بيروت... مدينة لا تموت

كتاب وشعراء لبنانيون: ستنهض مجدداً من كبوتها وتتجاوز الكوارث

نادر سراج - ندى حطيط - محمود شريح
نادر سراج - ندى حطيط - محمود شريح
TT

بيروت... مدينة لا تموت

نادر سراج - ندى حطيط - محمود شريح
نادر سراج - ندى حطيط - محمود شريح

عن وجعهم وآلامهم وما يتعرض له وطنهم الحبيب من خراب ودمار، خصوصاً بعد الانفجار المروع الذي دمر مرفأ المدينة، عن شعبهم البطل الشجاع الذي لا يكف عن التظاهر والاحتجاح، مطالباً بتغيير النظام الذي نخر في عظامه الفساد والفوضى... عن بيروت الأمل والحرية والجمال وصورة الطفولة، يتحدث كتاب وشعراء لبنانيون... هنا نص شهاداتهم:

د. نادر سراج
كاتب وباحث أكاديمي

معنى أن تكون بيروتياً
العنوانُ مستلهمٌ من الكاتب النهضوي أنيس النصولي الذي أودع كتيّبَه عن دار الكشاف في بيروت بعنوان «موطني بيروت»؛ الصادر عام 1947 عن دار الكشاف ببيروت عام حقائقَ ومشاعرَ عن مسقط رأسه. رغبتُ في أن يكون مظلةً لخواطر راودتني بعد زلزال الثلاثاء الأسود العاتي، الذي نزل بها وبأهلها بتاريخ 4/8/2020، وحفزني لأجيبَ عن سؤالٍ «ما معنى أن تكون بيروتياً اليوم؟»، وها أنا أشركُ قراءَ «الشرق الأوسط» بها.
المجتمعاتُ المدينية في عالم العروبة والإسلام مجتمعاتٌ عريقة؛ لها تقاليدها وأعرافها وأساليب تنظيمها لحياتها الخاصّة والعامّة، وشخصياتها العامة ورموزها الثقافية هي عنوان خصوصيتها في فضائه الثقافي الاجتماعي؛ أي صورة المدينة عن نفسها وطرائق فهمها لعلاقتها بمجتمعها.
وهذا كله ينتج عن الحراك الاجتماعي للأفراد والجماعات، ويُقرأ في ضوء منظومة القيم والموروثات التي اختزنوها على مرِّ السنين، وتتمظهر في شتى أشكال تواصلهم مع الآخر.
بيروت مدينةٌ عريقة، ومجتمعها مجتمعٌ عريق. وللعراقة تقاليد وأعراف بارزة في بيروت. وقد اضطربت هذه الأعراف أو ضعُفَ انتظامها في سنوات الحرب والفتنة. الصراع الناشب على هوية المدن - ورمزية ساحاتها وميادينها العامة - في عالمنا العربي يستتبع الحديث عن منظومات قيمها. لذا نضيف: ليست المسألة في مدننا التاريخية من يملك المدينة أو من هو صاحبها؟ بل القضية قضية حق واستحقاق معاً. فللمدينة قيم وحياة وعمران وانتظام، وكلها أمورٌ تحتاج إلى بذل الجهد للتعلّم والتدرّب والدخول في المدينة وتقاليدها.
وقد كان من بين طموحاتنا في تكوين منظومة كتبنا عن بيروت التي تناولت كلاً من إثنوغرافيا المدينة ولسانها وزمانها وتحولاتها وتاريخها الاجتماعي ومدارسها، مطلع القرن الماضي («محكية بيروت العربية»، و«تراث بيروت في الحفظ والصون»، و«أفندي الغلغول»، و«الخطاب الاحتجاجي»، وقيد الطبع «المدرسة والمدينة») النفاذُ إلى أعماق المدينة، وليس البقاء على سطحها وظواهرها.
في كنف «باشورتها» أبصرتُ النور، وفي «مدرسة المعارف» اكتسبت علومي ونسجت شبكة علاقاتي المدرسية، واكتشفت الآخر المختلف، وبين حنايا مناطقها وأحيائها (البسطة والمزرعة والطريق الجديدة ورأس بيروت، والأشرفية حالياً)، ترسّخت ملامح هُويّتي، وبالأحرى بيروتيتي.
هذه الحيّزات الحضرية شكّلت مجتمعةً إرهاصاتِ وعيي لذاتي المختلفة، مثلما لمشاعري المؤتلفة مع أبناء بيئتي المدينيّة، ومحيطي اللبناني الشديد الخصب والتنوّع، وانتمائي العربي الرحب على حدّ سواء. الحديثُ عن هذه المكوّنات المتجاورة والمتحاورة هو حديث في العمق عن الإنسان وثقافته وتأثير عنصري الزمان والمكان عليه، وعلى طرائق تفكيره وأسلوب كلامه وانتظام أنماط عيشه.
روحُ المدينة انتقلت إليّ وإلى أبناء جيلي من خلال وسائل التواصل اللّغويّة المتاحة - لم يكن «الواتساب» متوفراً - بما فيها التحدّث بمحكيّة بيروت العربيّة التي اكتست بحلّة حديثة و«بيضاء»، والتي لطالما صدحت إيقاعاتها المحبّبة في الآذان، وتناغمت ألفاظها على ألسنة الأهل.
وأسهمت مفاتيح كلامها وتعابيرها وزادها اللّغوي في تسهيل اتصالهم بالآخر، مثلما في تشكيل وعيهم الثقافي والاجتماعي بأنفسهم وبالعالم من حولهم.
أنيسةُ المدن ليست محصّنةً من الأقدار التي تصيب جميع المدن الكبرى التي تشهد في مرحلةٍ ما من تاريخها أوقاتاً تزدهر فيها، وتعرف تغيّرات ديموغرافية واجتماعيّة ولغوية تأتي كنتيجة حتميّة للتحرّكات السكانيّة، وتعيش مآسي كارثية وكبوات. «مُرضِعَة العُلوم» ما غرّدت خارج السّرب، والمصائبُ لم تأتِها فرادى. فبعد انهيار عملتها الوطنية واكتساح جائحة كورونا للبلاد والعباد وللعالم (2020)، ها هو انفجارُ مرفئها المدمّر يزلزل كيانها ويحوّلها إلى «بيروشيما». وسبق لـ«ثورة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019» أن أعادت إلى شارعها الوطني والشبابي دينامية الاحتجاج وألق الانتفاض في وجه الظلم والفساد.
حيويةُ أهلها وساكنيها وزخمُ شباب لبنان ردّا إليها الروح. ها هي تنهض مجدداً من كبوتها، وتتجاوز المعوقات والكوارث، لتستعيد ألقها ودورها في المشهدين العربي والدولي.
فصلُ المقال أن بيروتَ سافرةٌ ضاحكةٌ لمن يُقبلُ عليها بالنية الطيبة والقصد الشريف، يعاشر أهلها المطبوعين على التسامح والاعتدال، يرتاد وسطها الساحر الفاتن. وهي شديدةُ التحجّب والإعراض عمَّن تتوسّم فيه الجفوة والترهيب والابتزاز.

ندى حطيط
شاعرة وكاتبة وإعلامية

من أين أفتحُ أزرار رئتيكِ؟!
من أين أفتحُ أزرار رئتيكِ لأبكيكِ، لأغسل بحركِ من الدماء، لأغسل أقدام قمحكِ من الاختناق؟
يا بيروت، يا أنثى الحزن الباذخ، يا مدينةٌ تقطرت من وجه الله،
كيف صارت شوارعك من دون شوارع، ومقاهيك من دون مقاهٍ؟ والمارة فيك جثث، والأحياء فيك أموات.
كيف صرت تنامين كما يمامة مسلولة، وفيك ينغل ساسة من نمل، وتقودك عناكب تمشي في جواربها السوداء.
هل قتلوكِ؟
هل قتلوكِ؟
هل قتلوكِ؟
أم هي غوايتك في مغازلة الموت لاستدراجه إلى ياسمينكِ، ثأراً من خيانته لفتنتك؟
إذ، كيف تموت مدينة مثلك وهي في جبين الأبد؟
إذ كيف تموت «المدينة - الآلهة» فما ذكر أهلوك اسمك «بيروت» إلا موصوفة بالأبيّة، فأنت لست كأي من مدائن البشر. لقد شربت وأنت على خاصرة رفيق عمرك البحر الأبيض شيئاً من روحه وهو المتوسط الشاهد الباقي على قيام الإمبراطوريات واندثارها، وجبروت العواصم وفنائها، فصرت مثله كما جزيرة سرمديّة للحياة في قلب سلّة الدّول المتعاقبة.
«أم الشرائع» التي أنجبت أفضل الحقوقيين للإمبراطوريّة الرومانيّة عبر ثلاثة قرون، لم تغرب عندما غربت روما العظمى، وقامت كما شمس الشرق الساطعة من كل كارثة صنعتها الطبيعة العمياء التي لا ترى البهاء، أو أطلقها عليها الرّجال قساة القلوب. ما سرّك وقانون التاريخ ومنطقه لا يعفيان أيّ مدينة من الموت؟ هل تذكرين البتراء المشقوقة في الصخر الوردي، بابل الأمجد، طروادة الشعراء؟ كلّها صارت في ضمير العالم، أوراق صفراء بالية في مكتبات الأيّام فيما أنت ما زلت فتيّة غضّة كصبيّة لمّا تبلغ عشرينها بعد.
نسجتِ روحك قطبة قطبة كما تنسج جدّة صوفاً لحفيدها ابن الشهيد، وتآمرت الجغرافيا مع التاريخ على رعايتك في نقطة تقاطعهما ناحية أطراف المشرق، واتفقت اليابسة مع البحر عليكِ مقهى للتلاقي، واختارت الشمس أن تأتي من فوق كتفك لتسجد أمامك، فتكاملت طعماً ولوناً ورائحة وصوتاً وملمساً وعنفواناً وغاراً وسنديان.
الذين يأتونك من مدن بلا روح يقولون ثمّة ما يجعل من هذه البيروت كأنها الحياة، فيما وحدك في المشرق تمنحين البشر فضاء لأن يكونوا أنفسهم، بشراً لا أكثر. المؤدلجون عندك يضعون أدلجتهم جانباً، ويشربون القهوة المغليّة مع أعدائهم الآيديولوجيين.
الجواسيس العابرون منك يلعنون حظّهم من استحالة العودة إليك بعد انتهاء مهماتهم، ويخترعون الأحداث ويلفقون الوقائع كي يطول بقاؤهم فيك، وعند الثائرين أنت عصيّة على السّقوط والذل. الفقراء يرمقونك بحسد ثم يقضون ما تبقى من أعمارهم وهم يبنون على طيفك أحلام صعودهم المستحيل.

أمراء الطوائف
ينزلون إليك كي تكون لهم دولة، ومنك يستمدون سلطتهم على أقطان إقطاعاتهم التائهة على سفوح الجبال المنزوية. المهجرون رسموك خيمتهم الأخيرة قبل موسم عودتهم إلى حيفاهم، وغادرك الغزاة العبرانيون المتجبرون وهم يرجونك ألا تطلقي عليهم الرصاص.
كيف أنفض النار عن أطفالك، وكيف أستجوب الأئمة عن طحينك المسروق، وكيف أقطّب فتق سمائك التي انكسرت، ومن أين أفتح أزرار رئتيك لأبكيك؟
يا بيروت، يا مدينة لا تعرف أن تموت.

محمود شريح
كاتب ومترجم

وردة الفردوس
بيروت، وردة الفردوس، تفاحة الأزل، قرطاس الهوى، مهبط الحرف ونقش القاموس، نفير سورية، مسقط الريحاني وجبران وسعادة، دعوة القومية سورية وعربية، مُلتقى قبّاني الشام ودرويش فلسطين، مطبعة شعر ومواقف والآداب وحوار وشؤون فلسطينية، نافذة فلسطين على الدنيا، وسادة الغرام في صورته الأولى، بساط الريح فوق الهلال الخصيب ووادي النيل وبلاد المغرب، عصيّة على الخراب.
بيروت، مدرج القراءة، ملعب الصبا، بيروت الرحيل في البهجة والهناء، لقاء الرومانسية بالرمزية، نِعمة القاهرة وبَركة القدس، قنطرة النوى ولقاء الصبيّة في المقهى، غناء فيروز وشكوى وليدها، وصل بغداد بالرباط، صفحة الجريدة وقهوة الصباح على شرفة المنفى، انبلاج الفجر وانغلاق المساء، خفّة النقلة من زهر الليمون إلى عطر القصيدة، مصيف أحمد شوقي ومحمد عبد الوهاب، جسر حاوي، أنشودة السيّاب، جحيم أبي شبكة، ثلاثون توفيق صايغ، عصيّةٌ على النسيان.



مسلسلات رمضان... ملاذ اللبنانيين للهروب من كوابيس الحرب

تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)
تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)
TT

مسلسلات رمضان... ملاذ اللبنانيين للهروب من كوابيس الحرب

تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)
تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)

في ظلّ حرب قاسية تلفّ لبنان، يبحث المرء عمّا يُنسيه شبحها الذي يلاحقه. فنشرات الأخبار من جهة، والتقارير الصحافية من جهة أخرى، تفرض متابعتها. وإذا ما حاول الإفلات من الشاشة الصغيرة، فإن الإشعارات القصيرة التي يتلقّاها عبر هاتفه تُعيده إلى الأمر الواقع.

فئة لا يُستهان بها من اللبنانيين تجد في الدراما الرمضانية ملاذها للهروب من تداعيات الحرب وأخبارها، فتلجأ إليها في لحظات التوتّر لتخفيف ضغط إنذارات القصف المُتتابعة.

يُحلّق المُتفرّج مع قصي خولي وكاريس بشار في مسلسل «بخمس أرواح» إلى عالم من الإثارة، وينتقل عبر «مولانا» إلى فضاء درامي مشوّق بقيادة المخرج سامر البرقاوي وبطولة تيم حسن. ومع مسلسلات مثل: «المحافظة 15»، و«بالحرام»، و«لوبي الغرام»، و«الست موناليزا»، و«على قد الحبّ» وغيرها، يجد المُشاهد برّ أمان ولو لساعات قليلة.

«المحافظة 15» من المسلسلات التي يتشوّق لبنانيون لمتابعتها (إنستغرام)

أحاديث اللبنانيين في زمن الحرب يطغى عليها الخوف والتحليلات السياسية. والجملة التي يردّدونها كثيراً، «شو بعرّفني؟»، تُشكّل بداية هذه الأحاديث ونهايتها؛ إذ لا يجدون بصيص أمل يتّكئون عليه لاستحضار طاقة رجاء، فلا حلول تلوح في الأفق.

من هنا، وجد المُتفرّج في الأعمال الرمضانية فسحة أمل. فهي، على عكس الحرب، تحمل نهايات واضحة. فالحلقات التي يتابعونها على مدى 30 يوماً تصل في النهاية إلى نقطة مُنتظرة. لذلك يشاهدونها صباحاً أو بعد الإفطار والسحور، آملين في لحظات راحة تبعد عنهم أجواء الحرب.

تقول لمياء، المقيمة في مدينة طرابلس، إنّ الأعمال الرمضانية أنقذتها من حالة اكتئاب حادّة كانت ستصيبها. وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في بداية الحرب كنتُ أتابع الأخبار دقيقة بعد أخرى، ثم لاحظتُ أنّ حالتي النفسية تتدهور بسرعة. قرّرتُ النأي بنفسي والتحوّل إلى متابعة الدراما الرمضانية. معها أجد استراحة بين جولة قصف وأخرى. فإذا انتهيتُ من حلقة من (مولانا) وكانت وتيرة الحرب لا تزال مرتفعة، أبحثُ عن دقائق راحة أخرى مع (بخمس أرواح). وعندما يشتدّ الأمر ويصبح هدير الطيران الحربي مسموعاً أكثر، أشاهد مسلسلاً آخر، حتى لو لم أكن قد تابعته منذ البداية».

«بخمس أرواح» ومتعة متابعة الثنائي قصي خولي وكاريس بشار (إنستغرام)

وما تقوله السيدة الطرابلسية ينطبق أيضاً على نايلة التي تسكن في منطقة بصاليم. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا أدري كيف كنتُ سأواجه هذه الأيام الثقيلة من دون مسلسلات. أجدها العلاج الوحيد للتوتّر والأرق اللذَين يصيبانني إثر قصف منطقة أو أخرى. أجلس في صالة الجلوس، أقرمش رقائق البطاطا وأتابع مسلسلاً». وتضيف: «أحياناً، عندما ننعم بساعات هدوء حذر، ألهي نفسي بأعمال المطبخ. لكن المسلسلات وحدها قادرة على أخذي في رحلة حالمة أنسى معها كلّ ما يحيط بي».

لغز اكتشاف ابنة «جود» في «بالحرام» يُحيّر متابعيه (إنستغرام)

ويلجأ بعض اللبنانيين إلى الزيارات القصيرة للجيران لتسجيل نزهة خاطفة خارج المنزل. وفي أحيان أخرى، يتجمّعون في غرف آمنة ليتسلّوا بورق اللعب. لكن منى معيقل، من منطقة الأشرفية، تقول لـ«الشرق الأوسط»: «الحرب تشلّ حركتي وتجعلني أتسمّر أمام الشاشة الصغيرة. هذه المرة، وبفضل الشهر الكريم، حظينا بنعمة الدراما الرمضانية. فهي تُسلّينا وتُنسينا أجواء الحرب، لا سيما أنّ غالبيتها تحمل موضوعات جميلة. وبصراحة لم أعد أهتمّ بموعد انتهاء هذه الحرب الشعواء ومَن سيربح أو يخسر فيها. أشغلُ نفسي بفكّ ألغاز تطرحها مسلسلات عدة، بينها اكتشاف من ستكون ابنة (جود) في مسلسل (بالحرام)».

وتختم: «أحياناً أتعمَّد تفويت بعض الحلقات لأجمعها معاً. وعندما أشاهد 3 حلقات أو أكثر دفعة واحدة، أشعر كأنني حجزت لنفسي موعداً طويلاً يبعدني عن أخبار الحرب لساعات. كأنني أتناول طبق حلوى يسيل له اللعاب كلّما فكّرت به».


سيباستيان براميشوبر: الرحلات الطويلة مع الغرباء ألهمتني فكرة «لندن»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

سيباستيان براميشوبر: الرحلات الطويلة مع الغرباء ألهمتني فكرة «لندن»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قال المخرج النمساوي سيباستيان براميشوبر إن فكرة فيلمه «لندن» لم تبدأ من قصة تقليدية بقدر ما نشأت من ملاحظة بسيطة عاشها بنفسه خلال رحلات طويلة بالسيارة، موضحاً أن «السفر مع غرباء في مساحة ضيقة مثل السيارة يخلق نوعاً خاصاً من الحوار لا يحدث في أي مكان آخر، لأن الإنسان في هذه اللحظات يكون في حالة مغايرة، فهو في طريقه إلى مكان ما، لكنه في الوقت نفسه يعيش زمناً معلقاً يسمح للأفكار والذكريات بأن تتدفق بحرية».

وأضاف، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الحالة تحديداً هي ما جذبه إلى صناعة الفيلم، لأن الحوار داخل السيارة يختلف عن أي شكل آخر من أشكال اللقاءات الإنسانية. «فعادةً ما يجلس الشخصان إلى جوار بعضهما وهما ينظران إلى الطريق أمامهما بدلاً من نظر بعضهما إلى بعض، وهو ما يخلق نوعاً من الصراحة غير المتوقعة، وهذا الوضع يجعل الحديث يتحرك ببطء، يتخلله صمت أحياناً، ثم يعود ليتحول فجأة إلى اعترافات شخصية عميقة»، على حد تعبيره.

تدور أحداث فيلم «لندن» الذي عُرض للمرة الأولى عالمياً في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» حول رجل يُدعى «بوبي» يقضي معظم وقته خلف مقود سيارته، يقود ذهاباً وإياباً على الطريق السريع الذي يربط بين مدينتي فيينا وسالزبورغ، وخلال هذه الرحلات الطويلة يلتقط ركاباً غرباء يسافرون في الاتجاه نفسه لتقاسم تكاليف الوقود، لتتحول السيارة تدريجياً إلى مساحة صغيرة للقاءات إنسانية عابرة.

المخرج النمساوي استلهم فيلمه من رحلاته (الشركة المنتجة)

وبينما تتغير الوجوه والقصص في المقعد المجاور له، يبقى الطريق الثابت الوحيد في حياة «بوبي»، الذي يبدو وكأنه يبحث عن شيء ما يتجاوز مجرد الوصول إلى وجهة محددة، ومع كل راكب جديد، ينفتح الفيلم على حكاية مختلفة، فهناك الشاب الذي يطرح أسئلة أخلاقية حول الخدمة العسكرية، والموظف الصغير الذي يسافر لزيارة عائلته، والباحث الذي يهتم بتاريخ الطريق الذي يسلكونه، وامرأة تستعد لبداية مرحلة جديدة في حياتها.

هذه اللقاءات العابرة تتحول إلى سلسلة من الحوارات التي يتداخل فيها الحديث اليومي البسيط والاعترافات الشخصية العميقة، بحيث تكشف تدريجياً عن صورة متعددة الوجوه للحياة المعاصرة في أوروبا، لكن خلف هذه الرحلات المتكررة يكمن سبب شخصي يدفع «بوبي» إلى الاستمرار في القيادة.

وأشار براميشوبر إلى أن «بطل الفيلم ليس مجرد سائق ينقل ركاباً عابرين، بل شخصية تبحث عن شيء مفقود في حياتها، فهو يقود في الظاهر إلى المستشفى حيث يرقد صديق قديم في غيبوبة، لكن الرحلة في حقيقتها رحلة داخل الذاكرة، ومحاولة لفهم ما تبقى من العلاقات القديمة، وكل راكب يصعد إلى السيارة يفتح نافذة مختلفة على الحياة، وهذه اللقاءات المتفرقة تتحول تدريجياً إلى صورة أوسع عن الإنسان الأوروبي المعاصر».

ولفت إلى أن تنوع الركاب كان جزءاً أساسياً من فكرة الفيلم، فما يهمه في هذه الشخصيات ليس تفاصيل حياتهم فقط، بل الطريقة التي تتقاطع بها حكاياتهم مع حياة «بوبي»، بحيث يصبح كل لقاء بمثابة مرآة تعكس احتمالاً مختلفاً لحياة كان يمكن أن يعيشها.

وأضاف أن الطريق السريع الذي تدور عليه الأحداث لم يُختر بشكل عشوائي، موضحاً أن طريق «ويست أوتوبان» بين فيينا وسالزبورغ يحمل تاريخاً معقداً يمتد إلى عقود طويلة، ورغم كونه يبدو في الظاهر مجرد ممر للسيارات، فإنه في الحقيقة يحمل طبقات من التاريخ السياسي والاجتماعي، بعضها يعود إلى زمن الحرب العالمية الثانية، وكان هذا البعد التاريخي كان مهماً بالنسبة إليه، لأنه يربط بين حياة الأفراد اليومية وما يسميه «التاريخ الكبير» في الذاكرة الأوروبية الذي يترك أثره في تفاصيل الحياة العادية.

وتحدث براميشوبر عن اختياره للممثل بوبي سومر في الدور الرئيسي، مؤكداً أن العلاقة بينهما بدأت قبل سنوات طويلة عندما التقيا خلال عمل سابق، وشعر منذ البداية أن سومر يمتلك حضوراً إنسانياً خاصاً وقدرة على الإصغاء للآخرين، وهي صفات عدّها أساسية للشخصية.

ركز الفيلم على جوانب إنسانية بشكل كبير (الشركة المنتجة)

وأضاف أن الفيلم لم يكن مكتوباً على شكل حوار تقليدي، بل اعتمد إلى حد كبير على تفاعلات حقيقية بين بوبي والركاب، ما منح المشاهد إحساساً بالصدق والعفوية، لافتاً إلى أن عملية اختيار الركاب كانت دقيقة؛ إذ كان يبحث عن أشخاص قادرين على الحديث عن حياتهم بصدق، لكن مع احتفاظهم بشيء من الغموض.

وقال إن «الكاميرا لا تحب الأشخاص الذين يكشفون كل شيء بسهولة، بل أولئك الذين يتركون مساحة للتأويل، ومن ثم جاءت بعض الشخصيات في الفيلم مستوحاة من تجارب حقيقية مرتبطة بقضايا مثل الحرب والهجرة، لكن الفيلم يتناول هذه الموضوعات من زاوية شخصية وإنسانية أكثر من كونه طرحاً سياسياً مباشراً».

وأشار إلى أن الفيلم صُوِّر في استوديو رغم أن أحداثه تدور في سيارة تسير على الطريق، وهو قرار جاء لأسباب فنية. فقد تم أولاً تصوير الطريق والمناظر الطبيعية بكاميرات عدة، ثم عُرضت هذه اللقطات لاحقاً على شاشات حول السيارة في أثناء التصوير، مؤكداً أن هذه الطريقة سمحت بخلق بيئة هادئة تساعد الممثلين على التركيز في الحوار، لأن الضجيج الطبيعي للطريق كان سيجعل تسجيل الصوت وإدارة الحوار أمراً أكثر صعوبة.

وأضاف أن «هذه البيئة المغلقة ساعدت أيضاً على منح الفيلم طابعاً يشبه المسرح الحميمي، حيث تتركز الكاميرا على الوجوه والتفاصيل الصغيرة في الحديث»؛ لأن ما يهمه في هذه اللحظات ليس الحدث الكبير، بل تلك الفجوات الصامتة بين الجمل، لكون الصمت أحياناً يكشف عن مشاعر أعمق من الكلمات.

وأشار إلى أن عنوان الفيلم «لندن» قد يبدو غريباً لأن الأحداث لا تدور هناك، لكنه يحمل معنى رمزياً مرتبطاً بماضي الشخصية الرئيسية، فلندن تمثل بالنسبة إلى «بوبي» مرحلة من حياته كان يشعر فيها بالحرية والانفتاح، ولذلك تتحول في الفيلم إلى رمز لمكان ذهني أكثر منها مدينة حقيقية.

وأضاف أن العنوان يفتح فضاءً أوسع خارج السيارة، وكأن الرحلة القصيرة على الطريق تتصل بخرائط أبعد من الجغرافيا المباشرة، مؤكداً أنه أراد من خلال الفيلم تقديم لحظة إنسانية بسيطة لأشخاص لا يعرفون بعضهم بعضاً يجلسون معاً لبعض الوقت، يتبادلون القصص ثم يفترقون، لكن أثر هذا اللقاء يبقى معهم لفترة أطول مما يتوقعون.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


«الفطر السحري» يعزّز فرص الإقلاع عن التدخين

الإقلاع عن التدخين خطوة حيوية لتعزيز الصحة (جامعة ييل)
الإقلاع عن التدخين خطوة حيوية لتعزيز الصحة (جامعة ييل)
TT

«الفطر السحري» يعزّز فرص الإقلاع عن التدخين

الإقلاع عن التدخين خطوة حيوية لتعزيز الصحة (جامعة ييل)
الإقلاع عن التدخين خطوة حيوية لتعزيز الصحة (جامعة ييل)

كشفت دراسة أميركية عن أن جرعة واحدة من مادة «السيلوسيبين»، المركب النشط فيما يُعرف بـ«الفطر السحري»، قد تساعد المدخنين على الإقلاع عن التدخين.

وأوضح الباحثون من جامعة جونز هوبكنز أن العلاج بـ«السيلوسيبين» إلى جانب العلاج السلوكي المعرفي يوفر نهجاً مختلفاً وأكثر فاعلية لمساعدة المدخنين على التخلص من إدمان التبغ، ونُشرت النتائج، الخميس، بدورية «JAMA Network Open».

ويُعدُّ التدخين أحد أبرز أسباب تدهور الصحة حول العالم، إذ يتسبَّب في نحو 480 ألف حالة وفاة سنوياً في أميركا وحدها، ونحو 8 ملايين وفاة عالمياً. ورغم رغبة كثير من المدخنين في الإقلاع عن هذه العادة، فإن العلاجات المتاحة حالياً غالباً ما تفشل في تحقيق نتائج طويلة الأمد. وتشمل العلاجات التقليدية بدائل النيكوتين والأدوية المساعدة مثل فارينيكلين، إضافة إلى جلسات الإرشاد النفسي، إلا أن كثيرين يعودون للتدخين خلال 6 أشهر من بدء العلاج.

وتركز الدراسة السريرية على تقييم فعالية «السيلوسيبين»، وهو مركب مهلوس مستخلص من نوع من «الفطر السحري»، في دعم الإقلاع عن التدخين. ويجري حالياً اختبار المركب أيضاً لعلاج بعض اضطرابات الصحة العقلية، مثل الاكتئاب، ما يعكس الاهتمام المتزايد بفوائده على الصحة النفسية.

وشارك في التجربة 82 مدخناً بالغاً سبق لهم محاولة الإقلاع عن التدخين، وقُسّموا عشوائياً إلى مجموعتين، تلقَّت الأولى جرعةً واحدةً عالية من «السيلوسيبين» تحت إشراف طبي، بينما استخدمت المجموعة الثانية لصقات النيكوتين لمدة تتراوح بين 8 و10 أسابيع. وخضع جميع المشاركين لبرنامج علاج سلوكي معرفي استمرَّ لمدة 13 أسبوعاً لدعم عملية الإقلاع عن التدخين.

وبعد 6 أشهر من بدء التجربة، بقي 38 مشارِكاً في مجموعة السيلوسيبين و32 في مجموعة لصقات النيكوتين. وأظهرت النتائج أن 40.5 في المائة من المشاركين في مجموعة «السيلوسيبين» تمكَّنوا من الامتناع المستمر عن التدخين، مقابل 10 في المائة فقط في مجموعة اللصقات. كما بيّنت الفحوص البيوكيميائية أن 52.4 في المائة من المشاركين في المجموعة الأولى لم يدخنوا خلال الأسبوع السابق للفحص، مقارنة بـ25 في المائة فقط في مجموعة اللصقات.

ويختلف تأثير «السيلوسيبين» عن العلاجات التقليدية للإدمان، إذ لا يستهدف مستقبلات النيكوتين مباشرة في الدماغ. ويعتقد الباحثون أنه يعمل عبر تغيير طريقة تفكير الشخص وإدراكه لذاته، ما يساعد على كسر أنماط السلوك الإدماني وتعزيز المرونة النفسية. وتشير النتائج إلى أن جرعة واحدة فقط قد تحقق تأثيراً طويل الأمد، وهو ما قد يقلل الحاجة إلى استخدام أدوية يومية أو طويلة المدى.

ولم تُسجل آثار جانبية خطيرة خلال الدراسة، لكن بعض المشاركين أبلغوا عن أعراض خفيفة، مثل ارتفاع طفيف في ضغط الدم، وصداع، وغثيان.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تمثل خطوةً مهمةً نحو تسريع تطوير العلاجات النفسية المعتمدة على المواد المخدرة لعلاج اضطرابات تعاطي المواد، بما في ذلك إدمان التبغ، مع التأكيد على ضرورة إجراء دراسات أكبر وأكثر تنوعاً لتحديد أفضل طرق العلاج وتكلفته وإمكانية تطبيقه على نطاق واسع.