العودة إلى صالات السينما ولو بالكمامات

حال واحد يلف العالم

راسل كراو في مشهد من فيلم «مضطرب».(أ.ب)
راسل كراو في مشهد من فيلم «مضطرب».(أ.ب)
TT

العودة إلى صالات السينما ولو بالكمامات

راسل كراو في مشهد من فيلم «مضطرب».(أ.ب)
راسل كراو في مشهد من فيلم «مضطرب».(أ.ب)

هناك ولاية واحدة من الولايات المتحدة الأميركية تسمح بدخول المشاهدين إلى الصالة من دون فرض «مسافة آمنة» بينهم. ليجلس مَن يريد في أي مكان يريد. هي ببساطة ولاية مونتانا.
باقي الولايات، حسب خريطة وفّرتها «الجمعية الوطنية لأصحاب صالات السينما» (المعروفة بـNATO) تتوزّع بين السماح من 20 إلى 49 بالمائة من نسبة المشاهدين (أي أنها تتوقف عن بيع التذاكر إذا ما بلغ عدد المشاهدين نصف عدد كراسي الصالات) وأخرى تسمح لحد أقصى يصل إلى 70 في المائة، ثم تلك الولايات التي تفرض المسافة الآمنة كأولوية، ثم تلك التي لا تفرض شيئاً.

عهد جديد
لجانب ما سبق، هناك مجموعة من الولايات التي ما زالت صالاتها مغلقة، وهي كونكتيكَت ونورث كارولاينا ونيو مكسيكو وأريزونا وكاليفورنيا.
النسبة الغالبة من الصالات هي لتلك التي تفرض نظام 70 في المائة، وتشمل ولايات تكساس ومسيسيبي وتنيسي ونبراسكا وكولوراديو من بين أخرى. تليها (عدداً) تلك التي تفرض تباعد مسافات بين المشاهدين، ومن بينها يوتا ووايومنغ وأوريغون وميسورري وكانسس.
في الوقت ذاته، أعلن «الناتو» المذكور عن إجراءات سلامة على صالات السينما المفتوحة اتباعها لضمان عدم انتشار الوباء بين المشاهدين. وتشمل هذه الإجراءات:
• تشجيع الروّاد على شراء تذاكرهم من راحة بيوتهم أو استخدام الآلات الإلكترونية في الباحة الخارجية لكل صالة.
• استخدام، ومراقبة استخدام، الروّاد للكمّامة خلال العرض.
• تأمين التباعد بين الحضور على نحو يؤمن وجود مقاعد فارغة بين كل اثنين من المشاهدين.
• دعوة موظفي الصالات لغسل أيديهم على نحو متكرر وتوزيع زجاجات المضادات للبكتيريا عند مداخل الصالات.
• عدم اللمس؛ بين الموظفين وبين المشاهدين، لا حين شراء التذاكر ولا حين شراء المرطبات والأطعمة من الصالة.
• أخيراً، على أعين الموظفين أن تكون مفتوحة لمراقبة أي زبون تبدو عليه العلامات المؤكدة لـ«كوفيد - 19»، وهي بذاتها العلامات التي تتولى شركات الطيران هذه الأيام العمل بموجبها.
بعض روّاد السينما اشتكى من أنه لا يستطيع مشاهدة الفيلم مستخدماً الكمّامة، لكن الرد عليه كان واضحاً من قِبل المعنيين: «تأكد من أنك تضع الكمّامة على أنفك وفمك، وليس على عينيك».
نعم. هو عهد جديد من الحياة يتصرّف فيه الجميع على نحو لم يكن معهوداً قبل تسعة أشهر مضت. لكن صالات السينما في مختلف القارات بحاجة لأن تعود للعمل، تجنّباً لمزيد من الخسائر، وشركات الإنتاج والتوزيع تؤيدها في ذلك، وللسبب ذاته. كذلك هناك غالبية من الروّاد الذين لا يُستطاب لهم المذاق إلا بمشاهدة الأفلام على أكبر شاشة ممكنة. بعض هؤلاء مستعدون للسفر إلى ولاية مونتانا، إذا ما استمر إقفال الصالات في سواها. على الرغم من كل ذلك، فإن عدداً كبيراً من العواصم العالمية بدأت تشطب المحظورات، وتفتح أبوابها لكل مَن يرغب في العودة إلى ممارسة الحياة الطبيعية، ولو قدر الإمكان.

فجوة أمل
في لندن ومدن بريطانية أخرى، هناك قوانين مشابهة لتلك الأميركية تلزم المشاهدين بالحذر، وفي الوقت ذاته إعلانات تجارية متزايدة لدفع الناس للعودة إلى فضاء الأفلام في صالات السينما.
واحد من الأفلام المعروضة الآن في بريطانيا (كما في الولايات المتحدة وفرنسا والإمارات وكندا) هو «مضطرب» (Unhinged): الدور الشرير الأول لراسل كراو منذ أن أصبح نجماً، وأحد الأفلام التشويقية القليلة الناجحة نوعاً المعروضة هذه الأيام.
كراو هو سائق سيارة كبيرة يقرر أن المرأة التي تقود سيارة أصغر لم تعره أي اهتمام، ولم تعتذر له عن معاملتها له بالتجاهل عندما تأخر في الإقلاع عند الضوء الأخضر. الحياة العادية لتلك المرأة (كارن بوستوريوس) وابنها الصغير تنقلب إلى كابوس كبير، عندما يلاحقها ذلك الرجل بغية الأذى.
وبينما يسترد «مضطرب» بعض الجمهور المفقود، يعد «تَنت» (Tenet) بما هو أكثر من مجرد استرداد جمهور وتأسيس عادة.
فيلم كريستوفر نولان الجديد دخول أزمنة وخروج من أخرى، ورحلة محارب في سبيل الحفاظ على الإنسان وقيمه في عالم يخفي، باسم العلم، ما يهدف للإضرار به. وهناك «تريلر» جديد تم إطلاقه يوم أمس (السبت) يفسّر حكايته على نحو أفضل، وإن كان يُبقي أهم التفاصيل في طي الكتمان.
وكنا أوردنا هنا، في مقال سابق، ما واجهه الفيلم من مشاكل وصعوبات بسبب الوباء، وكيف تم تأجيل عروضه من تاريخ لآخر، خصوصاً أن تكلفته لا تتيح احتمالات الخسارة فيما لو تمّت التضحية به قبل الأوان.
سنجد كذلك، «فجوة أمل» (Hope Gap)، فيلماً صغير الحجم من بطولة أنيت بَنينغ وبل نيغي: زوجان يقومان بزيارة ابنهما في بلدة أخرى، وهناك يسرّ الأب لابنه الشاب بأنه يخطط لطلاق والدته.
وفي نطاق أفلام العنف يحيلنا «متوحش» (Savage) إلى عصابة شوارع في العاصمة النيوزيلندية وكيف ترعرع أحدهم في ظلها حتى بات من أكثر أفرادها عنفاً.
الغالب أنه لا الدراما المتمثلة في «فجوة أمل» ولا العنف الآتي من نيوزيلاندا سيستطيع مواجهة «تَنَت» أو سحب ولو جزءاً صغيراً من جمهوره المنتظَر.
فيلم نولان سيجوب عواصم العالم ومدنه الكبرى، خلال نهاية الشهر، قبل أسبوع من وصوله إلى موطنه الأميركي بسبب تأخر بعض صالات المدن الرئيسية هناك في مزاولة أعمالها. هذا ما دفع المخرج نولان وشركة «وورنر» الداعمة لأخذ الاحتياط، خشية أن تتم قرصنة الفيلم قبل وصوله إلى أميركا، وبالتالي تنفيس احتمالاته التجارية الكبيرة.

سينماتِك العالم
باريس بدأت نشاطها قبل سواها في أوروبا والولايات المتحدة. خلال أسبوع واحد كانت تعلن بفخر أن عدد الأفلام المعروضة في صالاتها يفوق الـ340 فيلماً، من بينها نحو 80 فيلماً جديداً، والباقي من الأفلام التي تلتزم العاصمة الفرنسية بها طوال السنة وفي كل الظروف.
باريس، لمن لا يزال لا يعرف، تحرص على عرض كلاسيكيات السينما العالمية من كل حدب وصوب، حتى في الظروف العادية. بذلك لم تخرج باريس عن تقليدها الرائع الذي حوّلها منذ زمن بعيد إلى سينماتِك كامل لكل هاوٍ، و«سينيفيل» يعشق الأفلام بكل أنواعها ومن جميع مصادرها.
لجانب المتوفر من أفلام أميركية (مثل «مضطرب» وفيلم الرعب «الاستئجار») تحظى الأفلام الفرنسية بنصيب الأسد.
من الفيلم الولادي «نكات توتو» لباسكال بورديو، إلى فيلم الرسوم المتحركة «بيغفوت فاميلي»، لبن ستاسن، ومن «إيضاح التاريخ» لبنوا ديلابين، إلى «أنطوانيت» لكارولين فينال، إلى «أنتيغون» لصوفي ديراسب والعديد سواها.
وفي حين لن نجد هذا التنوّع والوفرة في العروض في أي مكان آخر من العالم، تذكّرنا العروض الأميركية الحالية بمنوال ما قبل تحويل موسم الصيف إلى موسم حافل للأفلام الجديدة والكبيرة.
حدث ذلك في منتصف السبعينات مع إطلاق فيلم ستيفن سبيلبرغ «Jaws»، فحتى ذلك الحين كانت معظم الصالات في الولايات المتحدة وحول العالم تخصص الصيف للأفلام الصغيرة، أو لإعادة أفلام ناجحة من الأعوام السابقة. فيلم سبيلبرغ قلب الوضع رأساً على عقب منذ ذلك الحين.
هذا العام عرفت الصالات القليلة التي غامرت للعودة إلى العمل في الشهر الماضي بعض العروض المُنتجة في السنوات الخمس الأخيرة. لكن مع بداية الشهر المقبل، فإن المنوال سيعود لسابق عهده، وسلسلة غنية من الأفلام الجديدة ستعاود الانطلاق على أمل كسب الدفعة الكبيرة الأولى من الجمهور.
أحد هذه الأفلام هو «بل وتد يواجهان الموسيقى»، بعض الكوميديا وبعض الخيال العلمي وكثير من الموسيقى في هذا الفيلم الشبابي، حول ما إذا كان الغناء يستطيع إنقاذ العالم مما هو عليه اليوم. أخرجه الجديد دين باريسوت، من بطولة الجدد أيضا أليكس وينتر وآمي ستوك - بوينتون وأنطوني كاريغن.
في «الحديقة السرية» نجد حكاية فتاة يتيمة في العاشرة من عمرها تبنّاها عمّها الطيّب الذي يعيش في قصره البعيد حزيناً لوفاة زوجته ولحال ولده المريض. خلال تجوالها في حديقة المكان تعثر على باب موصد يؤدي إلى حديقة أخرى. تدخل الحديقة من دون إذن، حيث تجد الدواء والشفاء للجميع. هذا الفيلم هو اقتباس لرواية أطفال منشورة في مطلع القرن الماضي، وتمّت عدة محاولات لنقلها إلى الشاشة حتى تمكن منها مارك مندن بنجاح مقبول.
نجد في «صنع في إيطاليا» حكاية أخرى لرجل فقد زوجته وعاش في طيّ الذكريات الحزينة. حكاية رسّام يتوجه مع ابنه إلى مقاطعة توسكاني ليبيع منزله هناك، لكن الأحداث التي تقع تجعلهما في وفاق على الحفاظ على البيت.
الفيلم لجيمس دارسي (الجديد بدوره) لكن ربما سيجده البعض مناسبة للمقارنة بين ممثله الأول ليام نيسون والثاني (مايكل رتشردسون)، وهو ابن ليام بذاته. عدا ذلك هناك القليل من الأسباب التي تدفع المرء لمشاهدة الفيلم المستند لحكاية متوقعة الأحداث. فيلمان تشويقيان من إنتاج بريطاني - أميركي ينطلقان هذا الأسبوع للعروض التجارية في الولايات المتحدة، هما «ساعي البريد» (The Courier)، الذي تقود أولغا كوريلنكو بطولته لاعبة دور «كوريير» تحمل، من دون علمها، متفجرة فوق دراجتها السريعة، و«رجل الملك» لماثيو فون، مع جيما أرترتون وراف فاينس، في آخر نتاج من سلسلة جاسوسية عُرِفت بـ«The King‪’‬s Men.». هذا الفيلم يعود إلى مطلع القرن الماضي ليسرد حكاية تتعلق بمحاولة منع حرب جديدة حال انتهاء الحرب العالمية الأولى.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».