كارلوس أجواساكو: اللغة الإسبانية وطني

عبير عبد الحافظ ترجمت ديوانه «قصائد مترو نيويورك» إلى العربية

كارلوس أجواساكو: اللغة الإسبانية وطني
TT

كارلوس أجواساكو: اللغة الإسبانية وطني

كارلوس أجواساكو: اللغة الإسبانية وطني

نصحه أصدقاؤه أن يكتب بالإنجليزية حتى يحقق نجاحاً أكبر فرفض قائلاً، اللغة وطن ووطني هو الإسبانية! قالوا له تحدث عما هو غرائبي وخرافي لتلقى كتاباتك رواجاً مدهشاً، خاصة أنك من أميركا اللاتينية، فقال لهم: لن أكتب إلا ما أشعر به وهي التفاصيل الهامشية العادية! وحين يأسوا منه قالوا له على الأقل فلتزعم أن السلطات في بلادك طاردتك وقمعتك فهاجرت هارباً، فهكذا تكتسب التعاطف. لكنه رفض أيضاً هذه الوصفة المزيفة للعالمية.
إنه الشاعر والكاتب كارلوس أجواساكو الذي ينتمي إلى الجيل الأحدث في كولومبيا، هذا البلد اللاتيني صاحب التجارب الإبداعية الخصبة، لكن مكتبتنا العربية تكاد تتوقف عند رمزه الأدبي الأعظم غابرييل غارسيا ماركيز صاحب «مائة عام من العزلة » و«الحب في زمن الكوليرا»، ولم تتابع الأجيال التالية له هناك.
في كتاب «قصائد مترو نيويورك» الصادر في القاهرة عن المركز القومي للترجمة تسعى المترجمة الدكتورة عبير عبد الحافظ، رئيسة قسم اللغة الإسبانية بجامعة القاهرة، إلى التعريف بإحدى التجارب المهمة للجيل الجديد في كولومبيا.
ولد أجواساكو عام 1975 بالعاصمة بوغوتا، وتخصص في الدراسات الأدبية بالجامعة الوطنية، وقرر الإقامة بمدينة نيويورك منذ عام 1999، حيث تنوع نشاطه الفني والأدبي في فروع متعددة، فقدم برنامجاً إذاعياً هناك، وعمل بالسينما والمجلات الأدبية، ومارس الترجمة، فضلاً عن متابعته دراسته العليا بجامعة سيتي كوليج بنيويورك، وحالياً يدرِّس بها بقسم الدراسات البينية والثقافية، بعد أن حصل على الدكتوراه من جامعة ستوني بروك.
لا يقتصر نشاطه على الشعر؛ فهو باحث وناقد أدبي قدم من خلال دار النشر التي أسسها «أرتي بوتيكا بريس» فن الشعر، ونصوصاً من الفن القصصي كما في مجموعته «الخالد وأقاصيص أخرى» التي تحتوى على نماذج من السرديات القصيرة. وفي إحدى قصصها ينطق البطل بلسان حال أجواساكو نفسه قائلاً «لم أرحل عن بلادي لأسباب سياسية؛ فليس هناك ديكتاتور يجعلني ألقي بذنب مشقتي وتعاستي عليه. وبالمثل لم أرحل لأسباب اقتصادية، صحيح أنني لم أكن غنياً، ولكن كان لدي عمل ثابت ومستقر. لقد أتيت إلى نيويورك لأسباب شخصية، حضرت لأدرس وأصنع مستقبلاً، وقال لي أصدقائي إنك عنيد، عليك أن تكتب باللغة الإنجليزية وتتحدث عن العناصر المثيرة والغرائبية ببلادك؛ فالكتّاب اللاتينيون الذين يكتبون بالإنجليزية يلقون رواجاً كبيراً في الغرب. أعلم أنهم على حق؛ فالتفاصيل الأجنبية المثيرة أو الغرائبية تحقق أرباحاً كبيرة إذا ما كتبت بالإنجليزية، لكنني قررت أن أكتب بالإسبانية؛ لأن اللغة وطني وفيها أعيش».
في تقديمه لديوان «قصائد مترو نيويورك» يشير الناقد خوسيه بالثا إلى أن كارلوس أجواساكو يطوف عبر أزمة مختلفة للشعر بحثاً عن صوته الخاص. هكذا سنجده متأثراً بأجواء شتى، لكنه لا يسمح لنفسه بالاندماج مع القدماء، إنما يبدأ من حيث انتهوا. هكذا سنجده يستفيد من سافو وشكسبير وبتراركا وباشو وهولدرين، وغيرهم من الشعراء القدامى ضمن الدوائر المحيطة به. وبالطبع، حسب بالثا، على الشعراء أن يأخذوا في الاعتبار كثافة اللغة المكتوبة نصاً والسياق الاجتماعي الذي يكتبون من خلاله مثلما يفعل كاتب من أميركا اللاتينية في هذه اللحظة الراهنة؛ فالشاعر اللاتيني يكتب اليوم بالإسبانية وإن كان يتغذى من الواقع حوله بمجساته الخاصة التي يتلمس بها الأشياء والأحداث اليومية والكونية من حوله.
ويتوقف الناقد اللاتيني بشكل خاص عند قصيدة «أصوات» التي كتبها أجواساكو وهو في العشرين من عمره ونشرها ضمن ديوان «التحاور مع ملاك»، التي تشى بشكل مبكر بسمات وملامح ستصبح فيما بعد أساسية في أعماله اللاحقة، حيث تتبدى فيها قدرة فريدة على استدعاء وإيقاظ الأخيلة، ولتلقائية التي تستحضر أجواء الشاعر الأميركي «رايموند كارفر»، كذلك تشكيل السطر الشعري كأداة فاعلة ذات طاقة، فضلاً عن المؤثرات الصوتية التي تحدثها تراكيب لغوية معينة بالإسبانية، مثل «الموت والإيمان» أو «سافر أنطونيو إلى الجنوب» أو «عرق الصباح».
ورغم أن الشاعر مقيم في الولايات المتحدة، فإنه يحمل معه، كما يؤكد خوسيه بالثا، إرثه اللاتيني الخاص في مواجهة نيويورك، تلك المدينة المغناطيسية القادرة على سحق أعتى الهويات. يقاوم أجواساكو غواية المدينة المعروفة بلقب «التفاحة الكبيرة» فيلوذ بماضيه وذكريات طفولته، مستدعياً العادات اليومية الموروثة والمواقف المضحكة لعله يجد فيها بعض الدفء والحميمية وسط مبان شاهقة وناطحات سحاب تشعرك بالغربة والضآلة.
يضم الديوان قصائد كتبها الشاعر عبر ثماني سنوات في الفترة من 1995 إلى 2003، ويتألف من ستة أجزاء تحمل أصداء وحضور كبار الشعراء من أميركا اللاتينية وإسبانيا، يشير يالثا إلى أنهم بدوا وكأنهم يمدون يداً داعمة للقصيدة التي يكتبها أجواساكو، فتأتي مفعمة بالدفقة العاطفية بموازاة تفكير عميق وتلقائي. مجسدة أهم السمات عنده وهي «القدرة اللفظية في الصياغة الحادة غير النمطية وغير المتوقعة، فقصائده ذاتية تتعلق بالذات الإنسانية ومخاوفها، وكونية في الوقت نفسه، حيث ترمى للتعبير عن أشواق الإنسان للحق والخير والجمال». وهو ما يتبدى في قصيدة بعنوان «تحت هذا الجلد الهجين يرقد قزم»، حيث يبدو الشاعر في أزمة مع ذاته، وكما يقول:
«تحت هذا الجلد الهجين يرقد قزم
يستخدم بشرتي كعباءة شحاذ
يلفها حول عنقه
ويطلب هبة وبيده فنجان قهوة
تزعجني رائحته الشبيهة بلاعب الأكروبات في السيرك
وقلنسوته مثل عامل القطار
ورغبته في القفز من رصيف لآخر
عند محطة المترو
في بعض المناسبات أحاول جعله وحيداً بمنتصف الطريق
أهرب بجلدي وأركض إلى ليكسنجتون أفينيو
أهجره هناك»
في رسالة بعث بها لأحد أصدقائه يبرر أجواساكو نفسه غرابة عنوان ديوان هذا قائلاً «أرغب في عنوان يجبر القارئ على التساؤل عن ماهية الشعر اليوم، عنوان سهل يمكن تذكره، ساخر وجريء». وهو ما يتجسد في قصيدة «المتنزه»، حيث يطرح أجواساكو مفهومه للشعر وإحساسه بلحظات الصمت والهدوء، ويقول فيها:
«القصيدة مورد للجلد
كساء للعظام والقلب ينبض
ولدت لأبكي مدداً ولأجلس بالمتنزهات
القراءة الجهرية ابنة القصيدة الممتدة في الهواء
تلاعب نيويورك لتختبئ تحت شمس الظهيرة
إنني كومة فوق الشعب ترقب الحمائم تتحلق في دوائر
والقطار المعلق يشير لانقضاء الدقائق سبعة إثر سبعة
جئت هاهنا لأجلس في صمت
لو كنت شجرة لالتفت أغصاني بحثاً عن بصيص الضوء بين المباني
لو كنت شجرة لحاكت جذوري هذا الدوران
أمكث ساكناً إلى أن تتغوط فوق وجهي الحمامة.
ويعبّر أجواساكو عن الحب باعتباره الطرف الآخر في خلق القصيدة، وفي تجديدها أيضا، أو تركها أحادية تصارع لحظات الذبول والانطفاء، كما في نص بعوان «اثنان» حيث يقول:
«لكتابة قصيدة جديدة فلا بد من وجود (اثنين)
لا أحد يكتب القصيدة دون فرد (ثان) يمنحها الوجود
لكي توجد هذه السطور لا بد من وجودك أنتِ
ولغتي التي ترسمها على جلدك
ريشة من لعاب يتهجى اسمك على حافتي شفتيك
وشفتاك مثل لوح الكتابة أتعلم أن أضع فوقه النبرات
لأقرأ قصيدة يلزمني وجودك».
وتتنوع القصائد في الديوان، فبعضها يتسم بالطول، كما يتسع فضاؤها الداخلي واشتباكاته مع العالم، بينما نجد قصائد تأخذ شكل الومضة الشعرية لا تزيد على أسطر عدة كما في قصيدة «هل ترغب أن تذوق المرارة؟»، التي يقول فيها:
«حينها تحيا بين الآخرين وفيهم
اترك صدرك محروماً وافتح شفتيك
زهرتين سترى أنهما تخدعانك»



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.