حفيدات شهرزاد يقلّصن المسافة بين الرواية والملحمة

أليف شافاك وإيزابيل ألليندي وماريز كوندي في أعمال ثلاثة

أليف شافاك -إيزابيل ألليندي - ماريز كوندي
أليف شافاك -إيزابيل ألليندي - ماريز كوندي
TT

حفيدات شهرزاد يقلّصن المسافة بين الرواية والملحمة

أليف شافاك -إيزابيل ألليندي - ماريز كوندي
أليف شافاك -إيزابيل ألليندي - ماريز كوندي

لعلهم لا يجافون الحقيقة بشيء أولئك الذين يعتقدون أن الرواية دون سواها هي ملحمة العصر الحقيقية، بعد أن كان لواء هذا الفن منعقداً للشعر في الحقب السابقة من التاريخ. وسواء كان الأمر متعلقاً بحيوات البشر العاديين وتفاصيلها الصغيرة، أو بالتحولات المفصلية للدول والجماعات، فإن لغة السرد هي الأقدر في الحالتين، على رصد هذه التحولات، أو على انتشال ما هو مهمل وعادي ويومي من قاع النسيان. وإذا كانت هذه المقالة تتصدى لأعمال روائية ثلاثة، صدرت مترجمة إلى العربية عن «دار الآداب»، فإن الأمر لا يأتي عن الصدفة المجردة أو المزاج الشخصي، بل لأن هذه الأعمال على تنوعها تتسم بالنفس الملحمي في مقاربتها للوقائع والأحداث، كما أن كلاً منها تعكس الروح القومية لكاتبته، إضافة إلى البعد الإنساني الجامع الذي يحولها إلى صرخة احتجاج مؤثرة ضد القهر والاستبداد والتمييز العرقي والاجتماعي.
في عملها المشوق «أنا تيتوبا: ساحرة سالم السوداء»، تكشف الكاتبة الغوادولوبية ماريز كوندي، عن قدرات روائية عالية، وحبكة أسلوبية متقنة لا تترك للقارئ فرصة لالتقاط الأنفاس، فثمة انصهار تام داخل الزمن الروائي الذي يعود إلى نهايات القرن السابع عشر، تماهٍ تام مع بطلة الرواية التي لا قِبل للقارئ بنسيانها. ورغم أن ثلاثة قرون كاملة تفصل بين زمن الكاتبة وزمن بطلتها، وما استتبع ذلك من حروب وثورات دموية آلت في النهاية إلى إلغاء الرق وإعلان شرعية حقوق الإنسان والمساواة بين البشر، فقد تمكنت المؤلفة من أن تنتشل من قاع النسيان ذلك العالم المر الغارق في وحشيته العنصرية، وفي ملذاته الحسية المختلسة من خلف ظهر الألم. والواقع أننا كقراء لم نكن بحاجة إلى التنويه الذي أوردته كوندي في مستهل الرواية: «تيتوبا وأنا عشنا في صحبة حميمة مدة عام، وأثناء حواراتنا التي لم تكن تنقضي باحت لي بهذه الأمور التي لم تبح بها لأحد»، لكي نعاين لطخات الدم المتيبسة فوق سطوح اللغة، وأنين البشر الذين سيقوا من أحشاء أفريقيا السوداء لكي يباعوا بالمزاد في أسواق النخاسة التي قامت على أنقاضها حضارة أميركا «البيضاء».
عرفت المؤلفة، دون أن تقع فريسة التحريض والوعظ الأخلاقي، أن تقدم شهادتهم الموثقة بالأدلة ضد ذلك العصر القاسي والمفتقر إلى العدالة. وتمكنت ماريز كوندي من أن تقدم لنا من خلال عملها السردي المتوهج كل ما تحتاجه الرواية لتتحول إلى ملحمة حقيقية صنعها البشر المهانون والموصوفون بالعبيد، من تخثر دمهم النازف على قارعة المدن الجديدة، وتشقق لحومهم تحت شمس الظهيرة اللاهبة، وانكسار ظهورهم تحت لفح السياط «البيضاء».
تختزل حكاية تيتوبا «الساحرة» حكاية شعبها المهان بأسره. فالطفلة البائسة التي جاءت إلى العالم من صُلب خطيئتين أصليتين، هما لونها الأسود، وحادثة اغتصاب تاجر الرقيق البريطاني لأمها أبِنا، تنتقل من عهدة مالك مفلس إلى مالك آخر موسر، بعد أن قضت أمها شنقاً بسبب الحادثة، وبعد انتحار الأب الأسود البديل الذي تربت في عهدته. إلا أن الفتاة التي حُملت إلى ضاحية سالم القريبة من بوسطن، بعد أن ضمها تاجر جديد إلى مقتنياته، كانت ككثيرات من السود، قد تعلمت من قريبتها مان يايا العجوز، وقبل رحيلها هي الأخرى، طرق التحدث مع الطبيعة، واستحضار أرواح الموتى، والمعالجة بالتعاويذ والأعشاب، وغيرها من فنون السحر. ومع أن تيتوبا عقدت العزم على ألا تسخر مواهبها إلا في الأعمال الخيرة وشفاء المرضى والتقريب بين الأحياء وأحبائهم من الموتى، فقد وجدت نفسها بالمقابل تواجه تهماً بالسحر والشعوذة قادتها إلى السجن والاضطهاد، بعد أن غدر بها كل من جهدت في مساعدتهم، وتخلى عنها زوجها جون الهندي الذي لم تستطع نسيانه، حتى نهاية حياتها القصيرة. ومع أن تيتوبا وجدت نفسها أمام فرصة نادرة للظفر بحياة طويلة هانئة بعد خروجها من السجن، وبعد أن أعتقها من العبودية التاجر اليهودي الذي اتخذها خليلة له، لتتمكن أخيراً من تحقيق حلم العودة إلى جزيرتها الأم في منطقة الكاريبي، إلا أن قدرها المنكود كان يهيئ لها نهاية أكثر قتامة. فقد أدى انضمامها إلى ثورة العبيد الآبقين في تلك الفترة إلى أن تقضي مع عشيقها الجديد برصاص الأسياد البيض، لتتحول بذلك إلى واحدة من الأساطير المؤسسة لمناهضة التمييز العنصري والنضال من أجل الحرية.
لست متيقناً، إذا كانت الكاتبة التركية أليف شافاك قرأت رواية ماريز كوندي التي سبقت عملها الأخير «10 دقائق و38 ثانية في هذا العالم الغريب» بأكثر من ثلاثين عاماً، أم لم تفعل. لكن هذا السؤال لا يتم طرحه من باب الفضول المجرد، بل بسبب التشابه الغريب في «تقنية» السرد الروائي الذي تتولاه في صيغة أنا المتكلم امرأتان مقتولتان، بما يضيف إلى مقولة الراوي «كلي القدرة» قدرات إعجازية أخرى تمكّنه من عبور الجدار الفاصل بين الحياة والموت. وكما تحولت تيتوبا إلى رمز لروح السلالة السوداء في نزوعها الأبدي إلى الانعتاق، تحولت ليلى تيكيلا، بطلة شافاك الجديدة إلى مجسد مماثل لروح إسطنبول التي تبحث عن خلاصها عبر إرساء قيم العدالة والحرية والمساواة بين البشر. أما الذريعة الروائية التي ابتكرتها شافاك لتمكين بطلتها المقتولة من تولي مهمة السرد، فهي افتراضها أن دماغ المرأة المقتولة والملقاة في حاوية النفايات، لا يزال قادراً أن يعمل لدقائق عشر إضافية، رغم توقف قلبها عن الخفقان. ومن خلال ذلك البرزخ الأخير الفاصل بين الحياة والموت. تستعرض المرأة الأربعينية المقتولة حياتها كاملة، منذ ولادتها في قرية تركية نائية، وحتى فرارها من منزلها العائلي لتستقر في المدينة الساحرة والقاسية والحافلة بالتناقضات، التي جعلتها شافاك المكان الأثير لمعظم أعمالها الروائية.
ومع أن شافاك قد عُرفت من قبل بجرأتها البالغة التي كلفتها الابتعاد شبه القسري عن وطنها الأم، إلا أنها تتجاوز في روايتها الأخيرة مختلف الخطوط الحمراء التي تفرضها المجتمعات الشرقية على كتابها وكاتباتها. إذ ليس من السهل على صاحبة «لقيطة إسطنبول» أن تختار امرأة تعمل في الدعارة بطلة لروايتها، حتى لو جهدت على لسان بطلتها في استعادة كل الظروف القاهرة التي دفعت البطلة إلى الوقوع في شرك الانحراف، ابتداء من إلحاقها القسري بأمّ أخرى، مروراً بانتهاك عمها الفظ لبراءتها الطفولية، وليس انتهاء بوفاة شقيقها «المنغولي»، وانعطافة أبيها المفاجئة نحو التيار الديني المتشدد، وما تبعه من محاولات قهرها والتحكم بمصيرها. لا تنتهي الرواية بمقتل ليلى المأساوي في إطار سلسلة من عمليات القتل المماثلة التي يأمر بها أحد الأثرياء النافذين، كتعبير عن سخطه البالغ على مثلية ابنه الشاب، بل ثمة فصل آخر تفاجئ به شافاك قراءها من خلال تصميم أصدقاء ليلى الخمسة على إخراج جثتها من مقبرة الغرباء، ومن ثم دفنها قرب حبيبها الماركسي الذي قتل في إحدى تظاهرات اليسار الصاخبة ضد السلطة الحاكمة، في سبعينات القرن الفائت. وليس من قبيل الصدفة بالطبع أن يكون الأصدقاء الخمسة بمجملهم من المهمشين والمرذولين والمتحولين جنسياً، والمقيمين في حزام المدينة الفقير. ذلك أن هدف الرواية في الأساس كان البحث عن القاع الإنساني المقهور للمدينة العريقة التي تحاول أن تخفي وجهها البائس خلف أبراجها الشاهقة وفنادقها الفخمة وأحيائها الباذخة الجاذبة لملايين السياح. وإذا كان ثمة من تشابه واضح بين كلّ من عملي ماريز كوندي وأليف شافاك، من حيث تقنية استنطاق الموتى، والتركيز بتأثير فرويدي واضح على ثنائية الجنس والموت، والبعد الملحمي للسرد وتوظيف العمل الروائي في إعادة كتابة التاريخ الحقيقي للمجتمعات والفئات المقهورة، فإن الفصل الأخير من رواية شافاك لا بد أن يحيل القارئ إلى تقاطع آخر مع رواية جورج أمادو «كانكان العوام الذي مات مرتين». ليس فقط من خلال رغبة أصدقاء البطل المتوفى في كلتا الروايتين في الاحتفاظ بجثته أطول وقت ممكن، بل من خلال تشابه النهايات، حيث يتم رمي العجوز المتوفى في مجرى النهر، بينما يتم رمي المرأة المقتولة في مياه البوسفور.
أما الكاتبة التشيلية إيزابيل ألليندي، فتستكمل من خلال روايتها الأخيرة «سفينة نيرودا» مشروعها الروائي المميز الذي يربط بين تاريخ التشيلي الحديث وبين مصائر أبطالها المنعطفة بشكل دراماتيكي، وبتأثير من أنظمة الاستبداد، نحو مآلات غير متوقعة... ألليندي صاحبة «بيت الأرواح» التي اتخذت من الحادثة المأساوية التي تعرضت لها مع ابنتها باولا الذريعة الملائمة لعرض تاريخ بلادها على الابنة الواقعة في الغيبوبة، عثرت على ضالتها هذه المرة، من خلال السفينة التي أعدّها بابلو نيرودا لنقل الثوار الإسبان الناجين من مذابح فرانكو إلى بلاده التشيلي، متمكنة من خلال هذه الرحلة الغريبة للسفينة التي نقلت ألفي لاجئ إسباني، أن تستعيد فصولاً مرعبة من الحرب الأهلية الإسبانية التي انتهت بانتصار الفاشية العسكرية. بينما يتمحور الصراع بشكل أساسي حول شخصية الطبيب الإسباني فكتور دالماو، وروز عازفة البيانو زوجة أخيه الحامل الذي قتل في الحرب، واضطر للزواج منها لأسباب عملية تتعلق بشروط الرحلة نفسها، وإنسانية تستوجب حمايتها مع الجنين. لكن الطبيب والعازفة سيحتاجان بعد الإقامة في التشيلي لسنوات عدة كي يتحولا إلى زوجين حقيقيين ومتحابين. كما سيختبر كل منهما علاقة عاطفية أخرى، تتجاوزها روز بأقل الأثمان، فيما يواجه فكتور في علاقته العابرة بالفتاة الثرية أوفيليا دي ظروفاً أصعب تنتهي بافتراقهما الحتمي، وإنجاب أوفيليا مولودة أنثى، لن يتعرف إليها الأب إلا في نهاية الرواية. وخلال ذلك سيتعرف فكتور على سلفادور ألليندي، عم المؤلفة الحقيقي، الذي سيتسلم رئاسة تشيلي بعد سنوات، وسيكتب عليه أن يشهد مرة أخرى انقلاباً دموياً آخر يقوم به العسكريون بقيادة بينوشيه، وبتحريض ودعم أميركيين، وسيزج به في السجن بحجة علاقته بالرئيس المقتول. يتمكن فيكتور مع زوجته من الفرار إلى فنزويلا لسنوات، قبل أن يقررا العودة إلى إسبانيا مرة أخرى، ليكتشفا أن لا مكان لهما هناك، بعد أن أحكم فرانكو قبضته الحديدية على البلد المنكوب. وكان قدر الزوجين أن يعودا في النهاية إلى تشيلي، حيث الوطن والمنفى يتبادلان الأدوار، ثم يمكثان هناك حتى الرمق الأخير.
في الختام، ثلاث كاتبات أرهفن السمع لتاريخ شعوبهن، وما يتمخض عنه من تحولات اجتماعية وفكرية وسياسية. ورغم اختلاف المقاربة والأسلوب، استطعن أن يكن حفيدات شهرزاد المنصهرات بروح أوطانهن الأم.



بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
TT

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)

يشهد كل من المغرب وسوريا فيضانات وأمطاراً استثنائية، مما دفع سلطات البلدين إلى إجلاء عشرات الآلاف من السكان. ويرى خبراء المناخ أن هذا التطور يعكس تطرف الظواهر المناخية نتيجة تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ.

وتتعرض مناطق شمال المغرب لفيضانات وسيول قوية منذ أسبوع، فيما أعلنت السلطات عن إجلاء أكثر من 154 ألف شخص من أربعة أقاليم هي: العرائش، والقنيطرة، وسيدي قاسم، وسيدي سليمان، ضمن جهود حماية السكان من تداعيات الأمطار الغزيرة والسيول المستمرة لليوم الثاني عشر على التوالي، مع اتساع رقعة القرى المتضررة.

ومنذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، شهدت هذه الأقاليم فيضانات في عدة مدن، خصوصاً القصر الكبير، نتيجة ارتفاع مستوى وادي اللوكوس بعد امتلاء سد وادي المخازن إلى 156 في المائة من سعته للمرة الأولى، ما أدى إلى فيضانه وفق معطيات رسمية. كما تسبب هطول الأمطار الغزيرة في فيضان مجاري المياه وارتفاع مستوى الأنهار بسرعة غير معتادة، ما استدعى عمليات تفريغ وقائي لسدي الوحدة ووادي المخازن لحماية المناطق المجاورة.

قبل هذه الموجة، شهدت المملكة في سبتمبر (أيلول) الماضي، أمطاراً غزيرة استثنائية، مما رفع مخزون السدود إلى أكثر من 61 في المائة، أي ما يفوق 10 مليارات متر مكعب، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 2019، وفق المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب.

وفي جنوب غربي البلاد، شهدت مدينة آسفي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيضانات مفاجئة أودت بحياة 37 شخصاً، في أكبر حصيلة من نوعها خلال العقد الأخير.

التغير المناخي تسبب في ظواهر جوية متطرفة (رويترز)

أما في سوريا، فقد سجلت محافظات اللاذقية، وإدلب، وحماة (شمال غربي البلاد) فيضانات مفاجئة ليل السبت نتيجة هطول أمطار غزيرة، ما أسفر عن سقوط ضحايا وتضرر مخيمات مدنيين، فيما تواصل فرق الدفاع المدني جهود البحث والإنقاذ، وإجلاء المتضررين.

كما سجلت فرق الدفاع المدني السورية وفاة طفلين وإنقاذ ثالث بعد جرفهم من قبل السيول في منطقتي العسلية وعين عيسى بريف اللاذقية الشمالي. وذكرت تقارير وفاة متطوعة من الهلال الأحمر العربي السوري وإصابة 6 آخرين، بينهم 5 متطوعين، إثر حادث سير في جبل التركمان أثناء توجههم لتقديم المساعدة للسكان.

الاستمطار الاصطناعي

أوضح الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق المصرية، أن الفيضانات التي تشهدها سوريا والمغرب تعود بشكل كبير إلى عدة عوامل، أبرزها تفاقم ظاهرة تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، بالإضافة إلى التلوث البيئي الناتج عن استخدام الطاقة، إلى جانب تقلص المسطحات الخضراء، وهو ما يزيد من حدة التغيرات المناخية.

وأضاف قطب لـ«الشرق الأوسط» أن أحد الأسباب الأخرى وراء الفيضانات في المغرب يتعلق بـظاهرة الاستمطار الاصطناعي للسحب، التي ينفذها المغرب وبعض الدول المجاورة لمواجهة الجفاف.

وأوضح أن هذه العملية، التي تعتمد على رش مواد كيميائية مثل نترات الفضة أو يوديد الفضّة في السحب، لتسهيل تكوّن قطرات الماء وتسريع سقوطها على شكل أمطار، قد تؤدي إلى تطرف مناخي، بسبب زيادة كميات الأمطار الناتجة عن السحب الآتية من المحيط.

الفيضانات أحدثت ضرراً كبيراً بمدينة القصر الكبير (رويترز)

وأشار إلى أن هذه الظاهرة الاصطناعية، إلى جانب تفاقم التغير المناخي، يؤديان إلى تطرف الظواهر المناخية، بما في ذلك الفيضانات والسيول، كما هي الحال في المغرب وسوريا حالياً. كما ينتج عن هذا التطرف ندرة الأمطار في بعض الدول المجاورة مثل الجزائر وليبيا ومصر؛ إذ إن الحركة الطبيعية للسحب تكون من الغرب إلى الشرق، وبالتالي قد لا تصل بعض المناطق إلى كميات الأمطار المعتادة.

وحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب، أسهم برنامج «غيث» لاستمطار السحب خلال الفترة 2020 - 2025 في رفع حجم التساقطات في المناطق المستهدفة بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة، وتستفيد بشكل مباشر المناطق الواقعة فوق السدود، حيث تعزز الأمطار المحفَّزة المخزون المائي في الأودية والأحواض الكبرى.

وأكد قطب أن التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة أسهما أيضاً في حدوث ظواهر مناخية غريبة هذا الشتاء في مصر، حيث بلغت الحرارة نحو 30 درجة مئوية في فبراير (شباط) الحالي، وهي مستويات غير معتادة في هذا الوقت من السنة.

وشدد على أن تطرف الظواهر المناخية يعني أن الدول الممطرة قد لا تتلقى الأمطار، والدول غير الممطرة قد تشهد أمطاراً غير متوقعة، كما قد يشهد الشتاء ارتفاعاً غير معتاد في درجات الحرارة في بعض المناطق، بينما يكون الصيف أشد حرارة في مناطق وأقل في أخرى، ما يشكل ظواهر مناخية غير طبيعية وغير معتادة.

واقع ملموس

فيما قال الدكتور وحيد إمام، أستاذ علوم البيئة بجامعة عين شمس المصرية، إن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً ملموساً نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض، ما أدى إلى تزعزع الثبات المعتاد لأنماط الطقس التقليدية خلال الفصول، بمعنى أن بعض البلدان تشهد منخفضات جوية في حين تعاني دول أخرى من مرتفعات جوية خلال الشتاء، ما يعكس اضطراباً واضحاً في أنماط الطقس المعهودة.

محافظة إدلب بسوريا تعرضت لأمطار غزيرة (محافظة إدلب)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن متوسط حرارة سطح الأرض ارتفع من 15 درجة مئوية إلى 16.2 درجة مئوية، وأن هناك جهوداً عالمية للحفاظ على هذه الزيادة دون تجاوز 16.5 درجة مئوية، من خلال التحكم في مستويات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

وأكد أن زيادة 1.2 درجة مئوية قد تبدو ضئيلة، لكنها تؤثر بشكل كبير على التوازن البيئي، إذ إن درجة حرارة سطح الأرض المثالية لحياة الإنسان والنبات والحيوان هي حوالي 15 درجة مئوية.

وأشار إمام إلى أن تغير المناخ أفرز ظواهر مناخية متطرفة تسببت جزئياً فيما يحدث في المغرب وسوريا حالياً، من بينها ظاهرة «اللانينا» الجوية. وتحدث هذه الظاهرة عندما تنخفض درجات حرارة مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي بشكل غير طبيعي، ما يؤدي إلى تغييرات كبيرة في أنماط الطقس حول العالم، بما في ذلك زيادة الأمطار في بعض المناطق وحدوث جفاف شديد في مناطق أخرى، إضافة إلى تأثيرها على درجات الحرارة وشدة الأعاصير.

كما أكد أن هذه الظاهرة هي جزء من دورة طبيعية تشمل أيضاً ظاهرة «النينو»، وهي على العكس تماماً من ظاهرة «اللانينا»، إذ تسبب زيادة في حرارة سطح المياه بدلاً من انخفاضها.

أمطار بعد سنوات عجاف

من جهة أخرى، فسّر خبير المناخ المغربي المهندس محمد بنعبو الفيضانات الأخيرة في المغرب بأنها نتيجة ظرفية استثنائية، إذ شهدت البلاد هطول كميات هائلة من الأمطار خلال فترة وجيزة، بعد سنوات طويلة من الجفاف.

غرق مدينة القصر الكبير في المغرب (رويترز)

وأوضح أن المرتفع الأزوري، أو مرتفع شمال الأطلسي شبه الاستوائي عادةً ما يحجب المنخفضات الرطبة عن البلاد، وهو ما يؤدي إلى فترات جفاف طويلة، لكن هذا العام، وبفضل تأثير «اللانينا» الجوية، تحرك المرتفع الأزوري نحو الشمال الاسكندنافي، ما فتح الواجهة الأطلسية لاستقبال المنخفضات الرطبة، فشهد المغرب منذ بداية سبتمبر وحتى اليوم هطول جميع المنخفضات الرطبة دون استثناء، وفق ما ذكر موقع «فرانس 24».

وأضاف أن المغرب بطبيعته منطقة ذات مناخ جاف أو شبه جاف، وأن هذه الأشكال المناخية غير المستقرة تشترك فيها معظم دول حوض البحر الأبيض المتوسط، التي تُعد نقطة ساخنة مناخياً. وتتميز هذه المناطق بدورات الأمطار المتقطعة، حيث قد تتوقف الأمطار لعام أو عامين، وقد تمتد فترات الانقطاع حتى سبع سنوات كما حدث سابقاً.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة خارج فصل الصيف يؤدي إلى تبخر كميات كبيرة من المياه، بينما تجعل السنوات الطويلة من الجفاف التربة صلبة وغير قادرة على امتصاص مياه الأمطار بشكل كافٍ، وهذا الواقع أسهم بشكل كبير في شدة الفيضانات التي تشهدها البلاد حالياً.


تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
TT

تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)

جدد «انبهار» ابنة الرئيس الأميركي تيفاني ترمب، بالمعالم الأثرية المصرية، الدعوات لاستغلال زيارتها لمصر رفقة زوجها رجل الأعمال الأميركي من أصول لبنانية مايكل بولس، في تنشيط السياحة.

وتجولت تيفاني، الابنة الصغرى لترمب، رفقة زوجها في منطقة الأهرامات، الجمعة، قبل أن تتجه إلى الأقصر (جنوب مصر)، السبت؛ حيث زارت «معابد الكرنك»، ومعبد الأقصر، ومتحف التحنيط، قبل أن تتجه إلى البر الغربي، وتزور «معبد حتشبسوت»، ومقابر وادي الملوك والملكات، ومعبد «الرامسيوم» ومنطقة تمثالي ممنون.

واحتفت وسائل إعلام محلية بالرحلة الشتوية لابنة الرئيس الأميركي. وتداولت صوراً ومقاطع فيديو لها في المعالم المصرية، ونقلت عن الدكتور محمود موسى مدير آثار «البر الغربي» بالأقصر، تأكيده على أن تيفاني ترمب «أبدت انبهاراً شديداً بالنقوش الفرعونية على الجدران، وبكيفية حفاظ قدماء المصريين على تاريخهم وكنوزهم من السرقات».

ووصف الخبير السياحي محمد كارم الزيارة بأنها «مهمة». وعدَّها «رسالة غير مباشرة لتنشيط السياحة في مصر». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الزيارة ستشكل نقطة انطلاق للترويج السياحي، ولا سيما جذب السوق الأميركية للسياحة الثقافية في مصر خلال الفترة المقبلة».

معبد حتشبسوت في الأقصر (الشرق الأوسط)

وهو ما أكده رئيس غرفة السياحة بالأقصر، ثروت عجمي، لـ«الشرق الأوسط»، واصفاً الزيارة بأنها «دعاية لا تقدَّر بثمن للمعالم السياحية المصرية». وتوقع أن «تؤتي الزيارة عائداتها على السياحة المصرية سريعاً، على غرار ما أحدثه افتتاح المتحف المصري الكبير».

وأشار إلى أنه «سيتم استغلال الزيارة في الترويج السياحي»، ولكنه عاد وأكد أن «السياحة ستزيد تلقائياً بعد الزيارة»، لافتاً إلى أن «زيارات المشاهير للمعالم السياحية توازي دعاية سياحية بمليارات، وهي فرصة ذهبية لا بد من استغلالها بالشكل الأمثل».

وساهم افتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في الترويج السياحي لمصر، وشهد زحاماً وتكدساً من مصريين وسياح في الأيام الأولى لافتتاحه.

وفي تصريحات متلفزة مساء السبت، أشار رامي فايز، عضو غرفة المنشآت الفندقية، إلى «سعيهم لاستغلال واستثمار زيارة تيفاني ترمب في الترويج للسياحة المصرية»؛ مشيراً إلى أن مصر «تستهدف الوصول لنحو 22 مليون سائح بنهاية 2026»، مضيفاً أن «العائد عن كل مليون سائح يوازي ملياراً و200 مليون دولار».

مقابر أثرية بالبر الغربي في الأقصر (الشرق الأوسط)

واستقبلت مصر خلال العام الماضي نحو 19 مليون سائح، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، وأكد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، في تصريحات صحافية الشهر الماضي، أن معدل النمو المحقق يفوق المتوسط العالمي البالغ نحو 5 في المائة، وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للسياحة، مما يعكس ثقة السائحين في مصر.

وجددت المطالب باستثمار زيارة تيفاني لمصر الدعوات السابقة لاستغلال زيارة اثنين من المشاهير العالميين للمناطق الأثرية في مصر الشهر الماضي، هما: النجم العالمي ويل سميث، وصانع المحتوى سبيد، وجولتيهما في منطقة الأهرامات والمتحف المصري الكبير.

وتعتمد مصر على قطاع السياحة بوصفه من ركائز الدخل القومي، وتسعى مصر لاجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.

تيفاني ترمب زارت أهرامات الجيزة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعلى هامش وجوده بالمعرض السياحي الدولي (EMITT) بتركيا، قال وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، لوسائل إعلام تركية، حسبما أفادت به الوزارة في بيان لها، الأحد، إن مصر تستهدف تحقيق نمو إضافي في أعداد السائحين بنسبة 10 في المائة في عام 2026. كما أشار إلى الزيادة الكبيرة في أعداد السائحين القادمين من تركيا بنسبة 43 في المائة خلال 2025، متوقعاً استمرار النمو خلال 2026، في ظل توقعات بزيادة حجوزات الطيران القادمة من السوق التركية بنسبة تتراوح بين 20 في المائة و25 في المائة.

وأكد الوزير أن «مصر بلد آمن، وأن الصورة الإيجابية عنها تنتقل بالأساس من خلال تجارب الزائرين أنفسهم، بعد عودتهم إلى بلدانهم، أو من خلال سفراء الدول المعتمدين لدى مصر»؛ مشيراً إلى «حرص كثير من السفراء على التجول في شوارع القاهرة التاريخية بصفة منتظمة، في رسالة واضحة تعكس الأمن والاستقرار، وتدعم الصورة الإيجابية عن مصر».

وأضاف فتحي أن «مصر تمتلك منتجات سياحية متنوعة وفريدة لا مثيل لها عالمياً، والتي يمكن دمجها لتقديم تجارب جديدة، إلى جانب الاعتماد على أدوات التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في الحملات الترويجية»، موضحاً أن «الموسم السياحي في مصر ممتد طوال العام، مع ازدياد الطلب على السياحة الفاخرة والرحلات النيلية».


إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
TT

إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)

كشفت دراسة كندية أن إجراءً جراحياً مبتكراً يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بسرطان المبيض، أحد أخطر أنواع السرطان النسائية.

وأظهرت الدراسة، التي قادها باحثون من جامعة كولومبيا البريطانية، أن الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بأكثر أنواع سرطان المبيض شيوعاً وفتكاً، ونُشرت النتائج، الجمعة بدورية «JAMA Network Open».

وغالباً ما يظهر سرطان المبيض دون أعراض واضحة في مراحله المبكرة، مما يجعل تشخيصه صعباً، وغالباً بعد تفاقم المرض. ويصيب سنوياً آلاف النساء حول العالم، مع ارتفاع معدلات الوفيات بسبب تأخر التشخيص؛ إذ لا يتوافر حتى الآن فحص مبكر فعّال للكشف عنه. وأكثر الأنواع شيوعاً هو سرطان المبيض المصلي، الذي يشكّل تحدياً علاجياً كبيراً نظراً لسرعته وخطورته.

وتعتمد الاستراتيجية الجراحية المبتكرة على إزالة قناتَي فالوب بشكل استباقي أثناء خضوع المرأة لجراحة نسائية روتينية، مثل استئصال الرحم أو ربط قناتي فالوب، مع الحفاظ على المبيضين لإنتاج الهرمونات الطبيعية وتقليل أي آثار جانبية.

وكانت مقاطعة كولومبيا البريطانية أول منطقة في العالم تعتمد هذا النهج عام 2010، بعد أن اكتشف باحثو جامعة كولومبيا البريطانية أن معظم حالات سرطان المبيض تنشأ في قناتَي فالوب، وليس في المبيضين كما كان يُعتقد سابقاً.

وحللت الدراسة بيانات صحية سكانية لأكثر من 85 ألف سيدة أجرين جراحات نسائية في المقاطعة بين عامي 2008 و2020، وقارن الباحثون معدلات الإصابة بسرطان المبيض المصلي بين من خضعن للاستئصال الوقائي لقناتي فالوب ومن أجرين جراحات مماثلة دون هذا الإجراء.

استئصال وقائي

وأظهرت النتائج أن السيدات اللاتي خضعن للاستئصال الوقائي كن أقل عرضة للإصابة بسرطان المبيض المصلي بنسبة 78 في المائة. وفي الحالات النادرة التي ظهر فيها السرطان بعد الإجراء، كان أقل شراسة بيولوجياً. كما دعمت بيانات من مختبرات تشريح مرضي حول العالم هذه النتائج، مؤكدة وجود تأثير وقائي مماثل.

ومنذ اعتماد هذا النهج، أصبح يُطبق على نطاق واسع في مقاطعة كولومبيا البريطانية، حيث تُجرى إزالة قناتي فالوب في نحو 80 في المائة من عمليات استئصال الرحم وربط القنوات. وعلى الصعيد العالمي، توصي منظمات طبية في 24 دولة بهذا الإجراء كاستراتيجية للوقاية من سرطان المبيض، من بينها الجمعية الكندية لأطباء النساء والتوليد التي أصدرت إرشادات رسمية عام 2015.

وقال الدكتور ديفيد هانتسمان، أستاذ علم الأمراض وأمراض النساء والتوليد بجامعة كولومبيا البريطانية والباحث المشارك بالدراسة: «هذه النتائج هي خلاصة أكثر من عقد من العمل بدأ هنا في كولومبيا البريطانية، وتأثير هذا الإجراء كان أكبر مما توقعنا».

وأضاف أن توسيع نطاق تطبيق الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب عالمياً قد يمنع آلاف حالات سرطان المبيض سنوياً، مشيراً إلى أن إدراج هذا الإجراء ضمن جراحات البطن والحوض الأخرى، كان مناسباً، وقد يزيد من عدد النساء المستفيدات بشكل كبير.