويقول إن المنطقة تشهد اليوم، تدميرا كاملا لتراث سوريا والعراق، وعملية تطهير ثقافي لها. هذه السيمفونية السورية «ستساعد على كسر الصورة النمطية للعرب في الغرب، ورسم صورة جميلة ومقبولة في ذهنية الأميركيين تخلو من العنف والتدمير».
وفي سياق توظيف ألحان عربية في قوالب الموسيقى الكلاسيكية العالمية، يقول الفنان جندلي، إن على الموسيقى العربية «أن تخضع للمقاييس الموسيقية العامة، فهي تعبير عن حياة البشر وانعكاس الذات على البناء الموسيقي.. وهويته الإنسانية سابقة لهويته القومية أو الوطنية التي تنبع من ضرورة مقاومة الواقع الأليم».
ويعتقد جندلي، بأن عالمية الموسيقى مرتبطة بمكانة العرب الثقافية التي تحددها مكانتهم السياسية في هذا العالم. مفهوم الموسيقى العالمية هي أنها مجمل الموسيقى التي تنتجها الأمم ومنها الشعوب، العربية. وهي لا تتشكل من خلال الاقتباس والترجمة والنقل. وشدد على ضرورة التكاتف والعمل الجماعي، داعيا إلى بذل جهد أكبر في اختراق الحواجز النمطية العربية، وإيجاد مشترك إنساني مع الآخر من منظور أممي وليس بشكل فردي. «مطلوب منا اليوم أن نحضر على الساحة العالمية كسيمفونية إنسانية وأممية، كي نتخلص من صراع الغرب والشرق».

* سيرة ذاتية
* مالك جندلي مؤلف موسيقي وعازف بيانو سوري، مقيم في الولايات المتحدة. من مواليد ألمانيا سنة 1972.
بدأ بتلقي علوم الموسيقى في الرابعة من عمره، وكان أول حفل بيانو له على خشبة المسرح في الثامنة من عمره. التحق بالمعهد العربي ثم بالمعهد العالي للموسيقى في دمشق، وتتلمذ على يد البروفسور فيكتور بونين، من كونسرفتوار تشايكوفسكي. قدم أعماله برفقة الكثير من الفرق السيمفونية العالمية على أهم المسارح في الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة وسوريا. وهو حاصل على شهادة بكالوريوس بالموسيقى من جامعة كوينز الأميركية بدرجة الشرف، قبل إتمامه لشهادة الماجستير بإدارة الأعمال من جامعة كارولينا الشمالية.
وجندلي هو أول مؤلف سوري وموسيقي عربي قام بتوزيع أقدم تدوين موسيقي في العالم اكتُشف في مدينة أوغاريت رأس شمرا - سوريا، على لوحات مسمارية تعود للقرن الرابع قبل الميلاد.



«ملتقى نالا للسرد» يحتفي برائد القصة السعودية محمد علي علوان

الأديب الراحل محمد علوان
الأديب الراحل محمد علوان
TT

«ملتقى نالا للسرد» يحتفي برائد القصة السعودية محمد علي علوان

الأديب الراحل محمد علوان
الأديب الراحل محمد علوان

تنطلق اليوم (الأربعاء) في الرياض الدورة الأولى من «ملتقى نالا للسرد»، بمشاركة عدد من الأدباء والنقاد والباحثين والمبدعين. وتنظّم جمعية آداب وفنون السرد «نالا» الملتقى على مدى يومين.

وتُخصَّص باكورة دورات الملتقى للقصة القصيرة، التي تحمل اسم «دورة القاص محمد علي علوان»، للاحتفاء بتجربة أحد رواد القصة السعودية، وما قدَّمه من منجز أدبي أسهم في إثراء المشهد السردي المحلي.

وقال يوسف المحيميد، رئيس مجلس إدارة الجمعية والمشرف العام على الملتقى، إن الدورة الأولى تجمع عدداً من الأدباء والأكاديميين والكتّاب والمهتمين بالسرد، مشيراً إلى أن اختيار تجربة القاص علوان يأتي وفاءً لمنجزه الإبداعي وإسهاماته في تطور القصة السعودية. وأكد أن الملتقى يسعى إلى فتح مساحات للحوار والنقد في التحولات التي يشهدها هذا الفن الأدبي، وقضاياه الفنية والجمالية.

ويحتفي الملتقى في برنامجه بالأديب السعودي محمد علي علوان، أحد أبرز كتّاب القصة القصيرة في السعودية، الذي توفي في أغسطس (آب) 2024 عن عمر ناهز 73 عاماً.

وُلد محمد علوان في أبها عام 1950، وحصل على درجة البكالوريوس في الأدب العربي من كلية الآداب بجامعة الملك سعود عام 1974. وعمل في وزارة الإعلام منذ تخرجه، وتولى الإشراف الثقافي في عدد من الصحف والمجلات، كما شغل منصب وكيل الوزارة لشؤون الإعلام الداخلي.

نشر الراحل 6 مجموعات قصصية، وأشرف على الصفحات الثقافية في كل من مجلة «اليمامة» وصحيفة «الرياض» لسنوات عدّة. كما شارك في أمسيات قصصية نظَّمتها الأندية الأدبية وجمعية الثقافة والفنون، وكان عضواً مؤسساً في «مؤسسة عسير للصحافة والنشر».

ويتضمن الملتقى عرضاً مرئياً يتناول جوانب من سيرة القاص الأدبية، إلى جانب تكريمه وتدشين أعماله الكاملة، بما يسهم في توثيق تجربته وإبراز أثرها في مسيرة القصة السعودية.

وإلى جانب الاحتفاء بمسيرة الأديب السعودي علوان، يشتمل البرنامج العلمي في يومه الأول على قراءات نقدية تتناول تجربته، وجلسات تبحث الخصائص الفنية للقصة المعاصرة والثيمات البارزة في القصة القصيرة، إضافة إلى تقديم عدد من الشهادات والتجارب الإبداعية في مجال الكتابة القصصية.

ويبحث المشاركون في اليوم الثاني أثر التحولات المجتمعية والثقافية في القصة القصيرة، وحضور المدينة في السرد القصصي السعودي المعاصر، من خلال أوراق ومداخلات يقدّمها عدد من النقاد والباحثين والمبدعين، بينما تُختتم أعمال الدورة بإعلان التوصيات.

وأنهت اللجان التنظيمية والفنية والإعلامية استعداداتها لانطلاق الملتقى واستقبال المشاركين والضيوف، في خطوة تسعى الجمعية من خلالها إلى ترسيخه منصةً للحوار في فنون السرد، ودعم حضور القصة السعودية ومبدعيها في المشهد الثقافي.


من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إلياس خوري
إلياس خوري
TT

من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إلياس خوري
إلياس خوري

إذا كان مقدّراً لكل جيل من الأجيال أن يواجه نصيبه من التحديات، وأن يحمل من السمات الثقافية والفكرية والاجتماعية، ما يمكن أن يصبح إنجازه الخاص وعلامته الفارقة، فإن الجيل الذي سمّي بجيل السبعينات في لبنان هو أحد أكثر الأجيال تميزاً في الدور، وثراءً في التجربة، وتمزقاً بين الخيارات.

على أن الطالع الدراماتيكي لأبناء ذلك الجيل، قد شاء لهم وهم في أوج التفتح أن يشهدوا بأمّ أعينهم هزيمة يونيو (حزيران) عام 1967، وقصف مطار بيروت بعدها بعام واحد، ومظاهرات أبريل (نيسان) الصاخبة بعدها بعامين، وأن يواكبوا في الآن ذاته صعود المقاومة الفلسطينية وحركة اليسار الجديد، بما جعلهم يقفون على التخوم الفاصلة بين لبنانين متبايني الهوية والدور، قبل أن يقضي الاثنان معاً على مذبح التناحر الأهلي.

عقل العويط

وحيث كان من الطبيعي أن تحتضن الجامعة اللبنانية في تلك الفترة الكثرة الكاثرة من أبناء الفقراء والبورجوازية الصغيرة، وفق التصنيف الماركسي التقليدي، وأن تتحول بالتالي إلى بؤرة للتغيير وحركات الاحتجاج على ما اعتُبر آنذاك فساد السلطة وخنوعها ومواقفها السياسية المتخاذلة، فإن كلية التربية بالذات كانت «درة» التاج الجامعي، وواسطة عقده الأثمن.

ولا يعني ذلك أن كل المنتسبين إلى الكلية، كانت لديهم الأهداف ذاتها والطموح إياه، حيث إن بعض الملتحقين بها لم يروا فيها سوى المحطة التي لا بد من اجتيازها، للالتحاق بسلك التعليم الثانوي، الذي يوفر لهم الحد المقبول من الاستقرار والأمن المعيشي. إلا أن البعض الآخر راهنوا من خلالها على ما يتعدى الجانب الدراسي التقليدي، مؤثرين تحويلها إلى واحة متنوعة للتحصيل المعرفي، وإلى مساحة لتلاقح الأفكار، وإلى حاضنة مثلى لمغامرة التجديد وتيارات الحداثة الوافدة.

علوية صبح

على أن الدور الذي أنيط بالكلية، لم يأت من الفراغ المحض ولم يكن وليد الصدفة المجردة، بل تضافرت على تحقيقه عوامل عدة، بينها الامتحانات الجدية والنزيهة، التي كان على الطلاب المتبارين خوضها، لكي يحظوا بفرصة الالتحاق بالكلية. وبينها أن المقبولين من الطلاب كانوا قادمين من كافة مدن البلاد وقراها، ومن مناطقها الزراعية وأطرافها النائية، بما حوّل الكلية إلى وطن مصغر، تتفاعل بين ظهرانيه صفوة منتقاة من الطلبة المتفوقين، وأصحاب المواهب الفتية، والمخيلات الباحثة عن التفتح.

كما أن المنحة المالية التي كان يتقاضاها الطلبة المنتسبون للكلية، قد لعبت دوراً غير قليل في جعلها تتبوأ دورها الريادي بين كليات الجامعة الأخرى. ليس فقط لأنها تمنح هؤلاء مكافأة مادية لا توفرها أي مؤسسة أكاديمية مماثلة، بل لأن إعفاء الطلاب من مشقة البحث عن وظيفة أو مهنة توفر لهم سبل العيش، هو ما أتاح لهم التفرغ الكلي للدراسة، بقدر ما أتاح للكلية أن تتحول إلى ورشة دائمة للتفاعل الثقافي والفكري بين مكوناتها المختلفة.

حسن داود

لم تعد الكلية بهذا المعنى مجرد مؤسسة رسمية لتدريب الطلاب وتهيئتهم لمهنة التعليم، وهي التي حملت عند تأسيسها عام 1951 اسم «دار المعلمين العليا»، بل تمكنت بعد ذلك بسنوات من أن تتجاوز دورها الأساسي، لتتحول إلى منارة ثقافية حقيقية، وإلى مشروع فريد للتغيير وصناعة المستقبل. اللافت بهذا الخصوص أن ما حدث في بيروت الستينات والسبعينات، قد حدث ما يشبهه تماماً في بغداد الأربعينات، إذ كانت دار مماثلة لإعداد المعلمين، تضم بين جنباتها كلاً من بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ولميعة عباس عمارة، وتهيئ لهم الفرصة النموذجية والنادرة لإطلاق مشروع الحداثة الرائد، الذي لم يشهد الشعر العربي مثيلاً له عبر تاريخه.

ومع أن الفضل في ما أصبحت عليه الكلية، بنسختها اللبنانية، كان عائداً من بعض وجوهه إلى النخبة المنتقاة من أساتذتها، بينهم أدونيس وخليل حاوي وخالدة سعيد وأنطون غطاس كرم وأنيس فريحة والمطران جورج خضر ويمنى العيد وعلي شلق وريمون جبارة وميشال عاصي وغيرهم، فإنه كان عائداً من وجوه أخرى لنضالات الحركة الطلابية اللبنانية، كما للصفوة المختارة من الطلاب، الذين كان كلٌّ منهم يرسم للكلية دوراً يتجاوز دورها الأكاديمي، ويجعل منها صورة مصغرة عن الوطن الآخر، الذي كان يطمح لبنائه على مقاس أحلامه. ولن يعود من المستغرب تبعاً لذلك، أن يعمد العديد من الطلاب الناشطين والقياديين إلى الامتناع عن المشاركة في امتحانات نهاية العام، بهدف تمديد سنوات الدراسة لأقصى مدة ممكنة.

بول شاؤول

على أن سحر كلية التربية الفريد لم يكن متأتياً من قاعاتها الدراسية فحسب، بل كان منبثقاً بشكل خاص من ردهة الكافتيريا الواسعة، والواقعة أسفل المبنى الغربي، التي شهدت طاولاتها ومقاعدها أعمق النقاشات الفكرية والسياسية، وشهدت زواياها النائية ولادة الكثير من القصائد والنصوص النثرية، فيما شكلت من ناحية أخرى مسرحاً مناسباً لنشوء الصداقات وقصص الحب. اللافت في تلك الحقبة أن النجاح أو الفشل في نسج العلاقات العاطفية بين الطلاب والطالبات لم تكن معاييره متصلة بمنسوب الوسامة أو الثروة أو توفر السيارة والشقة السكنية، بل كان الطالب الأكثر صلة بالقراءة، والأكثراكتنازاً بالمعرفة، هو الأقدر من سواه على الفوز بقلوب الفتيات.

أما المهرجان الشعري السنوي الذي كان ينظمه ويشرف عليه بول شاوول، وآثر إعطاءه شكل المباراة بين الشعراء الشبان، فقد تحول من خلال مستوى المشاركين فيه، ولجنته التحكيمية المؤلفة من كبار الشعراء والنقاد اللبنانيين، إلى مناسبة دورية استثنائية، ينتظر انعقادها الكثيرون، ويقطع الفائز بجائزتها الخطوة الأولى على طريق الكتابة الشائك.

كلية التربية التي أُفرغت من الجدوى وتحولت إلى أطلال ما كانته قبل 50 عاماً لم تكن سوى صورة مصغرة عن الحلم الذي أضعناه

وإلى الشعراء والروائيين والمسرحيين والرسامين، كان ثمة نخبة واعدة موازية من القادة الطلابيين والمفكرين السياسيين والمناضلين من أجل التغيير. وإذا لم يكن بالمستطاع تسمية كل أولئك الذين تضافرت جهودهم لتضييق المسافة بين واقع وطنهم المتردي، وصورته المقابلة في نصوصهم ومخيلاتهم، والذين ما زال بعضهم يتصدر المشهدين الثقافي والسياسي في لبنان حتى يومنا هذا، يمكنني أن أسمي من بينهم، على سبيل المثال لا الحصر، عصام خليفة وأنور الفطايري وأنطوان سيف وبول شاوول ونصير الأسعد وإلياس عطالله وغسان شربل وجورج سمعان وإلياس خوري ورشيد الضعيف ومحمد العبدالله وعقل العويط وهاشم الأيوبي وحمزة عبود وعلوية صبح وهدى بركات وجودت فخر الدين وحسن داود وشربل داغر.

ولن تفوتني الإشارة في هذا الصدد إلى أن دور الكلية الثقافي لم يقتصر على الأنشطة الخاصة بأساتذتها وطلابها وحدهم، بل هي تعدت ذلك الدور لتجعل من قاعاتها المختلفة مساحة للثقافة والتنوير، يقف على منصاتها عشرات المبدعين اللبنانيين والعرب. وإذا كان البعض قد رأوا في وقفتهم تلك جواز مرورهم باتجاه التكريس، كما اعترف شاعر المحكية أسعد جوان، فقد استضافت الكلية سعيد عقل ومحمد الفيتوري وموريس عواد، إضافة إلى محمود درويش، الذي لم يتوان عن القول في الأمسية التي دعي لإقامتها، بأنه يشعر بالرهبة والخوف، لأنه يقف على المنبر الأكثر اتصالاً بمغامرة التجديد، معتبراً أن الأمسية تلك هي الامتحان الشعري الأصعب الذي يخوضه في حياته.

على أن ذلك الحلم الوردي لم يدم طويلاً، ليس فقط لأن الحرب الأهلية وما تلاها من كوارث قد أطاحت بجزء كبير منه، بل لأن السلطات المتعاقبة لم تستطع ابتلاع تلك الجرعة الفائضة من الحرية، وذلك المناخ غير المسبوق من الاندماج الوطني، فعملت على إجهاض التجربة من أساسها، لتقتصر مهمتها على تهيئة القادمين من الكليات الأخرى، للانخراط في مهنة التعليم، ولسنة واحدة لا أكثر، وليتوزع ما تبقى من المبنيين اللذين تشغلهما الكلية على مؤسسات جامعية أخرى. ومع ذلك فقد يبدو الأمر من بعض وجوهه، كما لو أن كلية التربية، التي أُفرغت من الجدوى، وتحولت إلى أطلال ما كانته قبل خمسين عاماً، لم تكن سوى صورة مصغرة عن الحلم الذي أضعناه، وعن الكيان الواعد الذي تعامل معه القائمون على مقدراته كغنيمة حرب، ولم يترددوا بعد ذلك في تحويله إلى حطام.


3 قامات مدرّعة من «قصر هشام» في شمال أريحا

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
TT

3 قامات مدرّعة من «قصر هشام» في شمال أريحا

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا

تبنّى الأمويون فن النحت، واعتمدوه بشكل خاص في ميدان العمارة المدنية، كما تشهد مجموعة من القطع الأثرية، أهمّها تلك التي خرجت من بين أطلال قصر يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة. بدأ استكشاف هذا الموقع في نهاية القرن التاسع عشر، وجرت أعمال المسح فيه خلال ثلاثينات القرن الماضي، وتبيّن أنه بُني في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. أسفرت أعمال التنقيب عن العثور على عدد كبير من التماثيل المتنوّعة، منها 3 قطع يمثل كلّ منها رجلاً مدرعاً. ويوحي هذا الزي المشترك بأن هذه الأنصاب تجسّد قامات متنوّعة من العسكر، أي من «مجتمع الجيش» كما جاء في تعريف «لسان العرب».

لم يصل أيٌّ من هذه التماثيل الثلاثة بشكل كامل للأسف، غير أن ما تبقّى منها يسمح بتحديد تكوينها الأول، واللافت أنها تمثّل اختلافاً كبيراً في بنيتها كما في أسلوبها الفني. تحضر إحدى هذه القطع على شكل قامة منتصبة فقدت رأسها. وتقابلها قامة أخرى فقدت كذلك رأسها، وبقيت منها كتلتان مهشّمتان. تمثّل القطعة الثالثة نموذجاً مغايراً، وهي على شكل تمثال نصفي يضمّ الرأس والصدر. تحاكي هذه المجسّمات من حيث الحجم المقياس الطبيعي للإنسان، ويتبنّى كلٌّ منها طرازاً فنياً خاصاً يتجلّى في الشكل الخارجي كما في الصياغة المتبعة في النقش والنحت. تتميّز القطعة الأولى بقامتها المنتصبة، وتتبنّى الطراز الكلاسيكي الروماني بشكل لا لبس فيه، ويتجلّى هذا الطراز في البنية التشريحية الخاصة بها، كما في زيّها التقليدي.

تمثّل هذه القامة رجلاً يقف بثبات، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، شاهراً بيده سيفاً سقط القسم الأعلى منه وضاع. تتدلّى الذراع اليسرى وتبدو ملتصقة بالصدر، وتمسك اليد بترس دائري زُيّن بشبكة من النقوش الزخرفية، تتكوّن من سلسلة دوائر ملتفة حول ذاتها، أكبرها شريط مزيّن بالزخارف اللولبية، يليه شريطان نحيلان مجرّدان. وتحضر في الوسط كتلة ناتئة على شكل قبّة، تعلوها سلسلة من الخطوط العمودية المرصوصة على شكل أسنان المشط. يرتدي هذا العسكري اللباس الروماني التقليدي، ومقوّماته سترة مدرّعة تنسدل وتحجب أعلى الساقين، مع حزام معقود حول الخصر. تزيّن هذه السترة 4 سلاسل من المساحات البيضاوية المرصوصة، تحاكي ما يُعرف بـ«لبوس الحديد» في «لسان العرب»، وتعلو هذه اللبوس منصات الكتف التقليدية المزيّنة بمساحات مماثلة، تنعقد على شكل سوارين عريضين حول أعلى الذراعين. يبدو هذا التمثال رومانياً من حيث الأسلوب، ويعكس نموذجاً شاع في تدمر كما في البتراء خلال القرون التي سبقت ظهور الإسلام.

اتخذ هذا النمط طابعاً محلياً نتيجة لهذا الانتشار، ويحفل الميراث الأدبي بالشواهد التي تؤكّد ذلك، منها قول أبو الأخزر الحماني: «مقلصاً بالدرع ذي التغضن/ يمشي العرضنى في الحديد المتقن». وقول عمرو بن معديكرب الزبيدي: «إن تلقَ عمراً فقد لاقيت مدرعاً/ وليس من همه إبل ولا شاء».

تأتي القطعة الثانية على شكل كتلتين منفصلتين لم يتمّ جمعهما كما يبدو. تمثّل إحدى هاتين الكتلتين الصدر، وتمثّل الأخرى الساقين، وفيهما يبدو اللباس على شكل عباءة تمتدّ حتى حدود الركبتين، كاشفة عن سروال فضفاض. يتبنّى هذا اللباس الطراز الساساني، ويعلوه شريط مضفور بسلسلة من الدوائر ينسدل حول العنق، وحزام مماثل ينعقد حول الخصر. تزين السروال شبكة متجانسة من المربّعات الملتوية تُعرف باسم «المُعين»، وتزيّن العباءة سلسلة تحاكي التعزيزات القشرية، ممّا يجعل منها قميصاً مدرّعاً، أي «قميص من حديد يلبس وقاية من السلاح»، كما يقول «لسان العرب».

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو كما أشرنا على شكل تمثال نصفي، يجسّد كما يبدو جندياً مدرّعاً يعتمر خوذة عريضة تعلوها قبة مزيّنة بشبكة من الخطوط العمودية. فقد هذا الجندي ذراعه اليمنى، وبدت ذراعه اليسرى مرفوعة في اتجاه صدره، غير أن يده تساقطت وبات من الصعب تحديد حركتها الأصلية. الوجه دائري ومكتنز، مع شاربين مقوّسين ولحية قصيرة تلتف حول ذقنه. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان، والعينان شاخصتان، وهما لوزيتان، ويتوسّط كلاً منهما بؤبؤ دائري عريض، يعلوه ثقب دائري غائر. الأنف قصير وناتئ، والثغر صغير، مع شق أفقي بسيط يفصل بين شفتيه. يماثل هذا الوجه في تكوينه الوجوه العديدة التي خرجت من قصر هشام في خربة المفجر، ويعكس نسقاً محلياً طبع النتاج الفني الأموي الخاص بميدان النحت.

تؤلّف هذه القطع المنحوتة مجموعة صغيرة تعكس صورة مختزلة لـ«مجتمع الجيش» في العالم الأموي، وتقابلها صورتان تفصيليتان من جداريات قصير عمرة في الأردن، تظهر في كلّ منها صورة عسكري يعتمر كذلك خوذة عريضة مقبّبة. يتكرّر هذا النموذج في لوح مستطيل منجز بتقنية الجص الجيري المنحوت، مصدره موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية في البادية السورية. تعلو هذا اللوح صورة فارس يظهر معتمراً خوذة مشابهة، ملتحفاً لباساً مدرّعاً، تعلوه شبكة من التعزيزات القشرية.

من ناحية أخرى، تشكّل هذه المجموعة الصغيرة رافداً من مجموعة كبيرة من الصور المنحوتة خرجت من موقع خربة المفجر في البادية الفلسطينية، وتقابل هذه المجموعة أخرى مشابهة خرجت من قصر الحير الغربي في البادية السورية. تشكل هذه الصور المنحوتة دليلاً حياً على استمرارية هذا الفن في بلاد الشام في ظل الحكم الأموي، بعد تراجعه في العهد البيزنطي، كما تؤكّد تبنّي السلطة الحاكمة لهذا التقليد في ميدان العمارة المدنية تحديداً.