لا يمكنك أن تشاهد فيلم «يوميات شهرزاد» لمخرجته زينة دكاش، دون أن تخرج منه حاملا جرعة بطولات أنثوية بامتياز. فهذا الفيلم الذي حصد حتى الآن 8 جوائز عالمية، عرض بكاميرا جاذبة وبنص عميق ومتحرر وبأسلوب تصويري سلس، قصص نساء سجينات سردتها صاحباتها في أداء تمثيلي تلقائي وعفوي لافتين رغم أنهن قمن بذلك وهنّ خلف قضبان السجن.
«فاطمة» و«نجوى» و«عفاف» و«باميلا» و«نسرين» وغيرهن شكّلن بطلات هذا الفيلم الوثائقي ومدته 80 دقيقة، تمرّ مشاهده أمامك بسرعة البرق لخلوها من الرتابة ومن حركة كاميرا بطيئة ومن السرد المطوّل. فهؤلاء السجينات لم يتورّعن عن الوقوف أمام الكاميرا واثقات بأنفسهن لعلمهن المسبق بأنهن يشكلّن الفرق في موضوع أي عمل سينمائي آخر. ولعلّ جلسات «العلاج بالدراما» التي خضعن لها مع مخرجة الفيلم لأشهر متتالية قبيل تمثيل الفيلم وقبله في المسرحية التي حملت عنوان «شهرزاد في بعبدا»، ساهمت في تزويدهن بهذا الحضور الأخاذ الذي يتّسمن به منذ اللحظة الأولى لظهورهن أمام الكاميرا.
صحيح أن الفيلم هو من النوع الوثائقي، إلا أن طريقة تقديمه والأسلوب المستخدم في سياق أحداثه هو أقرب إلى رواية موثقة تحكي معاناة نساء لبنانيات وضعتهن ظروفهن الحياتية في مواقف لا يحسدن عليها. فكنّ جريئات في سرد تفاصيلها بعد أن غصن في تجاربهن الذاتية هذه. فبينهن من ارتكبت جرائم قتل واحتيال وتعاطي مخدرات أو المتاجرة فيها وغيرها من الجرائم التي كانت سببا رئيسيا لدخولهن سجن بعبدا للنساء.
وتحكي كل «شهرزاد» بدورها قصتها، والتي تدور إما في كنف والد ظالم أو في أجواء طفولية بائسة أو نتيجة علاقات زوجية فاشلة. وتختلف مشاهد الفيلم ما بين مقاطع من الحياة اليومية في السجن وتمرينات التحضير للعرض المسرحي، إضافة إلى أخرى تلامسك في العمق لا شعوريا عندما تروي بعضهن فيها شهاداتهن الحيّة عن المسار الذي سلكنه حتى وصلن إلى هنا. ولعلّ أهم ما يبرزه هذا العمل هو رغبة «الشهرزادات» الصادقة في التغيير والانخراط من جديد في مجتمع نظيف كما يسمينه.
سجّلت صالة السينما التي تعرض الفيلم وعلى مدى 80 دقيقة، صمتا بالغا من قبل الحضور الذي تابع مجرياته بدقة، وكانت الأصوات أو التعليقات الصادرة عنه لمرات قليلة، لا تتجاوز عبارات مختصرة للتعبير عن مفاجأته بالظروف الحياتية التي أحاطت بالسجينة «نجوى» مثلا، كما لم يتماسك بعض الحضور من البكاء لتأثره بأداء «عفاف» المحترقة بشوق رؤية أولادها من جديد. حتى الضحك كان له مساحته في الفيلم، ولذلك تفاعل الحضور مع مشاهد طريفة لبعض السجينات وأبرزهن «فاطمة» التي استطاعت أن تؤديها بفن وكأنها ممثلة مخضرمة رغم كل المعاناة التي تعيشها.
لم يقتصر الدور النسائي على أداء «الشهرزادات» فقط، كما يحلو لمخرجة الفيلم تسميتهن، بل طال أيضا مديرة التصوير جوسلين أبي جبرايل التي قدّمت مشاهد الفيلم في إطار يقفز إلى عين المشاهد دون استئذان، حتى أنه يشعرك أحيانا وكأنك تشاهد فيلما ثلاثي الأبعاد، للكادرات المدروسة المأخوذة فيه من زوايا مختلفة تلوّنه تقاطعات منوّعة لا تصيبك بالملل. فبين رواية حكاية السجينة ومشاركتها الأخريات خطوات رقصة الفلامينغو المعبّرة، إضافة إلى لوحات مشهدية أخرى تحمل الأسى من ناحية وصرخات من القلب من ناحية أخرى، تشعر بأنك مأخوذ في مشوار لا تعرف نهايته وتدور أحداثه في واقع كنت قبل دقائق قليلة من مشاهدتك الفيلم تعتقد بأنه موجود فقط في خيال كتّاب الأعمال السينمائية.
حقق الفيلم حتى اليوم 8 جوائز عالمية بينها جائزة «صلاح أبو سيف» لأفضل فيلم عربي في مسابقة «آفاق السينما العربية» التي نظمتها نقابة المهن السينمائية في الدورة 36 في مهرجان القاهرة. كما حاز على الجائزة الكبرى الدولية للشريط الوثائقي (URTI) لهذا العام في موناكو (فرنسا). وسجّل في جنيف (سويسرا) جائزة أفضل فيلم وثائقي ضمن المهرجان السينمائي الدولي للفيلم (FIFOG). وغيرها من شهادات تقدير في مهرجان (cinemed) الدولي في مدينة مونبيليه الفرنسية، وجائزة حقوق الإنسان في المهرجان السينمائي (FIDADOC) في مدينة أغادير المغربية.
تقول المخرجة زينة دكاش في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «من خلال هذا الفيلم صرت مقتنعة بأن الدور الذي تلعبه المرأة في المجتمع هو أساسي ومصيري، وأن معظم النساء يتمتعن بنظرة مستقبلية أوسع وأهم من تلك التي يتمتع بها الرجل عادة، فالمرأة هي كائن استثنائي يملك قدرة على التحمل لا حدود لها كما أنها كائن مسؤول من الطراز الأول».
وعلّقت على الجوائز التي حاز عليها الفيلم قائلة: «لا شك أن هذا النوع من الجوائز يحفّزني كما يحفّز أي مخرج سينمائي آخر. فالجائزة هنا تلعب دورا أساسيا تدور في فلك مدى تقدير العمل الذي قمت به وكيفية تلقّفه من المشاهد، وكذلك تعطيك زخما للانطلاق في تجارب سينمائية أو مسرحية جديدة».
ينتهي الفيلم الذي وصف بـ(فيلم المرأة) لهذا العام، بمشاهد تضع الحرية على المحكّ فتستلذّ بطعمها وكأنك بطلها. فنشاهد «فاطمة» تحمل حقيبتها وتودّع صديقاتها في الحبس على أمل أن لا تعود وتلتقي بهن فيه، فيما تمرّ أمامك بسرعة لقطات من حفل زفاف إحداهن التي وقفت لها المخرجة زينة دكاش شاهدة على زواجها، بعد خروجها من السجن، فتبرز قيمة الإنسان الحقيقية في المجتمع تماما كما رغبت المخرجة في إيصالها لنا في منطق سليم لا يبحث عن المساندة لهؤلاء، بل توعية أخريات وتعليمهن حقوقهن الاجتماعية التي فيما لو تسنّى لها معرفتها من قبل لكانت ظروف حياتهن تبدّلت رأسا على عقب.
13:30 دقيقه
«يوميات شهرزاد».. سينما واقعية من خلف قضبان سجن نسائي لبناني
https://aawsat.com/home/article/241271/%C2%AB%D9%8A%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%B4%D9%87%D8%B1%D8%B2%D8%A7%D8%AF%C2%BB-%D8%B3%D9%8A%D9%86%D9%85%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%AE%D9%84%D9%81-%D9%82%D8%B6%D8%A8%D8%A7%D9%86-%D8%B3%D8%AC%D9%86-%D9%86%D8%B3%D8%A7%D8%A6%D9%8A-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A
«يوميات شهرزاد».. سينما واقعية من خلف قضبان سجن نسائي لبناني
المخرجة زينة دكاش: المرأة كائن استثنائي يملك قدرة على التحمل لا حدود لها
مشهد من فيلم «يوميات شهرزاد»
«يوميات شهرزاد».. سينما واقعية من خلف قضبان سجن نسائي لبناني
مشهد من فيلم «يوميات شهرزاد»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

