فالح الحقباني: إنجاز سعود الآسيوي كلفني 300 ألف ريال سنويا

والد البطل السعودي في التنس قال إن استقبال عبد الله بن مساعد لابنه كان يوما تاريخيا

الأمير عبد الله بن مساعد خلال استقباله الحقباني
الأمير عبد الله بن مساعد خلال استقباله الحقباني
TT

فالح الحقباني: إنجاز سعود الآسيوي كلفني 300 ألف ريال سنويا

الأمير عبد الله بن مساعد خلال استقباله الحقباني
الأمير عبد الله بن مساعد خلال استقباله الحقباني

«مولود في منطقة الجزاء»، وصف يطلقه عشاق كرة القدم على المهاجم الهداف، وهذا ينطبق على النجم الناشئ سعود الحقباني المتوج أخيرا ببطولة آسيا للتنس، ولكن بما يتناغم مع هوايته، فعيناه أبصرتا النور وسط أشقاء ثلاثة يمارسون هذه اللعبة في الولايات المتحدة الأميركية حيث تقيم الأسرة هناك منذ سنوات.
الحقباني المولود مطلع الألفية الجديدة في مدينة أثينزو أوهايو الأميركية نشأت علاقة حب بينه وبين كرة التنس مبكرا حتى بات يمارسها ويتابعها بشغف ويعشق نجمها الأول حاليا الإسباني رافاييل نادال الذي يهيم سعود بكل تفاصيله كلاعب بارع في مجاله. ويكشف والده الدكتور فالح الحقباني الذي كان مسؤولا عن برامج اللغة الإنجليزية في الملحقية السعودية في الولايات المتحدة الأميركية نقاطا مهمة عن مسيرة سعود وبداياته وطموحاته المستقبلية عبر حوار خاص لـ«الشرق الأوسط»، حيث أوضح أن ابنه سعود هو امتداد لأبناء عائلته في مجال لعبة التنس الذي تعشق هذه الرياضة بشغف آخرهم ابنته يارا التي تبلغ من العمر 8 سنوات، وتشارك في هذا المجال تحت مظلة الاتحاد الأميركي للعبة التنس. وأشار الحقباني إلى أن استقبال الأمير عبد الله بن مساعد رئيس اللجنة السعودية الأولمبية كان يوما مشهودا في تاريخ التنس السعودي وانعكس إيجابا على معنويات ابنه الذي سارع للانخراط في التدريبات صبيحة يوم وصوله إلى أميركا استعدادا للمشاركة في بطولة فلوريدا.
* بداية، حدثنا عن مسيرة سعود في لعبة التنس، وهل دخوله في هذا المجال جاء برغبة منه أم بتوجيه من أحد؟
- علاقة سعود بلعبة التنس نشأت بعد مشاهدة أشقائه عمار وعبد الرحمن وعبد المجيد يشاركون في منتخب المدرسة بمدينة أثينزو في ولاية أوهايو الأميركية، فكان يحضر التمارين والمباريات، ومنها بدأ يتعلق في التنس وعمره 3 سنوات فقط وبعدها بفترة بسيطة بدأ يمارس اللعبة حتى الآن.
* ماذا تمثل لعبة التنس في يوميات سعود؟ وأين يؤدي تدريباته؟
- التنس هي أسلوب حياة ولعبة مكملة للعملية التعليمية، فهي تضمن العلوم والرياضيات والفيزياء والكيمياء والأدب والاقتصاد والسياسة، وأيضا تعلم الصبر والقتالية والتقليل من الأخطاء، فهي تعادل المدرسة ولكنها تطبيقية، سعود يوميا يتدرب من 3 إلى 4 ساعات، وبحكم عملي في واشنطن العاصمة الأميركية فأنا كنت مسؤولا عن برامج اللغة الإنجليزية في الولايات المتحدة للطلاب السعوديين المبتعثين، ولأن أسرتي كانت تقيم هناك فكان بالقرب من منزلنا نادي سكاي لاين، إضافة إلى ملعبين في الحديقة المجاورة يتدرب فيهما سعود، ولكن بعد تطور مستواه وتقدمه انتقل للتدريب في أكاديمية جامعة ميريلاند.
* ما أول إنجاز حققه؟ وهل هناك مشاركات له بعيدا عن اتحاد التنس؟
- علاقة سعود مع اتحاد التنس بدأت في 2011 وعمره 8 سنوات، أما قبلها فكانت مشاركات سعود في بطولات الاتحاد الأميركي للتنس والتي تكون مجدوَلة بتواريخ معينة، فهناك لديهم تصنيف رائع للاعبين وفقا للفئات العمرية، 10 سنوات و12 حتى 18 سنة، كما أن لديهم منظومة عمل تساعد الناشئين والشباب على خوض مباريات وبطولات لها نقاط معينة ترتقي من خلالها في سلم الترتيب، ففي نهاية كل أسبوع تقام أكثر من 20 بطولة، فأميركا مقسمة إلى 17 قسما، وكل واحد منها له ترتيب محدد ومن ثم ترتيب على مستوى الولايات، وسعود هو المصنف الأول على شرق أميركا منذ أن كان عمره 10 سنوات وحتى الآن وهو يبلغ 12 عاما، وهو من ضمن أفضل 20 لاعبا في الولايات المتحدة الأميركية بصورة عامة، أما في الفئة العمرية الخاصة به فهو من ضمن أفضل 5 لاعبين في العالم، عموما هو يشارك باستمرار ويلعب مباريات كثيرة حتى لا يفتقد الأجواء أما أول بطولاته فكانت في 2007.
* كأسرة للكابتن سعود، ماذا قدمتم له وماذا ترسمون له في المستقبل؟
- الأسرة هي الأساس في كل رياضة فردية، فالاتحادات الرياضية سواء في أميركا أو فرنسا أو إسبانيا لا تتبنى إلا أفضل اللاعبين، لذلك الأسرة هي الركيزة الأهم في حياة اللاعب حتى ينجح في تحقيق الإنجازات، بعدها يبدأ الاتحاد في الصرف على اللاعب، فمثلا في أميركا يقوم اتحاد التنس برعاية أفضل عشرة لاعبين ويرعاهم ويصرف عليهم، بالنسبة إلى سعود هو يحب اللعبة تماما ويعرف كل ما يدور فيها وخفاياها ومن الممكن أن يكون مرجعا لأي شخص يسأل عن لعبة التنس وتاريخها ولاعبيها وبطولاتها، فهو حريص جدا ويخطط بعد أن يبلغ السن القانونية 13 سنة للمشاركة في بطولات الآي تي إف حتى يحصل على تصنيف دولي يؤهله للعب البطولات الكبرى مثل الغراند سلام، وهدفه أن يصبح لاعبا محترفا في هذه اللعبة بدعم من اتحاد التنس السعودي والرئيس العام لرعاية الشباب.
* هل هناك نجم يتابعه سعود بشغف في لعبة التنس؟
- رافاييل نادال يحبه كثيرا، وهو لاعبه المفضل ويحزن تماما إذا خسر، ونادال لاعب قتالي وحماسي، وأعتقد أن محبيه كثر وسعود من بينهم، فهو ذهب لبطولات يشارك فيها في ميامي لأجل حضور مبارياته ومقابلته وفعلا تحقق له ذلك، وهو يتمنى أن يلعب معه أو حتى يدربه بعد الاعتزال، ودائما يقول لنا إذا دربني نادال سأكون المصنف الأول على العالم.
* اتحاد التنس السعودي واللجنة الأولمبية السعودية، أين يقفان في مسيرة سعود؟
- كانت بطولة الخليج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011 التي أقيمت في الدوحة أول مشاركة لسعود مع اتحاد التنس، وكان عمره 8 سنوات، وشارك مع منتخب تحت 12 سنة ولم يخسر، ومن ذلك التاريخ حتى اليوم لم يتعرض لأي هزيمة على مستوى الخليج، وفي ذلك العام شارك سعود برفقة أخيه عمار، وكلاهما حقق أفضل لاعب في الدورة وحصلت السعودية لأول مرة على كأس الخليج لدرجتي الناشئين والشباب، واتحاد التنس الحالي يملك أعضاء من محبي اللعبة، ورئيسه شاب ومتعلم ولديه طموح كبير، فهو قدم دعما ممتازا لسعود، أيضا اللجنة السعودية الأولمبية سجلت سبقا لأول مرة عندما وجه رئيس اللجنة بتكريم سعود ومعاملته معاملة الأسياد وتكريمه شخصيا بعد ساعات من الإنجاز.
* هل هناك تواصل مستمر بين سعود واتحاد التنس بحكم إقامته في أميركا؟
- اتحاد التنس تكفّل بكل ما يتعلق بسعود من تدريبات ومشاركات، فأنا كنت أصرف سنويا ما يقارب 300 ألف ريال (قرابة 54 ألف دولار أميركي)، فتكلفة المدربين عالية.
* وسط الإنجازات التي يحققها سعود، كيف هو المردود من الحافز المادي المفترض من اتحاد التنس واللجنة السعودية الأولمبية؟
- صدقني الجانب المادي يأتي في مرتبة متأخرة في قائمة الأولويات، فكل ما يحتاج إليه سعود وكل لاعبي الرياضات المختلفة هو الدعم والإشادة، الرياضات الأخرى لها بُعد سياسي وسياحي وصحي وتعليمي ولا أعتقد أن أحدا يقدم الجانب المادي عليها، فالشاب يريد من مجتمعه أن يمنحه الفرصة ويرعاه، أيضا هي تشمل جانبا أمنيا، والأمن الذي ذكر في القرآن «أولئك لهم الأمن وهم مهتدون»، فالأمن هنا للاستغراق، وتشمل جميع أنواع الأمن الفكري والاجتماعي والنفسي، فالشاب يحتاج إلى الاهتمام وإبراز منجزه إعلاميا، أما المادة فما يحتاج إليه هو التدريب والمشاركة لأن الألعاب الفردية إذا برز فيها لاعب ستصرف عليه وتعتبر مصدر دخل له، وأنا أتمنى من الجميع عبر منبر «الشرق الأوسط» أن يقدموا الدعم الإعلامي ولو بتغريده عبر «تويتر».
* عمار الشقيق الأكبر لسعود يمارس لعبة التنس، فهل يملك ذات المستوى المميز له؟
- عمار حقق إنجازات أكثر من سعود، لكن الإعلام لم يسلط الضوء عليه، ربما بطولة آسيا كانت تعنى الشيء الكثير، لكن عمار حقق بطولات دولية لم يحقق اتحاد التنس في تاريخه، وحصل على تكريم من نائب رئيس مجلس الوزراء في البحرين ونقلت له مباراة على الهواء مباشرة، أيضا حقق بطولة دولية في الكويت، لكن الإعلام لدينا يهتم بكرة القدم أكثر، عمار يبلغ 16 سنة حاليا ونأمل فيه الكثير وأنه سيكون أول سعودي يلعب في الغراند سلام، وبإذن الله يقابله الأمير عبد الله بن مساعد في مدينة سيدني الأسترالية الذي وعده بذلك كونه سيوجد مع المنتخب.
* كيف ترى نظرة المجتمع السعودي بشكل عام للعبة التنس وللإنجازات التي يحققها سعود؟
- الدعم الإعلامي الأخير والاهتمام الذي حظي به سعود منحاه دفعة معنوية كبيرة، لدرجة أنه بدأ في التدريبات منذ صبيحة اليوم الثاني من وصوله إلى أميركا بعد فراغه من المشاركة في بطولة آسيا الأخيرة، وذلك للاستعداد للبطولة القادمة التي ستقام في فلوريدا. استقبال الرئيس العام لسعود وكلماته أعطته دفعة معنوية لا أحد يتخيلها، فكان دعما جميلا وممتازا لسعود وعمار ولأسرة التنس جميعا، وأنا أعتبر أن الاستقبال يوم مشهود في تاريخ التنس في السعودية، فلعبة التنس كانت محل السمع والبصر قبل 30 سنة، وكانت تنقل مبارياته على الهواء مباشرة ويعلق عليها قامات كبيرة مثل سليمان العيسى، رحمه الله، وكان وزير الحرس الأمير متعب بن عبد الله يلعب نهائي السعودية مع الكريديس، وابني سعود يتمنى مقابلة الأمير متعب كونه أحد أبطال هذه اللعبة في السعودية، فالتنس لعبة لها مكانة كبيرة، والرئيس العام أعاد المكانة إليها، وهي تشابه الفروسية وبينهما جامع كبير، فكلتاهما تحتاج إلى الصبر والقتالية والإقدام وتقليل الأخطاء واحترام المنافس، والرئيس العام فارس كبير بأخلاقه وتكريمه واعترافه بمنجز سعود وحتى هو فارس في شكله، وابني سعود كان يقول لي بعدما ركبنا السيارة إن الأمير عبد الله «طويل القامة» وإرساله سيكون ساحقا، وبالمناسبة الرئيس العام يلعب التنس ويقول إنه عشقها بسبب عمه الأمير عبد الإله بن عبد العزيز، حفظه الله.
* أمر تتمنى تحقيقه في مجال لعبة التنس بالسعودية؟
- أتمنى صادقا أن تنتشر في بلادنا ويرى الزائر للسعودية ملاعب التنس منتشرة في الأحياء والمدن، فهي رياضة متابعة بقوة وحاضرة على مدار العام، فتخيل 4 بطولات غراند سلام و10 بطولات ماسترز و13 بطولة 50 نقطة و50 بطولة 250 نقطة، فهناك 80 بطولة بمعنى كل 4 أيام بطولة، ومن يتأهل لها تكُن ثقافتهم ودينهم وبلدهم موجودة في هذه المحافل، وأتمنى يكون لنا ممثل في غراند سلام التي تحضرها شخصيات سياسية كبيرة، فالبطولات الأربع الكبرى في التنس تعادل الأولمبياد في حضورها الإعلامي، وأنا أتمنى أن تكون موجودة في بلدنا.



من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.

 


هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟
TT

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

تتجه أنظار عشاق الساحرة المستديرة يوم السبت 13 يونيو (حزيران) 2026 صوب ملعب ميتلايف في نيوجيرسي، ليس لمتابعة القمة المونديالية المرتقبة بين البرازيل والمغرب فحسب، بل لرصد ولادة شرارة النجومية الحقيقية لفتى السامبا الذهبي إندريك.

ومع انطلاق منافسات كأس العالم 2026، عاد إلى الأذهان شريط ذكريات مونديال 1994 على الأراضي الأميركية ذاتها، عندما حطّ الفتى النحيل رونالدو نازاريو رحاله كبديل واعد، قبل أن يُصبح المهاجم الأسطوري الأكثر رعباً في تاريخ اللعبة.

اليوم، يجد إندريك نفسه تحت المجهر ذاته، يحمل إرث القميص الأصفر الثقيل وآمال أمة لا ترضى بغير الذهب، وسط تساؤلات ملحة: هل يملك الشاب الموهوب مقومات إعادة زمن «الظاهرة» الجميل؟

إندريك تحت مجهر «المستر»: صناعة البطل بأسلوب أنشيلوتي

لا يمكن فصل الانفجار الكروي المنتظر لإندريك عن وجود المحنك الإيطالي كارلو أنشيلوتي على رأس القيادة الفنية للسيليساو. أنشيلوتي، الذي يشتهر بقدرته الفائقة على ترويض المواهب الشابة وتحويلها إلى قوى ضاربة دون حرق المراحل، يمثل الأب الروحي المثالي لإندريك في هذه المرحلة الحرجة. الفيلسوف الإيطالي يعلم جيداً حجم الضغوطات الإعلامية التي تقارن الفتى برونالدو أو بيليه، لذلك ينتهج معه سياسة «الهدوء الذكي»، مانحاً إياه مساحات حرة للتعبير عن غريزته التهديفية الفطرية دون قيود تكتيكية صارمة قد تكبل موهبته.

يرتكز رهان أنشيلوتي على عقلية إندريك الانضباطية ونضجه المبكر الذي أظهره في فترات الحسم، إذ يرى فيه المهاجم العصري المتكامل القادر على التحرك بين الخطوط، والربط مع أجنحة مرعبة مثل فينيسيوس جونيور ورافينيا. ومع غياب نيمار جونيور عن التشكيل الأساسي في ضربة البداية، تتهيأ المساحة تماماً أمام إندريك ليكون الورقة الرابحة والوجه الجديد للهجوم البرازيلي.

بين عمر الفتى وذكريات «الظاهرة»

يخوض إندريك غمار مونديال 2026 وهو في سن التاسعة عشرة (ولد في 21 يوليو / تموز 2006)، ليُعيد إلى الأذهان شريط ذكريات الأسطورة رونالدو «الظاهرة» الذي وطئت قدماه الملاعب الأميركية في مونديال 1994 وهو ابن 17 ربيعاً فقط. ومع ذلك، تفترق المقارنة الفنية عند عتبة المشاركة الفعلية، فرونالدو تُوّج باللقب العالمي آنذاك دون أن يطأ المستطيل الأخضر لدقيقة واحدة في ظل سطوة الثنائي روماريو وبيبيتو، بينما يدخل إندريك البطولة الحالية كركيزة أساسية مرتقبة وورقة هجومية حاسمة يعول عليها كارلو أنشيلوتي لكسر التكتلات الدفاعية.

التوهج الأوروبي: أرقام الموهبة في الملاعب الفرنسية

رغم أن ملكيته الأصلية تعود لعملاق إسبانيا ريال مدريد، فإن إندريك صقل موهبته هذا الموسم عبر بوابة الإعارة مع نادي أولمبيك ليون الفرنسي منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، حيث بصم على أرقام لافتة تعكس جاهزيته للمونديال، إذ خاض 16 مباراة، نجح خلالها في تسجيل 5 أهداف وصناعة 7 أهداف أخرى (إجمالي 12 مساهمة) في الدوري الفرنسي. لتكون الحصيلة الإجمالية 8 أهداف و8 تمريرات حاسمة في جميع المسابقات بعد تدوينه لهدفين في كأس فرنسا وهدف في الدوري الأوروبي، وكان أبرزها زيارته لشباك باريس سان جيرمان وثنائيته التاريخية الأولى في أوروبا.

ميزان الخصائص: هل يتطابق الفتى مع «الظاهرة» الأصلي؟

حين نضع الخصائص الفنية والظروف التاريخية للنجمين في ميزان المقارنة، نجد تبايناً مثيراً يرسم معالم «الظاهرة الجديدة»، فرغم أن رونالدو نازاريو استُدعي لمونديال 1994 بعمر 17 عاماً فقط حين كان لاعباً في كروزيرو البرازيلي، فإنه ظل حبيساً لدكة البدلاء طوال البطولة دون أن يشارك في أي دقيقة. في المقابل، يدخل إندريك مونديال 2026 وهو في سن 19 عاماً متسلحاً بخبرة الملاعب الأوروبية مع أولمبيك ليون الفرنسي (معاراً من ريال مدريد)، كركيزة أساسية ينتظرها دور محوري. وتكتيكياً، تميز رونالدو الأصلي بالسرعة الانفجارية الخارقة والمراوغة في المساحات الضيقة مع إنهاء أسطوري بالقدمين مستنداً إلى ثقة مطلقة وهدوء بارد أمام المرمى منذ صغره، بينما يمتاز إندريك بالقوة البدنية الهائلة، ودقة التسديد بعيد المدى، والذكاء الحاد في التموقع، مدفوعاً بنضج عائلي كبير وشغف جارف لإثبات ذاته وكتابة مجده الخاص.

طريق الخلود الكروي: شباك «الأسود» بوابته الأولى

إن كتابة الاسم بأحرف من ذهب في تاريخ الكرة البرازيلية تبدأ من ترويض المواعيد الكبرى، وسيكون الدفاع المغربي الحديدي غداً هو الاختبار الحقيقي الأول لإندريك. يدرك المهاجم الشاب أن مواجهة منظومة دفاعية قائدها أشرف حكيمي، ويحرسها ياسين بونو، تتطلب ما هو أكثر من مجرد المهارة، تتطلب دهاءً وحسماً من نصف فرصة. إذا نجح إندريك في فك الشفرة المغربية وقيادة السامبا لمنصات التتويج في هذا المونديال، فلن يكون مجرد «رونالدو جديد»، بل سيصنع سلالته الخاصة كظاهرة كروية خالدة تنطلق من أميركا لتسيطر على العقد المقبل.