قصة ليدز من القمة إلى القاع... والعكس

من نصف نهائي «أبطال أوروبا» إلى «الدرجة الثالثة» وإعلان إفلاسه وبيع ملعبه

ليدز يونايتد يستيقظ من سباته العميق ويعود إلى دوري الأضواء (رويترز)
ليدز يونايتد يستيقظ من سباته العميق ويعود إلى دوري الأضواء (رويترز)
TT

قصة ليدز من القمة إلى القاع... والعكس

ليدز يونايتد يستيقظ من سباته العميق ويعود إلى دوري الأضواء (رويترز)
ليدز يونايتد يستيقظ من سباته العميق ويعود إلى دوري الأضواء (رويترز)

حافظ نادي ليدز يونايتد على مكانته دائماً كنادٍ كبير، رغم الصعوبات والتحديات الكبيرة التي واجهها على مر السنين، وتمكن أخيراً من الصعود مرة أخرى إلى الدوري الإنجليزي الممتاز. وقال أندريا رادريزاني، مالك نادي ليدز يونايتد وقطب حقوق البث التلفزيون الإيطالي الذي استغل أمواله وخبراته لتعيين المدير الفني الأرجنتيني القدير مارسيلو بيلسا على رأس القيادة الفنية للفريق، إن اهتمامه بشراء النادي بدأ عندما قال له المدير الفني الإنجليزي كيني دالغليش خلال مأدبة غداء إن ليدز يونايتد «عملاق نائم» ويحظى بدعم جماهيري هائل.
وكان ليدز يونايتد قد أفرط في الاقتراض بعدما وصل بقيادة المدير الفني الآيرلندي ديفيد أوليري إلى نصف نهائي دوري أبطال أوروبا عام 2001. وبعد الانهيار المالي والهبوط من الدوري الإنجليزي الممتاز بعد ذلك بثلاث سنوات، تحولت أحلام النادي إلى كوابيس. ولفترة وجيزة، بدا الأمر وكأن النادي يتطلع لتحقيق الإنجازات نفسها التي حققها في السبعينيات من القرن الماضي، ليصبح نسخة حديثة من النادي الذي بناه دون ريفي والفريق الذي كونه بعد أن أصبح مديراً للفريق عام 1961. وما يجلب الحزن أن نورمان هانتر وجاك تشارلتون، اللذين كونا شراكة رائعة في خط دفاع الفريق تحت قيادة ريفي، قد رحلا عن عالمنا قبل أن يريا عودة النادي للدوري الإنجليزي الممتاز مرة أخرى.
كما أن العديد من المشجعين الذين عشقوا هذا النادي بسبب هذا الجيل من العظماء قد انتظروا لفترة طويلة جدا حتى يروا الفريق يلعب في الدوري الإنجليزي الممتاز من جديد، حيث مر 46 عاماً على لقب الدوري الذي فاز به النادي تحت قيادة ريفي عام 1974 قبل رحيله لتولي قيادة المنتخب الإنجليزي. وعاد ليدز إلى الدوري الإنجليزي الممتاز بعد ذلك، وفاز بآخر بطولة للدوري الإنجليزي الممتاز بشكله القديم في عام 1992، قبل انفصال أندية دوري الدرجة الأولى لتشكل الدوري الإنجليزي الممتاز بشكله الحالي.
ومر النادي بفترات صعبة للغاية ثم عاد للمسار الصحيح تحت قيادة أوليري، وأصبح بمثابة رمز لعودة كرة القدم الإنجليزية لأمجادها السابقة، قبل أن يقرر مجلس إدارة النادي بقيادة بيتر ريدسديل أن يقترض بشكل كبير لمواكبة التطورات، لكنه بدلا من ذلك لم يتمكن من البقاء في الدوري الإنجليزي الممتاز وهبط لدوري الدرجة الأولى.
وبينما كان الدوري الإنجليزي الممتاز يكتسب قوة أكبر بسبب زيادة عائدات البث التلفزيوني بشكل كبير، كان أنصار ليدز يونايتد يمرون بتجربة مختلفة تماما ويرون ناديهم وهو يعاني من الإفلاس وخصم النقاط، لكنهم لم يتوقفوا يوماً ما عن ترديد الأغنيات التي تعدد أمجاد النادي تحت قيادة ريفي. وعمل جيرالد كراسنر - الذي تولى رئاسة النادي - مع بعض الشركاء على أن يجنبوا النادي مصير الإفلاس، لكن بيع نجوم الفريق لم يكف لتسديد الديون، لذلك قرر النادي إيجار ملعب الفريق أو حتى بيعه، لكنهم وجدوا أنفسهم أيضاً عاجزين عن سداد الديون الهائلة.
وتولى كين بيتس، مالك تشيلسي السابق الذي باعه لرومان أبراموفيتش في عام 2003 وشبه المتقاعد في موناكو، منصب رئيس ليدز يونايتد خلفا لكراسنر في عام 2005، بينما كانت ملكية النادي تؤول لشركة خارجية تدار من سويسرا.
وبعد ذلك بعامين، قلص بيتس ديون النادي، التي كانت آنذاك قد وصلت إلى 38 مليون جنيه إسترليني، من خلال إعلان إفلاس ليدز يونايتد، وهو ما كان يعني تلقائياً خصم عشر نقاط من رصيد النادي، لكن ذلك لم يكن له تأثير فعلي على النادي لأنه كان قد هبط بالفعل لدوري الدرجة الثالثة.
وقام صندوق « فوروارد سبورتس فاند»، وهو الشركة المسجلة نفسها في جزر كايمان التي كانت تملك النادي من قبل، بشراء ليدز يونايتد، وظل بيتس رئيساً لمجلس الإدارة، واحتفظ شاون هارفي بمنصبه كرئيس تنفيذي. لكن النادي بدأ ذلك الموسم وهو مخصوم من نقاطه 15 نقطة، ليتذيل جدول ترتيب دوري الدرجة الثانية، بسبب فشله في الوصول إلى اتفاق مع الدائنين. وبعد ذلك، خضعت الكيانات الخارجية التابعة للنادي لتدقيق مكثف، وقال هارفي، نتيجة ضغط من النائب داميان كولينز خلال تحقيق برلماني بشأن حوكمة كرة القدم في عام 2011، إنه حتى لم يكن يعرف من هم المالكون، حيث كان صندوق «فوروارد سبورتس فاند» مملوكاً لصناديق تقديرية مع عدم الإعلان عن اسم المستفيدين.
وأبلغ ريتشارد سكودامور، الرئيس التنفيذي للدوري الإنجليزي الممتاز آنذاك، لجنة التحقيق بأنه إذا عاد ليدز يونايتد إلى الدوري الإنجليزي الممتاز مرة أخرى، فسيُطلب من النادي تقديم مزيد من التفاصيل بشأن ملكيته أكثر من تلك التفاصيل التي قدمها إلى دوري الدرجة الأولى. وبعد ذلك بوقت قصير، أعلن ليدز يونايتد أن المالكين المجهولين قد باعوا النادي إلى بيتس نفسه، عن طريق شركة مسجلة في جزيرة نيفيس الكاريبية، وهي ملاذ ضريبي آخر.
وفي عام 2013، مع عودة ليدز يونايتد إلى دوري الدرجة الأولى، باع بيتس النادي إلى بيت التمويل الخليجي المملوك للبحرين الذي يتخذ من دبي مقراً له. وقد واجه الملاك الجدد صعوبات كبيرة بسبب العقوبات المالية التي فرضها دوري الدرجة الأولى على النادي، وقرروا بيعه في العام التالي إلى ماسيمو تشيلينو، مالك نادي كالياري الذي كان يلعب في الدوري الإيطالي الممتاز آنذاك.
وحتى قبل أن يستحوذ تشيلينو على النادي، كان مدانا في إيطاليا بتهربه من رسوم الاستيراد على متن يخت، وسعى الدوري الإنجليزي لمنعه من الاستحواذ على ليدز يونايتد، نظرا لأن قواعد اختيار مالكي ومديري الأندية من «الأشخاص المناسبين والصالحين» تعني عدم الموافقة على الأشخاص الذين تمت إدانتهم في الجرائم التي تنطوي على عدم الأمانة. لكن نظراً لأنه لم يكن قد صدر حكم نهائي ضد تشيلينو في هذه القضية، فقد نجح رجل الأعمال الإيطالي في الاستحواذ على النادي بحجة قانونية مفادها بأن هذا النوع من التهرب الضريبي لم يكن بالضرورة خيانة للأمانة.
واستحوذ تشيلينو على النادي رسمياً في أبريل (نيسان) من 2014، لكن تم استبعاده بعد أن صدر حكم ضده وقالت الحيثيات إنه قد خان الأمانة. وبمجرد قضاء الإدانة في إيطاليا، عاد لعمله في النادي وأشرف على فترة شهدت العديد من الاضطرابات وتغيير عدد كبير من المديرين الفنيين. وشهدت تلك الفترة أيضاً قيام تشيلينو بإقالة مسؤولة الرعاية بأكاديمية الناشئين بالنادي، لوسي وارد، التي حصلت لاحقاً على تعويض بقيمة 290 ألف جنيه إسترليني بسبب الفصل التعسفي والتمييز على أساس الجنس.
ورغم كل هذه الصعوبات والمحن، ظلت مكانة ليدز يونايتد، المحفورة منذ عصر ريفي، قائمة كما هي، بالشكل الذي قاله دالغليش لراديزاني، الذي باع شركته الخاصة بحقوق البث التلفزيوني «إم بي آند سيلفا» إلى مستثمرين صينيين مقابل مبلغ مليار دولار، واشترى النادي من تشيلينو، بنسبة 50 في المائة في البداية، قبل أن يشتري الـ50 في المائة الأخرى في مايو (أيار) 2017، عبر شركته السنغافورية «أسير غروب».
وكان تعيين المدير الفني الأرجنتيني المخضرم مارسيلو بيلسا على رأس القيادة الفنية للفريق قبل عامين حاسماً في تطوير شكل الفريق. لكن راديزاني لم يكتف بذلك، حيث قام بإعادة شراء ملعب «إيلاند رود» وأعاد للنادي كبرياءه وتواصله مع جمهوره بشكل رائع. من المؤكد أن تحقيق النجاح في الدوري الإنجليزي الممتاز، الذي تتفاوت فيه القدرات المالية بشكل كبير، سيكون أكثر صعوبة مما كان عليه في دوري الدرجة الأولى بشكله القديم، عندما قاد ريفي الفريق للصعود عام 1964 إلى جانب تشارلتون وهانتر والمجموعة الرائعة من اللاعبين الذين قادوا النادي للحصول على اللقب بعد ذلك بخمس سنوات. لكن الشيء المهم الآن هو أن ليدز يونايتد قد استيقظ من سباته العميق وانتهت الكوابيس!


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.