مقدمة جورج أورويل غير المطبوعة لـ«مزرعة الحيوانات»

75 سنة على صدور روايته الأشهر «1984»

جورج أورويل أثناء عمله في هيئة الإذاعة البريطانية
جورج أورويل أثناء عمله في هيئة الإذاعة البريطانية
TT

مقدمة جورج أورويل غير المطبوعة لـ«مزرعة الحيوانات»

جورج أورويل أثناء عمله في هيئة الإذاعة البريطانية
جورج أورويل أثناء عمله في هيئة الإذاعة البريطانية

كتب المؤلف الشهير جورج أورويل في عام 1945 مقدمة غير منشورة لرواية «مزرعة الحيوانات» وظلت مجهولة حتى عثرت عليها نيويورك تايمز ونشرتها 1972 للمرة الأولى. وفيها يكشف أورويل عن رفض عدة دور نشر طبع الرواية، ويشكو من الرقابة الممثلة بوزارة الإعلام، التي حذرت أحد الناشرين بشكل غير مباشر من الإقدام على نشر الكتاب. وهنا ترجمة لهذه المقدمة:
جرى التفكير في هذا الكتاب – فيما يتصل بفكرته الرئيسية – منذ عام 1937. ولكن لم يصل لمرحلة التدوين الفعلي حتى أواخر عام 1943 تقريبا. وفي الوقت الذي بدأت فيه الكتابة، كان الوصول إلى دار نشره لطباعته من الصعوبات الواضحة (رغم النقص الواضح في الكتب والمؤلفات، الأمر الذي يضمن بيع كل ما يمكن وصفه بأنه كتاب)، سيما مع حقيقة رفض نشره من قبل أربعة ناشرين في السابق. وكان واحد فقط منهم يملك دوافع آيديولوجية تبرر رفضه لنشر الكتاب. وكان اثنان آخران يعملان على نشر الكتب المناوئة لروسيا منذ سنوات، أما الناشر الرابع فلم يكن يملك ما يمكن وصفه باللون السياسي المحدد. وشرع أحد الناشرين بالفعل في قبول الكتاب، بيد أنه بعد اتخاذ الترتيبات الأولية اللازمة قرر الناشر مشاورة وزارة الإعلام، التي يبدو أنها حذرته من الإقدام على نشر الكتاب، أو ربما قدمت له نوعا من النصائح شديدة اللهجة بصورة من الصور للحيلولة دون نشر الكتاب. وفيما يلي جانب مقتبس من الرسالة:
«لقد أتيت على ذكر رد الفعل الذي بلغني من مسؤول مهم في وزارة الإعلام فيما يتصل بكتاب «مزرعة الحيوانات». ولا بد لي من الإقرار بأن ذلك الإعراب عن الرأي قد دفعني وبجدية إلى التفكير مليا في الأمر. أستطيع الآن القول بأنه من غير المستحسن نشر ذلك الكتاب في الآونة الراهنة. فإذا كان محتوى الكتاب يتعلق بالحكام المستبدين والأنظمة المستبدة بصفة عامة، فإن قرار النشر لن يحمل أي قدر من الغبار يُذكر، غير أن السرد القصصي في الرواية يتعقب – من وجهة نظري – مجريات المسار الروسي السوفياتي عبر تناول اثنين من الحكام المستبدين هناك، بحيث لا يمكن سحب السرد القصصي إلا على روسيا بصفة خاصة، مع استبعاد تام للأنظمة المستبدة الأخرى من حول العالم. وهناك نقطة أخرى ذات أهمية: من شأن السرد القصصي أن تنعدم عنه الصفة الهجومية الواضحة إن لم تكن الطائفة السائدة في مجريات الرواية تتعلق بالخنازير (**). وإنني أعتقد أن اختيار الخنازير على اعتبارها الطائفة الحاكمة ضمن السرد القصصي يوحي بالكثير من الإساءة لدى العديد من القراء، لا سيما طائفة من الشعوب ذات الحساسية المفرطة مثل الشعب الروسي دون أدنى شك».
إن هذا النوع من تقديرات الأمور ليس من الأعراض الجيدة على أي حال. فمن غير المرغوب فيه بكل صراحة أن تحظى إحدى الوزارات الحكومية بأي سلطة رقابية من أي درجة تُذكر (باستثناء الرقابة الأمنية التي لا تلقى أي اعتراض من أي جهة في زمن الحرب) على الكتب التي لا تخضع بالأساس للرقابة الحكومية الرسمية. بيد أن الخطر الرئيسي على حرية الفكر وحرية التعبير في اللحظة الراهنة ليس هو التدخل الرقابي المباشر من قبل وزارة الإعلام أو من قبل أي جهة رسمية معنية أخرى. فإذا ما بذل الناشرون والمحررون جهدهم لاستبعاد تيمات بعينها عن خط النشر والطباعة، فلا يرجع ذلك لخوفهم من الملاحقات القضائية التي تعقب ذلك، وإنما لخشيتهم الكبيرة من ردود فعل الرأي العام على قراراتهم. وفي هذه البلاد، تُعد الخشية الفكرية – أو ربما الرهاب الفكري – هو أسوأ ما يمكن أن يواجه الكاتب أو الصحافي من أعداء، ولا يبدو لي أن هذه الحقيقة قد نالت ما تستحقه من التناول أو المناقشة الجادة.
ومن شأن أي شخصية راشدة ذات بعد ثقافي جيد وخبرة صحافية معقولة أن يُقر بأنه خلال مجريات الحرب الراهنة لم تكن الرقابة الرسمية على النشر والمطبوعات مثيرة للإزعاج على نحو خاص. فنحن لم نتعرض لنفس النوع من الرقابة الشمولية التي كنا نتوقعها بصورة معقولة برغم أن الصحافة في بلادنا لديها قدرها المعتبر من المظالم المبررة، لكن الحكومة – وبصورة عامة – قد سلكت مسلكا يتسم بالتسامح إلى حد مدهش مع آراء الأقليات. بيد أن الحقيقة المزعجة للغاية بشأن الرقابة الأدبية في المملكة المتحدة هي أنها رقابة طوعية إلى درجة كبيرة. إذ يمكن إسكات الأفكار والأطروحات غير المستساغة شعبيا، كما تحتفظ الحقائق المثيرة للغط والإزعاج بمكانها في الخفاء، من دون الحاجة إلى فرض أي حظر رسمي على التفوه بها أو نشرها.
وبالنسبة إلى أي شخص عاش لفترة طويلة في الخارج، فإنه سوف يدرك على الفور الحالات التي تظهر فيها الأنباء المثيرة على سطح الأحداث – أي تلك الأنباء التي سرعان ما تجد سبيلها إلى صدارة عناوين الصحف والمجلات – والتي يجري استبعادها على نحو واضح من الصحافة البريطانية، ولا يرجع ذلك إلى التدخل الحكومي، وإنما بسبب ذلك الاتفاق الضمني غير المعلن بأنه لا جدوى تُذكر من عناء نشر أو ذكر تلك الحقائق بصفة محددة. وبقدر ما تُعنى الصحف اليومية بالأمر، فإن هذا مما يسهل فهمه وإدراكه. إن الصحافة البريطانية ذات طبيعة مركزية للغاية، وأغلبها مملوك لزمرة من الأثرياء الذين يملكون كل الدوافع المسوغة لأن يتسموا بعدم الأمانة إزاء الموضوعات ذات الأهمية. بيد أن نفس النوع من الرقابة المخفية لها أصابعها التي طالت المطبوعات والكتب والدوريات، تماما كما كان الحال في المسرحيات، والأفلام، والمحتويات الإذاعية. وفي أي لحظة معينة، هناك تلك الكتلة المعتبرة من المعتقدات التقليدية، وهي مجموعة الأفكار التي من المفترض بالشخصيات ذات التفكير السليم القبول بها من دون تشكيك. وليس من المحظور على نحو خالص التفوه بهذا، أو ذاك، ولكن ليس من المقبول إطلاقا التفوه بذلك، تماما كما كان من غير المقبول تماما ذكر «السراويل» في حضرة النساء إبان منتصف العصر الفيكتوري.
وكان أي شخص يناوئ المعتقدات التقليدية السائدة يجد نفسه «قيد الإصمات» المطبق بفعالية تثير الذهول. ولم تكن وجهات النظر غير الملائمة بصورة أصيلة للعصر الراهن تجد آذانا صاغية، سواء في المطبوعات الصحافية ذات الشعبية أو لدى المطبوعات راقية المستوى.
وما تتطلبه المعتقدات التقليدية السائدة، في اللحظات الراهنة، يتعلق بالإعجاب غير النقدي بروسيا السوفياتية. وكان الجميع يدرك ذلك، بل وربما يتصرف الجميع بناء عليه بصورة نسبية. وكان أي انتقاد جدي للنظام السوفياتي، وأي إفصاح عن الحقائق التي كانت الحكومة السوفياتية تفضل إخفاءها، هو من الأمور غير القابلة للطباعة. وتدور مجريات هذه المؤامرة على الصعيد الوطني تملقا لحليفنا على خلفية من التسامح الفكري الحقيقي وبصورة مثيرة للفضول. ورغم أنه غير مسموح لك بتوجيه الانتقادات إلى الحكومة السوفياتية، فأنت على أدنى تقدير تحظى بالحرية الكافية في انتقاد حكومتنا. ولا يكاد أحد يُقدم على طباعة منشور يتعرض بالهجوم لشخصية ستالين، ولكنه من الآمن تماما شن الهجوم على ونستون تشرشل، وبأي درجة من الدرجات في الكتب والدوريات المختلفة. وعلى مدار خمس سنوات من الحرب، وعلى وجه التحديد خلال عامين أو ثلاثة منها التي كنا نقاتل فيها من أجل البقاء على قيد الحياة قوميا، جرى نشر عدد لا يُحصى من الكتب والنشرات والمقالات التي تدعو إلى التسوية السلمية من دون تدخل رقابي أو حكومي يُذكر. وعلاوة على ذلك، كانت تلك المطبوعات في مجملها تجد طريقها للنشر من دون ذلك الرفض المثير للجدل. وطالما أن الجميع ينأى بنفسه عن المساس بهيبة الاتحاد السوفياتي، فإن مبدأ حرية التعبير مؤيد ومدعوم بصورة معقولة. وهناك جملة من التيمات التي تخضع للحظر، وسوف أذكر بعضا منها راهنا، بيد أن الاتجاه السائد إزاء الاتحاد السوفياتي هو من الأعراض الأكثر جدية للملاحظة. وهي الآن، كما كانت من قبل، من الأعراض التلقائية وليست الناجمة عن ممارسات أي جماعة بعينها من جماعات الضغط المعتبرة.
إن حالة الخنوع الفكري التي خيمت ظلالها القاتمة على المجال الأكبر من المثقفين الإنجليز والذين ابتلعوا ثم كرروا من خلالها الدعاية الروسية منذ عام 1941 وما بعده هي حالة مثيرة للذهول بكل المقاييس سيما إن لم يكونوا قد سلكوا مسلكا مماثلا في مناسبات عديدة سابقة. وعبر قضية مثيرة للجدل تلو الأخرى، كانت وجهات النظر الروسية تُقبل من دون تمحيص معقول مع تغافل واضح وكامل عن الحقائق التاريخية أو اللياقة الفكرية المعتبرة. ونذكر مثالا واحدا فقط، فقد احتفلت هيئة الإذاعة البريطانية بالذكرى الخامسة والعشرين للجيش الأحمر السوفياتي من دون العطف على ذكر الثوري الروسي ليون تروتسكي. ويماثل ذلك تماما الاحتفاء بإحياء ذكرى معركة الطرف الأغر من دون ذكر القائد نيلسون، غير أن ذلك لم يثر أي قدر من المعارضة يُذكر لدى الزمرة الثقافية الإنجليزية.
وكانت الصحف البريطانية، في الصراعات الداخلية في مختلف البلدان المحتلة، تتخذ في تحيز واضح - وفي أغلب الحالات المعروفة تقريبا – موقف الفصيل المفضل لدى الطرف الروسي، وتتخذ موقف التشهير بالفصيل المعارض في الأثناء ذاتها. وتتعمد في بعض الأحيان إخماد الأدلة والوقائع المادية من أجل الاستمرار في ذلك. ومن القضايا الصارخة بصورة خاصة كانت قضية العقيد ميخائيلوفيتش – وهو قائد مفارز تشيتنيك بالجيش اليوغوسلافي السابق. وكان الروس – من خلال وسيطهم اليوغوسلافي المعروف داخل دوائر المارشال جوزيف تيتو – قد وجهوا الاتهامات ضد العقيد ميخائيلوفيتش بالتعاون مع القوات الألمانية. ولقد التقطت الصحف البريطانية تلك الاتهامات، ومن ثم لم تسنح الفرصة أبدا لدى أنصار العقيد ميخائيلوفيتش للرد عليها، كما ألقيت الظلال الثقيلة على الحقائق الدامغة التي تتعارض مع الاتهامات الروسية.



«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،


مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
TT

مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي، وانعكس أثر هذا الدخول سريعاً على النتاج الفني بمكوّناته المتعدّدة. ازدهر النحت الكلاسيكي في هذا السياق ازدهاراً كبيراً، وشاع في هذه البقاع، وطبع جزءاً كبيراً من النتاج المحلّي بطرز جماليّته الخاصة. تواصلت هذه الحركة الفنية في الحقبة التي شهدت سيطرة روما على الشرق الأدنى، وتجلّت في ميادين متعدّدة خلال القرون الميلادية الأولى. فقد النحت الكلاسيكي توهّجه الكبير خلال الحقبة البيزنطية، غير أنه حافظ على حضوره في الشرق الأدنى، كما في سائر العالم المتوسطي. استمرّ هذا الحضور في زمن الدولة الأموية، إذ ارتبط بشكل وثيق بالحركة العمرانية المدنية، كما تشهد عديد من المجسمّات خرجت من القصور التي شيّدها أسياد هذه الدولة في صحاري بلاد الشام، منها مجموعة من المنحوتات الآدمية، دخلت متحف دمشق الوطني في منتصف القرن الماضي، ومصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية.

تتمثّل هذه المجموعة بقطع من الحجم الصغير، وصلت كلّها بشكل مجتزأ للأسف، والأكيد أنّها شكّلت في الأساس جزءاً من الحلل النحتية الخاصة بأروقة القصر الداخلية، غير أن تحديد موقعها الأصلي في هذه الأروقة بشكل دقيق يبدو اليوم أشبه بلغز يصعب حلّه، كما يُجمع أهل الاختصاص الذين انكبّوا على دراستها، منذ اكتشافها في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. يتجلّى الطابع الكلاسيكي بشكل لا لبس فيه في قطعة من هذه القطع، يبلغ طولها 26 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وتمثّل النصف الأعلى من قامة رجل شاب، سقطت منها الذراع اليمنى، ويد الذراع اليسرى. حافظ الرأس على بنيته بشكل كامل، وملامحه الناتئة واضحة، وتحاكي المثال الواقعي الحسّي، وفقاً للناموس الفني الذي شكّل أساساً للجمالية الكلاسيكية. يظهر هذا النسق في تجسيم العينين والحاجبين اللذين يعلوانهما، كما في تجسيم بنية الأنف الهرمية، وتحديد المنخرين. الفم مطبق، مع شق يفضل بين الشفتين، والأذنان ظاهرتان، وهما من الحجم الكبير. الخدان مكتنزان، والذقن بيضاوية وعريضة، وفقاً للنموذج المثالي المكرّس.

يكلّل الرأس شعر طويل أملس، ينقسم إلى مساحتين متساويتين يفصل بينهما فرق وسطيّ. ينسدل هذا الشعر إلى الوراء من خلف الأذنين، ويأخذ شكل هالة نصفية تُبرز الوجه. تتّحد هذه الكتلة البيضاوية بكتلة العنق، وتستقر فوق كتفين عريضتين. اللباس روماني تقليدي، ويتكوّن من رداء تحدّه بطانة عريضة تنعقد حول أسفل العنق، يعلوه معطف عريض، يأخذ شكل عباءة تلتف ثناياها حول الصدر والذراعين، مع حزام في الوسط، بقي منه طرفه الأعلى. ترتفع الذراع اليسرى نحو الأحلى، وتوحي بحركة يصعب تحديدها، بسبب سقوط يدها وضياعها.

يحضر هذا النسق الفنّي في قطعة أخرى مشابهة، يبلغ طولها 25 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وتمثّل رجلاً ملتحياً، يرفع ذراعيه في اتجاه أعلى الصدر، في حركة يصعب كذلك تحديد هويّتها. الشعر كثيف، وخصله هنا ناتئة ومتموّجة، تحيط بالوجه وتحجب الأذنين كلّياً. اللحية عريضة، وتتكوّن من خصل أفقية متوازية، يعلوها شانب عريض وطويل، يبلغ حدّاه طرفي الذقن. العينان مفتوحتان، وتتميّزان ببؤبؤ يرتسم في وسط كلّ منهما على شكل ثقب دائري غائر. يتكرّر اللباس الروماني التقليدي، وتوشّحه ثنايا تلتفّ حول الكتفين على شكل وشاح، وتنسكب على أعلى الذراعين، كما على مساحة الصدر.

تتجلّى الحركة الحية في قطعتين تتشابهان من حيث الوضعيّة، وتمثّلان شاباً أمرد تبدو ملامحه واحدة. يبلغ طول القطعة الكبرى 22 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وفيها يظهر هذا الفتي رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه الصدر، قابضاً بيده على رزمة من القضبان المرصوصة كأعواد. تلتفّ ثنايا الرداء حول الكتف وأعلى الذراع، وتنسدل على الصدر، وتظهر في أعلاها بطانة عريضة تنعقد حول العنق. الوجه غض وممتلئ، وملامحه محددة برهافة. تنفتح العينان تحت حاجبيهما. ويكشف الثغر الصغير عن ابتسامة خفيّة ترتسم على شفتيه. تحضر الاذنان الواسعتان، ويظهر صيوان كلّ منهما بدقة. تعلو الرأس كتلة من الشعر، تأخذ هنا خصلاتها المتموّجة شكلاً لولبياً.

يبلغ طول القطعة المشابهة 16 سنتيمتراً، وعرضها 28 سنتيمتراً، وفيها يحني هذا الفتى رأسه في وضعيّة مماثلة، رافعاً ذراعه اليمنى نحو أعلى هامته، قابضاً بيده على كتلة دائرية يصعب تحديد هويّتها. تتغيّر حركة خصل الشعر التي تكلّل الرأس، وتأخذ شكل مساحات مستطيلة، مرصوصة ومتوازية. سقط الجزء الأسفل من هذا المجسّم، وما بقي من صدره يكشف عن رداء تعلوه ثنايا تلتفّ حول الكتفين، كاشفة عن حركة حيّة تخرج عن القوالب الساكنة، وفقاً للنسق الذي تميّزت به الجمالية الكلاسيكية اليونانية، ووارثتها الرومانية.

إلى جانب هذه القطع الأربع، تحضر قطعة خامسة، يبلغ طولها 23 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً. يغلب على هذا المجسّم الطابع الأنثوي، ويمثّل قامة ترفع رأسها نحو الأعلى، وتحنيه نحو الخلف، وكأنّها تتمايل في حركة راقصة. الوجه مهشّم، وما بقي من ملامحه يكشف عن عينين منسدلتين في نشوة غامضة. الشعر طويل، وخصله ممدودة نحو الخلف، وفقاً لطراز مألوف، يعود إلى الحقبة اليونانية الكلاسيكية. الذراعان ممدودتان إلى الخلف في حركة حيّة منفلتة، ويعلوها رداء تلتف ثناياه من حولها وتتموّج في حركة موازية.


«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة
TT

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو كاريون الذي غادر إسبانيا بعد الحرب الأهلية هناك بحثاً عن حياة جديدة ليكتسب شهرة واسعة في الولايات المتحدة الأميركية بعد استقراره بها، في تجربة هجرة مزجت بين إرادة النجاح وألم الاغتراب والوحدة وقسوة البدايات.

هرب «سيفرينو» من واقع الفقر والقمع ليخوض رحلة محفوفة بالمخاطر من برشلونة إلى أميركا، وهناك استطاع أن يصنع لنفسه مستقبلاً غير متوقع، حيث عمل في البداية في مهن متواضعة قبل أن يدخل عالم المطاعم الراقية ويصبح صديقاً لنجوم هوليوود مثل «جيمس دين» و«مارلين مونرو»، غير أنه لم يكتفِ بذلك، بل أسس مطعمه الخاص في منطقة «بيفرلي هيلز» الراقية والذي تحوَّل لأيقونة ثقافية يقصده المشاهير والسياسيون.

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال العمل في كونه مجرد حكاية صعود فردي، بل شهادة على روح المغامرة والإصرار وكيف يمكن للحلم أن يتحدى قسوة الواقع من خلال أسلوب مشوِّق وسرد متصاعد لقصة حقيقية عن شجاعة رجل أعاد اختراع نفسه وترك بصمة لا تُنسى في عالم المطاعم.

وُلد مؤلف العمل مارتي جيرونيل عام 1971 بإقليم كاتالونيا الإسباني ويعد من أكثر الروائيين الكاتالونيين انتشاراً في العقدين الأخيرين، حيث اشتُهر بكتاباته التاريخية التي تمزج بين الدقة التوثيقية والسرد المشوق والتي يحيي من خلالها شخصيات وأحداث منسية ليقدمها في قالب روائي يلامس القارئ المعاصر.

عمل جيرونيل في بداياته صحافياً ومقدماً للتقارير التلفزيونية قبل أن يتفرغ تدريجياً للأدب، فحقَّق شهرة واسعة منذ صدور روايته الأولى «قنطرة الأب فسينت» التي لاقت رواجاً كبيراً، بينما حازت «أهلا أميركا» على جائزة «رامون لول» لعام 2018 وهي إحدى أرفع الجوائز الأدبية في كاتالونيا.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في صباح ذلك اليوم من يوليو (تموز) عام 1949 شعر سيفرينو كاريون بالصدمة وهو يرى المدينة العملاقة تنبثق مباشرة من المياه، كان في ذلك المشهد المتعاظم الذي يخيل للناظر أنه لوحة سينمائية مزيج من سحر يأسر الألباب ووحشية جامحة فلم تكن السفينة هي التي تقترب بل نيويورك هي التي كانت تبتلعه.

لم يكن نور النهار قد انبلج بعد إلا والفتى قد ولج إلى أحشاء المدينة وقد تضاءلت نفسه أمام جبروتها وعظمتها، أغرقته أيضاً أمواج السيارات والبشر المتدافعة في ذلك الشارع الفسيح الذي كان آخر ما علق بذهنه من وصايا (جو) حتى لا يضل الطريق. سرت القشعريرة في أوصاله من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه وغشاه عرق بارد كالثلج، ذاك العبور من مخبئه الخانق في جوف السفينة (ليبرتيه) إلى ترحيب تمثال الحرية الذي خلّف في روحه صقيعاً من غربة موحشة، صقيعاً عنيداً لم يُظهر أي عجلة في الرحيل ورغم كل شيء فقد ملأ الإيمان قلبه بأن طائر السعد سيعود ليحط على كتفه حالما يعثر على موقف الحافلة الأولى من أربع حافلات كان عليه أن يتنقل بينها ليصل إلى حي برونكس.

قبض على حقيبته الصغيرة وكأنها تميمة تحميه، يتأمل فاغر الفم تلك النواطح السحابية المعدنية بجدرانها اللامتناهية المرصعة بآلاف النوافذ الموصدة ومهما أمعن النظر لم يكن بوسعه أن يلمح سطحاً واحداً، الأمر الذي بث في نفسه شعوراً خانقاً أشبه برهاب الأماكن المغلقة. كل ما حوله كان زوايا قائمة وهياكل عملاقة بدت معها المدينة كغلام مراهق غير متناسق الأطراف لم يكتمل نموه بعد.

أما سيفرينو، الذي لم يجرؤ حتى على أن يأخذ نفساً عميقاً، فقد تشبث بالشيء الوحيد الذي يربطه بذاته، فلم يرفع عينيه عن قصاصة الورق التي تحمل عنوان عمه رامون ابن عم أبيه العنوان الذي كان يحفظه عن ظهر قلب: آرثر أفينيو رقم 2309».