50 تجربة سريرية لاستخدام الخلايا الجذعية في علاج «كوفيد ـ 19»

جانب من فحوصات «كورونا» في مطار «جيه إف كيه» الطولي بنيويورك (أ.ف.ب)
جانب من فحوصات «كورونا» في مطار «جيه إف كيه» الطولي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

50 تجربة سريرية لاستخدام الخلايا الجذعية في علاج «كوفيد ـ 19»

جانب من فحوصات «كورونا» في مطار «جيه إف كيه» الطولي بنيويورك (أ.ف.ب)
جانب من فحوصات «كورونا» في مطار «جيه إف كيه» الطولي بنيويورك (أ.ف.ب)

بينما تخوض أكثر من دولة سباقا نحو الوصول إلى لقاحات لفيروس «كورونا المستجد»، المسبب لمرض (كوفيد - 19)، تسعى أكثر من شركة إلى توظيف الخلايا الجذعية الوسيطة في سباق الوصول إلى علاج.
ووفق موقع التجارب السريرية، وهو موقع إلكتروني تديره المكتبة الوطنية لعلم الطب الأميركية، توجد حاليا أكثر من 50 تجربة سريرية لاستخدام الخلايا الجذعية مع المرضى الذين يعانون من (كوفيد - 19)، وجميعها بينهم اختلافات في مصدر تلك الخلايا، إن كان مشتقا من نخاع العظام أو هُلام وارتون، وهو المادة الهلامية المكونة للحبل السري، والدهون، ولب الأسنان، والمشيمة، والأوعية الدموية المحيطة.
بدأت علاجات الخلايا الجذعية لمرض (كوفيد - 19) في الظهور خلال مارس (آذار) وأبريل (نيسان) تحت غطاء تجارب (توسيع نطاق الوصول) التي تتم تحت إشراف إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) خلال الجائحة التي بدأت في مدينة نيويورك وتنتشر الآن في جميع أنحاء أميركا.
وتوسيع نطاق الوصول أو الاستخدام الرحيم هو استخدام عقار أو جهاز طبي مع أشخاص يعانون من حالات خطيرة تهدد حياتهم، ولا يستوفون الالتحاق بالمعايير المتقدمة للتجارب السريرية، والهدف الرئيسي هو إنقاذ حياه هؤلاء المرضى.
وتجمع إدارة الأغذية والأدوية بيانات عن هؤلاء المرضى، والتي يمكن استخدامها لتحفيز المرحلة الأولى من التجارب السريرية أو حتى تمكين البدء في المرحلة 2 أو 3 من التجارب، وهذا ما حدث مع خيار العلاج بالخلايا الجذعية المستمد من النخاع العظمي، الذي تنفذه شركة «ميزوبلاست إينك».
والخلايا الجذعية المتوسطة، المشتقة من نخاع العظام للمتبرعين الأصحاء تستخدم في تجارب إكلينيكية متقدمة لعلاج رفض الأعضاء المزروعة، وهي إحدى أكثر المضاعفات تعقيدا، والتي تظهر بعد إجراء عملية زرع لعضو وخلية جذعية، كما تستخدم لعلاج مرض الانسداد الرئوي المزمن (COPD).
يقول فريد غروسمان، كبير الأطباء في شركة «ميزوبلاست إينك» لموقع «ميدسكيب نيوز الطبي» إنهم يعرضون «آلية واضحة للغاية للعمل تكون منطقية في علاج المرضى الذين يعانون من متلازمة الضائقة التنفسية الحادة من معتدلة إلى شديدة، والمرافقة لمرض (كوفيد - 19)».
ووفقا لجروسمان، فإن الخلايا الجذعية الوسيطية الخاصة بهم تعانق الأوعية الدموية وتفرز هرمونات النمو، «ومن الطبيعي أنهم يدخلون إلى الرئتين، حيث يواجهون «العواصف السيتوكينية» التي تسبب المرض ويسهلون الشفاء».
ومن خلال تجارب «توسيع نطاق الوصول»، استخدم الأطباء هذه الآلية لعلاج 12 مريضا لـ(كوفيد - 19)، والذين كانوا على جهاز تنفس صناعي في مستشفى جبل سيناء بمدينة نيويورك، حيث تلقى المرضى دفعتين من العلاج بفارق 5 أيام، وتمت مراقبة علامات الالتهاب وكذلك وظائف الكبد والكلى، ولكن كان المعيار الأكثر وضوحا هو البقاء على قيد الحياة.
واستغني خمسة وسبعون في المائة (9 مرضى) عن جهاز التنفس الصناعي وخرجوا من المستشفى في نهاية المطاف، وهي نسبة كبيرة عند مقارنتها مع ما يصل إلى 80 في المائة من حالات وفاة مرضى (كوفيد - 19) على جهاز التنفس الصناعي في مدينة نيويورك، وهذه إشارة قوية جداً.
ونظرت إدارة الغذاء والدواء الأميركية في هذه النتائج للموافقة على المرحلة الثالثة من التجربة، والتي تضم الآن 300 مريض في 14 مركزاً.
وقفز هذا العلاج المرحلتين الأولى والثانية بسبب استخدامه المسبق في أمراض أخرى، بما في ذلك علاج مرض الانسداد الرئوي المزمن.
وتستخدم شركات أخرى تجارب «توسيع نطاق الوصول»، لاختبار الخلايا الجذعية، وعلى سبيل المثال، بدأت كلية الطب في جامعة ميامي تجربة خلايا جذعية أخرى مستمدة من الحبل السري مع 24 مريضاً يعانون من المرض في مستشفى كلية الطب بجامعة ميامي.
واستخدمت هذه الخلايا من قبل في التجارب السريرية لعلاج مرض السكري من النوع 1 ومرض ألزهايمر، ويتم تجربتها حاليا مع المرضى الذين يموتون بسبب كوفيد - 19.
وهؤلاء المرضى لديهم متوسط وقت 10 أيام فقط بين الأعراض الأولى والوفاة، وفي الحالات الشديدة، تنخفض مستويات الأكسجين في مجرى الدم، وعدم القدرة على التنفس تدفع المرضى نحو النهاية السريعة، وأي تدخل يمنع هذا المسار سيكون مرغوباً فيه للغاية، وفق كاميلو ريكوردي، مدير معهد أبحاث مرض السكري ومركز زرع الخلايا في جامعة ميامي في بيان صحافي صادر عن الجامعة.
ومن التجارب السريرية الأخرى، تلك التي تتم في مستشفى رنمين بجامعة ووهان بالصين، وتستخدم الخلايا الجذعية من لب الأسنان.
وتلقى 20 مريضاً ثلاث حقن من هذه الخلايا مع 3 أيام بين كل حقنة، وتتتبع الدراسة التي لم تنشر نتائجها بعد، وقت التحسين السريري، ونتائج التصوير المقطعي الرئوي، والعلامات الحيوية، والتأثيرات الجانبية.
ورغم النتائج الإيجابية لبعض هذه التجارب، فإن الدكتور خالد شحاتة، مدرس الميكروبيولوجي بجامعة الزقازيق (شمال شرقي القاهرة) يقول إنها تعتمد على منتج حي، بمجرد دخوله إلى الجسم، لا يمكن السيطرة عليه.
وإذا كانت التجارب أثبتت أنه نجح في السيطرة على رد الفعل المبالغ فيه للجهاز المناعي «العاصفة الخلوية» أو عاصفة السيتوكين، فإن التأكد من أنه لن يسبب الإفراط في قمع المناعة يحتاج إلى انتظار بعض الوقت.
ويقول: «الإفراط في قمع المناعة يجعل المريض أقل قدرة على محاربة العدوى، ويجب أن تصل طرق تعديل المناعة إلى نقطة وسط لا تحتوي على حصانة مفرطة أو قليلة جداً».
ويضيف «مثل جميع علاجات (كوفيد - 19) المحتملة الأخرى، سيخبرنا الوقت إذا كانت فاعليتها مؤكدة أم لا».


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟