حفيدات شهرزاد يقلّصن المسافة بين الرواية والملحمة

أليف شافاك وإيزابيل ألليندي وماريز كوندي في أعمال ثلاثة

أليف شافاك -إيزابيل ألليندي - ماريز كوندي
أليف شافاك -إيزابيل ألليندي - ماريز كوندي
TT

حفيدات شهرزاد يقلّصن المسافة بين الرواية والملحمة

أليف شافاك -إيزابيل ألليندي - ماريز كوندي
أليف شافاك -إيزابيل ألليندي - ماريز كوندي

لعلهم لا يجافون الحقيقة بشيء أولئك الذين يعتقدون أن الرواية دون سواها هي ملحمة العصر الحقيقية، بعد أن كان لواء هذا الفن منعقداً للشعر في الحقب السابقة من التاريخ. وسواء كان الأمر متعلقاً بحيوات البشر العاديين وتفاصيلها الصغيرة، أو بالتحولات المفصلية للدول والجماعات، فإن لغة السرد هي الأقدر في الحالتين، على رصد هذه التحولات، أو على انتشال ما هو مهمل وعادي ويومي من قاع النسيان. وإذا كانت هذه المقالة تتصدى لأعمال روائية ثلاثة، صدرت مترجمة إلى العربية عن «دار الآداب»، فإن الأمر لا يأتي عن الصدفة المجردة أو المزاج الشخصي، بل لأن هذه الأعمال على تنوعها تتسم بالنفس الملحمي في مقاربتها للوقائع والأحداث، كما أن كلاً منها تعكس الروح القومية لكاتبته، إضافة إلى البعد الإنساني الجامع الذي يحولها إلى صرخة احتجاج مؤثرة ضد القهر والاستبداد والتمييز العرقي والاجتماعي.
في عملها المشوق «أنا تيتوبا: ساحرة سالم السوداء»، تكشف الكاتبة الغوادولوبية ماريز كوندي، عن قدرات روائية عالية، وحبكة أسلوبية متقنة لا تترك للقارئ فرصة لالتقاط الأنفاس، فثمة انصهار تام داخل الزمن الروائي الذي يعود إلى نهايات القرن السابع عشر، تماهٍ تام مع بطلة الرواية التي لا قِبل للقارئ بنسيانها. ورغم أن ثلاثة قرون كاملة تفصل بين زمن الكاتبة وزمن بطلتها، وما استتبع ذلك من حروب وثورات دموية آلت في النهاية إلى إلغاء الرق وإعلان شرعية حقوق الإنسان والمساواة بين البشر، فقد تمكنت المؤلفة من أن تنتشل من قاع النسيان ذلك العالم المر الغارق في وحشيته العنصرية، وفي ملذاته الحسية المختلسة من خلف ظهر الألم. والواقع أننا كقراء لم نكن بحاجة إلى التنويه الذي أوردته كوندي في مستهل الرواية: «تيتوبا وأنا عشنا في صحبة حميمة مدة عام، وأثناء حواراتنا التي لم تكن تنقضي باحت لي بهذه الأمور التي لم تبح بها لأحد»، لكي نعاين لطخات الدم المتيبسة فوق سطوح اللغة، وأنين البشر الذين سيقوا من أحشاء أفريقيا السوداء لكي يباعوا بالمزاد في أسواق النخاسة التي قامت على أنقاضها حضارة أميركا «البيضاء».
عرفت المؤلفة، دون أن تقع فريسة التحريض والوعظ الأخلاقي، أن تقدم شهادتهم الموثقة بالأدلة ضد ذلك العصر القاسي والمفتقر إلى العدالة. وتمكنت ماريز كوندي من أن تقدم لنا من خلال عملها السردي المتوهج كل ما تحتاجه الرواية لتتحول إلى ملحمة حقيقية صنعها البشر المهانون والموصوفون بالعبيد، من تخثر دمهم النازف على قارعة المدن الجديدة، وتشقق لحومهم تحت شمس الظهيرة اللاهبة، وانكسار ظهورهم تحت لفح السياط «البيضاء».
تختزل حكاية تيتوبا «الساحرة» حكاية شعبها المهان بأسره. فالطفلة البائسة التي جاءت إلى العالم من صُلب خطيئتين أصليتين، هما لونها الأسود، وحادثة اغتصاب تاجر الرقيق البريطاني لأمها أبِنا، تنتقل من عهدة مالك مفلس إلى مالك آخر موسر، بعد أن قضت أمها شنقاً بسبب الحادثة، وبعد انتحار الأب الأسود البديل الذي تربت في عهدته. إلا أن الفتاة التي حُملت إلى ضاحية سالم القريبة من بوسطن، بعد أن ضمها تاجر جديد إلى مقتنياته، كانت ككثيرات من السود، قد تعلمت من قريبتها مان يايا العجوز، وقبل رحيلها هي الأخرى، طرق التحدث مع الطبيعة، واستحضار أرواح الموتى، والمعالجة بالتعاويذ والأعشاب، وغيرها من فنون السحر. ومع أن تيتوبا عقدت العزم على ألا تسخر مواهبها إلا في الأعمال الخيرة وشفاء المرضى والتقريب بين الأحياء وأحبائهم من الموتى، فقد وجدت نفسها بالمقابل تواجه تهماً بالسحر والشعوذة قادتها إلى السجن والاضطهاد، بعد أن غدر بها كل من جهدت في مساعدتهم، وتخلى عنها زوجها جون الهندي الذي لم تستطع نسيانه، حتى نهاية حياتها القصيرة. ومع أن تيتوبا وجدت نفسها أمام فرصة نادرة للظفر بحياة طويلة هانئة بعد خروجها من السجن، وبعد أن أعتقها من العبودية التاجر اليهودي الذي اتخذها خليلة له، لتتمكن أخيراً من تحقيق حلم العودة إلى جزيرتها الأم في منطقة الكاريبي، إلا أن قدرها المنكود كان يهيئ لها نهاية أكثر قتامة. فقد أدى انضمامها إلى ثورة العبيد الآبقين في تلك الفترة إلى أن تقضي مع عشيقها الجديد برصاص الأسياد البيض، لتتحول بذلك إلى واحدة من الأساطير المؤسسة لمناهضة التمييز العنصري والنضال من أجل الحرية.
لست متيقناً، إذا كانت الكاتبة التركية أليف شافاك قرأت رواية ماريز كوندي التي سبقت عملها الأخير «10 دقائق و38 ثانية في هذا العالم الغريب» بأكثر من ثلاثين عاماً، أم لم تفعل. لكن هذا السؤال لا يتم طرحه من باب الفضول المجرد، بل بسبب التشابه الغريب في «تقنية» السرد الروائي الذي تتولاه في صيغة أنا المتكلم امرأتان مقتولتان، بما يضيف إلى مقولة الراوي «كلي القدرة» قدرات إعجازية أخرى تمكّنه من عبور الجدار الفاصل بين الحياة والموت. وكما تحولت تيتوبا إلى رمز لروح السلالة السوداء في نزوعها الأبدي إلى الانعتاق، تحولت ليلى تيكيلا، بطلة شافاك الجديدة إلى مجسد مماثل لروح إسطنبول التي تبحث عن خلاصها عبر إرساء قيم العدالة والحرية والمساواة بين البشر. أما الذريعة الروائية التي ابتكرتها شافاك لتمكين بطلتها المقتولة من تولي مهمة السرد، فهي افتراضها أن دماغ المرأة المقتولة والملقاة في حاوية النفايات، لا يزال قادراً أن يعمل لدقائق عشر إضافية، رغم توقف قلبها عن الخفقان. ومن خلال ذلك البرزخ الأخير الفاصل بين الحياة والموت. تستعرض المرأة الأربعينية المقتولة حياتها كاملة، منذ ولادتها في قرية تركية نائية، وحتى فرارها من منزلها العائلي لتستقر في المدينة الساحرة والقاسية والحافلة بالتناقضات، التي جعلتها شافاك المكان الأثير لمعظم أعمالها الروائية.
ومع أن شافاك قد عُرفت من قبل بجرأتها البالغة التي كلفتها الابتعاد شبه القسري عن وطنها الأم، إلا أنها تتجاوز في روايتها الأخيرة مختلف الخطوط الحمراء التي تفرضها المجتمعات الشرقية على كتابها وكاتباتها. إذ ليس من السهل على صاحبة «لقيطة إسطنبول» أن تختار امرأة تعمل في الدعارة بطلة لروايتها، حتى لو جهدت على لسان بطلتها في استعادة كل الظروف القاهرة التي دفعت البطلة إلى الوقوع في شرك الانحراف، ابتداء من إلحاقها القسري بأمّ أخرى، مروراً بانتهاك عمها الفظ لبراءتها الطفولية، وليس انتهاء بوفاة شقيقها «المنغولي»، وانعطافة أبيها المفاجئة نحو التيار الديني المتشدد، وما تبعه من محاولات قهرها والتحكم بمصيرها. لا تنتهي الرواية بمقتل ليلى المأساوي في إطار سلسلة من عمليات القتل المماثلة التي يأمر بها أحد الأثرياء النافذين، كتعبير عن سخطه البالغ على مثلية ابنه الشاب، بل ثمة فصل آخر تفاجئ به شافاك قراءها من خلال تصميم أصدقاء ليلى الخمسة على إخراج جثتها من مقبرة الغرباء، ومن ثم دفنها قرب حبيبها الماركسي الذي قتل في إحدى تظاهرات اليسار الصاخبة ضد السلطة الحاكمة، في سبعينات القرن الفائت. وليس من قبيل الصدفة بالطبع أن يكون الأصدقاء الخمسة بمجملهم من المهمشين والمرذولين والمتحولين جنسياً، والمقيمين في حزام المدينة الفقير. ذلك أن هدف الرواية في الأساس كان البحث عن القاع الإنساني المقهور للمدينة العريقة التي تحاول أن تخفي وجهها البائس خلف أبراجها الشاهقة وفنادقها الفخمة وأحيائها الباذخة الجاذبة لملايين السياح. وإذا كان ثمة من تشابه واضح بين كلّ من عملي ماريز كوندي وأليف شافاك، من حيث تقنية استنطاق الموتى، والتركيز بتأثير فرويدي واضح على ثنائية الجنس والموت، والبعد الملحمي للسرد وتوظيف العمل الروائي في إعادة كتابة التاريخ الحقيقي للمجتمعات والفئات المقهورة، فإن الفصل الأخير من رواية شافاك لا بد أن يحيل القارئ إلى تقاطع آخر مع رواية جورج أمادو «كانكان العوام الذي مات مرتين». ليس فقط من خلال رغبة أصدقاء البطل المتوفى في كلتا الروايتين في الاحتفاظ بجثته أطول وقت ممكن، بل من خلال تشابه النهايات، حيث يتم رمي العجوز المتوفى في مجرى النهر، بينما يتم رمي المرأة المقتولة في مياه البوسفور.
أما الكاتبة التشيلية إيزابيل ألليندي، فتستكمل من خلال روايتها الأخيرة «سفينة نيرودا» مشروعها الروائي المميز الذي يربط بين تاريخ التشيلي الحديث وبين مصائر أبطالها المنعطفة بشكل دراماتيكي، وبتأثير من أنظمة الاستبداد، نحو مآلات غير متوقعة... ألليندي صاحبة «بيت الأرواح» التي اتخذت من الحادثة المأساوية التي تعرضت لها مع ابنتها باولا الذريعة الملائمة لعرض تاريخ بلادها على الابنة الواقعة في الغيبوبة، عثرت على ضالتها هذه المرة، من خلال السفينة التي أعدّها بابلو نيرودا لنقل الثوار الإسبان الناجين من مذابح فرانكو إلى بلاده التشيلي، متمكنة من خلال هذه الرحلة الغريبة للسفينة التي نقلت ألفي لاجئ إسباني، أن تستعيد فصولاً مرعبة من الحرب الأهلية الإسبانية التي انتهت بانتصار الفاشية العسكرية. بينما يتمحور الصراع بشكل أساسي حول شخصية الطبيب الإسباني فكتور دالماو، وروز عازفة البيانو زوجة أخيه الحامل الذي قتل في الحرب، واضطر للزواج منها لأسباب عملية تتعلق بشروط الرحلة نفسها، وإنسانية تستوجب حمايتها مع الجنين. لكن الطبيب والعازفة سيحتاجان بعد الإقامة في التشيلي لسنوات عدة كي يتحولا إلى زوجين حقيقيين ومتحابين. كما سيختبر كل منهما علاقة عاطفية أخرى، تتجاوزها روز بأقل الأثمان، فيما يواجه فكتور في علاقته العابرة بالفتاة الثرية أوفيليا دي ظروفاً أصعب تنتهي بافتراقهما الحتمي، وإنجاب أوفيليا مولودة أنثى، لن يتعرف إليها الأب إلا في نهاية الرواية. وخلال ذلك سيتعرف فكتور على سلفادور ألليندي، عم المؤلفة الحقيقي، الذي سيتسلم رئاسة تشيلي بعد سنوات، وسيكتب عليه أن يشهد مرة أخرى انقلاباً دموياً آخر يقوم به العسكريون بقيادة بينوشيه، وبتحريض ودعم أميركيين، وسيزج به في السجن بحجة علاقته بالرئيس المقتول. يتمكن فيكتور مع زوجته من الفرار إلى فنزويلا لسنوات، قبل أن يقررا العودة إلى إسبانيا مرة أخرى، ليكتشفا أن لا مكان لهما هناك، بعد أن أحكم فرانكو قبضته الحديدية على البلد المنكوب. وكان قدر الزوجين أن يعودا في النهاية إلى تشيلي، حيث الوطن والمنفى يتبادلان الأدوار، ثم يمكثان هناك حتى الرمق الأخير.
في الختام، ثلاث كاتبات أرهفن السمع لتاريخ شعوبهن، وما يتمخض عنه من تحولات اجتماعية وفكرية وسياسية. ورغم اختلاف المقاربة والأسلوب، استطعن أن يكن حفيدات شهرزاد المنصهرات بروح أوطانهن الأم.



عبد الله المحيسن: «رؤية 2030» صنعت بيئة جديدة للسينما السعودية

عبد الله المحيسن خلال حضوره «مهرجان مالمو» (موقعه الرسمي)
عبد الله المحيسن خلال حضوره «مهرجان مالمو» (موقعه الرسمي)
TT

عبد الله المحيسن: «رؤية 2030» صنعت بيئة جديدة للسينما السعودية

عبد الله المحيسن خلال حضوره «مهرجان مالمو» (موقعه الرسمي)
عبد الله المحيسن خلال حضوره «مهرجان مالمو» (موقعه الرسمي)

قال «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن إنّ ما تشهده المملكة اليوم من تحوّلات عميقة، خصوصاً في المجال الثقافي والسينمائي، لا يمكن فصله عن الإطار الأشمل الذي رسمته «رؤية 2030»، مضيفاً أنّ هذه الرؤية لم تكن مجرّد خطة اقتصادية أو برنامج إصلاحي محدود، وإنما مشروع متكامل لإعادة صياغة المجتمع والدولة على أُسس جديدة تستجيب لمتغيّرات العصر.

وأضاف المحيسن، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عقب تكريمه مؤخّراً من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، أنّ ما يميّز التجربة السعودية هو أنها لم تأتِ ردَّ فعل على أزمة أو نتيجة اضطراب سياسي، بل جاءت امتداداً لمسار طويل من التخطيط والتراكم، ما منحها قدرة أكبر على تحقيق أهدافها بشكل متوازن، مشيراً إلى أنها تختلف عن كثير من تجارب المنطقة التي ارتكزت في مراحل مختلفة على تحوّلات مفاجئة أو ثورات غير مدروسة.

المحيسن خلال تسلّمه جائزة «اغتيال مدينة» في مهرجان القاهرة (موقعه الرسمي)

وأوضح أنّ هذه التحولات، رغم ما حملته من شعارات، لم تكن دائماً قادرة على بناء استقرار طويل الأمد، في حين أن المملكة اعتمدت على استمرارية في الرؤية بدأت منذ توحيدها واستمرَّت عبر الأجيال، حتى وصلت إلى المرحلة الحالية التي يقودها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، إذ جرى الانتقال من الخطط الخمسية التقليدية إلى رؤية شاملة تستشرف المستقبل حتى عام 2030 وما بعده.

وأشار إلى أنه كان من بين المشاركين في جلسات نقاشية ضمّت خبراء من مجالات متعدّدة، هدفت إلى دراسة حاجات المملكة ووضع تصورات عملية لمواكبة التحوّلات العالمية. وهي نقاشات لم تكن نظرية، إذ انطلقت من واقع حقيقي ورغبة في إحداث نقلة نوعية في مختلف القطاعات، ومن بينها الثقافة والسينما، مؤكداً أنّ ما تحقَّق لاحقاً من إنشاء مؤسسات ثقافية، وبناء بنية تحتية متقدمة، وتوفير إمكانات غير مسبوقة للمبدعين، هو نتيجة مباشرة لهذه الرؤية.

أفلام المحيسن عُرضت في دول عدّة حول العالم (موقعه الرسمي)

وأكد أنّ «رؤية 2030» لم تقتصر على الجانب الاقتصادي، فامتدت إلى بناء الإنسان، وهو ما انعكس في الاهتمام الكبير بتأهيل جيل جديد من الشباب قادر على الإبداع والمنافسة، مشيراً إلى أنّ السينما كانت من أبرز المجالات التي استفادت من هذا التوجُّه، مع إتاحة الفرص للشباب للدراسة في الخارج والعودة بخبرات جديدة، إلى جانب إنشاء معاهد ومؤسّسات تدعم الصناعة محلّياً، وهو ما أسهم في ظهور جيل سينمائي مختلف في أدواته ورؤاه.

وأضاف المحيسن: «الدولة لم تكتفِ بتوفير الدعم المادي، بل عملت على خلق بيئة متكاملة تسمح بالإبداع، من خلال التشريعات والبنية التحتية وتنظيم القطاع، وهو ما جعل المملكة، خلال مدّة قصيرة نسبياً، إحدى أبرز الدول في المنطقة لجهة تطوّر الصناعة السينمائية»، مؤكداً أنّ هذه النقلة لم تكن لتحدث لولا وجود رؤية واضحة واستراتيجية طويلة المدى.

المحيسن في كواليس «ظلال الصمت» (موقعه الرسمي)

وأوضح أنّ ما يلفت النظر في هذه التجربة هو أنها جرت بسلاسة وتقبُّل من المجتمع، من دون صدامات أو انقطاعات حادّة، وهو ما يعكس، في رأيه، نضجاً في إدارة التحوّل وقدرةً على تحقيق التوازن بين الحفاظ على الهوية والانفتاح على العالم، لافتاً إلى أنّ هذا التوازن يمنح التجربة السعودية خصوصيتها، ويجعلها نموذجاً مختلفاً عن تجارب أخرى في المنطقة.

وانتقل المحيسن من الحديث عن الإطار العام لـ«رؤية 2030» إلى انعكاساتها المباشرة على السينما، مؤكداً أنّ ما نشهده اليوم من تنوّع في الإنتاج وظهور أسماء جديدة هو نتيجة طبيعية لهذه البيئة الداعمة، مشيراً إلى أنّ «الجيل الحالي من السينمائيين يعمل في ظروف تختلف تماماً عن تلك التي بدأ فيها هو، إذ كانت الإمكانات محدودة والبنية التحتية شبه غائبة، ما جعل كلّ تجربة في ذلك الوقت مغامرة حقيقية».

المحيسن حاملاً درع تكريمه في مالمو (موقعه الرسمي)

وأضاف أنّ الاختلاف في الظروف لا يقلّل من قيمة التجارب السابقة، بل يبرز حجم التحدّيات التي واجهها الرواد، لكنه في الوقت نفسه يمنح الجيل الجديد فرصة للانطلاق بشكل أسرع إذا ما أحسن استغلال الإمكانات المتاحة، مؤكداً أن «الدعم وحده لا يكفي، بل يجب أن يقترن بوعي ومسؤولية، لأنّ الفرصة إذا لم تُستثمر بشكل صحيح قد تضيع».

وأشار إلى أنّ السينما السعودية اليوم بدأت تتّخذ أشكالاً متعددة، ولم تعد محصورة في نوع واحد من الموضوعات، بل أصبحت تعكس تنوّع المجتمع من خلال أفلام تتناول التقاليد، وأخرى تناقش التحولات الاجتماعية، وثالثة تذهب إلى قضايا بيئية أو إنسانية... وهذا التنوع علامة على حيوية التجربة، لكنها تحتاج إلى وقت حتى تترسخ وتصل إلى مرحلة النضج الكامل.

ورأى رائد السينما السعودية أنه من المهم في هذه المرحلة أن يظلَّ صانعو السينما منفتحين على التعلم، وألا يكتفوا بما تحقَّق، لأنّ التطوّر في هذا المجال سريع، وما هو جديد اليوم قد يصبح قديماً غداً، مشيراً إلى أن التحدّي هو القدرة على مواكبة هذا التغير، على مستوى الأدوات أو اللغة أو الموضوعات.

ومن هذا السياق المعاصر، عاد المحيسن إلى تجربته الشخصية ليستعيد بداياته في زمن مختلف، موضحاً أن دخوله إلى عالم السينما جاء في وقت كانت فيه هذه الصناعة محل جدل، ومرفوضة في بعض الأوساط، وهو ما جعله يواجه تحدّيات فكرية وثقافية قبل أن تكون مادية أو تقنية.

وأوضح أنّ البيئة التي عاش فيها كانت تمرّ بمرحلة انتقالية من الانغلاق إلى الانفتاح، وهو ما جعل هذه النقاشات أكثر حدّة، لكنه كان يرى أن الزمن كفيل بإعادة الأمور إلى نصابها من خلال الفهم الصحيح للنصوص، مؤكداً أن تجربته الشخصية كانت جزءاً من هذا التحوّل، مع سعيه إلى إثبات أن السينما يمكن أن تكون وسيلة للتعبير الإيجابي، وليست أداة للهدم.

استخدم المحيسن اللغة العربية الفصحى في «ظلال الصمت» (موقعه الرسمي)

وتوقَّف عند تجربته مع فيلم «اغتيال مدينة»، الذي أُعيد عرضه في مهرجان «مالمو للسينما العربية» خلال الاحتفاء بتكريمه، بعد نحو 50 عاماً من عرضه الأول في مهرجان «القاهرة السينمائي»، مؤكداً أنه كان عملاً سابقاً لزمنه لجهتَي الموضوع والرؤية، ممّا جعله يواجه صعوبة في التلقي عند عرضه الأول، إذ كانت المنطقة تعيش حالة من الاستقطاب السياسي في ظلّ انقسام عالمي بين معسكرين، وهو ما جعل طرح بعض القضايا الحسّاسة أمراً معقداً.

وأضاف أنّ الفيلم تعرَّض لاتهامات تتعلّق بتبنيه «نظرية المؤامرة»، وهو توصيف يرى أنه كان يُستخدم أحياناً وسيلة لتجنب مناقشة الأفكار التي يطرحها العمل، مؤكداً أنه بنى رؤيته على دراسة وبحث، وليس على انطباعات سطحية. لكنه أقرَّ في الوقت نفسه بأنّ بعض الأفكار تحتاج إلى وقت حتى تُفهم، وهو ما جعل وجهة النظر تجاه الفيلم تتغيّر بعد سنوات، ويحظى برؤية مغايرة بعد عقود من عرضه.

وأشار إلى أنّ ما حدث لاحقاً في عدد من الدول العربية من صراعات وتحوّلات، أعاد طرح الأسئلة التي كان الفيلم يثيرها، وجعل الجمهور يرى العمل من زاوية مختلفة. ورأى أنّ إعادة عرضه بعد عقود في مهرجانات دولية تعني أن الفكرة التي يحملها لا تزال حية، وأكثر ارتباطاً بالواقع الحالي.

وأكد أنّ السينما حين تنطلق من فكرة حقيقية ومدروسة لا تفقد قيمتها مع الزمن، بل قد تكتسب أبعاداً جديدة مع تغيُّر السياقات، وهو ما عدَّه أحد أهم أسرار هذا الفنّ، مشيراً إلى أنّ الزمن قد يكون أحياناً هو العنصر الذي يمنح العمل قيمته الحقيقية.

المحيسن خلال تحضيرات أحد أعماله (موقعه الرسمي)

وتحدَّث عن تجربته في «ظلال الصمت»، موضحاً كيف واجه تحدّياً مختلفاً يتعلّق باللغة، حين قرر استخدام العربية الفصحى، وهو ما لم يكن مألوفاً لدى الجمهور في ذلك الوقت. وقوبل هذا الاختيار في البداية بنوع من الرفض، لكنه لاحظ أنّ المشاهدين بدأوا يتأقلمون تدريجياً مع انخراطهم في العمل، وهو ما يؤكد، في رأيه، أنّ الجمهور ليس ضد التجديد، بل يحتاج فقط إلى وقت لفهمه.

وأشار إلى أنّ أي تجربة جديدة تمرّ بمرحلة من الرفض أو التردُّد، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنها فاشلة، بل قد يكون مؤشّراً على أنها تطرح شيئاً مختلفاً، وهو ما يتطلّب صبراً من صانعها وإيماناً بما يُقدّم.

وانتقل إلى الحديث عن مشروعه السينمائي الجديد، موضحاً أنه يمثّل بالنسبة إليه محاولة لإعادة تقديم صورة مختلفة عن الإسلام، بعيداً عن الصور النمطية التي ربطته بالعنف، مع اختيار الانطلاق من القيم الإنسانية والحضارية التي يرى أنها جوهر هذا الدين، وتقديمها في إطار إنساني يخاطب العالم.

وأوضح أن العمل الذي لا يزال قيد التحضير يقوم على مجموعة من الحكايات المترابطة التي تسعى إلى إبراز هذه القيم في سياقات مختلفة، مؤكداً أنّ الهدف ليس تقديم خطاب مباشر، بل بناء تجربة سينمائية تجعل المُشاهد يُعيد التفكير في الصور التي يحملها، وهو نوع من الأعمال يتطلب جهداً كبيراً، سواء على مستوى الكتابة أو الإنتاج.

وقال المحيسن إنه لا ينطلق في عمله من فكرة المنافسة، بل من إيمانه بالفكرة التي يريد تقديمها، مشيراً إلى أنّ التركيز على شباك التذاكر قد يقيّد الإبداع، ويجعل صانع الفيلم أسير توقّعات السوق، بدلاً من أن يكون باحثاً عن الجديد.

عبد الله المحيسن خلال حضوره «مهرجان مالمو» (موقعه الرسمي)

وأضاف أنه يتبع منهجاً واضحاً في العمل يبدأ بالفكرة ثم البحث، فالكتابة، قبل أن ينتقل إلى تشكيل فريق العمل، مؤكداً أنه لا يكتب لشخص معيّن، بل يكتب الفكرة أولاً، ثم يبحث عن الأشخاص القادرين على تجسيدها، وهي استراتيجية تبنّاها منذ وقت مبكر، ووجد أنها تمنحه حرّية أكبر.

وتحدَّث عن علاقته بالجمهور، مؤكداً أنه يحترم المتلقّي ويأخذ في الحسبان تنوّع فئاته، لكنه في الوقت نفسه لا يسمح لهذا الحسبان أن يتحوّل إلى قيد، لأن الخوف الحقيقي يأتي فقط عند عرض العمل، حين يواجه ردّ الفعل المباشر، أما خلال عملية الإبداع فيحرص على أن يظل حرّاً.

واستعاد نصيحة تلقّاها في بداياته، مفادها أنّ المخرج لا ينبغي أن يقف بعيداً عن جمهوره، بل عليه أن يقترب منه، ويجد لغة مشتركة تسمح له بالتواصل مع مختلف الفئات، من دون أن يتخلّى عن رؤيته، لأن هذه المعادلة هي جوهر العمل السينمائي.

وختم المحيسن حديثه بالتأكيد على أنّ السينما في حالة تغيُّر دائم، وأنّ التحدّي الأكبر هو القدرة على مواكبة هذا التغيُّر، مشيراً إلى أنّ من لا يتجدَّد قد يجد نفسه خارج المشهد، لأن الجمهور نفسه يتغيَّر، ويبحث دائماً عن أشكال جديدة من التعبير، وهو ما يجعل التعلُّم المستمرّ ضرورة لكلّ مَن يريد الاستمرار في هذا المجال.


جولييت بينوش لـ«الشرق الأوسط»: ندعم السينما باختياراتنا

جولييت بينوش في مهرجان «برلين» (إ.ب.أ)
جولييت بينوش في مهرجان «برلين» (إ.ب.أ)
TT

جولييت بينوش لـ«الشرق الأوسط»: ندعم السينما باختياراتنا

جولييت بينوش في مهرجان «برلين» (إ.ب.أ)
جولييت بينوش في مهرجان «برلين» (إ.ب.أ)

النجمة الفرنسية جولييت بينوش نموذج للممثلة التي تختار أدوارها بعناية، منذ أدوارها الأولى وإلى أعمالها في السنوات الأخيرة، وأحدثها «ملكة عند البحر»، إذ حافظت على إبداع أنيق ومقنع.

«الشرق الأوسط» حاورت جولييت بينوش في «كان» وسألتها عن «ملكة عند البحر» الذي يتناول موضوع ألزهايمر أو الخرف، فأجابت: «هناك نقطة مثيرة لاهتمامي؛ هي تلك التي نرقب فيها أولادنا وهم ينتقلون من الطفولة إلى سنوات الشباب، بينما يبدأ أهلنا الذين ننتمي إليهم يشيخون (...) هي نقطة فاصلة نقف فيها في منتصف الطريق بين جيل يتقدّم وآخر يتراجع. هذا هو الموضوع الذي جذبني إلى العمل».

وعن أوضاع السينما الآن تقول بينوش: «ما زال موجوداً، لحسن الحظ، عدد كبير من المخرجين الذين يرغبون في تحقيق ذواتهم من خلال الأفلام التي ينجزونها، هذه هي الحصانة الرئيسية ضد عوامل تهدد فن السينما». وتضيف: «بالنسبة ليّ، ولكثيرين من الممثلين في فرنسا وأوروبا، نوالي دعم السينما باختياراتنا من الأفلام».


رحيل «جدّ المثقفين»... إدغار موران يغلق قوس قرنٍ من الفكر المعقد

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)
الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)
TT

رحيل «جدّ المثقفين»... إدغار موران يغلق قوس قرنٍ من الفكر المعقد

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)
الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)

غيّب الموت في العاصمة الفرنسية باريس، الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي البارز إدغار موران عن عمر ناهز 104 أعوام ليسدل الستار على حياة حافلة، وصفتها الأوساط الثقافية بـ«ذاكرة القرن العشرين المتنقلة».

ويُعدّ موران، الذي أكدت عائلته وفاته، أحد آخر العمالقة في مدرسة الفكر الإنساني المعاصر، تاركاً وراءه إرثاً فلسفياً وسوسيولوجياً ضخماً غيّر وجه النظر إلى العلوم والمعرفة الإنسانية عبر نظريته الشهيرة حول «الفكر المركب» (Pensée complexe).

ونعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المفكر الراحل، عبر منصة «إكس»، واصفاً إياه بـ«العقل العالمي والإنسانية المتجسدة»، بينما توالت برقيات العزاء من مختلف الأطياف السياسية والثقافية في أوروبا والعالم العربي، الذين رأوا في رحيله خسارة لواحد من أكثر الأصوات شجاعة ونزاهة في مقارعة الآيديولوجيات المغلقة والدفاع عن القضايا العادلة.

من مقاومة النازية إلى الانشقاق الآيديولوجي

ولد إدغار ناهوم (الذي اتخذ اسم موران لاحقاً) عام 1921 في باريس لعائلة يهودية من أصول سالونيكية يونانية. ولم تكن حياته مجرد تأملات هادئة بين جدران الجامعات، بل بدأت في أتون المواجهة، إذ انخرط شاباً في صفوف المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية. وفي تلك المرحلة، اختار اسم «موران» السري ليكون هويته الدائمة.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران في منزله بباريس 16 ديسمبر 1975 (أ.ف.ب)

قادته حماسته الفكرية بعد الحرب إلى الانضمام للحزب الشيوعي الفرنسي، مستبشراً بالعدالة الاجتماعية، غير أن روحه المتمردة وعقله الرافض للتدجين لم يصمدا طويلاً أمام القيود الستالينية. عارض موران التوجهات الديكتاتورية لـ«الرفاق»، فتم طرده من الحزب عام 1951. لم يتراجع، بل حول هذه الخيبة إلى مادة سوسيولوجية ملهمة، حيث أصدر كتابه الشهير «نقد ذاتي»، الذي أسّس فيه مبدأ المساءلة المستمرة للأفكار والذات، مبتعداً عن اليقينيات الزائفة.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران (أ.ف.ب)

هندسة «الفكر المركب» ومحاربة التبسيط

صنع موران مجده المعرفي الأصيل في أروقة المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS) ومن هناك، أطلق مشروعه الفلسفي الأضخم المتجسد في موسوعته «المنهج» (La Méthode) التي صدرت في 6 أجزاء.

كان موران يرى أن الخطيئة الكبرى للعلوم الحديثة هي «التبسيط والاختزال»، أي فصل العلوم بعضها عن بعض، ولذلك دعا إلى «الفكر المركب» الذي يربط بين علم الأحياء، والتاريخ، والسياسة، والأنثروبولوجيا، والسينما.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران مع زوجته الممثلة والعارضة والكاتبة الكندية جوهان هاريل في منزله بباريس 16 ديسمبر 1975 (أ.ف.ب)

في فلسفة موران، لا يمكن فهم الجزء دون الكل، ولا الكل دون الجزء. فكل إنسان يحمل الكوكب بأكمله في تفاصيله اليومية. ولم يتردد طوال حياته في التحذير من المخاطر الكونية التي تحدق بالبشرية، مثل التغير المناخي، والتقدم التكنولوجي غير المنضبط بأخلاقيات، والتوحش الرأسمالي، معتبراً أن العالم يسير نحو «هاوية» ما لم يقم بـ«أنسنة الحضارة».

نصير فلسطين... شجاعة المواقف في وجه العاصفة

تميز موران بمواقف أخلاقية صلبت مكانته كمثقف عضوي في الشأن العام. ولم تشفع له أصوله اليهودية لدى الدوائر الصهيونية عندما انتقد بجرأة شديدة السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. وفي عام 2002، نشر مقالاً مدوياً في صحيفة «لوموند» الفرنسية برفقة مثقفين آخرين، انتقد فيه حصار غزة وممارسات الاحتلال، معتبراً أن «ضحايا الأمس يتحولون إلى جلادي اليوم».

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران (أ.ف.ب)

جرّت عليه هذه المقالة ملاحقات قضائية بتهمة «معاداة السامية»، خاضها موران بشجاعة مدعوماً بتضامن واسع من مجتمع الأكاديميين العالمي، إلى أن برّأته محكمة التمييز الفرنسية العليا. وظل، حتى الشهور الأخيرة من حياته، يرفع صوته تنديداً بالعدوان على قطاع غزة والمجازر المستمرة بحق المدنيين.

ملهمات الفكر والحياة: الشريكات في مسيرة قرن

لم تنفصل حياة موران الفكرية عن تفاصيل حياته العاطفية والزوجية التي شكلت رافداً لروحه الإنسانية. ارتبط في السبعينات بالفنانة والكاتبة الكندية الراحلة جوهان هاريل، التي شاركته شغفه بالفن والسينما الإثنوغرافية.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران مع زوجته الممثلة والعارضة والكاتبة الكندية جوهان هاريل في منزله بباريس 16 ديسمبر 1975 (أ.ف.ب)

وفي العقود الأخيرة من عمره، عاش موران فصلاً معرفياً وإنسانياً استثنائياً برفقة زوجته عالمة الاجتماع المغربية صباح أبو السلام، التي تزوجها عام 2012. ولم تكن صباح شريكة حياة فحسب، بل كانت رفيقة فكرية صاغ معها مؤلفات مشتركة تدرس التحولات الاجتماعية والسياسية، ومثّلت جسراً ثقافياً عزز ارتباط الفيلسوف الراحل بالقضايا العربية وقيم الحوار الحضاري بين الضفتين.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (يسار) يرحب بالفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران (في الوسط) وزوجته صباح أبو السلام (يمين) خلال حفل أقيم في قصر الإليزيه بباريس بمناسبة الذكرى المئوية لميلاده (أ.ف.ب)

تواصل حتى الرمق الأخير

حتى مع تجاوزه عتبة المائة عام، لم يتقاعد عقل موران. ظل حتى أيامه الأخيرة يكتب، وينشر المؤلفات، ويغرد لقرابة ربع مليون متابع على منصة «إكس»، معلقاً على الحروب المعاصرة والأزمات البيئية بكثير من الدهشة الطفولية والحكمة الإنسانية.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يلقي كلمة في مقر منظمة اليونيسكو بباريس خلال حفل بمناسبة الذكرى المئوية لميلاده في 2 يوليو (تموز) 2021 (أ.ف.ب)

توفي الفيلسوف الأنيق، صاحب القبعات الشهيرة وربطات العنق الحريرية، تاركاً فراغاً لا يُعوّض في الفكر العالمي، ومثبتاً مقولته المفضلة في كتابه «دروس قرن من الحياة»: «الحياة لا تكون محتملة إلا إذا أدخلنا عليها شيئاً من الشعر، أي الكثافة، والفرح، والمحبة».