نائب مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا: المجتمع الدولي لن يتحمل إخفاقا آخر مثل «جنيف 2»

رمزي قال لـ («الشرق الأوسط») إنه لا يمكن للمنظمة الدولية أن تشارك في عملية تؤدي إلى التقسيم.. ودول كثيرة أعادت حساباتها بعد «داعش»

نائب مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا: المجتمع الدولي لن يتحمل إخفاقا آخر مثل «جنيف 2»
TT

نائب مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا: المجتمع الدولي لن يتحمل إخفاقا آخر مثل «جنيف 2»

نائب مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا: المجتمع الدولي لن يتحمل إخفاقا آخر مثل «جنيف 2»

في الطابق السادس من مقر الأمم المتحدة الأوروبي في جنيف، خصصت مجموعة من المكاتب لـ10 موظفين ضمن فريق مبعوث الأمم المتحدة لسوريا ستيفان دي ميستورا الذي عُين في هذا المنصب في يوليو (تموز) الماضي. إلا أن أعضاء الفريق قليلا ما يوجدون لأكثر من بضعة أيام في جنيف، حيث ينتشرون في مدن مؤثرة على الملف السوري، مما ازداد معه وتيرة العمل لدفع خطة الأمم المتحدة لإنهاء الصراع السوري.
ودي ميستورا، الدبلوماسي الإيطالي الذي خصص أكثر من 4 عقود من عمره للأمم المتحدة، جمع فريقا من دبلوماسيين وخبراء، من ضمنهم 5 أعضاء من الفريق في دمشق. ويعمل الفريق حاليا جاهدا على تقريب وجهات النظر حول تحقيق الخطوة الأولى لخطة دي ميستورا، وهي «تجميد القتال» بهدف خلق ديناميكية جديدة مبنية على خطوات محددة لدفع عملية سياسية لإنهاء الصراع الذي دخل عامه الرابع. ويتحدث نائب مبعوث الأمم المتحدة لسوريا، السفير رمزي عز الدين رمزي، عن بقاء فرصة لحل الأزمة السورية التي يعدها مفتاحا لحل الصراعات المتعددة في المنطقة، وعلى رأسها الاقتتال الطائفي.
ولدى السفير رمزي تاريخ دبلوماسي حافل على مدار 37 عاما في وزارة الخارجية المصرية، حيث شغل منصب وكيل وزارة الخارجية الأقدم، بالإضافة إلى أنه كان سفيرا لدى ألمانيا والنمسا والبرازيل، وكان المبعوث المصري الدائم لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما عمل في بعثات بلاده حول العالم، من ضمنها واشنطن وموسكو، ولدى الأمم المتحدة في نيويورك. ومعرفة هذه الدول والعمل ضمن إطار المنظمات الدولية منحت رمزي خبرة فريدة، قبل تعيينه نائبا للمبعوث الدولي سبتمبر (أيلول) الماضي. وخص السفير رمزي «الشرق الأوسط» بأول مقابلة صحافية يجريها منذ توليه منصبه وقبل توجهه هذا الشهر إلى دمشق للتشاور مع الحكومة السورية. وفيما يلي أبرز ما جاء في الحوار:

* هناك تساؤلات حول جدوى جهود جديدة لإنهاء الصراع في سوريا في الوقت الحالي..
- يجب وضع الأمور في نصابها الصحيح؛ لا بد من التركيز على أن المأساة الإنسانية في سوريا ليس لها مثيل بالتأكيد في القرن الـ21، وربما في الجزء الثاني من القرن الـ20. أكثر من 200 ألف قتيل، و11 مليونا ما بين 3 ملايين لاجئ و7 إلى 8 ملايين نازح، 10 ملايين سوري في حاجة إلى غذاء ولا يحصل عليه بشكل كافٍ. هناك 3 ملايين طفل خارج المدارس؛ فماذا سيكون شكل مستقبل سوريا عندما لا يدخل 3 ملايين طفل المدارس؟ نحن نتكلم عن مستقبل بلد. حجم المأساة في سوريا شيء لا يمكن السكوت عنه. قبل شهر، زرت حمص، ورأيت الدمار. وهنا أتكلم بصفة شخصية، لم أرَ مثيلا لذلك في أي مكان، وأعادني إلى الحرب العالمية الثانية، وصور مدينتي كوفنتري ودريزدن. شيء غير مقبول ولا أعتقد أن المجتمع الدولي يمكنه قبول استمرار هذا الوضع أو تكراره في أي مكان آخر. من سوريين كثيرين، نسمع أن ما حدث في حمص تكرر في مناطق كثيرة أخرى. الأمم المتحدة تقول إن سوريا فقدت نحو 50 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، يعني أنها تحتاج إلى 30 أو 40 سنة لتعود إلى ما كانت عليه، فهذا شيء كافٍ ليحرك المجتمع الدولي ليضع حدا لهذه المأساة. هذا على المستوى الإنساني. الأمر الثاني، انعكاسات الوضع السوري على المنطقة، وبدأنا نرى ذلك. الوضع في العراق تعقّد نتيجة تطورات سوريا، الوضع في لبنان نراه أمامنا. سوريا ليست معزولة، هي دولة مركزية في منطقة الشرق الأوسط، أي شيء يحدث فيها يؤثر في منطقة واسعة جدا. وأعتقد أن العالم أدرك ذلك الآن، وأريد أن أركز على أن هذه ليست فقط مشكلة سوريا أو الشعب السوري فقط، بل بالنسبة للمنطقة كلها. هناك أمر مهم آخر؛ سوريا نموذج للتعايش ما بين الأديان والأعراق، والشرق الأوسط طول عمره هكذا، وإذا أردنا مستقبلا لـ«الشرق الأوسط» فلا بد من الحفاظ على نموذج سوريا، من مصلحة دول المنطقة والعالم للحفاظ عليه. من دون شك، حدثت مشاكل ضخمة ستأخذ سنين لعلاجها، ولكن النموذج يستمر وما زالت هناك إمكانية لإنقاذه.
* ألم نصل إلى مرحلة اللاعودة؟
- أرجو.. لا، لكن نقترب منها سريعا، لذا لا بد من التحرك سريعا وجديا لأن انعكاسات ذلك على مستقبل الشرق الأوسط سيكون رهينا، سياسيا وثقافيا لذلك. لا بد من الحفاظ على هذا النموذج، وليس من مصلحة أي طرف يريد استقرار المنطقة أن يضعف هذا النموذج.
* ما الخطة التي تعملون عليها لإنقاذ هذا النموذج؟
- التحرك المقدمون عليه على مستويين؛ مستوى يتعامل مع المشاكل الآنية، وهنا تأتي فكرة التجميد، والمستوى الآخر على المدى المتوسط، وهو مرتبط بالأفق السياسي. وهذا يحتاج إلى إعداد، وأعتقد أن المجتمع الدولي لا يستطيع أن يتحمل إخفاقا آخر مثل «جنيف 2». لا بد من إعداد الأرضية.
* الجميع يتحدث عن «خطة دي ميستورا»، وكأنها اختُزلت في خطة تجميد القتال في حلب.. لماذا التركيز على حلب وما الخطة الأوسع؟
- أولا أريد أن أتناول تعبير التجميد، هو طبعا ترجمة لكلمة إنجليزية، والتجميد بمفهومنا هو تجميد للقتال، مما يفضي للعملية السياسية. هو ليس تجميدا فقط، بل وقف القتال ما بين الأطراف في نطاق جغرافي محدد، ثم ننتقل إلى عملية إعادة الحياة الطبيعية للمنطقة، فهناك عملية تزيد الديناميكية، بحيث تفضي إلى عملية سياسية. خلال هذه العملية، الشعب يتفاعل ويضغط على الأطراف كلها. في تقديري، نحن وصلنا إلى مرحلة أن هناك تعبا على مستوى الشعب. وأطراف كثيرة، سواء إقليمية وغير إقليمية، وصلت إلى مرحلة أنها تشعر بالخجل لعدم اتخاذ خطوات لوضع الأمور نحو الحل. وصلنا إلى مرحلة أن الظروف الموضوعية، سواء بالنسبة للشعب أو الأطراف الإقليمية والدولية، تتطلب أن ننهي هذا الموضوع بشكل ما. الكل بالطبع يريد أن ينهيه بطريقة تلبي مصالحه، والأمر هو كيف أن تصل إلى «توازن المصالح». كان (رئيس الاتحاد السوفياتي ميخائيل) غورباتشوف يقول إن علينا أن نصل إلى توازن المصالح، وليس توازن القوى. وهذا هو التحدي. نتكلم الآن على التجميد بمفهوم ديناميكي لوقف القتال والانتقال إلى عودة الحياة الطبيعية، ثم إلى عملية سياسية. هناك خلط؛ الكثيرون يتكلمون عن تجميد الصراع، وهذا ليس صحيحا، الأمر هو تجميد القتال ثم عودة الحياة الطبيعية ثم عملية سياسية. وهي ليست محصورة بحلب. نحن اخترنا حلب لبعض الأسباب. حلب هي مجرد البداية، لو بدأت الأمور تتحرك في حلب من الممكن أن ننتقل إلى مناطق أخرى، وأعتقد بشكل سريع. بالطبع، كل منطقة لديها مزاياها، ولكن الخطة ليس محصورة بحلب، إطلاقا.
* لماذا حلب؟
- حلب لأكثر من سبب؛ الدمار الذي حصل في حلب ضخم جدا جدا، ثانيا اليوم داخل حلب عدد لا بأس به من السكان، نتكلم عن مليوني شخص ربما ما زالوا موجودين، ونحو ربع النازحين السوريين في حلب. لنتخيل المأساة الإنسانية التي يمكن أن تحدث هناك في حال تكررت حمص. تكرار حمص في حلب شيء غير مقبول إطلاقا. وهذا ثمن غالٍ جدا كي يدفعه المجتمع الدولي أو أي طرف حتى ممن يشترك فيه (أي القتال). وحلب مدينة تاريخية لديها وضع ومكانة في التراث الإنساني، من السهل أن تجد أطراف كثيرة ارتباطا بها. نحن بحاجة إلى تركيز عليها، المسلم والمسيحي والجميع مهتم بها، حتى الفاتيكان عندما طرحنا حلب قالوا: نعم. حلب أيضا في شمال سوريا، قريبة من الحدود التركية، وفي النهاية تركيا لا بد أن يكون لها دور في التسوية. فكلما تقترب تعطي فرصة أكبر لتركيا، وأتمنى أن تتعاون تركيا مع هذا الوضع بشكل إيجابي. ربما السبب الأهم هو أن «داعش» ليس له وجود داخل حلب؛ «داعش» نحو 15 إلى 20 كيلومترا خارج حلب.
* ليس لدى «داعش» وجود داخل حلب حاليا، ولكن هناك خوف من أنه بينما تقومون باتصالات متعددة لفرض تجميد القتال، يتوغل «داعش» في حلب. الواقع يتغير بينما مشاوراتكم مستمرة، فماذا يحدث إذا استطاع مقاتلو «داعش» دخول حلب؟
- أرجو غير ذلك. حاليا تنظيم «داعش» قوته في سرعة التحرك والسيطرة على الأراضي، ولكن سيطرته الكلية ضعيفة. يتحركون بسرعة ويلجأون إلى أساليب إرهابية لبث الذعر لدى الناس على مساحات كبرى، ولكن عندما يواجهون بقوة عسكرية منظمة، لا يتحملون. يبدو أنهم وصلوا إلى المدى الذي يمكن أن يصلوا إليه، عندما يُضغط عليهم، يكون التعامل معهم أسهل بكثير. ويبدو أنهم وصلوا إلى حدودهم، وفي حال حصل تجميد في حلب، سيجعل الأمر أسهل لتوجيه النار ضد (التنظيم)، من أي طرف، سواء المعارضة المعتدلة أو الائتلاف أو حتى الحكومة (السورية). منعهم من دخول حلب واستقرار الوضع في حلب يسمح بالتعامل مع «داعش» و«جبهة النصرة» بطريقة أفضل. وقد زاد وجود «جبهة النصرة» بعض الشيء في حلب، مما يعقد الأمور، ولكن «داعش» في الخارج، ولا بد من التعامل معهما. وطبقا لقرار مجلس الأمن الدولي، فإن «داعش» و«جبهة النصرة» من المنظمات الإرهابية، ولا بد من التعامل معهما بشكل مختلف تماما عن الجماعات الأخرى، أيا كانت.
* تعددت الأطراف في الصراع السوري. الأمر ليس محصورا بالحكومة السورية والائتلاف المعارض.. إلى أي درجة لديكم ثقة في أن أي اتفاق تبرمونه يمكن أن يصمد مع تعدد الأطراف في حلب أو غيرها من المدن السورية؟
- لنتحدث عن حلب. لدينا مسح دقيق للجماعات الموجودة على الأرض. وسيتم التعامل معهم، الحكومة معروفة ولكن الجماعات الموجودة داخل حلب معروفة أيضا، ومعروف مكان وجودهم، وكيف يمكن التعامل معهم. ما زلنا في بداية المشوار، ولا يوجد أمر مضمون. ولكن هناك ظروفا وكتلة قوية مؤثرة داخل المدينة نفسها مبنية على أن الناس تريد أن تعود إلى حياتها.
* ولكن هناك من يقول إن الأطراف الحكومية باتت متعددة، وإن الحكومة في دمشق لا تملك القدرة على وضع حد لكل الأطراف المقاتلة لصالحها.. فهل يمكن أن تتخذ الحكومة تعهدات ليس عليها بالضرورة الالتزام بها؟
- لا، دعنا نكن واقعيين. أنا على بينة من هذا الرأي. لا يمكن في مثل هذه الأمور أن نتأكد من شيء إلا بعد اختباره. الاختبار هو إجراءات عملية على الأرض، سواء للحكومة أو غير حكومة. الحديث ليس كافيا؛ هناك إجراءات يتم الاتفاق عليها ولا بد من تطبيقها. المبادرة اختبار للكل، كل الأطراف لديها مبادرة يمكنها التعامل معها الآن، وستظهر مدى الجدية.
* بالنسبة لقوى المعارضة داخل حلب، هل الجيش السوري الحر هو الفريق الأقوى بين الجماعات المعارضة؟ مع مَن تتعاملون مِن تلك الجماعات؟
- هناك جماعات إسلامية موجودة على الأرض.
* وقنوات فُتحت مع جميع تلك الجماعات؟
- القنوات مفتوحة منذ زمن، فنحن لا نتعامل مع جبهة النصرة و«داعش» بشكل مباشر، ولكن الباقي كله يتم التعامل معهم. وهناك تواصل بينهم كلهم، لسنا طرفا بذلك، بل لدينا اتصالات منذ زمن، ولا نخفيها. جزء من وظيفة الوسيط أن يكون على مسافة واحدة من كل الأطراف، ما عدا ما يحظره مجلس الأمن.
* بالنسبة للتنفيذ، هل من الممكن تطبيق هذا التجميد قبل نهاية العام؟
- هذا يتطلب تفاؤلا زائدا، هناك تفاصيل كثيرة، لكن مع بداية العام المقبل أرجو أن يكون هناك تقدم. حتى هذا اليوم، لسنا في موقف يمكن فيه التأكيد على تقدم بالفعل. الموقف الأوليّ هو أن الحكومة السورية قررت أن تتعامل بإيجابية مع المقترح، دون تفاصيل. حتى الآن لم نعرض عليها تفاصيل، ولكن هناك موافقة على المبدأ. لم نرَ اعتراضا حقيقيا من أي طرف آخر. هناك بعض الجماعات وضعوا شروطا، البعض يعدها تعجيزية، ولكن لم يكن هناك رفض قاطع. وهذه، كخطوة أولى بالنسبة لوسيط جيدة، يمكن البناء عليها. في هذه المرحلة، لا أريد أن أقول إن الوضع العام يدفعني إلى التفاؤل، ولكن يدفعنا إلى المزيد من الجد لأن الأطراف لم ترفض.
* بالنسبة إلى تنفيذ التجميد في حال وافقت الأطراف المعنية، هناك أفكار بنشر قوات دولية لتضمن «السلام»، في حال تحقق.. هل هذا ممكن؟
- وجود قوات دولية مطروح، ولكن توقيت الدفع بهذه القوات يعتمد على التطورات على الأرض. ربما في المرحلة هذه، ما زال من المبكر. لكن في مرحلة ما، ويجب أن تكون كل الأطراف موافقة عليه، كما يحتاج قرار مجلس أمن، وذلك يتطلب وقتا. وليس لدينا وقت حتى ننتظر مجلس الأمن كي يتخذ قراره. وذلك ليس قبل شهرين. نحن ننظر في بدائل مختلفة، ولكن لا أريد أن أدخل في التفاصيل.
* ولكن ما البدائل في وقت لا توجد فيه أبسط بوادر الثقة بين الأطراف المقاتلة على الأرض؟
- دور الوسيط أن يجد الإطار الذي يمكن أن يولد الثقة من خلال وسائل مختلفة. لا أريد أن أدخل في التفاصيل في هذه المرحلة، ولكن لدينا أكثر من بديل سنطرحها على الأطراف، ليجدوا البديل الذي يتماشى مع مصالحهم. وفي كل الأحوال، نحن نتعامل مع أزمة ليس لها مثيل، وبالتالي تحتاج إلى حلول مبتكرة ومختلفة. في الأزمة السورية، الملكية السورية شيء أساسي في كل المراحل، هم الذين يحاربون وهم الذين يملكون بلدهم. وهذا دور السوريين، وهو شعب مبتكر ونشيط. وظيفة الوسيط أن يجد الإطار الذي يسمح للسوريين بأن يعملوا لصالح بلدهم. نسمع منهم جميعا الرغبة الشديدة في أن ينهوا هذا النزاع، وأن يأخذوا الأمور في مسار التسوية. هناك أمر آخر ومهم جدا، وهو وحدة سوريا. هناك كلام بأن ما يحدث قد يؤدي إلى تقسيم سوريا، إطلاقا، لا يمكن للأمم المتحدة أن تكون شريكا في أي عملية تؤدي إلى التقسيم.
* التقسيم ليس بالضرورة برسم الخرائط، ولكن شبه فعلي بين مناطق تسيطر عليها الحكومة وأخرى للمعارضة، مما قد يؤدي مستقبلا إلى التقسيم.
- إحساسي بأن السوريين لا يرغبون في تقسيم البلاد.. بل العكس. وفي النهاية مصير سوريا يحدده السوريون، لكن التقسيم غير الرسمي أيضا ليس من مصلحة أحد، ومن غير الممكن أن يكون مستداما.
* بالنسبة إلى تصور بعض أطراف المعارضة أن «تجميد القتال» هو فعليا وقف إطلاق نار شبيه بما حدث في حمص، الذي يعدونه استسلاما بعد حصار وتجويع.
- جيد أنكِ سألتِ هذا السؤال. هناك لبس حصل في الصحافة بأن التجميد هو صيغة مختلفة بعض الشيء من حيث الشكل لمصالحات محلية. هناك تحفظات كثيرة على المصالحات المحلية، ولم تكن الأمم المتحدة شريكة فيها في الماضي ولن تكون في المستقبل، مستحيل. نحن نتكلم عن التجميد ضمن عملية ديناميكية تتحرك إلى الأمام وليست بصيغة حمص. حمص شهدت توصل الحكومة مع بعض الأطراف إلى اتفاق، ولم يكن المقترح من الأمم المتحدة، ولم تكن ضمن العملية التفاوضية. وفي نهاية المطاف كان لدينا دور فقط من الناحية الإنسانية، ولكن لم نكن طرفا في التفاوض، وأخذنا موقفا بأن نكون خارج العملية. الأمر هنا مختلف، نحن جزء من العملية وهناك معايير دولية لا يمكن التخلي عنها. التجويع والاستسلام لا يمكن أن نكون طرفا فيه، بل نحاول أن نمنع ذلك. ونخاطب العقلاء في الحكومة والمعارضة لمنع الوصول إلى هذه المرحلة، وما نقدمه مخرج للطرفين؛ وقف سفك الدماء وإعادة الحياة إلى طبيعتها إلى أن يحصل انفراج على المستوى السياسي.
* هناك صعوبة في فهم كيف يمكن وقف الاقتتال في حين أن هناك أطرافا مسلحة وشعورا بالغضب والرغبة بالثأر، بالإضافة إلى من يستفيد من مواصلة الاقتتال. كيف يمكن إقناع هؤلاء بتجميد القتال؟
- هذا هو التحدي، في النهاية يجب اختبار كل الأطراف. بالتأكيد هناك أطراف ليس لها مصلحة في وقف القتال. يهمنا الوصول إلى كتلة قوية من الأطراف التي تسمح بالتقدم وعزل الآخرين. دائما سيكون هناك متطرفون والمخربون، لذلك الموضوع ليس بمفهوم وقف إطلاق النار الكلاسيكي.
* تفاصيل الخطة لم تُطرَح على الحكومة والمعارضة، متى تتوقعون طرحها؟
- خلال أيام.
* هناك تحرك روسي الآن في الملف السوري، هل هذا بموازاة ما تقومون به، هل تدعمونه؟
- طبعا، أي جهد يسهل العملية السياسية مرحب به. نحن على علم، ربما ليس بكل التفاصيل، لكن على علم بالأفكار الروسية. وهدف روسيا تحريك العملية السياسية وفي النهاية المستوى الثاني الذي نعمل عليه هو مستوى العملية التفاوضية. في النهاية، الوضع في سوريا لا بد أن يخضع لتفاوض، فأي شيء يفضي إلى ذلك نحن نرحب به ولكن لا يعني ذلك أننا جزء منه. نراقب ونأمل أن ينجح أي جهد، سواء روسيا أو أي دولة أخرى تقوم به.
* بالنسبة إلى التفاوض مستقبلا؛ هل تتصورون أن يكون أشبه بما حدث في جنيف بداية العام، بين الحكومة والائتلاف المعارض، أم في إطار دولي؟
- ما زلنا في مرحلة وضع اللبنات، شكل عملية التفاوض ليس المشكلة الآن، لكن من الواضح أنه لا بد أن يكون هناك أطراف فاعلة تحيط بالعملية، لا بد أن يكون هناك دعم أو مناخ إقليمي مساعد ومناخ دولي. الوضع في سوريا مثل حركة الساعة المبنية على عجلات مترابطة؛ العجلة الأصغر هي سوريا، ثم العجلة الثانية إقليمية ثم الثالثة الدولية. الثلاث عجلات يجب أن تتماشى معا في الوقت ذاته، وهذا هو التحدي وليس سهلا. العملية بحاجة إلى من يحركها ونحن نقوم بهذا الدور.
* تواصلتم مع أطراف عدة وزيارات شملت واشنطن والقاهرة وغيرها. ولكن زيارة دي ميستورا إلى لبنان ولقاءه مع نائب أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم، وزياراته إلى طهران أخذت الكثير من الانتباه. هل لمستم حسن نية من «حزب الله» وطهران للتهدئة؟
- في كل الدول التي زرناها، وفي كل اتصالاتنا، كان هناك دعم ورغبة للتعامل بإيجابية معنا. وفي زيارة أولى لطهران، في تقديري كانت الرغبة والتأكيد على الحل السياسي واضحين تماما. الشيء الثاني قالوا إنهم على استعداد لدعم جهودنا بجميع الوسائل. ستكون هناك اتصالات أخرى. لقد دخلنا في مرحلة الأفكار - قبل ذلك كان مجرد توجه - وسنناقشها مع جميع الأطراف، بما فيها أطراف لديها نفوذ وتأثير على الوضع السوري.
* هناك دول في المنطقة تقول إن إيران لديها قوات على الأرض تقاتل، ومن لديه قوات على الأرض يعمل ضد الحل السياسي، وهذا كان سببا رئيسيا في عدم إشراك إيران بمؤتمر مونترو عشية مفاوضات «جنيف 2»؛ هل من الممكن لدولة لديها قوات على الأرض تقاتل (ليست مسألة دعم مالي أو سياسي بل قوات) أن يكون لها دور إيجابي؟
- بتقديري استمرار هذا الوضع في سوريا ليس من مصلحة أي طرف، ولا يمكن استدامته. بعد 4 سنوات، الناس استخلصت دروسا كثيرة، وما أراه أن أحد هذه الدروس هي أن الوضع لا يمكن أن يستمر. أعتقد أن أي دولة لديها نفوذ للموجودين على الأرض تعيد حساباتها. موضوع «داعش» كان لديه تأثير على دول كثيرة، وأصبح مثل «الدش البارد» جعل الكل يقول: «ماذا حدث؟». أعتقد أن الناس يعيدون النظر في حساباتهم.. لماذا حصل؟ الذي حصل في العراق، وتغيير الحكومة في بغداد ضمن (المراجعة). هناك أناس تعيد حساباتها مما يشجعنا ويعطينا فرصة للتقدم. وحتى يحدث ذلك لا بد من شيء على الأرض. فبعد ما انتهت «مفاوضات جنيف»، كان هناك جمود، وتطورت الأمور، وظهر «داعش». والتعامل معه يتطلب شيئا عمليا على الأرض يجعل الناس تتعامل بإيجابية. حاليا يضربون «داعش»، ثم ماذا؟ ما النتيجة؟
* هل برأيك قصف «داعش» ساعد في تحسن الأوضاع؟
- صعب القول إذا كان قد ساعد أم لا، ذلك يخضع للأطراف نفسها. لا شك أن وجود «داعش» أحدث ديناميكية جديدة، ثم الرد عليها من خلال بلورة التحالف (ضد «داعش»). عندما تبدأ عمليات عسكرية من الصعب تحديد مسارها، مما يجعل بعض الأطراف تسأل عن انعكاساتها. ربما المنطلق هذا يجعل البعض يقول: لا يمكن استمرار الوضع، مما يحتاج إلى مخرج بمبادرة حقيقية. الروس تقدموا بأفكار، طهران تقدمت بالنقاط الـ4. وأطراف أخرى تقدمت بأفكار، لكن من دون متابعة حقيقية. الأمم المتحدة تقدمت بـ«جنيف 2»، ولم تنجح، فلا بد من مقاربة مختلفة نطرحها بشكل عملي.
* عندما فشلت مفاوضات جنيف، خرج المبعوث السابق الأخضر الإبراهيمي بالقول إنه من دون ضغوط أميركية وروسية لا يمكن النجاح. هل برأيك ما زالت المسألة معتمدة على البلدين؟
- لا، مثلما قلت: الوضع السوري والإقليمي والدولي مترابط. دول المنطقة مهمة جدا جدا، روسيا وأميركا حتى لو اتفقتا، فإن هناك أوضاعا في المنطقة لا تخضع بالكامل لحساباتهما. لا بد أن يكون هؤلاء منخرطين أيضا.. يجب أن يكونوا فاعلين في دعم العملية، ليس فقط مباركتها. ثم إن النظام الدولي تغير، لم نعد في زمن الحرب الباردة، تحكمها روسيا وأميركا. يمكن أن تتفقا لكن في النهاية القوى الإقليمية ربما دورها أهم..
* هنا تعني السعودية وتركيا وإيران؟
- بالتأكيد هذه دول أساسية ولها دور. من المفروض أن ندفعها لأخذ مواقف بناءة لإيجاد حل. هذه أطراف 3 أساسية، والعراق ولبنان والأردن ومصر كلها دول لديها مصلحة أكيدة لإنهاء هذا الوضع. والأمر في النهاية يعود للسوريين. حتى لو اتفق الطرفان (الأميركي والروسي)، هناك حدود لمدى تأثير روسيا وحتى إيران، رغم كل شيء. سوريا في النهاية دولة لها تراث تراكم على مدار القرون، ليست دولة بسيطة تخضع لضغوط هنا وهناك. لنكن واقعيين، الشعب السوري أساسي.
* كونك دبلوماسيا مصريا سابقا، هل ترى دورا لمصر تحديدا في تحريك الملف السوري الآن، خاصة أن مصر بقي موقفها مختلفا بعض الشيء عن غيرها من الدول العربية؟
- أتحدث كمسؤول أممي، ويمكنني القول إن الكل دون استثناء يتطلع إلى دور لمصر.
* كيف ترون هذا الدور؟
- لا يمكنني الدخول في تفاصيل، لكن هناك تطلع لدور، حتى الأطراف السورية معارضة وحكومة، بالإضافة إلى أطراف إقليمية ودولية ترى أن بإمكان مصر أن تقوم بدور مهم. المضمون وتوقيت تفعيله خاضعان لاعتبارات تقررها القاهرة.
* أصبحت قضية بقاء الرئيس السوري بشار الأسد أو تنحيه وكأنها هي المعضلة في مفهوم البعض. هناك من يريده أن يترك الرئاسة في بداية العملية السياسية، وهناك من يقول إن ذلك يأتي بنهاية العملية السياسية.. فما موقفكم من الرئاسة؟
- الأمور بالنسبة لنا واضحة. من يقرر مستقبل سوريا هو الشعب السوري. نحن نعمل على إيجاد المناخ والآليات المناسبة لتسمح للشعب السوري بأن يحدد أو يقرر مستقبله بشكل ديمقراطي. لنكن واقعيين، أي عملية سياسية تبدأ من دون شروط، أيا كانت؛ في النهاية، في البداية، هذا أمر يقرره السوريون.
* وهل تكون آلية الحكم الانتقالي هي المخرج؟
- المرجعية بالنسبة لنا «جنيف 1»، لأن بيان جنيف الوثيقة الوحيدة المقبولة دوليا. وفي الدبلوماسية عندما تكون هناك وثيقة متفق عليها، تصبح مقدسة. وهي المرجعية ونعمل في هذا الإطار العام. موضوع الحكم الانتقالي يأتي في مرحلة لاحقة، هناك خطوات يجب أن تُتخذ قبل الوصول إلى هذا الموضوع. أولا وقف العنف، علينا البدء بذلك ونرى كيف تتطور الأمور. هناك مراحل قبل الوصول إلى المرحلة التي هي ربما الأخيرة في إطار جنيف. لنبدأ أولا برؤية مدى استعداد الأطراف للتعامل مع هذه المبادرة بشكل إيجابي.
* بالنسبة للمساعدات الإنسانية، هناك أزمة حقيقية في التمويل. كيف يمكن التعاطي مع هذه الأزمة كي يكون هناك شعب لإنقاذه؟
- طبعا، يجب أن يكون هناك شعب لإنقاذه. صحيح هناك أزمة مرتبطة بالإمكانيات وبالتمويل ومرتبطة بصعوبة الوصول إلى بعض المناطق، لأن هناك حربا. نحن نعمل على كل هذه الجبهات. وهذا سبب إضافي لكي يعطي العالم أهمية أكبر للمأساة الإنسانية في سوريا. الوضع كارثي حقا. عندما اخترنا حلب، أول أمر فيها سيكون عودة المساعدات الإنسانية. ولكن ليس بحلب فقط؛ عندما ذهبنا إلى حمص سُمح بدخول المساعدات إلى حي الوعر، وتوالى الزخم. فأي تحرك إيجابي في موضوع التجميد في حلب لا بد أن يصاحبه تسهيل القيود وإجراءات بناء ثقة. العالم يريد أن يرى تقدما فاعلا على الأرض لمواصلة منح المساعدات.
* الأجواء في المنطقة تتسم بالطائفية. ورغم أن الأزمة السورية لم تبدأ صراعا طائفيا، فإن هناك تصورا بأننا وقعنا في فخ طائفي من الصعب إيقافه. كيف نعالج هذه الانزلاق؟
- سوريا المفتاح. سوريا اليوم مفتاح وضع المنطقة في المسار السليم، وبالتالي من المهم التركيز على سوريا اليوم، ليس فقط من أجل سوريا، وذلك كافٍ لأن الشعب السوري يمر بمأساة كارثية، ولكن لأن سوريا نموذج التعايش والتعدد وما زال هناك فسحة من الوقت أرجو ألا نتركها تفوتنا. ثمن استمرار الأزمة السورية بأبعادها السياسية والعسكرية والإنسانية ضخم جدا، ولا بد أن الناس تشعر بأن إيجاد حل لها فيه مكاسب أكثر من عدمه. هناك ناس لديها مصالح في استمرار هذا الوضع، إذا كان من اقتصاد الحرب أو غير ذلك، ولكن هذا عدد بسيط ولا بد من إعطائهم البديل وتعظيم الربح من إنهاء القتال. الحل السياسي هو الأساس، ليس هناك مخرج من الأزمة السورية سوى حل سياسي. وتقديرنا أن الكل يدرك ذلك، أما كيف نصل إليه فهذه هي المشكلة.
* الجميع يقول إن الحل سياسي، لكن كل طرف يرى الحل السياسي مختلفا تماما..
- لذلك نبدأ من الأرض، نبدأ من الشعب السوري الذي سيقرر مستقبله. ولكن لا بد أن يتفاعل الشعب مع شيء ملموس.
* ولكن بالنسبة للحكومة السورية كان الحل السياسي الانتخابات الرئاسية الأخيرة.
- عندما تحدثنا مع الحكومة السورية، كانت الأمور واضحة. الحكومة السورية تركز على مكافحة الإرهاب وغير ذلك، وكان موقفنا أنه لا شك في أن الإرهاب مشكلة ضخمة في سوريا وخارج سوريا، ولكن كلنا ندرك أنه لا يمكن التعامل بشكل فعال مع الإرهاب دون تعامل سياسي. وبالتالي الحاجة لعملية سياسية، والحكومة السورية أقرت بذلك؛ بأن التعامل العسكري فقط لا يؤدي إلى الاستقرار. لا بد من عملية سياسية تصاحب ذلك، وتفاصيل تلك العملية ضمن إطار بيان جنيف الجامع.
* بعثتكم هي بعثة الأمم المتحدة، وليست بعثة الأمم المتحدة والجامعة العربية، حيث كانت في السابق بقيادة كوفي أنان والأخضر الإبراهيمي. هل هذا سهّل عملكم؟
- أنا دبلوماسي عربي سابق لا أستطيع أن أقارن بما سبق، ولكن أعتقد أن الأمور لم تختلف كثيرا من حيث أسلوب العمل.
* ولكن لماذا التغيير؟
- يُسأل في ذلك أمين عام الأمم المتحدة، ربما ارتأى أن يكون ذلك أكثر فعالية. ولكن لا علاقة لذلك بالدول العربية، ومن زياراتنا الأولى كانت الكويت رئيسة الجامعة العربية.



بن حبريش لـ«الشرق الأوسط»: حضرموت أمام عهد جديد... ولن نسمح بعودة الإرهاب

الشيخ عمرو بن حبريش وكيل أول محافظة حضرموت (الشرق الأوسط)
الشيخ عمرو بن حبريش وكيل أول محافظة حضرموت (الشرق الأوسط)
TT

بن حبريش لـ«الشرق الأوسط»: حضرموت أمام عهد جديد... ولن نسمح بعودة الإرهاب

الشيخ عمرو بن حبريش وكيل أول محافظة حضرموت (الشرق الأوسط)
الشيخ عمرو بن حبريش وكيل أول محافظة حضرموت (الشرق الأوسط)

بعد نحو 500 يوم أمضاها في الجبال والمرتفعات، عاد الشيخ عمرو بن حبريش، وكيل أول محافظة حضرموت قائد قوات حماية حضرموت، إلى عاصمة المحافظة، المكلا، إيذاناً (على حد تعبيره) ببدء مرحلة جديدة ترسم ملامح مستقبل مختلف للمحافظة الشرقية الأوسع في اليمن.

وفي حوار مع «الشرق الأوسط»، من مقر إقامته بالمكلا المطلّة على بحر العرب، يؤكد بن حبريش أن «حضرموت تعيش اليوم حالة من الاستقرار والطمأنينة، يعزوها بعد توفيق الله إلى صمود أبنائها ومقاومتهم، وإلى الدعم والتدخُّل السعودي الذي جاء في الوقت المناسب».

ويرفض بن حبريش، المعروف في حضرموت بلقب «سلطان الجبل»، رَبْط ما شهدته المحافظة أخيراً بالقضية الجنوبية، معتبراً أن ما جرى «مشروع آخر» لا علاقة له بها، وأنه لم تكن هناك أي مبررات، بحسب وصفه، لدخول عشرين لواءً تابعاً للمجلس الانتقالي الجنوبي واحتلال حضرموت.

وبحسب بن حبريش، فإن الطموح في هذه المرحلة يتمثل في بناء دولة مؤسسات ينصهر الجميع تحت مظلتها، مع احتفاظ حضرموت بخصوصيتها، معلناً التزامه بدمج قوات حماية حضرموت، ضمن مؤسسات الدولة «العادلة».

كما يلفت إلى أن الإرهاب «مصطنع»، ولا حاضنة له في حضرموت، متهماً دولاً خارجية وأطرافاً محلية بتوظيفه لخدمة مصالحها، ومؤكداً في الوقت نفسه الاستعداد للدفاع عن حضرموت ضد الإرهاب بكل أشكاله.

تسليم المعسكرات

وقدّم الشيخ عمرو بن حبريش روايته لما جرى في عملية تسليم المعسكرات التي قادتها قوات درع الوطن، معتبراً أن ما تحقق من «انتصارات» جاء بتوفيق من الله أولاً، ثم بفضل مقاومة أبناء حضرموت على أرضهم، والدعم السعودي والموقف الذي وصفه بـ«الصادق والحاسم» من قيادة المملكة في التوقيت المناسب.

ويقول بن حبريش الذي يشغل أيضاً رئيس حلف حضرموت ومؤتمر حضرموت الجامع، إن هذا الإنجاز لم يكن ليتحقق لولا «الارتباط الحقيقي» بين المجتمع المحلي في حضرموت والمملكة العربية السعودية، مضيفاً أن هذا التلاقي هو ما أفضى إلى ما تعيشه المكلا اليوم من استقرار وأمن، بعد «زوبعات» يرى أنها لم تكن ضرورية منذ البداية.

ويضيف: «لم نكن راضين عن وصول قوات، وما ترتب على ذلك من صراع داخلي واقتتال، لكن بعض الأطراف شعرت بالقوة والنشوة، ولم تترك مجالاً للتفاهم».

ويذهب بن حبريش إلى أن المجلس الانتقالي الجنوبي «دخل بقواته، واحتل المحافظة بشكل كامل»، مؤكداً أن حضرموت «وطن وأرض لأبنائها»، وأن معالجة الأخطاء (إن وُجدت) كان يجب أن تتم بأيدي أبنائها، لا عبر فرض الأمر الواقع بالقوة. ويقول: «كنا مجبرين على المقاومة، تمَّت ملاحقة الناس في بيوتهم وفي الشعاب والقرى، ودُخلت المنازل من دون مبرر. كان تصرفاً خاطئاً ولا داعي له».

محافظ حضرموت سالم الخنبشي خلال استقباله الشيخ عمرو بن حبريش فور وصوله إلى مدينة المكلا (السلطة المحلية)

ما حصل لا يمثل الجنوب

ويحرص الوكيل الأول لمحافظة حضرموت على التمييز بين ما جرى والقضية الجنوبية عموماً، مشدداً على أن هذه التصرفات «لا تُحسب على الجنوبيين كافة». ويضيف: «الجنوبيون إخوتنا، بيننا وبينهم مواقف مشتركة واحترام متبادل. الجميع مظلوم. حضرموت مظلومة والجنوب مظلوم واليمن كله مظلوم، لكن القضايا لا تُحل بإلغاء الآخر أو الاعتداء عليه، بل بالحوار».

قنوات مفتوحة مع السعودية

وفي محور الدعم السعودي، يؤكد بن حبريش أن حضرموت تعيش اليوم حالة من الاستقرار، بفضل الله، ثم بتدخل قيادة المملكة العربية السعودية، ممثلة بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ووزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، ورئيس اللجنة الخاصة، وقيادة القوات المشتركة.

وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان خلال استقباله للشيخ عمرو بن حبريش في وقت سابق (متداول)

وعن التنسيق مع المملكة، يقول إن التواصل يتم «على أعلى المستويات»، عبر قيادة المحافظة والسلطة المحلية، مع وجود قنوات مفتوحة مع التحالف «من دون أي حواجز». ويضيف: «وجدناهم إخوة صادقين، نواياهم طيبة، ونكنّ لهم تقديراً عالياً، ولا نستطيع مجازاتهم».

كما ثمّن مواقف مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت، متسائلاً عن الجدوى الحقيقية لبعض الأطراف من إشعال الصراع. ويرى أن ما جرى «لا يخدم قضية داخلية ولا قضية جنوبية»، بل يتجاوزها إلى «أهداف أكبر غير معلنة»، وهو ما يفسر (برأيه) رفض المجتمع الحضرمي لهذه التحركات.

مرحلة جديدة

ويؤكد بن حبريش أن حضرموت تقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، مستندة إلى طبيعة مجتمعها المعروف بالسلم والحكمة والثقافة، ويقول: «نحن أقوياء، لكننا نميل إلى التواضع والسلم. حضرموت أمام عهد جديد».

مشروع أبو علي الحضرمي

وفيما يتعلق بما عُرف بـ«حملة أبو علي الحضرمي»، يبدي بن حبريش استغرابه من بروز شخصيات «بين ليلة وضحاها»، من دون صفة رسمية، تتحدث عن التنمية والاستقرار وتقود قوات غير نظامية.

ويقول إن الدولة لها مؤسسات وأدوار محددة، «وكل يتحدث في اختصاصه»، مشدداً على أن هذه التحركات تعكس مشروعاً آخر «أكبر من الظاهر»، ولا تصبّ في مصلحة الجنوبيين ولا في مشروع الجنوب، متسائلاً: «هل من مصلحة الجنوب أن تُغزى حضرموت بعشرين لواء؟».

انتهاكات الهضبة

ويستعيد بن حبريش ما يصفه بـ«الانتهاكات» التي وقعت في الهضبة، متحدثاً عن حصار غيل بن يمين، ودخول المنازل، وإطلاق النار داخل البيوت، ونهب الممتلكات، وقطع الطرق، ومنع المواد الغذائية عن المدنيين.

دولة المؤسسات

وفي رؤيته للمرحلة المقبلة، يشدد على ضرورة قيام «دولة مؤسسات» في حضرموت، رافضاً منطق تعدُّد القوى العسكرية خارج إطار الدولة. ويقول إن وزارتي الدفاع والداخلية يجب أن تضما أبناء المحافظة، مع ترسيخ العدالة والقانون والتنمية، محذراً من أن إعادة إنتاج مراكز قوة خارج الدولة ستعيد البلاد إلى مربع الصراع.

ويؤكد بن حبريش استعداد قوات حماية حضرموت للاندماج الكامل في مؤسسات الدولة، موضحاً أن هذه القوات تأسست لمواجهة «غزو سابق». أما اليوم، فالمهمة هي «مهمة دولة»، لكنه يشدد على أن الدولة يجب أن تكون محايدة، لا يهيمن عليها حزب أو مكوّن بعينه.

عناصر من قوات حماية حضرموت التي يقودها الشيخ عمرو بن حبريش (الشرق الأوسط)

الحكم الذاتي

وعن الحوار الجنوبي المرتقب، يصف دعوة المملكة له بأنها «ممتازة» ولا يمكن رفضها، مؤكداً الاستعداد للمشاركة، لكن على أساس أن قضية حضرموت «مستقلة»، مثلها مثل القضية الجنوبية.

ويشير بن حبريش إلى أن مطالب حضرموت بالحكم الذاتي تستند إلى قراءة تاريخية، حيث ضمَّت في مراحل سابقة «قسراً ومن دون استفتاء». ويقول إن الحكم الذاتي هو الحد الأدنى لتمكين حضرموت من بناء نفسها وتوفير الخدمات لمواطنيها، داعياً أبناء حضرموت إلى توحيد الصف، والتنازل لبعضهم بعضاً، وتقديم مصلحة حضرموت على أي اعتبارات فئوية. ويقول: «نتسامح ونفتح صفحة جديدة. لسنا في موقع انتقام. الأهم أن تبقى حضرموت في موقع القرار، لأن من دونها لا تنمية ولا تطوير».

مواجهة الإرهاب

وشدد الشيخ عمرو بن حبريش على أن حضرموت «بيد أبنائها»، وتعيش اليوم حالة من الأمن والاستقرار ضمن محيطها العربي والإسلامي، نافياً وجود أي حاضنة حقيقية للإرهاب في المحافظة.

ويقول: «إذا كان هناك إرهاب؛ فهو إرهاب مصطنع، ولا وجود له اجتماعياً في حضرموت على الإطلاق».

أكد بن حبريش أن حضرموت أمام عهد جديد ولن تسمح للإرهاب بالعودة (الشرق الأوسط)

ويستعيد بن حبريش محطات سابقة ليؤكد هذا الموقف، مشيراً إلى أن المعسكرات سُلّمت في مراحل سابقة من دون قتال، وأن المجتمع الحضرمي بطبيعته يرفض التطرف والعنف، لكنه يحذر في المقابل من توظيف ملف الإرهاب سياسياً، معتبراً أن بعض الأحزاب، عندما لا تكون في موقع السلطة، «تفرّط في كل شيء»، وتفتح الأبواب أمام الفوضى، أو تستدعي الإرهاب ومخاطر أخرى لتبرير مشاريعها.

ويرى بن حبريش أن الإرهاب يُستخدم أحياناً أداة من قبل قوى خارجية وأطراف محلية يمنية، بشكل مباشر أو غير مباشر؛ إما لفرض واقع سياسي معين أو لخلق ذريعة للهيمنة. ويقول: «إما أن يحكموا، أو يتركوا البلاد للفوضى والإرهاب».

ويؤكد في هذا السياق أن أبناء حضرموت، مجتمعاً وسلطة محلية، وبالتنسيق مع المملكة العربية السعودية، «لن يسمحوا بعودة الإرهاب أو اقترابه من المحافظة»، مضيفاً: «نحن مستعدون للدفاع عن بلادنا، أياً كان شكل التهديد أو لونه، ما دام أهل حضرموت متماسكين، ومعهم المملكة، فلن يجد الإرهاب موطئ قدم هنا».

حكاية سلطان الجبل

وحين سألنا الشيخ عمرو عن لقب «سلطان الجبل» الذي يُلازمه في حضرموت، ابتسم، وقال: «الآن سلطان الجبل والسهل»، في إشارة إلى اتساع رمزية اللقب.

وأوضح أن هذه التسمية ليست وليدة اللحظة، بل تعود إلى جذور تاريخية قديمة، حين أطلقها البريطانيون على جده، علي بن حبريش الأول، الذي كان يقود مقاومة محلية، ويسعى لأن يكون لحضرموت موقعها ومكانتها الخاصة في ذلك الوقت.


جهود سعودية مكثفة لتطبيع الأوضاع وتوحيد القوات في جنوب اليمن

اجتماع في محافظة شبوة بحضور الوفد السعودي العسكري (سبأ)
اجتماع في محافظة شبوة بحضور الوفد السعودي العسكري (سبأ)
TT

جهود سعودية مكثفة لتطبيع الأوضاع وتوحيد القوات في جنوب اليمن

اجتماع في محافظة شبوة بحضور الوفد السعودي العسكري (سبأ)
اجتماع في محافظة شبوة بحضور الوفد السعودي العسكري (سبأ)

كثّفت السعودية، عبر تحالف دعم الشرعية في اليمن، تحركاتها العسكرية والأمنية والسياسية في عدد من المحافظات الجنوبية اليمنية، في إطار جهود تهدف إلى تطبيع الأوضاع، وتعزيز الأمن والاستقرار، وتنظيم عمل التشكيلات العسكرية تحت مظلة وزارتي الدفاع والداخلية، بالتوازي مع مساعٍ دبلوماسية داعمة للتهدئة وفتح مسارات حوار حول القضايا الوطنية.

وفي هذا السياق عقد لقاء عسكري تشاوري في ديوان وزارة الدفاع اليمنية بالعاصمة المؤقتة عدن، برئاسة نائب رئيس هيئة الأركان العامة اللواء الركن أحمد البصر سالم، لمناقشة تنفيذ قرارات وتوجيهات القيادة السياسية ممثلة برئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، القائد الأعلى للقوات المسلحة، بشأن وضع وعمل التشكيلات العسكرية.

وضم اللقاء - وفق الإعلام الرسمي - ممثلين عن هيئات العمليات المشتركة، والتشكيلات العسكرية، ومسؤولي وزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة، حيث جرى استعراض الإجراءات المتعلقة بتنظيم وتوحيد عمل القوات ضمن جيش وطني نظامي موحد، يعمل تحت قيادة واحدة وغرفة عمليات مشتركة، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في العاصمة المؤقتة عدن وبقية المحافظات المحررة.

اجتماع للقادة العسكريين اليمنيين في مقر وزارة الدفاع في عدن (سبأ)

وأكد اللواء البصر أن القيادة السياسية والعسكرية تولي هذا الملف اهتماماً بالغاً، بعدّه خطوة محورية في مسار بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، مشدداً على ضرورة الالتزام بالعمل المؤسسي والانضباط العسكري، والعمل تحت مظلة وزارة الدفاع وقيادة هيئة الأركان العامة.

كما شدد على أهمية التنسيق الكامل مع الوفد العسكري للقوات المشتركة لدعم الشرعية، برئاسة اللواء الركن فلاح الشهراني، مستشار قائد القوات المشتركة، بما يضمن تنفيذ التوجيهات الصادرة، وتحقيق الأهداف الأمنية.

من جانبه، أكد اللواء فلاح الشهراني أهمية خروج جميع القوات والمظاهر المسلحة من مدينة عدن، والحفاظ على الطابع المدني للعاصمة المؤقتة، مشدداً على ضرورة إبقاء مطار عدن منشأة مدنية تخدم المواطنين.

وفد سعودي عسكري في عدن لتطبيع الأوضاع الأمنية وتوحيد القوات (إكس)

وقال الشهراني، في تصريح خلال لقائه قيادات التشكيلات العسكرية في عدن، بما في ذلك التشكيلات المحسوبة على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، إن وجود وفد التحالف في عدن يحمل رسالة طمأنة للمواطنين والسلطات المحلية، ويعكس التزام السعودية بدعم الأمن والاستقرار بوصفهما شرطاً أساسياً للانتقال إلى مرحلة جديدة من التنمية والاستجابة لاحتياجات المواطنين.

شبوة والمهرة وسقطرى

في شبوة، ناقش محافظ المحافظة عوض محمد ابن الوزير، مع لجنة عسكرية من قيادة تحالف دعم الشرعية برئاسة العميد الركن عبد الإله العتيبي، أوجه التنسيق المشترك لتعزيز جهود الأمن والاستقرار في المحافظة. بحسب الإعلام الرسمي اليمني.

وخلال اللقاء، الذي حضره الأمين العام للمجلس المحلي عبد ربه هشله، وقادة المحاور والألوية والوحدات الأمنية والعسكرية، ثمّن المحافظ اهتمام قيادة القوات المشتركة بمحافظة شبوة، ودعمها المتواصل لجهود تثبيت الأمن وترسيخ الاستقرار، مؤكداً أهمية تعزيز العمل المؤسسي وتكامل الأدوار بين السلطة المحلية ووزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة.

من جهته، أوضح العميد الركن عبد الإله العتيبي أن مهمة اللجنة العسكرية تتمثل في مساعدة قيادة المحافظة على إعادة ترتيب وتنظيم أوضاع مختلف الوحدات العسكرية والأمنية، وفقاً لتوجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي وقيادة تحالف دعم الشرعية، بما يمكنها من مواصلة دورها في حماية أمن واستقرار شبوة وصيانة سلمها الاجتماعي.

وفي محافظة المهرة، تفقد قائد قوات درع الوطن العميد عبد الله الجدحي، الأوضاع الأمنية في مديرية شحن والمنفذ الحدودي مع سلطنة عمان، واطلع على مستوى الجاهزية والانضباط والتنسيق بين الوحدات الأمنية والجهات المختصة.

وأكد الجدحي أهمية منفذ شحن لكونه أحد المنافذ الحيوية والاستراتيجية، مجدداً التأكيد على جاهزية قوات درع الوطن لتأمين المنفذ، وضمان انسيابية الحركة وتسهيل إجراءات العبور للمواطنين والمسافرين.

سعي رسمي في سقطرى لتطبيع الأوضاع بالتعاون مع قوة الواجب السعودية (سبأ)

وفي محافظة سقطرى، عُقد لقاء موسع برئاسة المحافظ رأفت الثقلي، ضم قيادات السلطة المحلية ومشايخ المراكز السكانية، وناقش الأوضاع العامة وسبل تعزيز الأمن والاستقرار في المحافظة. طبقاً لما أفادت به المصادر الرسمية.

وأكد المحافظ أهمية توحيد الصف وتعزيز الوعي المجتمعي، مرحباً بقوات «درع الوطن» بوصفها قوة وطنية تعمل بإشراف مجلس القيادة الرئاسي وقيادة التحالف العربي بقيادة السعودية.

وأقر اللقاء - بحسب الإعلام الرسمي - تشكيل لجنة خاصة من مشايخ المحافظة للتواصل المستمر مع قيادة السلطة المحلية وقائد قوات الواجب (808)، بهدف تنسيق الجهود ومعالجة أي إشكالات بصورة عاجلة.

حراك سياسي ودبلوماسي

على مستوى التحركات السياسية والدبلوماسية تواصلت لقاءات أعضاء مجلس القيادة الرئاسي مع شركاء اليمن، وفي هذا السياق التقى عضو المجلس عبد الرحمن المحرمي، السفيرة الفرنسية لدى اليمن كاترين قرم كمون.

ونقل الإعلام الرسمي أن المحرمي أشاد بالموقف الفرنسي الداعم لجهود الإصلاحات الاقتصادية والتنموية في اليمن، مؤكداً أهمية تعزيز الشراكة مع المجتمع الدولي في حماية الممرات المائية وخطوط الملاحة الدولية من التهديدات التي تشكلها الجماعات المسلحة.

كما ثمّن المحرمي الدور الذي تضطلع به السعودية في قيادة جهود خفض التصعيد واحتواء التطورات الأخيرة، وحرصها على تثبيت دعائم الأمن والاستقرار في المحافظات المحررة.

وأكد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن التوصل إلى حل عادل ومنصف للقضية الجنوبية، من خلال حوار جامع، يمثل ركيزة أساسية لدعم الجهود الرامية لاستعادة مؤسسات الدولة، وإنهاء الانقلاب الحوثي، مشدداً على أهمية تعزيز الشراكة مع المانحين الدوليين لدعم برامج الإعمار وتحسين الخدمات.

طارق صالح عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني مجتمعاً مع سفير الاتحاد الأوروبي (سبأ)

من جهته، استقبل عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، سفير الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه، وأفاد الإعلام الرسمي بأن اللقاء ناقش آفاق الشراكة بين اليمن ودول الاتحاد الأوروبي، وجهود مجلس القيادة والحكومة لتثبيت الأمن في المحافظات المحررة، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بالإرهاب والقرصنة في البحر الأحمر.

وثمّن عضو مجلس القيادة - بحسب المصادر الرسمية - مواقف الاتحاد الأوروبي الداعمة لليمن ووحدة أراضيه، مشيداً بدوره في إسناد العمليات الإنسانية خلال السنوات الماضية. وأطلع السفير الأوروبي على التطورات الأخيرة في المحافظات المحررة، مؤكداً أن تحسّن الاستقرار يتطلب تعزيز حضور الدولة ورفع كفاءة الخدمات الأساسية. كما أشاد صالح بالدور الذي تضطلع به السعودية، خصوصاً رعايتها للحوار الجنوبي – الجنوبي المرتقب في الرياض.


بعد ترحيل اليهود والبهائيين… الحوثيون يقمعون معتنقي المسيحية

الحوثيون يواصلون اعتقال أكثر من 100 ناشط في محافظة إب (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون اعتقال أكثر من 100 ناشط في محافظة إب (إعلام محلي)
TT

بعد ترحيل اليهود والبهائيين… الحوثيون يقمعون معتنقي المسيحية

الحوثيون يواصلون اعتقال أكثر من 100 ناشط في محافظة إب (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون اعتقال أكثر من 100 ناشط في محافظة إب (إعلام محلي)

بعد سنوات من استهداف الأقليات الدينية في اليمن، صعّدت جماعة الحوثيين من حملتها القمعية لتطول معتنقي المسيحية، في تطور وصفه حقوقيون بأنه «حلقة جديدة» على مسار من الاضطهاد الديني المنهجي.

ووفق مصادر محلية وبيانات حقوقية، فقد نفذت الجماعة خلال الأسابيع الماضية حملات اعتقال واسعة، شملت العشرات من اليمنيين المسيحيين في صنعاء ومحافظات أخرى، بالتوازي مع استمرار احتجاز أكثر من 100 ناشط ومدني في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء).

وأكد «المجلس الوطني للأقليات» في اليمن، وهو كيان حقوقي يضم ممثلين عن الطوائف اليهودية والبهائية والمسيحية والمهمشين، أن الاعتقالات الأخيرة تمثل تصعيداً خطيراً يستهدف حرية الدين والمعتقد، ويقوّض ما تبقى من القيم الإنسانية والقانونية في البلاد، محذراً بأن هذه الممارسات ترقى إلى مستوى «الاضطهاد الديني المنظم».

وأوضح «المجلس»، في بيان وزعه على وسائل الإعلام، أن جماعة الحوثيين، وبعد «استئصال الوجود اليهودي في اليمن، وترحيل رموز الطائفة البهائية، خلال السنوات الماضية، وجّهت بوصلتها القمعية نحو أتباع الديانة المسيحية، في إطار سياسة منظمة تقوم على الإقصاء الديني واستهداف التنوع المذهبي والفكري».

الجماعة الحوثية استهدفت أتباع الديانات الأخرى بالاعتقال والترحيل (إعلام محلي)

وأشار البيان إلى أن الجماعة سبق أن اعتقلت 7 يمنيين مسيحيين، عادّاً ذلك مؤشراً واضحاً على «مسار ممنهج في الاضطهاد، وليس حوادث معزولة». وأضاف أن الاعتقالات التعسفية الأخيرة شملت «مواطنين لا ذنب لهم سوى انتمائهم الديني، في انتهاك صارخ لمبادئ حقوق الإنسان والمواثيق الدولية التي تكفل حرية الفكر والوجدان والمعتقد».

وشدد «المجلس» على أن اليمنيين من أتباع الديانة المسيحية يشكلون جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني، ويتمتعون بالحقوق والواجبات نفسها كسائر المواطنين، وأن استهدافهم بسبب معتقدهم يمثل اعتداءً مباشراً على مبدأ المواطنة المتساوية، وعلى وحدة المجتمع، ويغذي خطاب الكراهية والانقسام.

انتهاك فاضح

ووصف «المجلس الوطني للأقليات» هذه الممارسات بأنها «انتهاك جسيم لحرية الدين والمعتقد، وهي حق أصيل كفلته الشرائع السماوية قبل القوانين الوضعية»، مؤكداً أن «العلاقة بين الإنسان وربه تقوم على الاختيار والضمير الحر، لا على الإكراه والترهيب». وعدّ أن ما تقوم به جماعة الحوثيين يكشف عن زيف شعارات «التعايش» التي ترفعها، و«يفضح التناقض العميق بين خطابها الديني المعلن وسلوكها القائم على الإكراه والعقاب الجماعي على أساس المعتقد».

وأكد البيان أن هذه الممارسات تضع الجماعة في خانة «الجماعات المتطرفة الراديكالية» التي «تستخدم الدين أداة للهيمنة والسيطرة، وتحول الخلاف الديني إلى ذريعة للقمع والاعتقال، وهي أفعال ترقى إلى مستوى الاضطهاد الديني، وتشكل نوعاً من الإرهاب الفكري والعقائدي».

العشرات من عمال الإغاثة يواجهون أحكاماً بالإعدام في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

وفي سياق متصل، حذر حقوقيون بأن تصاعد الانتهاكات لا يقتصر على الأقليات الدينية، بل يشمل أيضاً عمال الإغاثة والناشطين، حيث يواجه العشرات منهم أحكاماً بالإعدام أو محاكمات تفتقر إلى أدنى معايير العدالة في مناطق سيطرة الحوثيين؛ مما يعكس اتساع دائرة القمع وتوظيف القضاء لأغراض سياسية وآيديولوجية.

وطالب «المجلس الوطني للأقليات» في اليمن بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلين المسيحيين، وكل معتقلي الرأي والمعتقد، محمّلاً جماعة الحوثيين المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن سلامة المعتقلين، وعن أي أضرار جسدية أو نفسية قد يتعرضون لها خلال الاحتجاز.

دعوة لمساءلة دولية

ودعا «المجلس» المعني بحقوق الأقليات، الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، والمقررين الخاصين المعنيين بحرية الدين والمعتقد، وكل المنظمات الدولية والإقليمية ذات الصلة، إلى «اتخاذ موقف واضح وحازم، والضغط الجاد لوقف هذه الانتهاكات، وضمان المساءلة وعدم الإفلات من العقاب».

وفي الوقت ذاته، حمّل «المجلس» الحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها دولياً مسؤولية التحرك الجاد للدفاع عن حقوق جميع المواطنين دون تمييز، مطالباً بإدانة صريحة لهذه الانتهاكات، والعمل على إدخال تعديلات دستورية وقانونية تضمن حرية الدين والمعتقد وحرية الضمير، وتكفل حق كل إنسان في اختيار معتقده دون إكراه أو وصاية.

وشدد البيان على أن «حرية الدين والمعتقد ليست امتيازاً تمنحه سلطة سياسية أو دينية، بل حق إنساني أصيل»، وأن «أي سلام حقيقي أو دولة عادلة في اليمن لا يمكن أن تقوم دون ضمان هذا الحق، وتجريم كل أشكال الإكراه الديني، سواء مورست بالسلاح أو بالقانون أو بالضغط الاجتماعي»، محذراً بأن «استمرار الصمت الدولي سيشجع على مزيد من الانتهاكات ويعمّق مأساة اليمنيين».