«لقاحات كورونا»... بين الترحيب والتحذير

تجارب «مودرنا» تدخل مراحلها النهائية هذا الشهر

طبيب يتفقد أحد المتطوعين في برنامج لقاح «أكسفورد» التجريبي بساو باولو الخميس الماضي (رويترز)
طبيب يتفقد أحد المتطوعين في برنامج لقاح «أكسفورد» التجريبي بساو باولو الخميس الماضي (رويترز)
TT

«لقاحات كورونا»... بين الترحيب والتحذير

طبيب يتفقد أحد المتطوعين في برنامج لقاح «أكسفورد» التجريبي بساو باولو الخميس الماضي (رويترز)
طبيب يتفقد أحد المتطوعين في برنامج لقاح «أكسفورد» التجريبي بساو باولو الخميس الماضي (رويترز)

في الوقت الذي تعيد دول عبر العالم فرض إجراءات عزل على مناطق شهدت عودة تفشي وباء «كوفيد - 19»، أحيا تقدم في تجارب لقاح ضد الفيروس الأمل في الحرب المستمرة منذ أشهر ضد هذا العدو غير المرئي. وفيما أعلنت شركة مودرنا الأميركية إحرازها تقدماً ملموساً في التجارب السريرية، حذّر علماء من الإفراط في الأمل، ودعوا إلى ضرورة انتظار نتائج التجارب كاملة، فيما لفت آخرون إلى أن تحديات جديدة تظهر بالتزامن مع دراسة طبيعة فيروس «كوفيد - 19» وتأثيره على الاستجابة المناعية.

- نتائج مشجعة
أعلنت شركة مودرنا الأميركية لصناعة الأدوية، مساء الثلاثاء، أن التجارب السريرية للقاحها لوباء «كوفيد - 19» ستدخل المرحلة النهائية في 27 يوليو (تموز) الحالي، سعياً لمعرفة فعالية هذا اللقاح في حماية الناس من الإصابة. وجاء الإعلان بالتزامن مع نشر نتائج تجارب سابقة أجريت للتثبت من أن اللقاح آمن، ويحفز إنتاج الأجسام المضادة، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية. وستُجرى التجارب السريرية في هذه المرحلة الثالثة والنهائية على 30 ألف متطوّع في الولايات المتحدة، سيتلقّى نصفهم جرعات تبلغ الواحدة منها 100 ميكروغرام من اللقاح، فيما سيتلقّى النصف الآخر دواءً وهمياً.
وسيتابع الباحثون هؤلاء الأشخاص على مدى سنتين لمعرفة ما إذا كان اللقاح آمناً وفعّالاً في منع الإصابة بفيروس «سارس - كوف - 2» المسبب لـ«كوفيد - 19».
كذلك، فإنه في حالة الأشخاص الذين يمكن أن يصابوا بالمرض رغم تلقيهم للقاح، فإن الدراسة ترمي لمعرفة ما إذا كان اللقاح يمكن أن يحول دون ظهور أعراض المرض على هؤلاء المصابين. وحتى إن ظهرت أعراض على أشخاص تم تلقيحهم، فإن هذا اللقاح يمكن أن يعتبر نجاحاً إذا ما منع ظهور إصابات خطيرة بـ«كوفيد - 19». ومن المفترض أن تستمر الدارسة حتى 27 أكتوبر (تشرين الأول) 2022. لكن يرتقب صدور نتائج أولية قبل هذا الموعد بفترة طويلة.
جاء الإعلان بعد وقت قصير على نشر مجلة «نيو إنغلاند جورنال أوف ميديسين» الطبية، نتائج المرحلة الأولى من التجارب السريرية على لقاح «مودرنا»، والتي أظهرت أن أول المشاركين في التجارب، وعددهم 45 شخصاً، ظهرت لديهم أجسام مضادة للفيروس. وتعد شركة مودرنا في طليعة السباق العالمي من أجل التوصل للقاح مضاد للوباء الذي أصاب حتى اليوم أكثر من 13 مليون ونصف مليون شخص في العالم، وأوقع أكثر من 570 ألف وفاة.
ويحذر العلماء من أن اللقاحات الأولى التي ستطرح في الأسواق لن تكون بالضرورة الأكثر فاعلية. وكانت شركة مودرنا قد نشرت في مايو (أيار) «معطيات مؤقتة» في المرحلة الأولى من التجارب السريرية، واعتبر خبير الأمراض المعدية أنتوني فاوتشي النتائج الأولى «مشجعة». وفاوتشي مدير المعهد الأميركي للحساسية والأمراض المعدية الذي يشارك في تطوير اللقاح. لكن بعض الخبراء في مجتمع العلوم قالوا إنهم لن يطلقوا أحكامهم قبل معرفة النتائج الكاملة ومراجعتها، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية. وتقوم تكنولوجيا شركة «مودرنا» القائمة على جهاز الحمض النووي الريبي، على إعطاء الجسم المعلومات الجينية لإطلاق وقاية استباقية من فيروس كورونا المستجد.
وميزة هذه التكنولوجيا هي أنها لا تحتاج لتصنيع بروتينات فيروسية في المختبر. ولم تحصل أي لقاحات قائمة على هذه التكنولوجيا على موافقة من هيئة تنظيمية. وجاءت بحوث سابقة اعتمدت هذه التكنولوجيا بنتائج عكسية، إذ جعلت المتلقين أكثر، وليس أقل، عرضة للإصابة بالعدوى، وفق ما صرح أستاذ العلوم الطبية الحيوية في جامعة كاليفورنيا ريفرسايد لوكالة الصحافة الفرنسية. وقال إن «أحد الأمور التي نريد بالتأكيد التنبه لها، هي معرفة ما إن كان هناك تأثير طويل الأمد يمكن الاستجابة المناعية... من تطوير مناعة تضرّ بالحماية».

- تجارب أولية للقاح روسي
من جهتها، أعلنت روسيا أمس أنها أكملت التجارب السريرية الأولى للقاح تجريبي ضد فيروس كورونا المستجد اختُبر على البشر، على أن تُنجز بالكامل بحلول نهاية يوليو. وأجرت هذه التجارب وزارة الدفاع الروسية ومركز «نيكولاي غاماليا» للأبحاث في علم الأوبئة والأحياء الدقيقة، وقد بدأت في منتصف يونيو (حزيران) في مستشفى عسكري مرموق في موسكو على مجموعة من المتطوعين تتألف بشكل رئيسي من جنود روس، ومن مدنيين. وقالت وزارة الدفاع الروسية، في بيان أمس، إن المجموعة الأولى التي تضم 18 متطوعاً «أنهت مشاركتها وغادرت المستشفى». وكان الهدف الرئيسي للتجربة على هذه المجموعة هو التحقق من سلامة اللقاح وتحمل جسم الإنسان لمكوناته، وفقاً للمصدر نفسه. وقد أمضى المتطوعون 4 أسابيع في المستشفى بعد تلقيهم اللقاح في 18 يونيو حيث خضعوا لفحوصات يومية.
وذكر البيان الصحافي أنه خلال هذه الفترة ظلت وظائفهم الحيوية «في حدود المعدل الطبيعي»، دون «تسجيل أي آثار أو مضاعفات خطيرة غير مرغوب فيها». وقالت سفيتلانا فولتشيخينا، الطبيبة المشاركة في إدارة التجارب، في مقطع فيديو نشرته وزارة الدفاع، إن «مناعتهم جيدة، والأجسام المضادة تتكون في جسمهم ولديهم حماية من الفيروس».
من جهته، قال الجندي يوري الذي شارك في الاختبارات في مقطع الفيديو: «نعرف الآن أننا محميون بنسبة 100 في المائة ولا نخشى الخروج من هنا». وقال البيان إن مجموعة ثانية من المتطوعين تضم 20 شخصاً تلقوا اللقاح التجريبي يوم 23 يونيو، هم حالياً في العزل في المستشفى تحت إشراف طبي. وأضاف أنه من المتوقع أن تكتمل هذه التجربة السريرية على اللقاح بحلول نهاية يوليو.

- ترحيب حذر
نقل تقرير من مجلة «هارفرد بيزنس ريفيو» عن رئيس شركة «ميرك» للأدوية قوله إنه لا توجد ضمانات بأن لقاحات مرض «كوفيد - 19» التي يجري تطويرها ستكون فعالة، وأن من يُقدرون أن لقاحاً سيكون جاهزاً قبل نهاية العام يُلحقون «أذى خطيراً بالرأي العام». وقال الرئيس التنفيذي كينيث فرايزر، في مقابلة نشرت الاثنين، إن اللقاحات المحتملة قد لا تحتوي على الخصائص اللازمة لتوزيعها بسرعة بين أعداد كبيرة من الناس. وقال: «إذا كنت ستوفر لقاحاً لمليارات الأشخاص، فمن الأفضل أن تكون على دراية بما يفعله هذا اللقاح»، كما نقلت عنه وكالة رويترز.
وذكر مسؤول أميركي، الاثنين، أن شركات الأدوية التي دخلت في شراكة مع الحكومة الأميركية تسير على الطريق الصحيح لبدء تصنيع لقاح «كوفيد - 19» بنشاط بحلول نهاية الصيف، حسبما أفادت «رويترز». وتهدف إدارة ترمب إلى إنتاج 300 مليون جرعة لقاح بحلول نهاية عام 2021 من خلال برنامج «وارب سبيد».

- تحديات جديدة
من جهة أخرى، قال علماء، أول من أمس (الثلاثاء)، إن الدلائل التي ظهرت مؤخراً والتي تشير إلى أن الاستجابة المناعية في جسم الإنسان ضد مرض «كوفيد - 19» قد تكون قصيرة الأجل، تطرح تحديات جديدة على مطوري اللقاحات في التوصل لجرعات وقائية تكون قادرة بشكل كامل على حماية الناس. وخلصت دراسات أولية أجريت في الصين وألمانيا وبريطانيا إلى أن المرضى المصابين بفيروس كورونا المستجد يطورون أجساماً وقائية مضادة للفيروس، كجزء من النظام الدفاعي لجهاز المناعة في الجسم، لكن يبدو أن تلك الأجسام لا تظل فعالة سوى بضعة أشهر فقط.
وقال دانييل ألتمان، أستاذ علم المناعة من جامعة «إمبريال كوليدج لندن»، إن «معظم الناس يطورون الأجسام المضادة، إلا أن تأثيرها في الغالب يخبو سريعاً، ما يشير إلى أنه قد لا تكون هناك مناعة تذكر»، وفق وكالة رويترز.
ويقول الخبراء إن ذلك يثير مشكلات كبرى أمام مطوري اللقاحات المحتملة لعلاج «كوفيد - 19»، وأمام سلطات الصحة العامة كذلك ممن يسعون لنشر تلك اللقاحات لحماية رعاياهم من موجات تفشي الوباء في المستقبل. وقال ستيفن غريفين، أستاذ الطب المساعد في جامعة ليدز: «لا يعني ذلك أن الاعتماد الزائد على لقاح (لكبح جماح الوباء) هو أمر غير حكيم». وتابع أنه لكي تكون اللقاحات فعالة في الحقيقة، فإن هناك خيارين «إما الحاجة لتطوير حماية أكثر قوة وأطول أمداً... أو أن يجري الحصول على اللقاح بانتظام».
وتسعى أكثر من 100 شركة وفريق بحثي حول العالم لتطوير لقاحات لمواجهة مرض «كوفيد - 19»، من بينها 17 لقاحاً على الأقل تجري تجربتها حالياً على البشر لاختبار فعاليتها.
وفي تجارب قبل السريرية على الخنازير لرصد تأثير لقاح طوّرته شركة صناعة الأدوية «أسترازينيكا»، بالتعاون مع جامعة «أوكسفورد» لعلاج «كوفيد - 19»، تبين أن جرعتين من اللقاح أسهمتا في استجابة الأجسام المضادة بشكل أفضل من جرعة واحدة. لكن حتى الآن ليست هناك بيانات سجّلتها أي تجارب للقاحات على البشر تظهر ما إذا ما كانت أي استجابة مناعية للأجسام المضادة ستكون قوية أو طويلة الأمد بالقدر الكافي.


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟