ما معنى أن تكون أسمر الوجه في عالم الكتابة والنشر؟

كتّاب ووكلاء وبائعون وناشرون يتحدثون عن تأثير العرق على حياتهم المهنية

جنيفر وكوري ويلسون
جنيفر وكوري ويلسون
TT

ما معنى أن تكون أسمر الوجه في عالم الكتابة والنشر؟

جنيفر وكوري ويلسون
جنيفر وكوري ويلسون

أثارت الاحتجاجات العارمة التي اندلعت في أرجاء البلاد كافة ضد وحشية الشرطة واللامساواة العنصرية، حالة من الجدال ضمن أروقة مختلف الصناعات والمجالات حول المعاملة التي يتلقاها السود، وليس مجال الكتابة والنشر استثناء من ذلك.
فلقد تعرضت هذه الصناعة، ومنذ فترة طويلة، إلى كثير من الانتقادات بسبب تعيين عدد قليل للغاية من الموظفين الملوّنين؛ وذلك وفقاً لـ«استبيان قوة العمل» الصادر خلال العام الحالي عن دار «لي آند لو بوكس» لنشر كتب الأطفال، وخلص الاستبيان إلى أن نسبة الموظفين السود في هذه الصناعة لا تتجاوز 5 في المائة. غير أن نداءات التنوع العرقي بين الموظفين كانت في تصاعد واضح خلال الأسابيع الأخيرة، سيما مع إعراب المهنيين السود عن حالة الإحباط طويلة الأمد التي تلازمهم بشأن التأثيرات العنصرية التي ترافق حياتهم المهنية. وفي مجال النشر، دار الأمر حول مناقشات تتعلق بممارسات التوظيف، والمنازعات الصغيرة التي تشهدها أماكن العمل، ومعاملة دور وشركات النشر للكتب من تأليف الكتّاب والروائيين السود.
هنا ثمانية من المختصين في عالم الكتابة والنشر – وهم يعملون في جوانب مختلفة من تلك الصناعة، بما في ذلك كاتب، ووكيل أدبي، ومسوق للكتب، وناشر، وبائع للكتب - يدلون بشهاداتهم حول تأثير أصولهم العرقية وألوان بشراتهم على حياتهم المهنية:
> كيري كيه. غرينيدغ (أستاذة مساعدة في قسم الدراسات العرقية والاستعمار والشتات في جامعة تافتس، مؤلفة كتاب بعنوان: «التطرف الأسمر: حياة وأوقات ويليام مونرو تروتر»): «إن كان هناك ما أود أن أقوله بشأن قصتي الخاصة عما يتعلق بقضية العنصرية في مجال الكتابة والنشر، فهو أنه بصرف النظر تماماً عن قدر النجاح الرائع الذي أحرزته؛ فإنه يرجع إلى فضل النساء السود اللاتي وجهنني صوب الطريق الصحيحة. كانت النساء السود هن اللاتي أرشدنني ووجهن خطواتي للتنقل عبر مختلف المواقف. ووفق هذا، أعدّ نفسي محظوظة للغاية. ولكن الأمور كانت شديدة الإحباط حتى تمكنت من إحراز أول نجاح في حياتي.
أميل، بصفتي مؤرخة في الأساس، إلى الاعتقاد أن الانتصار على التمييز العنصري أو التحيز العنصري يشبه مرور شخص ما من أحد الأبواب ثم تنفتح البوابات كافة من خلفه وينطلق الجميع في أثره. وليس لدي اعتقاد واضح ومحدد بأن هذه اللحظة الراهنة سوف تسفر عن تغيير كبير أو ربما جذري في صناعة الكتابة والنشر على الإطلاق؛ بل أعتقد أن ما سوف يحدث مجرد تغيير في الطرق كافة التي ينتج الناس من خلالها الأعمال. لا بد لكل ذلك من أن يتغير تماماً قبل أن يتغير مجال الكتابة والنشر. وفيما يتصل بالنشر والأوساط الأكاديمية؛ أرى أن هذين المجالين - الكتابة والنشر - سوف يلحق بهما التغيير الحقيقي إذا ما تحول الزخم السياسي الراهن في الشارع العام إلى شيء حقيقي وملموس. إن رؤية الشباب يشرعون في حركة جديدة في شوارع البلاد في خضم الكارثة الوبائية الراهنة لهُو أمر يبعث على الأمل والتفاؤل والثقة في مكامن نفسي. ورؤيتي لهذا الجيل من الشباب الذين يحاولون تغيير سنوات الصدمة وتحويلها إلى واقع ينفجر زخمه في وجه العالم بأسره لهُو من أبلغ ما يثير الإلهام في قلوبنا جميعاً».
> جنيفر وكوري ويلسون («سيسترز أب تاون» لبيع الكتب):«كان الصراع في صناعة الكتب كبيراً ومثيراً للذهول. فلم أتمكن من كسب المال عبر بيع الكتب منذ أكثر من 20 عاماً. ولقد تحول الأمر عندي إلى (العمل من أجل ما أحب في مقابل العمل من أجل المكسب والأموال). كانت عندي وظيفة أتكسب منها، وتمكنت من ادخار ما يكفي من المال من تلك الوظيفة في حالة ما إذا كان المتجر لا يأتيني بأي أرباح على الإطلاق، حيث كنت أتمكن من تغطية فواتير المتجر بصفة دائمة. ولقد قال لي أحدهم ذات مرة: (لن تنجحي في ذلك أبداً، فالسود قلّما يهتمون بالقراءة). لكن، وبعد مرور 20 عاماً، ما زلت موجودة في مكاني وأواصل عملي الذي أحبه.
> ليندا دوغينز (كبيرة مديري الدعاية لدى دار «غراند سنترال» للنشر، وهي إحدى شركات مجموعة «هاشيت» لنشر الكتب): «مرت بنا أوقات كنا نستطيع فيها الترويج والنشر لعدد لا بأس به من كتب المؤلفين السود والمؤلفين الملونين، وكان ذلك هو محل تركيزي قبل بضعة أعوام من الآن. ولقد اعتدت أن أكون مسؤولة الدعاية متعددة الثقافات لدى مؤسسة (وارنر بوكس) للنشر. ولقد كنا نعمل ونتداول كثيراً من هذه الكتب، ثم حدث التحول المفاجئ للجميع. وأعتقد أنه كان تحولاً ملموساً على مستوى الصناعة بأسرها.
ينظر الناس بصورة مختلفة قليلاً إلى الكتب من تأليف الكتاب السود والمؤلفين الملونين. هل تُباع هذه الكتب؟ وإن كانت كذلك، فهذا شيء عظيم. وإن لم تكن كذلك، فدعونا نحاول التخلص منهم. في حين أنه عند النظر إلى صناعة النشر إجمالاً، تجد كتباً من تأليف أطياف المؤلفين كافة. وأغلب هؤلاء الكتاب والمؤلفين من البيض. وبعض من هذه الكتب لا يحقق صدى جيداً في الأسواق، ورغم ذلك؛ فإننا لا نقوم بالتخلص من المؤلفين البيض على أي حال.
كانت لديّ بعض الخبرات والتجارب على طول الطريق. على سبيل المثال، كان هناك تجمع من أجل أحد المؤلفين السود، وكنت في بهو المبنى، وتقابلت مع زميلة - لم تكن تعرف أنني زميلة في المهنة نفسها - ولم تكن تحمل هويتها الشخصية معها. فقلت لها: (حسناً، أستطيع أن أذهب بك إلى الأعلى)، فالتفتت إليّ وقالت: (هل أنت على صلة بالمؤلف؟). وكان السبب في أنها سألتني ذلك السؤال أن المؤلف كان أسود. ولكن الأمر الأكثر إثارة للضيق كان أن هذه المحررة كانت قد عملت على كتاب من تأليف المؤلف نفسه، وكان الكتاب يدور حول البدايات الأولى للممارسات العنصرية في الولايات المتحدة».
> تشيريز فيشر (الوكيلة الأدبية لدى شركة «ويندي شيرمان وشركاه»): «بعد تخرجي في الجامعة، بدأت العمل لدى إحدى دور النشر. وكانت خطتي تدور حول العمل لمدة ما بين سنتين وثلاث سنوات، ثم الالتحاق بكلية القانون، لكي أصبح محامية، ثم العمل وكيلة أدبية. ولقد انتهى بي الأمر إلى العمل في مهنة تحرير الكتب لعقود عدة من عمري، تلك المهنة التي أحببتها، قبل أن أصير وكيلة أدبية كما أردت.
إن العمل في النشر يشبه كثيراً التلمذة المهنية، حيث تعمل لدى أحد المحررين، وهم يعملون على تلقينك أسرار المهنة، وينبغي أن يكونوا من أكبر المدافعين عنك، وعليهم الترويج لك، ودعمك وإسنادك، ودفعك إلى الأمام دفعاً. ولقد حظيت بكثير ممن رعوني بشكل ممتاز، وهم الأشخاص الذين يدركون أن هناك شيئاً ما بداخلي وكانوا على استعداد تام لدعمي ومساعدتي. أنت بحاجة حقاً إلى محررين من ذوي التجربة والخبرة لدعمك عندما تشرع في العمل».
> إيرول ماكدونالد (نائب الرئيس والمحرر التنفيذي لدى شركة «بانثيون»): «يغلب اللون (الأبيض) على مختلف أركان هذه الصناعة، بينما عدد المحررين السود في مدينة نيويورك قليل جداً بشكل صادم. إنني أعمل لدى أحد أكبر ناشري الكتب في الولايات المتحدة، ولا أستطيع أن أذكر لكم سوى أسماء حفنة قليلة من المحررين السود الذين يعملون هناك. ولا يتعلق هذا بشركة (بنغوين راندوم هاوس) وحدها، وإنما هو من الممارسات المتوطنة والقديمة في هذه الصناعة. وأعتقد أنه ما لم يحدث تغيير منهجي من الأعلى وحتى الأسفل، فسوف تظل صناعة النشر تمثل القوى الثقافية المتضاربة، والتي تدعو وتنادي بأمر ولكنها لا تمارسه في الواقع أبداً.
لقد أثرت النزعات العرقية على مهنتي بصورة إيجابية وسلبية في الوقت نفسه؛ إذ يتعرض المحررون السود لدرجة من درجات التنميط العنصري لا يعاني منها مطلقاً المحررون البيض. ولقد تعين عليّ محاربة ذلك إلى حد ما، ومحاربة الافتراضات المسبقة المعنية بنوع الكتب التي ينبغي أن أعتني بها وأعمل على نشرها.
إن حالتي بصفتي رجلاً أسود في الولايات المتحدة العنصرية لم تتغير طيلة السنوات الماضية. وهي ممتدة إلى صناعة النشر المتأثرة حتى النخاع بالعنصرية الممنهجة، والتي لم يطرأ عليها التغيير منذ أكثر من 40 عاماً وحتى اليوم. كل ما تغير هي الاستجابات الناجمة عن مثل هذه الظروف. والبيئة اليوم هي أفضل كثيراً من حيث العمل في دور وشركات النشر في الوقت الحاضر عما كانت عليه الأوضاع في الماضي. على سبيل المثال؛ قبل 40 عاماً ونيف، كان الناس يستطيعون التفوه بالنعوت العنصرية بكل صراحة ووضوح. أما الآن، فلم يعد الأمر كما كان قبل أربعة عقود، غير أن ذلك لا يعني أن طاعون العنصرية قد زال واختفى؛ بل إنه موجود، ويتعين على المرء أن يتعامل معه بطريقة أو بأخرى في كل يوم. ولكن الصناعة تزعم أنها منفتحة على التغيير، وهذا فارق كبير؛ إذ لم يكن الناشرون قبل 40 عاماً يتحدثون عن مثل هذه القضايا على الإطلاق. فلم تكن مثل هذه القضايا لها وجود في تلك الآونة بالنسبة لهم».
- خدمة «نيويورك تايمز»



«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كورت أندرسن
كورت أندرسن
TT

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كورت أندرسن
كورت أندرسن

لا تقتصر الروايات التي تدور أحداثها في المستقبل على أدب الخيال العلمي؛ فالأوقات العصيبة والمشحونة بالقلق غالباً ما تولّد أعمالاً أدبية تصوّر عوالم مستقبلية قاتمة (ديستوبيا) تتسم بالقلق والتحذير - ومتى كانت آخر مرة شعرت فيها بالاطمئنان التام؟ لقد حفلت حقبة القرن العشرين، على وجه الخصوص، بمثل هذه الرؤى؛ وقد أثبتت بعض الأعمال مثل «حكاية الجارية» (The Handmaid’s Tale) لمارغريت آتوود، أو «عالم جديد شجاع» (Brave New World) لألدوس هكسلي، التي نُشرت عام 1932، وتزداد أحداثها إثارةً للرعب يوماً بعد يوم - أنها كانت أكثر دقة في استشراف المستقبل مقارنة بغيرها. ومع ذلك، فإن أفضل طريقة لفهم هذه الأعمال ليس باعتبارها تنبؤات حقيقية لمستقبلنا، بل كإطلاقٍ لجام المخاوف الراهنة - التي تشبه أحلام اليقظة - بشأن التقلبات العمياء التي تميز لحظتنا الحالية.

غلاف الرواية

في روايته الجديدة «الانفصال» (The Breakup)، يقدم كورت أندرسن شيئاً نادراً ما نراه في هذا النوع من الكتب (وتتبادر إلى الذهن هنا رواية جون رايموند الممتازة الصادرة عام 2022 حول الكوارث المناخية، وهي «الإنكار» Denial)؛ فهو لا يختار مسرحاً لأحداثه في قرن بعيد حيث تصبح مشاكلنا الحالية مجرد جزء من التاريخ، بل يختار وقتاً لا يبعد سوى 19 عاماً من الآن، وهي فترة من المرجح أن يعاصرها معظم قرائه.

وفي محاولة لاستشراف الحالة الانتقالية المقلقة للحياة الأميركية في عام 2026، يرسم الكاتب صورة لعام 2045 - بعد مرور سنوات على حرب أهلية أميركية ثانية قصيرة وقذرة ومصوّرة ببراعة لافتة، حيث انقسمت البلاد إلى كيانين منفصلين بشكل فوضوي ولكنهما لا يزالان رسميين: «الولايات المتحدة الأميركية» (التي تقلصت لتضم 39 ولاية فقط) و«الجمهورية الأميركية الحرة» (Free American Republic)، وهي كيان يغلب عليه السكان البيض والمسيحيون، ويمثل عودة إلى أفكار رجعية نألفها جميعاً - ونشعر بالأسى تجاهها - في واقعنا الحالي.

ومع حلول السلام، يُسمح لسكان الولايات المتحدة السابقة بأسرهم التصويت لتحديد الكيان الذي يرغبون في الانضمام إليه. وهكذا، لا نجد هذه المرة حدوداً فاصلة مرتبة جغرافياً أو متخيلة بوضوح كما كان الحال مع «خط ميسون - ديكسون»؛ فعلى سبيل المثال، نرى المسافرين عبر الولايات الجنوبية - حيث لا ترغب المناطق الحضرية في الانضمام إلى «الجمهورية الأميركية الحرة» (F.A.R)، تماماً كما أن الجمهورية نفسها لا ترغب في ذلك... - نراهم يعبرون الحدود «الوطنية» ذهاباً وإياباً طوال الوقت. إنها ليست حالة انفصال تام (secession)، بل «تفكك للوحدة» (disunion)؛ ورغم أن هذا الحل يمثل فوضى عارمة، فإنه أوقف على الأقل هجمات الطائرات المسيرة الإرهابية ونشر الجيش للروبوتات - كرد فعل - لقتل مواطنين أميركيين متمردين في الشوارع. هذا في الوقت الراهن على الأقل.

يأخذنا المؤلف في جولة عبر هذه الحياة الأميركية الجديدة عبر عائلة «زيمباليست»، التي تعكس خطوط التصدع فيها ما تعيشه الأمة بأسرها، وهو أمر تدركه العائلة تماماً. ففي عام 2044، انتقلت العائلة من ولاية تينيسي إلى سان فرانسيسكو ليتولى «آشر زيمباليست» إدارة «معهد» غامض المهام نيابةً عن شخص قد يمثل أندر الكائنات وجوداً: الملياردير المُحب للخير. لكن زوجته «ناتالي» لم تتحمل الصدمة الثقافية؛ فهي شاعرة - من بين كل المهن - وقد اكتسبت سمعة مثيرة للجدل (أو «سيئة السمعة» ثقافياً) لكونها صريحة ومباشرة في انتقاد المسلمات الليبرالية، بأسلوب يذكّرنا بالكاتبة ليونيل شرايفر؛ ونتيجة لذلك، عادت ناتالي إلى تينيسي قبل ستة أشهر.

إذن، هل انفصلا نهائياً؟ وهل السياسة هي السبب؟ لا أحد منهما متأكد (ولا حتى طفلاهما)، والآن يجدان نفسيهما أمام أمر واقع يفرض عليهما التحرك: اقتراب موعد جولة - خُطط لها منذ فترة طويلة - لزيارة جامعات محتملة لابنهما الأصغر «لوغان». ستأخذهم هذه الجولة عبر قلب أميركا الذي أعيد تشكيله حديثاً.

إنها بداية موفقة للقصة. لكن الأمر المحير هو انقضاء أكثر من 300 صفحة من الرواية قبل أن يدور محرك سيارة عائلة زيمباليست - وبالتالي محرك حبكة الرواية نفسها - وتبدأ أخيراً تلك الرحلة البرية التي طال الحديث عنها. فقبل ذلك، نواجه قسماً ضخماً وساكناً درامياً مما يمكن أن يطلق عليه أصحاب الخيال التأملي (أو التكهني) مصطلح «بناء العالم» (world-building)؛ وهو تصوير شامل ومبتكر ومفصل للغاية لرؤية الكاتب «أندرسن» للسنوات الـ19 المقبلة من التاريخ الأميركي. ورغم ذلك، فإن القراءة ممتعة، لا سيما أنها تتضمن تخيلات لمصائر العديد من المشاهير المعاصرين. (من بين عشرات الظهورات الخاطفة لشخصيات حقيقية، وبالتأكيد لن يضر الكشف عن تفصيل واحد: يموت إيلون ماسك إثر جرعة زائدة أثناء رحلته إلى المريخ).

بصفته روائياً، يُعد أندرسن - الذي تشمل أعماله غير الروائية «أرض الخيال: كيف فقدت أميركا صوابها» (Fantasyland) و«العباقرة الأشرار: تقويض أميركا» (Evil Geniuses) - فيلسوفاً أكثر منه صانعاً للحبكات القصصية. فالدراما العائلية التي تدور حول علاقة الزوجين «زيمباليست» - وما إذا كانت ستستمر أم ستنتهي - تفتقر إلى التشويق بمجرد أن تبدأ الأحداث فعلياً؛ إذ تشبه إلى حد كبير قضاء أسبوع في سيارة مع ثلاثة أشخاص يضحكون على سلسلة من النكات الخاصة بهم، ثم يشرحون لك لاحقاً سبب كون تلك النكات مضحكة.

ولكن، ما المشكلة في ذلك؟ الأعمال الأدبية التي تتناول الدراما العائلية منتشرة بكثرة في الأدب الأميركي. وما سيجذب قراء رواية «الانفصال» (The Breakup) في هذه اللحظة التي تتسم باستقطاب وغضب يبدوان غير قابلين للاستمرار، وبانتهاك صارخ للمؤسسات والمبادئ المدنية الأميركية، هو تقديم رؤية لمستقبلنا القريب؛ رؤية تتسم بالعنف والتحذير، وهي مروعة لدرجة تمنح شعوراً بالتفريغ العاطفي (التطهير)، ومع ذلك تظل قابلة للنجاة منها بطريقة ما. وفي هذا الجانب، ينجح أندرسن في تقديم تلك الجرعة من الإثارة والمتعة التي جعلت أعماله السابقة ضمن قائمة الكتب الأكثر مبيعاً.

* جوناثان دي هو مؤلف ثماني روايات، أحدثها رواية «شارع السكر» (Sugar Street)، وهو يشغل منصب مدير برنامج الدراسات العليا في الكتابة بجامعة سيراكيوز

*خدمة: «نيويورك تايمز»


«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية
TT

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

تُطلق «دار رفّ للنشر»، الذراع المتخصصة في قطاع النشر والتابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام»، وهو كتاب في مجلد واحد مستمد من الأرشيف الشخصي والسياسي لنائب الرئيس السوري الأسبق الراحل عبدالحليم خدّام، الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود داخل دوائر الحكم في سوريا قبل إعلان انشقاقه في باريس عام 2005.

ويضع هذا الكتاب، الذي جمع مادته وحرّره إبراهيم حميدي، رئيس تحرير «المجلة» بين أيدي القارئ أرشيفاً سياسياً بُني على مدى عقود في قلب النظام السوري السابق، ويضم آلاف الوثائق، والمذكرات المكتوبة بخط اليد، والمراسلات الخاصة، والملفات الشخصية، والروايات المباشرة التي تغطي فترة حكم حافظ الأسد، وصعود بشار الأسد، وحقبة الأسدين في لبنان، وصولاً إلى العلاقات الإقليمية والدولية وانعكاساتها على منطقة الشرق الأوسط. ومن خلال ذلك، يكشف الكتاب عن مواد غير معروفة للمرة الأولى، وروايات جديدة من قلب دوائر السلطة.

ويعدّ الكتاب نافذة على الشؤون الداخلية لسوريا وصراعات القوة داخل النظام السوري السابق، فضلاً عن علاقاتها مع لبنان، والمملكة العربية السعودية، ومصر، إلى جانب الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، حيث يسلط الكتاب الضوء على أكثر الأحداث تعقيداً وجدلاً في المنطقة خلال الحقبة الماضية.

ويتضمن الكتاب أيضاًً شهادة خدّام حول أحداث كبرى متعددة في المنطقة، بينها، أحداث الأشهر التي سبقت حادثة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، بما في ذلك تحذيره الأخير للحريري قبل ستة أيام من الاغتيال، مدعوماً بتفاصيل ولقاءات جرت بينهما. كما يغطي صراعات القوة الداخلية التي تلت وفاة حافظ الأسد، والادعاءات المحيطة بالإدارة المالية للنظام السوري السابق، وإبعاد شقيق حافظ الأسد، رفعت، من سوريا إثر صراع الأخوين على السلطة في أوائل الثمانينات. ويكشف الكتاب كذلك، وللمرة الأولى، عن مراسلات دبلوماسية مع قادة إقليميين ودوليين.

في تعليقه على إطلاق الكتاب، يقول إبراهيم حميدي: «تكمن أهمية هذا الأرشيف في كونه نابعاً من داخل المنظومة ذاتها. فهو ليس مجرد سرد استرجاعي من الهوامش، بل سجل توثيقي مبني على مستندات ومراسلات وشهادة مسؤول رفيع المستوى، كان حاضراً خلال بعض أهم اللحظات المفصلية في تاريخ سوريا الحديث».

ويضيف: «لا يسعى هذا الكتاب إلى طي صفحة التاريخ لتلك المرحلة، بل يفتح باباً أوسع لمزيد من القراءة والفهم؛ حيث يقدم للقراء والصحافيين والباحثين وصنّاع القرار مادة جديدة لدراسة الشأنين السوري واللبناني، والنظام الإقليمي الأوسع الذي أحاط بهما».

يُشكّل كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام» جزءاً من سلسلة كتب سياسية مرتقبة تُركز على منطقة الشرق الأوسط، ستصدرها «دار رفّ للنشر» بالتعاون مع حميدي. وسيكون متاحاً ابتداءً من 31 أغسطس (آب) 2026 على منصات «أمازون» (Amazon)، و«أبل بوكس» (Apple Books)، و«جوجل بوكس» (Google Books)، بالإضافة إلى توفره في مكتبات مختارة.


التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم
TT

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

صدر حديثاً، عن بيت الحكمة للثقافة في القاهرة، كتاب «صنع الله إبراهيم: سردية التحوُّلات الاجتماعية في مصر» للناقد المصري الدكتور محمد ماهر بسيوني، منطلقاً من أن الروائي الراحل، الذي تحل ذكرى رحيله الأولى هذه الأيام، قد امتلك وعياً حاداً بالتحولات الاجتماعية العميقة في مصر، وحساسية فائقة لانعكاساتها القاسية على أفراد المجتمع وطبقاته، مما جعله ينتقي شخصيات رواياته من الشعب المصري، ليحلل من خلال حيواتهم ومصائرهم بنية المجتمع وتغيراته الحادة، وجسَّد تحليله في شكل روائي معبراً عن الحقيقة، وإن اصطدم مع وجهة النظر السائدة، التي تفرضها قوة السلطة وغواية الدعاية.

ويؤكد الكتاب أن الواقع حاضر بقوة في روايات صنع الله، وأنه تناول قضاياه تناولاً جماليّاً، بعيداً عن ابتذال الالتزام السياسي الآيديولوجي، مهتمّاً بإنسان الحياة اليومية، الذي لا يتزين بالسياسة، ولا يتغنى بأناشيدها، ولا يؤمن بأساطيرها؛ إنسان البيوت والشوارع والعمل غير المجزي، ذو الآمال العريضة المجهضة دائماً، والآلام السائدة، والأفراح المختلسة. مشيراً إلى أن النظر العميق في واقع الإنسان المصري يكشف المأساة في كل تفاصيل حياته، التي لا تنفصل عن مأساة مجتمعه في عالمه الثالث، الذي صار عرضة لكل أشكال الاستغلال، فما إن تحرر من الاستعمار التقليدي حتى وقع في براثن استعمار أشد وأنكى، هو الاستغلال السلعي.ويقول المؤلف في مقدمته للكتاب إن صنع الله «يعد واحداً من أصحاب المشروعات الروائية المتكاملة التي تعمل على مقاربة المرجع الاجتماعي/ التاريخي دون أن يتنازل في سبيل ذلك عن القيمة الجمالية للنص السردي، بل نجده في تجريب مستمر يتجاوز نفسه دائماً ويضع لنصه سمات فريدة تدل على تصور خاص حول الإبداع الروائي، ويستنطق التاريخ الاجتماعي والسياسي مقترحاً تأويله الخاص لتحولات بنية المجتمع المصري المتسارعة والعنيفة في ستة عقود فحسب».

يتكون الكتاب من تمهيد يتناول تاريخ الدراسة الاجتماعية للأدب، ثم ثلاثة فصول، بعناوين «المنهج والمصطلح»، و«الإجراء السردي»، و«التأويل السردي»، ثم خاتمة عن أهم ما توصلت إليه الدراسة.

واعتمد المؤلف منهجياً على علم اجتماع النص، كما تقدمه مقولات بيير زيما، بغرض استخلاص رؤية العالم للجماعة التي يعبر عنها الروائي، وركز على دراسة عنصري الشخصية واللغة، اللذين كانا محل اهتمام الروائي في تبيان الأثر العميق للتحولات الاجتماعية المتباينة والمتسارعة على المجتمع المصري وأفراده. واستبعد بعض روايات صنع الله التي تناقش مجتمعات أخرى عربية وعالمية. وكان قد صدر لمحمد ماهر بسيوني من قبل كتابان: «الصين في 65 عاماً»، و«المكان في الرواية العربية (دراسة ثقافية تطبيقية)».