مكة... ملتقى الثقافات عبر العصور

كتاب عن تجليات الحج يتناول مكانتها في أدب الرحلة الهندي

مكة المكرمة كما بدت أمس (أ.ب)
مكة المكرمة كما بدت أمس (أ.ب)
TT

مكة... ملتقى الثقافات عبر العصور

مكة المكرمة كما بدت أمس (أ.ب)
مكة المكرمة كما بدت أمس (أ.ب)

لعبت مكة دورا مهما في أدب الرحلة على مر العصور، وشكلت بؤرة لالتقاء عديد من الثقافات شرقا وغربا، حتى أصبحت «أم القرى» مرفأ للطمأنينة والسلام. عن هذا الدور وأهميته وخصوصيته يأتي كتاب «رحلة إلى الحجاز ومصر» الصادر في القاهرة عن المركز القومي للترجمة للأمير أحمد حسين خان، وترجمه للعربية الباحث جلال السعيد الحفناوي.
يتكون الكتاب من جزأين، في الجزء الأول يقدم المترجم بحثا تاريخيا مسهبا، بينما تم تخصيص الجزء الثاني القصير لرصد وقائع رحلة الحج المقتضبة كما عاشها ورواها «خان» في بدايات القرن العشرين.
يشير الحفناوي إلى أن زيارة الحرم الشريف من العوامل المهمة التي مهدت الطريق لظهور رحلات الحج الهندية في الأدب الأردي في القرنين التاسع عشر والعشرين، وتعددت هذه الرحلات حتى بلغت المئات، وكتبت باللغتين الفارسية والأردية. وقد ظهرت دراسات عديدة في الآداب الإسلامية أكدت انفراد اللغة الأردية بهذا الكم الهائل من الرحلات إلى مكة المكرمة حيث كتب الرحالة الهنود رحلاتهم باللغة الأردية وعبروا فيها عن مشاعرهم الجارفة نحو هذه البقاع المقدسة واهتموا برواية التفاصيل الدقيقة عن تاريخ مكة المكرمة، والعادات والتقاليد والمناسك والطرق والجغرافيا والتركيبة السكانية، وكذلك الجوانب السياسية والاجتماعية والروحية، كما صوروا حلقات الدرس في الحرمين الشريفين والمهاجرين والمجاورين من العلماء من شتى بقاع العالم الإسلامي بشكل عام وعلماء الهند بشكل خاص.
ويوضح الكتاب أنه نتيجة لذلك ظهر في الأدب الأردي فرع خاص بالرحلة إلى الحرمين الشريفين يسمى «أدب الرحلات الحجازية»، ومنها رحلة الشيخ عبد الحق محدث الدهلوي المعروفة باسم «جذب القلوب إلى ديار المحبوب» عام 1589 والتي تعد من أقدم رحلات الحج الهندية التي كتبت باللغة الفارسية في شبه القارة الهندية وقام محمد شفيع مراد آبادي بترجمتها إلى الأردية بعنوان «ديار حبيب».
وبحسب المترجم، كُتبت رحلات الحج الأولى باللغة الفارسية لغة العلم والأدب آنذاك ولغة الحكام المسلمين في الهند، وكان العامة والخاصة يفهمونها بسهولة حيث ظلت اللغة الرسمية في الهند إلى أن سيطر الإنجليز على الحكم هناك فشجعوا اللغة الأردية خاصة عندما أنشأوا كلية «فورت وليم» في كلكتا عام 1800. وكانت أول رحلة باللغة الأردية هي رحلة «الصديق إلى بيت الله العتيق» وكتبها الأمير صديق حسن خان بهوبالي عام 1851. وقد ارتقى أسلوب رحلات الحج الهندية بالتدريج حتى وصل إلى مرحلة أبدع فيها الكاتب أدبا يستحق الاهتمام خاصة إذا كان المؤلف أديبا موهوبا مثل «مولانا عبد الماجد دريا بادي» الذي عبر عن مشاعره وأحاسيسه نحو مكة المكرمة والمدينة المنورة بطريقة تقطر عذوبة، وهو فقيه ومحدث ومفكر وأديب وسياسي.
- أشواق ومشاعر روحانية
ويذكر الكتاب أن «دريا بادي» عرض في رحلته مناسك الحج ووقائعه بالإضافة إلى ما ينتاب الإنسان من عواطف وأحاسيس كما شرح بعض القضايا الفقهية. يقول: «أقلعت الباخرة «أكبر» في الحادية عشرة مساء في يوم الخميس 1929 في شهر مارس (آذار) من ميناء بومباي فيا له من وقت بديع ومتعة حقة عندما تحركت الباخرة، فكيف أصف حركة دقات قلبي؟ إن الشوق إلى زيارة بيت الله يجعل كل مؤمن ومؤمنة سكارى بهذه النشوة ولا يعبأ بأي مشقة أو تعب في سبيل هذا الهدف». وعندما وصل «دريا بادي» إلى مكة المكرمة وبيت الله الحرام وقعت عيناه على الكعبة فيصف هذا المشهد المهيب الذي يراه لأول مرة قائلا: «وظهر لنا المسجد الحرام بحوائطه الأربعة وقد تجاوزنا عدة أبواب من أبوابه حتى وصلنا إلى باب السلام ودلفنا منه حيث يعتقد أنه أفضل أبواب بيت الله الحرام للدخول منه، فما إن يدخل المرء إلى هذه الأرض الطاهرة وهذه البقعة من النور حيث الصلاة الواحدة تعادل فيه مائة ألف صلاة أو على الأقل ألف صلاة. دخلت إليه وعندما وقعت عيناي على ذلك المبنى المغطى بستارة سوداء لم أصدق نفسي ولم تسع السماء فرحتي فهتفت من أعماقي وبصوت عال: بيتنا، فالعين البشرية والبصيرة الإنسانية لا تتحملان حرارة الأنوار والتجليات!».
ويوضح المترجم كيف ظهر عدد كبير من رحلات الحج الهندية بعد عام 1960 وتنوعت أساليبها وموضوعاتها واتجاهاتها، منها رحلة نسيم حجازي «باكستان سي ديار حرم تك» أي «من باكستان إلى ديار الحرم». وكان قد زار مكة المكرمة ضمن وفد رسمي باكستاني ولذلك تتجلى الجوانب السياسية في هذه الرحلة بوضوح، كما تتميز بأسلوب أدبي رفيع لأن نسيم حجازي أديب وروائي وصحافي له مكانة في الأدب الأردي. وقد حفلت الرحلة بمعلومات مهمة عن أسواق مكة والطرق والشوارع وبيت الضيافة الذي أهدته الحكومة السعودية للحكومة الباكستانية في المدينة والاقتصاد والتعليم وتطبيق الشريعة الإسلامية.
ويشير كذلك إلى كتاب الرحلة الحجازية «سفرنامه حجاز» لسلطان داود التي تلقي الضوء على مناسك الحج من منظور تاريخي واجتماعي وديني، وقد اهتمت رحلته بالحالة الاجتماعية للمجتمع المكي والمدني إذ يقول: «أهل مكة طيبون يتوكلون في كل أعمالهم على الله سبحانه وتعالى ولا يعرفون الطمع».
وقد كان للشعر نصيب وافر في رحلات الحج الهندية إلى مكة حيث فاضت قرائح شعراء شبه القارة الهندية بلواعج أشواقهم نحو أم القرى والمدينة المنورة وقبر الرسول والروضة الشريفة. وتعد رحلة الأديب الشاعر ماهر القادري «قافلة الحجاز» من رحلات الحج الشعرية المهمة وقد طبع عام 1955:
«صار الفكر قرينا للخيال
وصار القول مطابقا للعمل بإحسان
لم يعد بين القلب والنظر حجاب».
لقد ظلت مكة المكرمة، كما يضيف المترجم، من أهم مراكز جذب العلماء الهنود بشكل خاص وعلماء العالم الإسلامي من الشرق والغرب على السواء مما جعلها عاصمة للثقافة الإسلامية قديما وحديثا. وقد ضاعف من مكانة مكة الثقافية وريادتها العلمية الموجات المتتالية من الرحلات العلمية التي قام بها علماء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي طلبا للعلم والمجاورة لبيت الله الحرام والتي كانت تستغرق سنوات وأحيانا مدى الحياة. وقد ساهم العلماء المجاورون في وجود مثل هذه الظاهرة الفريدة التي انفردت بها مكة دون غيرها من الحواضر الإسلامية حيث بدأت تستقبل أعدادا كبيرة من الهنود مهاجرين ومجاورين مع نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، وكان لهؤلاء دور بارز في الحركة العلمية في مكة عبر العصور بعد أن صاروا جزءا من النسيج الاجتماعي لسكانها من خلال إنشاء المدارس والكتاتيب والتدريس في الحرم وتأليف الكتب، كما أسس الهنود في مكة المكرمة عددا من الكتاتيب لتعليم الأولاد والبنات ومن أهمها كتاب الشيخ أحمد السوركتي الذي أسسه في مستهل القرن الرابع عشر الهجري.
- وقائع الرحلة
وفي الجزء الثاني من الكتاب، تبدأ وقائع «رحلة إلى الحجاز» كما رواها الرحالة المؤلف الأمير أحمد حسين خان عام 1903. يستهل خان روايته بعدد من الوصايا قائلا: «أيها الأصدقاء الأعزاء هذه الرحلة طويلة وغاية في البعد وقد طويت فيها أكثر من ست أو سبعة آلاف ميل ذهابا، وإيابا وتحملت أنواعا من الصعوبات الجمة برية وبحرية لذا عليك أن تؤدي مثل هذه الاستعدادات في الوقت الذي ترحل فيه عن بيتك وكأنك تودع بيتك نهائيا، وكأنك تحافظ على أموالك المنقولة وغير المنقولة بشكل كامل. وعليك أن تؤدي جميع الحقوق لأصحابها وأن تكتب وصيتك وفقا للقانون وتغلفها في مظروف مسجل عليه خاتم مثلما تفعل في الخطابات المسجلة وإيداعها في صندوق الأمانات لدى المسجل أي القاضي.
من المهم أن تثبت عليها توقيعات الورثة، وتكمن الفائدة المرجوة من هذا النوع من الوصية المكتوبة في مظروف ألا يفشي سرا من أسرارك وستجد المظروف كما هو على حاله يرجع إليك بمجرد عودتك. ولو قدر الله ولم تعد فإن الورثة يعملون بموجبها طبقا للتعليمات والأوامر».
وتكشف مذكرات «خان» عن طبيعة السفر وإجراءات حفظ الأمتعة قديما حيث يقول: «ولو ذهبت من جدة عن طريق رابغ مستقلا الباخرة فسوف تتحاشى التعرض للمخاطر وسيكون الوصول آمنا والحاج الذي يسافر بهذا الطريق يدخر نفقات كثيرة. لا تأخذ معك متاعا كثيرا، وضعه أمانة في مكة المكرمة عند حفاظ الأمانات المعروفين، حيث يستطيع هؤلاء السادة إعداد الترتيبات اللازمة للحفاظ عل أمتعتك في جدة والمدينة المنورة».
وتكشف المذكرات عن الاستعدادات الجيدة التي كانت تتخذها سلطات الحج لضمان راحة الحجيج منذ 117 عاما. يقول «خان»: «في يوم الجمعة 23 أكتوبر (تشرين الأول) 1903 وصلنا بأمان وسلام مع أمتعتنا إلى دار الضيافة حيث الغرف تحوي أسرة مريحة للغاية بها الوسائد والحشايا. وكان هناك رجلا أمن في غاية الحكمة والتروي وقد وجدنا جميع سبل الراحة متوفرة فدورات المياه نظيفة والمحلات أمام دار الضيافة تبيعنا ما نحتاجه بأسعار معقولة».


مقالات ذات صلة

السعودية تطلق «الباقة الشاملة» الإلكترونية لخدمة حجاج الخارج

الخليج إطلاق «الباقة الشاملة» يأتي ضمن الاستعدادات المبكرة لموسم الحج المقبل (واس)

السعودية تطلق «الباقة الشاملة» الإلكترونية لخدمة حجاج الخارج

أعلنت وزارة الحج والعمرة في السعودية، الاثنين، إطلاق «الباقة الشاملة» لحجاج الخارج لموسم (1448هـ).

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج يجمع المؤتمر القيادات وصناع القرار والمختصين لاستعراض الحلول والممارسات وتبادل الخبرات (واس)

خادم الحرمين يرعى «مؤتمر ومعرض الحج 6» نوفمبر المقبل في جدة

يرعى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، النسخة السادسة من «مؤتمر ومعرض الحج» الذي تستضيفه جدة خلال الفترة بين 8 و11 نوفمبر المقبل.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج الأمير سعود بن مشعل مترئساً اجتماع اللجنة الدائمة للحج والعمرة (واس)

«لجنة الحج» السعودية تناقش المشروعات المستهدفة لخدمة ضيوف الرحمن

ناقشت «اللجنة الدائمة للحج والعمرة» السعودية، في اجتماع موسع، الثلاثاء، خطط وترتيبات الجهات لموسم حج هذا العام، والمشروعات والخدمات الجديدة المستهدف تنفيذها.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج تعزيز التكامل والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة بما يمكّن الحجاج من أداء مناسكهم بيسر وطمأنينة (واس)

السعودية تبدأ التحضير المبكر مع 75 دولة لموسم الحج المقبل

بدأت وزارة الحج والعمرة في السعودية عقد سلسلة من الاجتماعات التحضيرية مع مكاتب شؤون الحجاج في أكثر من 75 دولة حول العالم؛ استعداداً لموسم الحج المقبل (1448هـ).

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
يوميات الشرق تهدف «البوابة» إلى تنظيم عمليات التكامل وتوحيد إجراءاتها ضمن إطار موحد (واس)

«الحج» السعودية تطلق «بوابة رقمية» للتكامل بين الجهات المحلية والدولية

أطلقت وزارة الحج والعمرة السعودية، الأربعاء، «بوابة التكاملات» لتكون حلاً رقمياً موحداً لإدارة وتنسيق التكامل مع الجهات الحكومية والخاصة محلياً ودولياً.

«الشرق الأوسط» (جدة)

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم
TT

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

يبدو العصر «التيودوري» واحداً من أبرز عصور التاريخ الإنجليزي حضوراً في الذاكرة، فيه تبلورت القومية الإنجليزية، وتأسست الكنيسة الإنجليزية، وعاش شكسبير. وظل هذا بما امتلأ به من صراعات وتحوّلات سياسية مادةً ثرية للكتب والروايات، غير أن صورته الأشهر بقيت متمركزةً حول الرجال، بينما تراجعت النساء إلى أطراف الحكاية، حتى حين كن شريكاتٍ في صنع أحداثها.

من هذه الفجوة تنطلق الكاتبة الدكتورة عائشة خليل عبد الكريم في كتابها «نساء آل تيودور»، الصادر عن دار «ديوان للنشر» بالقاهرة، معتبرةً أنه من المؤسف أن تبقى أصوات نساء آل تيودور غائبةً في سرديات هذا العصر، وهو ما دفعها لطرح ما تصفه بأنه «سرد تاريخ شعبي عن نساء البلاط الإنجليزي في القرن السادس عشر».

غير أن البحث عن النساء في تاريخ كُتب من مواقع الرجال والسلطة يتجاوز مجرد استعادة أسمائهن؛ فالأصوات الغائبة لا تظهر في الوثائق الرسمية بالصورة نفسها التي تظهر بها قرارات الملوك وحروبهم، لذلك لا تعزل المؤلفة نساءها عن الرجال الذين ظلّوا في بؤرة العرش، وإنما تعيد قراءة السياق بوصفهن أمهات الملوك وزوجاتهم وبناتهم ووريثات تاجهم.

ومن فصل إلى آخر يتغير موقع النظر، حتى تتكون صورة لنساء شاركن في صناعة الشرعية وحفظ السلالة، ودفعن كذلك أثماناً قاسيةً لشروط السلطة، وهكذا يغيّر الكتاب موضع الضوء داخل المشهد؛ ليكشف أن التاريخ الذي حمل أسماء الملوك لم يصنعه الملوك وحدهم.

حرب الوردتين

تبدأ عائشة خليل كتابها بمدخل ذاتي يربطها بـ«آل تيودور»، الذين بدأ تعرفها عليهم من خلال الدراسة والكتب، ثم تابعت حضورهم عبر السنوات في السرديات السينمائية وغيرها، إلى أن قررت اقتراح سردية مغايرة لذلك العصر بالابتعاد عن «سرد الأفعال البطولية للرجال»، والتركيز على نساء «آل تيودور» بوصفهن فاعلاتٍ في الأحداث التاريخية الصاخبة لهذا العصر.

للوصول إلى ما تسميه «وجه التاريخ الغائب»، تستعين عبد الكريم بسجلات البرلمان والبيوت الملكية ووثائق المحاكم ومراسلات السفراء، إلى جانب الكتيبات التي انتشرت مع دخول الطباعة إنجلترا. كما تُوسّع مفهوم الوثيقة ليشمل الموسيقى والبورتريهات وما تكشفه من ملابس وحلي وتفاصيل للحياة اليومية.

تحضر في بنية الكتاب مفارقة لافتة؛ فقد بدأ حكم «آل تيودور» بتدبير امرأة، هي مارغريت بوفورت، وانتهى عصرهم بامرأة أخرى هي حفيدتها إليزابيث الأولى، آخر حكام الأسرة.

لم يكن هنري تيودور، الذي أصبح لقبه «هنري السابع» صاحب حق قوي في التاج؛ إذ جاءت صلته بالدم الملكي من ناحية أمه وعبر نسب غير شرعي لم يكن كافياً لضمان العرش، غير أن والدته مارغريت دعمت تنصيبه، مستفيدةً من الاستنزاف الذي خلّفته «حرب الوردتين» على مدار سنوات طويلة بين عائلتي يورك ولانكستر، لتحوّل احتمال تنصيبه الضعيف إلى مشروع سياسي طموح.

سعت «بوفرت» إلى تزويج ابنها من «إليزابيث» وريثة بيت «يورك» ليجمع الزواج بين بيتَي «لانكستر» و«يورك» المتنازعين، وهكذا تضع مؤلفة الكتاب المرأة التي أدارت مشروع صعود «هنري السابع» في بؤرة الضوء، خاصةً أنها هيأت التحالف الذي منح حكمه شرعيةً لم يكن نسبه كافياً لتوفيرها له.

أما «إليزابيث» من بيت «يورك»، فقد جسدت في شخصها اتحاد البيتَين، ثم أصبحت أمّاً للورثة، وتنتقل المؤلفة من دورها السياسي إلى علاقتها بأبنائها وزوجها، مستعينةً بتفاصيل إنسانية مثل تشابه خط ابنها «هنري الثامن» مع خطها، ما دفع بعض المؤرخين إلى ترجيح أنها دربته بنفسها على الكتابة.

الولادة والسلالة

يتوقف الكتاب عند الصلة القاسية بين الولادة والموت واستمرار السلالة؛ فلم يكن جسد الملكة شأناً خاصاً، إنما تعلقت به شرعية العرش ومستقبل المملكة، فكانت الملكة مطالبةً بإنجاب عدد كبير من الأطفال، لأن نسبةً مرتفعةً منهم لم تكن تنجو، بينما تخاطر بحياتها مع كل مخاض.

وتشير المؤلفة إلى أن نحو خُمس الأطفال في ذلك العصر كانوا يموتون قبل بلوغ الخامسة، وأن امرأةً من كل أربعين كانت تفقد حياتها أثناء الولادة، لذلك كانت النساء يستعددن للمخاض بكتابة الوصايا والاعتراف والتوبة والتناول؛ فالمرأة تدخل غرفة الولادة وهي تستعد لاستقبال طفلها واحتمال موتها معاً.

عاش من أبناء إليزابيث أربعة فقط، وبعد وفاة ابنها الأمير «آرثر» حملت مجدداً، لكنها توفيت عقب ولادة طفلتها الأخيرة. وهكذا تصبح الولادة جزءاً من هندسة السلطة؛ إذ يمكن لموت طفل أو تعثر حمل أن يطلق أزمةً تتجاوز القصر إلى المجالين السياسي والديني.

تتجسد هذه العلاقة بصورة أكبر في حكاية «كاثرين الأرجونية»، ابنة الملكين إيزابيلا وفرديناند، اللذين وحّدا إسبانيا وأنهيا الحكم العربي للأندلس. وقد تلقت كاثرين تعليماً يليق بابنة أسرة ملكية نافذة، وكانت أمها إيزابيلا نموذجاً لملكة حكمت إلى جانب زوجها ورافقت جيوشها.

خُطبت «كاثرين» في طفولتها إلى ولي عهد إنجلترا الأمير «آرثر»، وكان ارتباطها بآل تيودور ضماناً لمنح الأسرة الحديثة في الحكم شرعيةً إضافيةً واتصالاً ببيت ملكي عريق، وبعد وفاة «آرثر» تزوجت شقيقه «هنري الثامن»، وعاشت معه نحو عشرين عاماً قبل أن يتحوّل زواجهما إلى إحدى أشهر أزمات العصر التي تخص السلالة كلها؛ إذ أراد هنري وريثاً ذكراً، وصار فقد زوجته كاثرين للأبناء تباعاً حجةً لفحص صحة الزواج، ثم ذريعة لإنهائه، ومع رفض البابا إبطال الزواج وقع الصدام مع روما، وانفصلت الكنيسة الإنجليزية عن سلطة البابوية.

تكشف حكاية كاثرين كيف تجاوزت دراما الأسرة حدود القصر؛ فتحوّل تعثّر الملكة في إنجاب وريث ذكر إلى أزمة في شرعية الزواج، ثم إلى انقسام ديني غيّر تاريخ إنجلترا، كاشفاً أن أجساد النساء وعلاقاتهن الخاصة لم تكن منفصلة عن السياسة، بل وقعت في قلب تحوّلات الحكم والدين والسلالة.

وإذا كانت مارجريت بوفورت قد مهّدت بدهائها لتأسيس الأسرة «التيودورية»، وساعدت ابنها هنري السابع على اعتلاء العرش، فقد انتهى عصرها مع سليلتها إليزابيث الأولى، حفيدتها الكبرى، التي تصفها المؤلفة بأنها «درة آل تيودور». كانت إليزابيث ابنة هنري الثامن وآن بولين، التي تزوجها الملك في خضم أزمته مع الكنيسة وسعيه إلى إبطال زواجه من كاثرين أراغون، وتلقّت إليزابيث تعليماً رفيعاً، فأجادت اللاتينية والإيطالية والفرنسية إلى جانب الإنجليزية.


«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام
TT

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

صدر حديثاً، عن دار «الرافدين» العراقية، ترجمة كتاب «تاريخ أثرياء العالم»، تأليف المؤرخ والأكاديمي الفرنسي فابريس دالميدا، ويتناول فيه تاريخ الثروة والنفوذ، وكيف تحول المال عبر العصور إلى سلطة تؤثر في السياسة والإعلام، وترجمه إلى العربية لطفي السيد منصور.

الكتاب دراسة معمقة لواقع الأثرياء، ويسعى إلى الكشف عن مكانتهم الحقيقية في تاريخنا، واستكشاف مدى تأثيرهم في تطورنا، وفي تحولات مجتمعاتنا، وطبيعة حياتهم الحقيقية، وإسهاماتهم، والأخطاء التي ربما ارتكبوها، وكيفية تعاملهم مع الإخفاقات، ويوضح أن مشكلة الأثرياء أصبحت أكثر حدةً مع انزلاق الخيالات نحو المبالغة والخلط ونظريات المؤامرة؛ إذ يتصور الناس أن جميع الأثرياء يتصرفون بالطريقة نفسها، مدفوعين بالأنانية والطموح الجامح. إلا أن وراء كل صاحب ثروة طائلة مغامرةً شخصية؛ فبغضّ النظر عن المال لا يوجد اثنان متشابهان.

يهدف الكتاب، حسب مقدمة المترجم، إلى «تقديم تأملٍ حول ماهية الأثرياء حقّاً؛ ففي مواجهة تحدي الشعبوية تُعَدُّ طريقة تعامل أصحاب السلطة معهم أمراً بالغ الأهمية. غالباً ما كانت السياسات المتعلقة بالفقراء هي التي توجه النقاش العام، لكن منذ بضعة عقود أصبح الجميع يتفقون على تعريف (خط الفقر)، وعلى ضرورة توفير الإعانات الاجتماعية لمساعدتهم. في المقابل، لا يوجد إجماعٌ بشأن الثروات الضخمة، إلا أن إدارة هذه الثروات الهائلة وأصحابها لها آثارٌ إيجابيةٌ أو سلبية على الاقتصاد. ولا يمكن التعامل معهم ككتلةٍ واحدةٍ دون مخاطر، فقد أصبحوا فاعلين أساسيين في النظام الاقتصادي؛ لذا علينا التفكير مليّاً في استراتيجيات الضرائب والاستثمار العام، ويجب على الحكومات أن تدرس، على أساس كل حالةٍ على حدة، أفضل الخيارات المتاحة، وفقاً لمجالات العمل وأهميتها للمجتمع، وإلا فإن التوترات بين الشعب ونخبه المختلفة لن تزداد إلا حدَّة».

يُذكر أن المؤلف فابريس دالميدا من أبرز المتخصصين المعاصرين في تاريخ وسائل الإعلام، والدعاية السياسية، والتلاعب بالصور، إلى جانب أبحاثه المعمقة في تاريخ النازية والثقافة السياسية الأوروبية. يعمل أستاذاً للتاريخ المعاصر في جامعة باريس بانتيون آسا (باريس 2). نال عدة أوسمة رفيعة من الدولة الفرنسية تقديراً لإسهاماته العلمية، منها وسام الفنون والآداب (برتبة فارس) عام 2022، ووسام الاستحقاق الوطني الفرنسي عام 2023.

ولطفي السيد منصور، مترجم مصري، من أهم ترجماته: «تقرير بروديك» و«الغسق» للروائي فيليب كلوديل، و«نوتردام النيل» للروائية سكولاستيك موكاسونجا، و«النشوة المادية» لجوستاف ماري لوكليزيو، و«سيكولوجية الحماقة» و«تاريخ عالمي للهراء» من إشراف وتحرير جان فرانسوا مارميون. يعد من أبرز الناشطين في مجال الترجمة عن الفرنسية، حيث ينشر اختياراته المترجمة من الأدب والفلسفة والفكر الفرنسي بانتظام في عدد من الدوريات والمجلات المصرية والعربية.


حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
TT

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة. وتفترض هذه القاعدة المنهجية تشكّل الحروب الكبرى عبر تراكمات من القرارات الاستراتيجية والاشتباكات المحدودة والتحولات السياسية المتعاقبة.

يتبنى الباحث السعودي عبد العزيز العساكر هذا المنطق التحليلي في كتابه المعنون «كيف ساهم تآكل العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية في الأزمة الأوكرانية؟ - دار النخبة للنشر والتوزيع / 2025»، مقدماً دراسة مستفيضة تضع حرب فبراير (شباط) 2022 في نهاية سلسلة ممتدة من التحولات والقرارات وسوء التقدير المتبادل بين موسكو وواشنطن، ومقترحاً قراءة ترى في تدهور العلاقة بين القوتين عنصراً فاعلاً في إنتاج الأزمة، عوض التعامل معه بوصفه أثراً تالياً لها، ناقلاً السؤال من مسؤولية القرار الروسي المباشر بالغزو إلى البيئة الدولية التي جعلت ذلك القرار ممكناً وفق حسابات الكرملين.

يستمد الكتاب متانته المعرفية من خلفيته الأكاديمية في حقل العلاقات الدولية، وتتجلى هذه المتانة في المعمار المنهجي للبحث، وكثافة إحالاته المرجعية المتنوعة في تتبعه لمسار تطور العقيدة السياسية الخارجية الروسية بداءة من حقبة ما بعد الحرب الباردة، مروراً بمرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي في عهد فلاديمير بوتين، رابطاً إياها بمسارات التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي باتجاه الشرق. ويمتد هذا الرصد التاريخي ليشمل محطات مفصلية شكلت نقاط تحول حرجة في جسد العلاقة بين الطرفين، أبرزها الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وصدام جورجيا عام 2008، ومحاولات إعادة ضبط العلاقات في عهد الإدارة الأميركية إبان حقبة الرئيس أوباما، بلوغاً إلى احتجاجات الميدان الأوروبي، وأزمتي القرم ودونباس، وصولاً إلى مرحلة الحشود العسكرية الثقيلة والمفاوضات الأمنية الحاسمة السابقة لحرب 2022. يفلح العساكر في دمج هذه الوقائع المتناثرة داخل نسق تاريخي متصل تتصاعد فيه الهواجس المتبادلة، وتتراجع مساحات الثقة المشتركة، وتتقلص قدرة المؤسسات الدبلوماسية التقليدية على احتواء التباينات الجيوسياسية.

يمثل عام 2004 نقطة ارتكاز مفصلية بالغة الأهمية في هذا المسار التصاعدي، فقد قرأت واشنطن الثورة البرتقالية في كييف تحولاً ديمقراطياً محموداً ومقاربة ناجحة نحو المنظومة القيمية الأوروبية، يقابل ذلك تفسير روسي حاد يعتبر الحدث ذاته اختراقاً غربياً صريحاً للمجال الحيوي السوفياتي السابق، وتهديداً ينذر بانتقال عدوى الثورات الملونة إلى الداخل الروسي.

هنا يلتقط العساكر إحدى أكثر أفكار العلاقات الدولية خصوبة، أي «المعضلة الأمنية» التي تجعل سعي دولة إلى تعزيز أمنها سبباً في تراجع شعور الدولة المقابلة بالأمن. فتوسع الناتو الذي قدمه الغرب باعتباره توسيعاً لمنطقة الاستقرار الأوروبي ظهر أمام موسكو حركة في ميزان القوى تصل تدريجياً إلى حدودها، بينما تحولت الاستجابات الروسية العسكرية والسياسية إلى دليل لدى دول أوروبا الشرقية على حاجتها إلى مزيد من الحماية الغربية. وهكذا دخل الطرفان في حركة جدليّة تنتج أسباب استمرارها بنفسها: توسع غربي يثير القلق الروسي، وسياسة روسية أكثر حزماً تعزز المخاوف الأوروبية، ثم توسع أكبر في البنى الأمنية الغربية يرفع بدوره مستوى القلق الروسي.

يشكل خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 محطة دالة في سردية العساكر؛ لأنه يكشف عن انتقال الاعتراض الروسي من التذمر الدبلوماسي إلى صياغة رؤية متكاملة تعترض على الأحادية الأميركية وطريقة إدارة النظام الدولي بعد الحرب الباردة. ثم كان أن جاءت حرب جورجيا في العام التالي لتمنح هذا التحول مضموناً عسكرياً؛ إذ أظهرت استعداد موسكو لاستخدام القوة عندما ترى ميزان النفوذ في جوارها المباشر مهدداً، كما أظهرت حدود الاستجابة الغربية في تلك المرحلة، الأمر الذي يربطه الكتاب بتطور الثقة الروسية بإمكانية حماية خطوطها الحمراء بوسائل أشد صرامة.

يستند العساكر في تفسير هذه الدينامية إلى «الواقعية الهجومية» عند جون ميرشايمر، التي تفترض نظاماً دولياً فوضوياً تتحرك فيه القوى الكبرى وفق هاجس البقاء وتعظيم القوة ومنع المنافسين من إقامة مواقع متقدمة في مناطقها الحيوية. وبهذا النسق تصبح الحساسية الروسية تجاه أوكرانيا قابلة للقراءة ضمن منطق القوة والمجال الجغرافي وتوازنات الأمن، بدلاً من ربطها حصراً بشخصية بوتين أو الحنين الإمبراطوري الروسي، وهي مساهمة تحليلية مفيدة؛ لأنها تعيد السياسة الروسية إلى بنية دولية أوسع، وتضع السلوكَيْن الأميركي والروسي داخل منظومة واحدة من الحسابات الاستراتيجية.

تتجلى براعة المؤلف الفكرية في تطويع النظريات المتنوعة لاستيعاب تعقيدات الهوية والمكانة التاريخية، جاعلاً من المقاربة البنائية أداة مساعدة شديدة الأهمية للفهم الشامل لتأثيرات انهيار الاتحاد السوفياتي، وصدمة تراجع المكانة الدولية، والروابط السلافية العميقة بين روسيا وأوكرانيا. وهذه مرونة فكرية تحسب للمؤلف؛ لأن النظرية عنده تتحول إلى أداة للفهم أكثر منها قالباً تساق الوقائع نحوه.

يمثل عام 2014 الاختبار الأقسى وراء أطروحة تآكل الدبلوماسية الواردة في عنوان الكتاب. فعملية ضم شبه جزيرة القرم أحدثت قطيعة مؤسسية واسعة النطاق بين واشنطن وموسكو، شملت تعليق مسارات التعاون العسكري والأمني، وتجميد مبادرات الحد من التسلح، ووقف المشاريع المشتركة في مجالات الطاقة والأمن النووي. حوّلت هذه القطيعة الجذرية مسار العلاقة الثنائية لتعتمد كلياً على أدوات الضغط المتبادل والعقوبات الاقتصادية المشددة، متسببة في تلاشي آليات الحوار الفعالة والمنصات المؤسسية الضامنة لاستمرار التواصل وقت الأزمات.

يعيد الكتاب الاعتبار إلى الدبلوماسية بوصفها بنية لإدارة التناقضات قبل أن تصبح وقائع عسكرية يصعب الرجوع عنها

غير أن هذا الاختيار النظري يفتح أيضاً مساحة للاشتباك مع أطروحة الكتاب؛ لأن مفهوم «تآكل العلاقات الدبلوماسية» في العنوان يبدو أحياناً أوسع من المادة التي يقدمها المتن، حيث ينصب الجزء الأكبر من التحليل على توسع التحالفات وميزان القوى والعقوبات والثورات الملونة والتحركات العسكرية والسياسات الداخلية الروسية، بينما كان المفهوم المركزي سيكتسب وزناً تفسيرياً أكبر عبر تحليل أكثر تفصيلاً لآليات الدبلوماسية نفسها: كيف تغيرت قنوات الاتصال بين موسكو وواشنطن؟ وأي مفاوضات تعثرت؟ وأين ضاعت فرص التسوية؟ وكيف انتقلت الرسائل بين الطرفين؟ وأي مؤسسات أو شخصيات لعبت أدواراً في تضييق هوامش الحل؟ فعند هذه النقطة يتحول «التآكل الدبلوماسي» من وصف لمسار العلاقة إلى متغير سببي يمكن قياس أثره بصورة أكثر إحكاماً.

يخصص الكتاب حيزاً تحليلياً مهماً لموقع أوكرانيا بوصفها فاعلاً سياسياً واجتماعياً مستقلاً، متجاوزاً تصويرها كمجرد رقعة شطرنج تتنافس عليها القوى العظمى. فالوقائع أثبتت حيوية المجتمع الأوكراني في صناعة تحولاته السياسية وإعادة صياغة هويته الوطنية وموقعه الجيوسياسي المستقبلي. وعززت الضغوط العسكرية والسياسية الروسية المتعاقبة ميول قطاعات واسعة من الرأي العام الأوكراني نحو التحالف الاستراتيجي مع المنظومة الغربية، وتوطيد الارتباط بمؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما قوّض القاعدة الاجتماعية الداعمة للنفوذ الروسي داخل أوكرانيا، وبدد الحسابات الاستراتيجية المسبقة للكرملين.